الفصل الثالث: وضع المهارات في صميم التعلم
يعيد تقديم اكتساب المهارات في صدارة التعلم صياغة دور الشهادات، ويعيد توجيه سياسات التعليم نحو ثلاثة أبعاد مترابطة يقوم عليها تحليل هذا الفصل. فأولاً، تعزز مقاربات المهارات أولاً قدراً أكبر من التفصيل والتجزئة، إذ تتعامل مع الشهادات بوصفها أطراً تنظيمية تجمع مهارات محددة بوضوح، وتقدم الوحدات الدراسية والشهادات المصغرة أمثلة عملية على ذلك. وثانياً، تعزز هذه المقاربات التركيز على مخرجات التعلم، فتحسّن المواءمة بين العروض التعليمية والاحتياجات المتطورة لسوق العمل. وثالثاً، يتجاوز التعلم القائم على المهارات أولاً فكرة التعليم بوصفه نقطة نهاية ثابتة، ويضع تنمية المهارات بدلاً من ذلك في إطار عملية مستمرة على امتداد الحياة، تتشكل بفعل التفاعل بين مقدمي التعليم وأصحاب العمل والسلطات العامة.
باختصار
ينبغي أن يعاد تمحور التعليم والتدريب حول المهارات لدعم التعلم مدى الحياة
تتطلب مواءمة منظومات تعليم البالغين مع احتياجات سوق عمل قائم على المهارات أولاً الانتقال إلى نموذج تُبنى فيه المؤهلات بوصفها حزماً واضحة من المهارات يمكن اكتسابها والاعتراف بها وتحديثها تدريجياً على امتداد الحياة.
ويوفر التعليم القائم على الوحدات الأساس لمسارات تعلم تدريجية ومخصصة. فمن خلال هيكلة العروض التعليمية في وحدات منفصلة ذات مخرجات محددة بوضوح، تستطيع المنظومات تمكين المتعلمين من التقدم وفق إيقاعهم الخاص، والحد من المخاطر المرتبطة بالبرامج الطويلة، وتعزيز الاعتراف بالتعلم السابق. غير أن هذه المكاسب لا تتحقق إلا حين تضمن ترتيبات تحويل الساعات المعتمدة وأطر المؤهلات ومنظومات البيانات أن تكون الوحدات قابلة للنقل والتراكم لا مجزأة ومتفرقة. ففي جمهورية التشيك مثلاً، جربت مدارس التعليم المهني والتقني مؤخراً تحويلاً منهجياً للمناهج إلى وحدات لتعزيز القدرة على إعادة التأهيل ورفع المهارات ومواءمة العروض التعليمية على نحو أفضل مع احتياجات سوق العمل.
وتترجم الشهادات المصغرة مبدأ الوحدات إلى ممارسة عملية لرفع المهارات وإعادة التأهيل على نحو موجه. فهي قادرة على الاستجابة السريعة للاحتياجات الناشئة من المهارات، وتوفر نقاط دخول مرنة للبالغين. وتتوقف مصداقيتها بوصفها إشارات في سوق العمل على شفافية مخرجات التعلم ومتانة التقييم وموثوقية الجهات المانحة واندماجها في أطر معترف بها للساعات المعتمدة وضمان الجودة. ففي نيوزيلندا مثلاً، تسهم معايير الجودة الوطنية في ترسيخ هذه المصداقية، إذ تُراجع كل شهادة مصغرة لضمان صلتها بسوق العمل.
وللحفاظ على مواءمة عروض التعلم مع الطلب المتطور في سوق العمل، ينبغي أن يكون إشراك أصحاب العمل منهجياً لا عرضياً. إذ يستطيع أصحاب العمل الإسهام في تصميم محتوى التعلم بالمساعدة على ترجمة استخبارات المهارات إلى معايير تدريب وتحديثات للمناهج. كما يمكنهم تعزيز التقديم عبر إتاحة فرص التعلم في بيئة العمل، بل وتطوير عروض إلكترونية موجهة بأنفسهم في بعض الحالات. وفي أيرلندا، توفر 70 شبكة من شبكات أعمال سكيلنت، تمثل كل منها قطاعاً أو منطقة بعينها، آلية منظمة للإشراك المستدام لأصحاب العمل في تعليم البالغين.
ويتطلب التعلم القائم على المهارات أولاً ثقافة للتعلم مدى الحياة، تدعمها سياسات تعالج العوائق المتعلقة بالدافعية والوقت والتكلفة، من خلال المرونة في أساليب التقديم وترتيبات الإجازات التدريبية وأدوات التمويل المبتكرة كحسابات التعلم الفردية.
مقدمة
مع تطور أسواق العمل بوتيرة متسارعة وامتداد سنوات الحياة العملية، تواجه منظومات التعلم ضغوطاً متزايدة للتكيف. فقد نُظّم التعليم والتدريب تقليدياً حول البرامج والمؤسسات والمؤهلات، ورغم أن هذه العناصر لا تزال مهمة، فإنها كثيراً ما توفر معلومات محدودة عن المهارات الفعلية التي يمتلكها المتعلمون عند إتمام دراستهم. كما أنها تقدم توجيهاً محدوداً للأفراد وأصحاب العمل بشأن صلة التعلم بالطلب المتغير على المهارات، وقد تعزز بذلك التصور القائل إن الحصول على شهادة يمثل نقطة النهاية للتعلم لا خطوة ضمن مسار أطول.
ويستجيب تقديم اكتساب المهارات في صدارة التعلم لهذا التحدي عبر إعادة صياغة دور الشهادات؛ إذ ينقل الاهتمام من المدخلات إلى المخرجات، ويجعل المهارات الملموسة القابلة للاستخدام التي يُتوقع أن يقدمها التدريب صريحة وواضحة، مع اضطلاع المؤهلات بدور الأطر التنظيمية المكمّلة. وفي ظل هذه المقاربة، تغدو الشهادات حزماً شفافة من المهارات لا غايات في حد ذاتها، فتصبح منظومات التعلم في وضع أفضل للتواؤم مع احتياجات سوق العمل ودعم الاعتراف بالمهارات وتراكمها بمرور الوقت.
ولا يمثل التعلم القائم على المهارات أولاً قطيعة مفاهيمية مع الأطر السابقة، بل يجدد التركيز ويشحذه على ثلاثة عناصر راسخة في سياسات التعليم: أشكال التعلم الأكثر تجزئة وتفصيلاً كالوحدات الدراسية والشهادات المصغرة، والمواءمة الأقوى بين عروض التدريب والاحتياجات المجتمعية والاقتصادية، والالتزام المستدام بالتعلم على امتداد الحياة.
فأولاً، تعزز مقاربات المهارات أولاً قدراً أكبر من التفصيل. إذ تُصاغ مخرجات التعلم على مستوى المهارات، ويُفضَّل أن يكون ذلك باستخدام لغة مشتركة للمهارات على النحو الذي عرضه الفصل الثاني. ويتيح ذلك هيكلة مسارات التعلم بوصفها توليفات متسقة من وحدات أصغر، تركز كل منها على تنمية مهارات محددة بوضوح. ويجسد التعليم القائم على الوحدات والشهادات المصغرة هذه المقاربة، إذ يمكّنان المتعلمين من اكتساب كفاءات موجهة، ودمجها تدريجياً في محافظ مهارات أوسع، وتحديث مجموعات مهاراتهم بمرور الوقت استجابة للاحتياجات المتطورة. كما أن التركيز على الوحدات المنفصلة يعزز الشفافية وقابلية النقل بين المؤسسات والقطاعات.
