الفصل الخامس: ربط التعلم بالوظائف عبر الإرشاد وإبراز المهارات والتعاون
يعمل مقدمو التعليم والتدريب بصورة متزايدة على مواءمة المناهج وممارسات التقييم حول المهارات، في حين يولي أصحاب العمل اهتماماً متنامياً بالمهارات في التوظيف وإدارة المواهب. ويتطلب تحويل هذين المسارين المتوازيين إلى مقاربة وطنية متسقة قائمة على المهارات أولاً آليات تربط بين عالمي التعلم والعمل وتعزز التنسيق بين الأطراف المعنية. ويتناول هذا الفصل أربعاً من هذه الآليات: الإرشاد المهني، وجوازات المهارات، والاعتراف بالتعلم السابق، وترتيبات التعاون بين الأطراف المتعددة.
باختصار
الربط بين التعلم والعمل أساس لمقاربة متسقة قائمة على المهارات أولاً
يحتاج الأفراد إلى معلومات واضحة ومشورة موجهة لاستكشاف خيارات سوق العمل والتعلم من منظور المهارات. وتؤدي خدمات الإرشاد المهني دوراً محورياً في ذلك، عبر توفير معلومات مركزة على المهارات عن المهن وفرص التعلم كما في النمسا وكوريا، ومساعدة الأفراد على تحديد مهاراتهم واهتماماتهم عبر أدوات التقييم الذاتي كما في كندا وألمانيا. كما يمكن للإرشاد الشخصي أن يدعم الأفراد في تفسير المعلومات وتحويلها إلى قرارات مستنيرة؛ فالفلاندر مثلاً تقدم قسائم للإرشاد المهني، بينما توفر نيوزيلندا إرشاداً مهنياً مجانياً حضورياً وعبر الإنترنت والهاتف.
ويتوسع إبراز المهارات، أي أن يعبّر الأفراد عن مهاراتهم ويعلنوها بصورة استباقية، في دول المنظمة بدعم متزايد من البنية التحتية الرقمية. إذ تطور الحكومات أدوات كجوازات المهارات تتيح للأفراد حفظ المعلومات المتعلقة بتعليمهم وخبرتهم العملية ومهاراتهم وعرضها في واجهة واحدة. ويستند كثير من هذه الأدوات إلى البيانات الإدارية المتعلقة بالتوظيف والتدريب، فيوفر منصة لعرض معلومات موثقة، كما في فرنسا وسنغافورة.
وتساعد منظومات الاعتراف بالتعلم السابق على الربط بين ممارسات المهارات أولاً الناشئة وهياكل المؤهلات القائمة، عبر المصادقة على المهارات المكتسبة من خلال التعلم غير النظامي والعرضي وترجمتها إلى شهادات معترف بها. غير أن المشاركة فيها لا تزال محدودة رغم وجودها في معظم دول المنظمة، وذلك بسبب ضعف الوعي بها وتعقيد إجراءاتها. واستجابة لذلك، أدخلت بعض الدول، ومنها فرنسا، إصلاحات لزيادة الإقبال عليها.
ويتطلب تطبيق مقاربة المهارات أولاً تعاوناً مستداماً بين أطراف ذات ولايات وحوافز متباينة، منها الحكومات وأصحاب العمل ومقدمو التدريب والأفراد. وتشمل الترتيبات التقليدية في هذا الشأن التعاون الثلاثي والمجالس أو اللجان والشراكات القائمة على البرامج، غير أن الدول تتجه بصورة متزايدة إلى إنشاء منظمات مخصصة تتولى تنفيذ سياسات المهارات والتنسيق بين القطاعات، كما في أستراليا وإنجلترا وفنلندا.
مقدمة
يتمثل المكون الجوهري الأخير لمنظومة المهارات أولاً في تكامل أقوى بين منظومات التعلم وممارسات سوق