وثانياً، تؤكد مقاربات المهارات أولاً أهمية ملاءمة مخرجات التعلم. فالهدف ليس مجرد اكتساب المهارات، بل تنمية مهارات ذات قيمة للمتعلمين وأصحاب العمل والمجتمع. ويتطلب ذلك الاستناد إلى معلومات المهارات، ومنها المعايير المهنية المركزة على المهارات وبيانات تقييم المهارات واستشرافها. كما يستلزم إشراك أصحاب العمل في تصميم التدريب وتقديمه. وحيثما كان ذلك مناسباً، يمكن للأساليب التربوية التطبيقية، كالتعلم في بيئة العمل والتعلم القائم على حل المشكلات، أن تعزز تنمية المهارات التقنية والمستعرضة معاً عبر ربط التدريس بسياقات ممارسة حقيقية.
وثالثاً، تلغي مقاربات المهارات أولاً فكرة وجود نقطة نهاية ثابتة للتعلم، وتصوغ تنمية المهارات بدلاً من ذلك بوصفها عملية مستمرة مدى الحياة. فلا إتمام التعليم الرسمي الأولي ولا الحصول على شهادة يمثل الغاية النهائية، بل هما محطتان ضمن عملية متواصلة لتنمية المهارات. ويُشجَّع الأفراد على تقييم مجموعات مهاراتهم بانتظام في ضوء الطلب المتغير في سوق العمل، والانخراط المستمر في رفع المهارات وإعادة التأهيل.
بناء مسارات مرنة لتنمية المهارات
مسوّغات التعليم القائم على الوحدات
باتت منظومات تعليم البالغين المتمحورة حول مؤهلات طويلة تُستكمل في بداية العمر أقل ملاءمة على نحو متزايد لأسواق العمل المتطورة وللقيود التي يواجهها البالغون العاملون. ولذلك تتطلب مقاربة المهارات أولاً مسارات تعلم تتيح التراكم التدريجي لكفاءات محددة بوضوح عبر وحدات أصغر يمكن الجمع بينها بمرور الوقت. والوحدة الدراسية وحدة تعلم منفصلة ذات مخرجات تعلم محددة، قد تشكل جزءاً من برنامج أوسع أو تُدرس مستقلة. وبالامتداد، يشير التعليم القائم على الوحدات إلى إعادة التنظيم المنهجي لعروض التعليم والتدريب حول هذه الوحدات، لا مجرد التوسع في عرض الدورات القصيرة؛ فهو إصلاح لبنية البرامج لا تغيير في منح الشهادات. ويمثل التحول نحو هذا النوع من التعليم الأساس لمسارات التعلم التدريجية.
وينطوي التعليم القائم على الوحدات على ثلاث مزايا مترابطة. أولاها أنه يوسع المجال أمام مسارات مخصصة لرفع المهارات؛ إذ يستطيع المتعلمون التقدم في وحدات التعلم وفق إيقاعهم الخاص، ومراكمة الوحدات على مدى فترات ممتدة بدلاً من الالتزام مسبقاً ببرامج طويلة ومتصلة. وفي المنظومات المحكمة التصميم، يمكن الجمع بين الوحدات عبر البرامج ومقدمي التعليم، بل وعبر القطاعات الفرعية في بعض الحالات، كتعليم البالغين العام والتعليم المهني والتقني والتعليم العالي. غير أن هذه المرونة تتوقف على ترتيبات متينة لتحويل الساعات المعتمدة وأطر مؤهلات قابلة للتشغيل البيني تضمن أن تكون الوحدات قابلة للنقل والتراكم لا معزولة.
ففي إطار إصلاح تحديث التعليم المهني في جمهورية التشيك، جربت مدارس التعليم المهني والتقني الثانوية تحويلاً منهجياً للمناهج إلى وحدات، ضمن جهد أوسع لمواءمة العروض التعليمية مع احتياجات سوق العمل وتعزيز القدرة على إعادة التأهيل ورفع المهارات. وأعاد الإصلاح تنظيم البرامج القائمة في وحدات منفصلة قابلة للاعتماد، بما يتيح الإتمام الجزئي، وييسر الانتقال بين المستويات والمجالات، ويسمح بتحديث المناهج بمرونة أكبر استجابة لطلب أصحاب العمل. ومن خلال نشر جميع الوحدات بوصفها موارد تعليمية مفتوحة، أرست المبادرة أيضاً الأساس لإعادة استخدامها على نطاق أوسع ولإمكانية تطوير شهادات مصغرة موجهة نحو التعليم المهني، شريطة أن تكون ترتيبات الاعتراف والساعات المعتمدة راسخة بالقدر الكافي في المنظومة.
والميزة الثانية أن العروض القائمة على الوحدات يمكن أن توسع الوصول إلى التعلم مدى الحياة عبر خفض العوائق العملية والنفسية أمام التدريب. فقد أظهرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ضيق الوقت بسبب التزامات العمل أو الأسرة هو أكثر العوائق شيوعاً أمام تعليم البالغين. والوحدات الأصغر أيسر منالاً لمن قد يفتقرون إلى الوقت أو الثقة أو الموارد اللازمة للالتزام ببرامج كاملة. يضاف إلى ذلك أن منح الاعتراف في مراحل مبكرة يقلل من مخاطر الاستثمار في التعلم، إذ لا يضطر الأفراد إلى إتمام برنامج طويل قبل الحصول على مؤهل معترف به رسمياً. ويخفف الاعتراف الجزئي من طبيعة الكل أو لا شيء التي تتسم بها المؤهلات الطويلة عادة، ويدعم ثقة المتعلمين وزخمهم عبر تقدم ملموس. كما أن اعتماد الإتمام الجزئي ييسر على الأفراد العودة إلى التعلم بعد الانقطاعات المرتبطة بالعمل أو الأسرة أو الصحة. وفي الوقت ذاته، تجدر الإشارة إلى أن التعليم القائم على الوحدات وحده لا يضمن معدلات مشاركة أعلى؛ ففي غياب تدابير مكمّلة كالتواصل الموجه والإرشاد والدعم المالي، قد تحابي المنظومات القائمة على الوحدات المتعلمين الأقدر أصلاً على التعامل مع بيئات التعليم والتدريب المعقدة. ويمكن لاعتماد سياسات التعلم المرن، كالتقديم الرقمي للتعلم والتقييم والجداول الدراسية المفتوحة، أن يحسّن إتاحة التعلم القائم على الوحدات أكثر.
فبرنامج نموذج التعليم للحياة والعمل في المكسيك مثلاً صُمم لمساعدة البالغين ذوي المستويات المتدنية من التعليم الرسمي على الحصول على مؤهلات المرحلتين الابتدائية والإعدادية عبر سلسلة من وحدات التعلم المستقلة، لكل منها مخرجات تعلم محددة بوضوح، يمكن مراكمتها تدريجياً لتفضي في النهاية إلى شهادة كاملة. ويستطيع المتعلمون اختيار الوحدات وفق ظروفهم، والاستفادة من أنماط تعلم مرنة تشمل العروض الإلكترونية والتعلم الحضوري في المراكز المجتمعية.
والميزة الثالثة أن البنى القائمة على الوحدات توفر أساساً لاعتراف أكثر منهجية بالتعلم السابق. فمخرجات التعلم المحددة بوضوح أيسر تقييماً ومطابقة واعترافاً، مما ييسر المصادقة على المهارات المكتسبة عبر التعلم النظامي أو غير النظامي أو العرضي. وفي المقابل، إذا كانت منظومات الاعتراف ضعيفة، تفقد الوحدات قيمتها، إذ قد يجد المتعلمون صعوبة في تحويل ساعاتهم المعتمدة أو مواصلة التقدم. ومن خلال منح الاعتراف عن كل وحدة مكتملة، تؤكد المنظومات القائمة على الوحدات المهارات المثبتة، بدلاً من اشتراط إتمام مؤهل كامل قبل أن تُمنح أي قيمة رسمية لتعلم الأفراد.
وإقراراً بهذه المزايا، أدمجت دول كثيرة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مبادئ التعليم القائم على الوحدات في منظومات التعليم الرسمي. ففي التعليم العالي، كثيراً ما يتخذ ذلك شكل تفكيك مناهج الدرجات العلمية إلى وحدات تحمل ساعات معتمدة يمكن دراستها مستقلة ثم مراكمتها لاحقاً. ففي فنلندا والسويد مثلاً، تقدم مؤسسات التعليم العالي وحدات مستقلة تتراوح عادة بين 5 و30 ساعة معتمدة وفق النظام الأوروبي لتحويل الساعات المعتمدة، ويمكن مراكمتها للحصول على درجات علمية في إطار قانوني منظم. وفي التعليم المهني والتقني، يُستخدم هذا النوع من التعليم لإعادة هيكلة المناهج، بما يجعل التقدم أكثر تدرجاً وييسر الانتقال بين البرامج. ففي النمسا مثلاً، تتألف مؤهلات التلمذة المهنية من توليفة من الوحدات الأساسية ووحدات التخصص الاختيارية، مما يمكّن المتعلمين من بناء ملفات أكثر تخصيصاً مع الحفاظ على إطار مؤهلات متسق. وحتى خارج التعليم الرسمي، باتت أدوات مثل الشهادات المصغرة خياراً متزايد الحضور في التعلم غير النظامي.
ورغم مزاياه، يفرض التعليم القائم على الوحدات مفاضلات على مستوى المنظومة. إذ ينطوي التجزيء المفرط على خطر إيجاد طرق مسدودة في التعلم تفتقر إلى مسارات تقدم واضحة، وعلى زيادة التعقيد أمام المتعلمين. ولذلك تتطلب المنظومات القائمة على الوحدات عالية المرونة حوكمة قوية تشمل معايير واضحة وأنظمة شفافة للساعات المعتمدة وبنى تحتية متكاملة للبيانات. وترسّخ هذه الآليات استقلالية المتعلم ضمن بنية متسقة، وتصون المواءمة مع أهداف تكوين المهارات على المدى الأطول.
وتمثل الدنمارك حالة لافتة، إذ وازنت بين فوائد إنشاء منظومة قائمة على الوحدات والحفاظ على الاتساق. فالمتعلمون في الدنمارك يستطيعون الجمع بين وحدات من برامج ومقدمي تعليم مختلفين، بما في ذلك مؤسسات التعليم العام والمهني والعالي. وفي تعليم البالغين العام، يمكن مراكمة الوحدات للحصول على مؤهل كامل يتيح مواصلة الدراسة، بينما يمكن في أجزاء أخرى من المنظومة تجميعها في محفظة موثقة من المهارات، قد يُعترف بها لاحقاً بوصفها تعلماً جزئياً في صورة ساعات معتمدة. وتستند هذه المرونة إلى بنية إدارية متينة؛ إذ تُعتمد كل وحدة رسمياً في صيغتين ورقية وإلكترونية، وتُسجل جميع الوحدات المكتملة مقرونة برقم الهوية الشخصية للفرد، مما يتيح للمتعلمين ومقدمي التعليم تتبع التقدم بمرور الوقت وعبر المؤسسات. ولأن الشهادات مرتبطة بالإطار الدنماركي للمؤهلات، يظل التعلم المتراكم مرئياً ومعترفاً به في أرجاء المنظومة، بما يدعم التقدم ويحافظ على معدلات الحصول على المؤهلات الكاملة.
الشهادات المصغرة أدوات مرنة لتعليم البالغين
تُفعّل الشهادات المصغرة التعلم التدريجي القائم على الوحدات ضمن منظومات المهارات أولاً. فهي، بوصفها تعلماً قصيراً وموجهاً يشهد بإتقان مهارات محددة، أداة مثالية لتنمية مهارات منفصلة ذات صلة بسوق العمل واعتمادها وإبرازها، دون الحاجة إلى تحمل التكاليف الكبيرة المرتبطة بإتمام مؤهلات أطول. ويمكن أن تكون وحدات مستقلة أو أن تُجمع نحو مجالات مهارية أوسع؛ فبعض مؤسسات التعليم العالي مثلاً تفكك برامج الدرجات العلمية إلى وحدات منفردة من الشهادات المصغرة أو إلى شهادات قصيرة، بما يمكّن المتعلمين من الانخراط في التعليم تدريجياً بدلاً من الالتزام بمؤهل واحد يتطلب التزاماً كبيراً. وبذلك توفر الشهادات المصغرة آلية عملية للتعليم القائم على الوحدات، فتخفض عوائق المشاركة مع الحفاظ على مسارات التقدم نحو المؤهلات الرسمية حيثما كان ذلك مناسباً.
ولأن الشهادات المصغرة تشهد بكفاءات منفصلة ومحددة بوضوح، فإنها تعزز دقة الإشارة إلى المهارات على نحو لا تستطيعه المؤهلات العامة. فمن خلال عزل قدرات محددة والمصادقة عليها، تستجيب مباشرة لفجوات مهارية بعينها، بدلاً من تجميع معارف ومهارات متباينة في مؤهل واحد. ولذلك فهي أنسب ما تكون لاحتياجات رفع المهارات وإعادة التأهيل الموجهة، وهو ما يمثل ميزة خاصة للبالغين في منتصف مسيرتهم المهنية الذين يمتلكون بالفعل مؤهلاً عاماً أو أساساً مهنياً، ولا يحتاجون إلا إلى كفاءات ضيقة التركيز لتحديث مهاراتهم التقنية أو تعلم استخدام أدوات جديدة. وبهذا المعنى، تؤدي الشهادات المصغرة أساساً دور المكمّل للدرجات العلمية والمؤهلات المهنية، فتجعل المهارات المحددة متاحة وقابلة للإبلاغ عنها في أرجاء القوى العاملة. فالشهادات المصغرة القطاعية في سنغافورة، المدمجة في بنية برنامج مهارات المستقبل، مصوغة صراحة بوصفها أدوات لرفع المهارات وإعادة التأهيل في منتصف المسيرة المهنية ضمن أطر مهارات محددة. وترسم هذه الأطر الأدوار القطاعية والكفاءات المطلوبة والمسارات المهنية، بما يتيح للشهادات المصغرة أن تشهد بمجموعات مهارات محددة بدقة ومتواءمة مع الوظائف المهنية لا مع مجالات دراسية عامة. ومن الأمثلة الأخرى مشروع مايكروآيديا، الذي يجرب الشهادات المصغرة في قطاع السياحة في خمس دول أوروبية. فاستناداً إلى مصادر عدة منها التصنيف الأوروبي، طوّر المشروع ملفاً مهنياً للنُّدُل حدد فيه المهام الأساسية والاختيارية، ثم صُممت شهادات مصغرة لدعم رفع المهارات في المهام الاختيارية، ولا سيما المرتبطة بالمهارات الرقمية والخضراء، كالتنظيف الصديق للبيئة والتسويق الرقمي.
ومن مزايا الشهادات المصغرة الأخرى قدرتها على زيادة سرعة استجابة منظومات التعلم. فدورات تصميمها واعتمادها وتقديمها القصيرة تتيح لمقدمي التعليم تحديث المحتوى بسرعة تفوق ما هو ممكن عادة ضمن أطر المؤهلات التقليدية. وإذ تُقدم في الغالب بصيغ رقمية أو مدمجة، فإنها تتيح استجابات سريعة للاحتياجات الناشئة من المهارات الناجمة عن التغير التكنولوجي أو إعادة الهيكلة القطاعية أو الصدمات الاقتصادية. فخلال جائحة كوفيد 19 مثلاً، وسعت الحكومات والمؤسسات عروض الشهادات المصغرة لمعالجة الاحتياجات العاجلة لرفع المهارات، مما أبرز إمكاناتها بوصفها أدوات سياساتية قصيرة الدورة لدعم تكيف سوق العمل. وتجعل هذه الرشاقة الشهادات المصغرة ذات صلة خاصة بالقطاعات التي تتسم بتقادم المهارات السريع، وتتيح لها أن تكون ميداناً لاختبار محتوى جديد قد يُدمج لاحقاً في برامج أطول. ففي الولايات المتحدة، يطور المعهد الوطني للابتكار في تصنيع المستحضرات الدوائية الحيوية شهادات مصغرة قصيرة متواءمة مع القطاع في مجال التصنيع الحيوي المتقدم، تُصمم بتعاون وثيق مع أصحاب العمل لمواكبة تقنيات الإنتاج والمتطلبات التنظيمية سريعة التطور. ومن خلال مواءمة الشهادات مع المعايير المهنية التي يحددها أصحاب العمل واستهداف الفنيين والعاملين الحاليين، يتيح المعهد التحديث السريع لمحتوى التدريب في قطاع يتسم بالابتكار التكنولوجي المستمر ونقص المهارات.
وتبلغ فاعلية الشهادات المصغرة أقصاها حين تندرج ضمن أطر موثوقة تجعل مخرجات التعلم شفافة وقابلة للنقل. وتتوقف قيمتها على مدى الوضوح في توثيق المهارات المكتسبة وأساليب التقييم المستخدمة وعبء العمل المطلوب ومصداقية الجهة المانحة. وحيثما تتواءم الشهادات المصغرة مع أنظمة معترف بها للساعات المعتمدة وترتيبات ضمان الجودة وإشراك أصحاب العمل، فإنها تستطيع نقل معلومات ذات دلالة عن كفاءات المتعلم. وتجسد مبادرة مايكروكريدز في أيرلندا هذه المقاربة؛ إذ طورت شهادات مصغرة ضمن الأطر القائمة، يتراوح حجمها بين ساعة معتمدة واحدة و30 ساعة وفق النظام الأوروبي لتحويل الساعات المعتمدة وتراكمها، ويتواءم مستواها مع المستويات من السادس إلى التاسع في الإطار الوطني للمؤهلات. ويتحقق ضمان الجودة عبر توسيع الترتيبات المؤسسية القائمة لضمان الجودة، بينما تُدعم الصلة بسوق العمل بمدخلات من مجموعة استشارية للمنشآت أُنشئت لهذا الغرض. ويعزز ذلك القيمة الإشارية لهذه الشهادات، إذ يستطيع أصحاب العمل والمتعلمون تفسيرها ضمن بنية راسخة للساعات المعتمدة والمؤهلات، لا بوصفها شهادات مستقلة غير واضحة الوضع. وتسعى المجر إلى هدف مماثل عبر تعزيز شفافية الشهادات المصغرة والاعتراف بها ومصداقيتها، من خلال تطوير إطار موحد يدمجها في التشريعات القائمة في التعليم العالي والتعليم المهني والتقني وتعليم البالغين.
الإطار 3.1: مواءمة الشهادات المصغرة مع منظومات تعليم البالغين
يتطلب التطبيق الناجح لسياسات الشهادات المصغرة استراتيجية متسقة لدمجها في منظومات الشهادات القائمة. ففي عام 2022، اعتمد الاتحاد الأوروبي توصية من المجلس ترسي مقاربة مشتركة للشهادات المصغرة لأغراض التعلم مدى الحياة وقابلية التوظيف. وتدعو التوصية الدول الأعضاء إلى دمج الشهادات المصغرة في أطر معترف بها للساعات المعتمدة والمؤهلات، لكي تكون إشارات موثوقة على المهارات قابلة للنقل والتراكم عبر المؤسسات والمنظومات الوطنية. ويولي الإطار تركيزاً خاصاً على التوثيق الشفاف لمخرجات التعلم وعبء العمل المتوقع وترتيبات التقييم، بوصفها شروطاً ضرورية للمصداقية والاعتراف العابر للحدود.
والمجر واحدة من دول أوروبية عدة أجرت مؤخراً إصلاحات في هذا الاتجاه. ففي مشهد كانت فيه الدورات القصيرة موجودة أصلاً لكنها مشتتة بين مقدمي التعليم والقطاعات، سعت المجر إلى مواءمة هذه العروض عبر إنشاء إطار وطني موحد للشهادات المصغرة يشمل التعليم العالي والتعليم المهني والتقني وتعليم البالغين غير النظامي. ومن العناصر المحورية في مقاربة تكامل المنظومة هذه إدراج الشهادات المصغرة في الأدوات التشريعية القائمة، ومنها قانون تدريب البالغين وقانون التعليم العالي وقانون التعليم المهني والتقني. كما أُولي اهتمام للبنية التحتية العملية اللازمة لدعم المواءمة، ومنها دمج الشهادات المصغرة في أنظمة معلومات التعليم والتدريب القائمة في المجر، مع التركيز على قابلية التشغيل البيني والمواءمة مع المعايير الأوروبية.
وعلى نحو مماثل، تجري في جمهورية التشيك جهود لوضع استراتيجية وطنية موحدة للشهادات المصغرة، استجابة لكون المبادرات القائمة قد تطورت في جزر منعزلة عبر أجزاء مختلفة من منظومة التعليم والتدريب. ففي التعليم العالي، تحقق تقدم ملحوظ، إذ تتعاون مؤسسات التعليم العالي العامة على تطوير إطار مشترك للشهادات المصغرة. وفي التعليم المهني والتقني، يجري تحويل البرامج إلى وحدات لزيادة المرونة للمتعلمين. وفي الوقت ذاته، يُقدَّم طيف واسع من برامج التدريب غير النظامي القصيرة في إطار تجربة حسابات التعلم الفردية. وفي هذا المشهد السياساتي المعقد، تجري نقاشات لبناء منظومة وطنية قادرة على إضفاء قدر أكبر من الاتساق على المقاربات المختلفة المعتمدة في القطاعات.
وتتخذ مبادرات الشهادات المصغرة في مختلف الولايات القضائية نماذج حوكمة متنوعة؛ فبعضها مدمج في الأطر الوطنية للمؤهلات وتديره السلطات العامة، وبعضها الآخر مرتكز على منظومات التعليم العالي عبر تصميم قائم على الساعات المعتمدة، وغيرها مبادرات تقودها القطاعات وتتواءم مباشرة مع المعايير المهنية التي يحددها أصحاب العمل. ورغم هذه الاختلافات، تشترك جميعها في منطق واحد، إذ تستخدم كل منها وحدات تعلم صغيرة ومعتمدة لإضفاء مرونة أكبر، وتمكين التراكم التدريجي للمهارات، والاستجابة لاحتياجات رفع المهارات وإعادة التأهيل الموجهة. وهي بذلك تترجم التعليم القائم على الوحدات إلى ممارسة عملية، وتتيح إشارة أدق إلى المهارات.
ولكي تدفع الشهادات المصغرة أجندة المهارات أولاً قدماً، يجب أن تمتد فوائدها إلى سوق العمل بأكمله، بما في ذلك البالغون المحرومون أو منخفضو المهارات. غير أن الأدلة من دول كثيرة تُظهر أن الإقبال عليها يتركز بين الأفراد الذين يحملون بالفعل شهادات جامعية ويحظون بدعم مالي، كثيراً ما يكون من أصحاب عملهم. وحين يظل التمويل العام ودعم الطلاب موجهين أساساً نحو الدراسة الجامعية بدوام كامل، يواجه البالغون الأقل تأهيلاً عوائق هيكلية أمام المشاركة. وفي هذا السياق، ينطوي التوسع في عرض الشهادات المصغرة دون تكييف قواعد التمويل وخدمات الإرشاد واستراتيجيات التواصل على خطر ترسيخ أوجه عدم المساواة القائمة في تراكم المهارات بدلاً من تضييقها. ولذلك فإن دمج الشهادات المصغرة في بنية متسقة للمهارات أولاً أمر جوهري، ويتطلب ذلك ترتيبات متينة لضمان الجودة والتقييم، وأنظمة قابلة للتشغيل البيني للساعات المعتمدة، وإشراك أصحاب العمل في التصميم أو المصادقة، ومسارات شفافة للاعتراف والتقدم. كما أن وضوح المعلومات واتساق المصطلحات وآليات الإرشاد أمور حاسمة لمساعدة المتعلمين وأصحاب العمل على فهم قيمة الشهادات المصغرة.
ضمان قابلية النقل عبر ضمان الجودة
يؤدي ضمان الجودة دوراً مهماً في بناء الثقة ودعم قابلية النقل وتعزيز الاعتراف في سوق العمل. ويتطلب توسيع مبادئ ضمان الجودة لتشمل أشكالاً أقصر وأكثر تنوعاً من العروض التعليمية تركيزاً أكبر على مخرجات التعلم القابلة للإثبات بدلاً من الشكل المؤسسي أو نمط التقديم. ولدعم ذلك، يحتاج مقدمو التعليم إلى تحديد ما يُتوقع أن يعرفه المتعلمون وما يستطيعون فعله عند الإتمام تحديداً واضحاً، وينبغي أن تكون هذه المخرجات صريحة وقابلة للقياس ومفهومة للجهات الخارجية. ويوضح نظام بيكس الفرنسي لاعتماد المهارات الرقمية كيف يمكن لمخرجات التعلم الشفافة أن تشكل أساساً لشهادات مصغرة ذات مصداقية. فبيكس منصة وطنية إلكترونية لتقييم المهارات الرقمية واعتمادها وفق الإطار المرجعي للكفاءات الرقمية، المتواءم بدوره مع الإطار الأوروبي للكفاءات الرقمية. وتُنظم المهارات في مجالات ومستويات إتقان محددة بوضوح، يُعبَّر عنها بمعارف عملية ملموسة تصف ما يستطيع الأفراد فعله على نحو قابل للإثبات في البيئات الرقمية. ويتبع الاعتماد تقييماً معيارياً تشرف عليه المنصة نفسها، مع اعتراف رسمي عبر التسجيل في الدليل الوطني للشهادات المهنية الذي تديره هيئة المؤهلات المهنية الفرنسية.
وفي الوقت ذاته، ينبغي أن يكون ضمان الجودة للوحدات والدورات القصيرة متناسباً ومراعياً للمخاطر. فتطبيق ضمان الجودة الخاص بالمؤهلات الكاملة على كل شهادة مصغرة من شأنه أن يقوض الرشاقة التي تجعل العروض القائمة على الوحدات جذابة. ويمكن للمقاربة المتناسبة أن تصون المعايير الدنيا مع إفساح المجال للابتكار، مع إمكانية رفع المتطلبات بحسب الحجم أو التمويل العام أو الاعتراف الرسمي. وقد عالجت دول المنظمة هذه الأولويات المتنافسة بطرائق مختلفة. ففي نيوزيلندا، تخضع الشهادات المصغرة لاعتماد على مستوى البرنامج من هيئة المؤهلات النيوزيلندية، التي تجري مراجعة منظمة للمحتوى وممارسات التقييم وأساليب التقديم ومخرجات التعلم قبل الموافقة والتسجيل. وتحاكي هذه المقاربة الصرامة المطبقة على المؤهلات الرسمية وتوفر ضماناً قوياً للجودة، لكنها قد تكون أكثر استهلاكاً للموارد وقد تبطئ النشر السريع للدورات القصيرة المركزة على المهارات الناشئة. وفي المقابل، يعتمد إطار إديوكوا في سويسرا مقدمي تعليم البالغين أنفسهم لا البرامج المنفردة، فيمنح علامة جودة للمؤسسات التي تستوفي المعايير الدنيا وتخضع لتدقيق دوري. ويقلل ذلك من العبء الإداري ويحافظ على الرشاقة، لكنه يوفر ضماناً مباشراً أقل على مستوى الدورة الواحدة.
الاستفادة من أصحاب العمل بوصفهم شركاء في تصميم التدريب ومقدمين له
تقوم المنظومة المتسقة للمهارات أولاً على صلة وثيقة بين تنمية المهارات والاعتراف بها. ولذلك ينبغي أن تولّد أنشطة التعلم مهارات تحظى بتقدير كبير في سوق العمل وفي المجتمع على نطاق أوسع. ولتحقيق ذلك، تعزز السلطات العامة الأدوات السياساتية المصممة لتوجيه المشاركة نحو المهارات المطلوبة. وتُظهر الأدلة المستقاة من استبيان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول اتجاهات سياسات تعليم البالغين لعام 2025 أن نحو 60% من الدول المشاركة تفيد بتطبيقها، بدرجة كبيرة أو كبيرة جداً، سياسات توجه الأفراد نحو التدريب على المهارات عالية الطلب أو تحفز مقدمي التدريب على تقديمه. وتفيد أكثر من ثلث الدول بامتلاكها سياسات مماثلة بدرجة متوسطة، مما يوحي بتوجه سياساتي واسع نحو التعلم القائم على المهارات أولاً.
ويؤدي أصحاب العمل دوراً محورياً في ضمان أن يعكس محتوى التدريب الطلب الحالي والمستقبلي على المهارات. فالمنشآت تمتلك معلومات مباشرة عن التغيرات المهنية، ومن ثم تستطيع تحديد الفجوات بين العروض القائمة واحتياجات أماكن العمل، والإسهام في تحديد المعايير المهنية ومعايير التدريب. ويمكن لمشاركتها أن تدعم تطوير البرامج عبر الإسهام في تصميم المناهج ومسارات التعلم، بما في ذلك أنماط التقديم ومددها. كما يمكنها الإسهام في التقديم عبر إتاحة فرص التعلم في بيئة العمل وتوفير ممارسين من القطاع بوصفهم مدربين. وفي بعض الحالات، يضطلع أصحاب العمل بدور مقدمي التدريب أنفسهم، فيطورون برامج تدريبية ويقدمونها داخلياً. ويمكن أن يكون أصحاب العمل كذلك مصدراً مهماً للتمويل، وأن يوفروا ركيزة قوية لضمان الجودة عبر تأكيد صلة البرامج بالقطاع وتقييم البرامج التدريبية ومقدميها.
ورغم أن مشاركة أصحاب العمل في التعليم والتدريب ليست أمراً جديداً، فإن مقاربة المهارات أولاً تعزز الحاجة إلى مشاركة منظمة ومستمرة بدلاً من التشاور العرضي. فالواقع أن أصحاب العمل ومقدمي التعليم تعاونوا لعقود في دول وقطاعات كثيرة، ولا سيما تلك ذات التقاليد الراسخة في التعليم المهني. غير أن هذه الصلات كثيراً ما تعتمد على العلاقات الشخصية أو على مؤسسات بعينها لا على ترتيبات منظمة، وقد تفضي أحياناً إلى تدريب مفصّل على احتياجات منشآت محددة بدلاً من مهارات أوسع قابلية للنقل. ومع تزايد الطلب على قابلية نقل المهارات بين المنشآت والقطاعات، ينبغي أن ينتقل إشراك أصحاب العمل من التشاور الثنائي القائم على الطلب إلى مشاركة منظمة ومستمرة في تصميم التدريب وتقديمه وتقييمه.
وتمثل هيئات المهارات القطاعية آلية رئيسة للإشراك المنهجي للشركاء الاجتماعيين في التعليم والتدريب. ففي أستراليا مثلاً، تدعم عشرة مجالس للوظائف والمهارات عروض التعليم المهني والتقني في قطاعاتها الصناعية. وتشمل وظائفها تحديد احتياجات المهارات والقوى العاملة، وتحديث المناهج التدريبية، ودعم التعاون بين القطاع ومقدمي التدريب لتعزيز ممارسات التقييم، وتوليد معلومات خاصة بكل قطاع عن سوق العمل. وعلى الرغم من أن هيئات المهارات القطاعية تؤدي عادة دوراً استشارياً، فإنها تسهم في التقديم في بعض الحالات. وتضطلع شبكات أعمال سكيلنت في أيرلندا بهذا الدور، إذ تقدم برامج لرفع المهارات وإعادة التأهيل. فشبكة الصناعات الثقافية والإبداعية مثلاً تقدم دورات قصيرة وموجهة تمتد نحو شهرين إلى أربعة أشهر في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي الأخلاقي في الصناعات الإبداعية، والنحت الرقمي، وتصميم الصوت للوسائط التفاعلية. ومن شأن التوسع في هذه الآليات دون زيادة العبء الإداري أو الانتقاص من الرشاقة أن يدعم تنمية المهارات المطلوبة على نحو أكبر. وكثيراً ما تكون هيئات المهارات القطاعية مدمجة في منظومات التعليم المهني والتقني، لكن ثمة مجالاً لتوسيع دورها ليشمل تعليم البالغين غير النظامي. ففي نيوزيلندا مثلاً، يتعين على مقدمي التعليم الساعين إلى ضمان جودة الشهادات المصغرة الحصول على دعم كتابي من مجلس مهارات القطاع المعني لإثبات أن التدريب المقترح ذو صلة ويلبي الطلب في سوق العمل.
ويجري كثير من التعاون بين مقدمي التدريب وأصحاب العمل كذلك خارج أطر مجالس المهارات القطاعية. ففي الولايات المتحدة مثلاً، يعمل تحالف المهارات أولاً، وهو اتحاد يضم نحو عشرين من أصحاب العمل ومقدمي التدريب، على تعزيز المواءمة بين التعليم والتوظيف. وتشمل أنشطته الترويج لفرص تعلم متنوعة كالبرامج الإلكترونية والمدمجة القصيرة والتعلم في بيئة العمل، والمضي في الاعتراف بالتعلم السابق، والمشاركة في تطوير أطر للمهارات تحدد الشهادات والمقررات في المجالات عالية الطلب كالرعاية الصحية والتقنية والخدمات اللوجستية، ودعم تحديث شبكة المعلومات المهنية لتضمينها بيانات آنية عن سوق العمل وتحديد المهارات المطلوبة للوظائف بدقة أكبر. وعلى المستوى الأوروبي، يجمع ميثاق المهارات التابع للاتحاد الأوروبي على نحو مماثل منظمات عامة وخاصة لدعم التزامات تعاونية نحو تعليم للبالغين يستجيب لاحتياجات سوق العمل، ويساعد الأعضاء على التواصل مع الشركاء، ويعزز التعلم من الأقران، ويوفر معلومات عن احتياجات المهارات.
ويضطلع أصحاب العمل كذلك بدور مقدمي التدريب مباشرة، ويمثل التعلم في بيئة العمل وبرامج التلمذة المهنية أحد الأشكال المهمة للتدريب الذي يقوده أصحاب العمل. ففي سويسرا مثلاً، تقدم السكك الحديدية الاتحادية السويسرية تلمذة مهنية مدفوعة الأجر للبالغين الساعين إلى تغيير مسارهم المهني في أكثر من عشر مهن، منها سائقو القطارات وأخصائيو التخطيط التشغيلي ومراقبو الحركة. ويمكن للمشاركين الالتحاق بدوام كامل أو جزئي، مما يوفر مرونة أكبر. وفي تركيا، تتشارك وكالة التوظيف التركية مع الشركات لتقديم تدريب مدفوع الأجر أثناء العمل للعاطلين عن العمل. وتمتد فترات التدريب المعتادة حتى ثلاثة أشهر، لكن يمكن تمديدها في القطاعات ذات الأولوية وللمشاركين الأصغر سناً؛ فالتدريب في الأمن السيبراني والحوسبة السحابية للمشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً مثلاً قد يمتد حتى تسعة أشهر. وإضافة إلى ذلك، تطور المنشآت دورات إلكترونية تهدف إلى بناء مهارات تقنية محددة، تركز في الغالب على استخدام منتجاتها. فشركة أنثروبيك مثلاً تقدم مجموعة من الدورات الإلكترونية لدعم الاستخدام الفعال لنموذجها للذكاء الاصطناعي كلود في السياقات المهنية والشخصية على حد سواء، ويتألف تدريبها الموجه للأفراد من سلسلة محاضرات مصورة تفضي إلى شهادة إتمام وتُقدم مجاناً.
ويمثل دعم التنمية الأوسع لمهارات الموظفين بعداً مهماً آخر من أبعاد مشاركة المنشآت في التدريب. فالمنشآت الكبيرة قد تضع خطط تنمية المهارات بصورة مستقلة؛ فشركة وولمارت مثلاً تقدم تدريباً إلكترونياً وحضورياً لدعم تنمية المهارات الخاصة بالوظيفة والمهارات المستعرضة، ومنها القيادة. كما توفر للموظفين مزايا تعليمية عبر تغطية تكلفة التدريب الخارجي الذي يختارونه، ابتداءً من الدورات القصيرة وانتهاءً بدرجة البكالوريوس. أما المنشآت الصغيرة والمتوسطة فقد تختار التنسيق مع السلطات العامة ومنشآت أخرى. فنظام التدريب بالشراء المشترك في فنلندا برنامج لتدريب العاملين تنظم فيه دائرة التوظيف العامة الأنشطة التدريبية بالتعاون مع أصحاب عمل منفردين أو مجموعات منهم، يسعون إما إلى إعادة تأهيل موظفيهم الحاليين أو إلى إنشاء برامج تدريبية لموظفين جدد. ومن خلال هذا النظام، يستطيع أصحاب العمل الحصول على تمويل ودعم مصمم وفق احتياجاتهم لتوظيف عاملين يمتلكون المهارات المناسبة، أو لتكييف مهارات الموظفين الحاليين مع التغيرات التكنولوجية والتشغيلية داخل الشركة.
ترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة
يتطلب سوق العمل القائم على المهارات أولاً تنمية المهارات وتحديثها وإعادة تشكيلها على امتداد الحياة، لا خلال الدورة الأولى من التعليم الرسمي فحسب. غير أن المشاركة في تعليم البالغين لا تزال متدنية وغير متكافئة باستمرار في دول المنظمة، إذ تسجل الفئات المحرومة أدنى معدلات المشاركة، ومنها البالغون منخفضو المهارات والعاملون الأكبر سناً والعاملون في أشكال توظيف غير نمطية والأفراد الذين لا يحظون بدعم من أصحاب العمل. ولذلك فإن بناء ثقافة للتعلم مدى الحياة أمر جوهري لتمكين جميع البالغين من العودة إلى التعلم مراراً استجابة لاحتياجات المهارات المتطورة، مدعومين بآليات تجعل هذه الانتقالات أمراً طبيعياً وممكناً ومجدياً.
تعزيز الدافعية والثقة بالقدرة على التعلم
لا يعكس ضعف الانخراط لدى شريحة كبيرة من البالغين إقصاءً رسمياً، بل محدودية الرغبة أو الثقة في المشاركة. فقد أفاد نحو نصف البالغين في مسح مهارات البالغين بأنه لم يكن ثمة أي نشاط لتعليم البالغين يرغبون في المشاركة فيه خلال العام السابق. وقد ينبع ذلك من تجارب مدرسية سابقة سلبية، أو من ضعف الثقة في القدرة على النجاح، أو من التشكك في العوائد في سوق العمل. وفي بعض الحالات، قد تكون العروض التدريبية المناسبة غير متاحة أو غير معلن عنها بالقدر الكافي.
وتؤدي استراتيجيات التواصل والإرشاد دوراً رئيساً في الحد من عدم تماثل المعلومات، وتعزيز توقعات الأفراد بشأن العوائد، والتخفيف من العوائق السلوكية التي تثبط المشاركة في تعليم البالغين، ولا سيما حين تكون مدمجة في مؤسسات محلية موثوقة. فصندوق فيينا لتعزيز التوظيف في النمسا يوضح كيف يمكن للتواصل المبتكر أن يسهم في جعل تعليم البالغين أمراً مألوفاً. فهذا الصندوق، الذي أنشأته مدينة فيينا ويعمل بتعاون وثيق مع دائرة التوظيف العامة والشركاء الاجتماعيين، يجمع بين الإرشاد والدعم المالي واستراتيجيات تواصل مبتكرة. إذ تصور سلاسل محترفة الإنتاج على وسائل التواصل الاجتماعي أفراداً يعيدون تأهيل أنفسهم للعمل في مهن عالية الطلب كرعاية المسنين أو تعليم الطفولة المبكرة، وتوثق روتينهم اليومي وانتقالاتهم المهنية. وتندرج هذه الحملات ضمن جهود أوسع لما يُعرف بالاستقطاب الاجتماعي، تشمل الشراكات مع المؤثرين، والإرشاد متعدد اللغات، والتواصل الميداني المؤقت في المجمعات السكنية، والفعاليات الكبرى كمهرجان الجاهزية للمستقبل. ويتمثل هدف الصندوق في تقديم التعلم مدى الحياة بوصفه أمراً معترفاً به اجتماعياً ويمكن بلوغه لا استثناءً.
وتعتمد مبادرات أخرى مقاربة عالية الاستهداف لرفع الوعي والثقة لدى فئات ديموغرافية محددة. فمبادرة شي تك في إيطاليا مثلاً تركز على زيادة مشاركة النساء في مجالات الذكاء الاصطناعي والمجالات الرقمية، عبر الجمع بين نماذج قدوة بارزة وصيغ دخول منخفضة المخاطر. إذ تتيح المعسكرات التدريبية القصيرة ليوم واحد للمشاركات استكشاف المواضيع التقنية قبل الالتزام ببرامج طويلة. وإلى جانب المحتوى التقني، تدمج المبادرة التدريب على الخطابة والقيادة وبناء العلامة الشخصية وإدارة الوقت، معالجة بذلك الثقة والكفاءة الذاتية صراحة. وعلى نحو مماثل، تُشرك مبادرة سوموس إف 5 في إسبانيا الفئات ناقصة التمثيل في التدريب الرقمي عبر تواصل مجتمعي نشط من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والشبكات المحلية والرسائل الموجهة، وتستهدف استراتيجيتها النساء والمهاجرين وغيرهم من الفئات البعيدة عن منظومات التدريب الرسمية. وتُخفض عوائق الدخول عبر ورش استكشافية وفترات تجريبية مدتها شهر، تتيح للمشاركين اختبار البرامج قبل الالتزام بها كلياً. ويرافق منسق مخصص للتوظيف المتعلمين طوال الرحلة، فيقدم الإرشاد بشأن اختيار الدورات، ويساعد في إعداد السير الذاتية وأساليب المقابلات، ويربط التدريب مباشرة بفرص العمل.
معالجة قيود الوقت والمرونة
حتى مع توفر الدافعية، كثيراً ما تحول قيود الوقت المرتبطة بمسؤوليات العمل والأسرة دون المشاركة. فبين البالغين الذين رغبوا في المشاركة ولم يشاركوا، يُعد ضيق الوقت أكثر العوائق ذكراً، إذ أشار إليه نحو 45% منهم. ويشتد هذا القيد خاصة في منتصف المسيرة المهنية، حين تتزايد احتياجات إعادة التأهيل في ضوء تغيير المسار المهني.
وثمة أداتان سياساتيتان رئيستان لمعالجة قيود الوقت. تتعلق الأولى بمرونة العروض التعليمية؛ إذ يمكن لنماذج التعلم الرقمي والمدمج أن تتيح للبالغين تكييف توقيت الدراسة ونمطها مع مسؤولياتهم. فالتعليم القائم على الوحدات والتقديم غير المتزامن والصيغ الإلكترونية والمدمجة تتيح تقسيم التعلم إلى وحدات أصغر وتنظيمه بمرونة أكبر، مما يقلل الحاجة إلى الغياب الطويل عن العمل. وينتشر الإقبال على هذه الأساليب في بعض الدول؛ ففي ليتوانيا وبولندا يُقدَّم أكثر من 40% من تعليم البالغين غير النظامي عن بُعد بالفعل، وقد سرّعت جائحة كوفيد 19 استخدام هذه الأدوات الرقمية في حالات كثيرة. وتقدم ألمانيا مثالاً على كيفية إدماج المرونة في تقديم مقدمي التعليم الرسمي؛ إذ تُشجَّع مراكز تعليم البالغين العامة على تقديم دورات بصيغ زمنية متنوعة، تشمل الحصص المسائية وفي عطلات نهاية الأسبوع، ومواعيد البدء المرنة، والأعباء الدراسية الجزئية. ويرتبط توسيع خيارات الجدولة بارتفاع المشاركة. وعلى نحو مماثل، تعرض منصة البحث عن الشهادات المصغرة الوطنية في أستراليا مدة الدورة ومستواها ونمط تقديمها مسبقاً، إلى جانب معلومات الساعات المعتمدة وقابلية التراكم، لكي يتمكن المتعلمون بسهولة من العثور على فرص تعلم تتواءم مع قيودهم الزمنية، مع الحفاظ على الشفافية بشأن مسارات التقدم وفوائد التعلم.
وتتعلق الأداة الثانية بالإجازات التدريبية. إذ يمكن لترتيبات الإجازات القانونية أو المتفاوض عليها جماعياً أن تمكّن العاملين من تخصيص وقت لتنمية المهارات مع الحفاظ على أمانهم الوظيفي. وتفيد نحو نصف الدول الأربع والثلاثين التي شملها استبيان المنظمة حول اتجاهات سياسات تعليم البالغين لعام 2025 بوجود إجازة تدريبية قانونية لديها. وتؤثر خيارات التصميم، كأن تكون الإجازة مدفوعة الأجر أو غير مدفوعة، وأن يمكن أخذها بدوام كامل أو جزئي، في معدلات الإقبال عليها وفي آثارها التوزيعية. فبرامج الإجازات التدريبية التي تعوّض الأجور الفائتة مثلاً أكثر قابلية لإفادة العاملين ذوي الدخل المنخفض الذين ما كانوا ليقدروا على الابتعاد عن العمل لولاها. ورغم التباين الكبير بين الدول في هيكلة الإجازات، تسعى الإصلاحات بصورة متزايدة إلى مواءمة أوثق مع احتياجات سوق العمل واستهداف أدق لإعادة التأهيل الحقيقي والانتقالات في منتصف المسيرة المهنية. فبرنامج التمويل الدراسي للانتقال وإعادة التأهيل في السويد، الذي أُطلق عام 2022، يتألف من منحة وقرض اختياري يغطيان ما يصل إلى 80% من الراتب السابق لمدة تصل إلى 44 أسبوعاً من الدراسة بدوام كامل، مع خيارات للدوام الجزئي، ويشترط أن يحسّن التدريب المختار قابلية الفرد للتوظيف وفق احتياجات سوق العمل. وتقتصر الأهلية على البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 27 و62 عاماً ممن لديهم ثماني سنوات على الأقل من الخبرة العملية وعمل حديث، مما يكشف عن تركيز على الانتقالات في منتصف المسيرة وإعادة التأهيل ذات الصلة بسوق العمل أكثر من الدراسة المفتوحة.
خفض التكاليف المالية وتكاليف الفرصة البديلة
لا تزال العوائق المالية رادعاً مهماً عن المشاركة في التدريب، وتأتي في المرتبة الثانية بين أكثر العوائق ذكراً بعد قيود الوقت. فنحو 13% من البالغين الذين رغبوا في المشاركة في تعليم البالغين ولم يشاركوا ذكروا التكلفة بوصفها العائق الرئيس. ولا تقتصر التكاليف على الرسوم الدراسية المباشرة، بل تشمل تكاليف الفرصة البديلة المتمثلة في الأجور الفائتة، ونفقات أخرى منها تكاليف رعاية الأطفال لمن لديهم مسؤوليات أسرية، أو تكاليف النقل لمن يحتاجون إلى التنقل للوصول إلى مقدم التدريب المعني. وبالنسبة إلى البالغين الذين يعملون في وظائف غير مستقرة أو ذوي المهارات المنخفضة، قد يبدو الاستثمار في التدريب محفوفاً بمخاطر مفرطة، ولا سيما إذا كانت العوائد غير مؤكدة. ولذلك فإن التخفيف من العوائق المالية أمر محوري للحفاظ على المشاركة بمرور الوقت.
ويضطلع أصحاب العمل بدور مهم في تقاسم هذه التكاليف، ولا سيما حين يستفيدون مباشرة من تحسن الإنتاجية. فقد أفاد نحو ثلثي البالغين المشاركين في التعلم غير النظامي المرتبط بالعمل بأن أصحاب عملهم غطوا جزءاً من تكاليف التدريب أو كلها. ويمكن أن تتخذ مساهمات أصحاب العمل شكل تمويل مباشر أو برامج لاسترداد التكاليف أو دعم عيني كمنح وقت مدفوع الأجر. وتُظهر الأدلة أن البالغين أكثر إقبالاً على المشاركة بكثير حين يدمج أصحاب العمل التعلم في التقدم الوظيفي ويعترفون بالمهارات المكتسبة.
وتقلل أدوات سياساتية مثل حسابات التعلم الفردية وقسائم التدريب والدورات القصيرة المدعومة من المخاطر المالية وتوفر قوة شرائية للمتعلمين. وتتسم حسابات التعلم الفردية بفاعلية خاصة، لأنها تُرسّخ مؤسسياً فكرة الاستثمار المستمر في المهارات بدلاً من التدخلات لمرة واحدة. فمن خلال إنشاء حساب مرتبط بالفرد على مر الزمن، تعزز هذه الحسابات رمزياً ومالياً القاعدة القائلة إن تنمية المهارات مسؤولية مستمرة تدعمها السياسات العامة. فحساب التعلم الفردي في ليتوانيا مثلاً يستهدف من يحملون تعليماً مهنياً على الأقل ويعملون، بمن فيهم العاملون لحسابهم الخاص، عند بدء التدريب، لتجنب التداخل مع دعم دائرة التوظيف العامة. ويُوجَّه التمويل نحو المهارات ذات الأولوية، إذ تُخصص 50% من الميزانية للمهارات الرقمية، ويُوزع الباقي على مجالات الكفاءات الرئيسة الثمانية المحددة في توصية مجلس الاتحاد الأوروبي بشأن الكفاءات الأساسية للتعلم مدى الحياة، وهي القرائية، وتعدد اللغات، والعلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، والمهارات الرقمية، والتنمية الشخصية والاجتماعية، والمواطنة، وريادة الأعمال، والوعي الثقافي. وفي فرنسا، يتيح الحساب الشخصي للتدريب للأفراد مراكمة أرصدة تدريبية سنوية تظل صالحة حتى التقاعد، ويمكن استخدامها للالتحاق بالدورات التي يختارونها من قائمة الدورات التدريبية المعتمدة.
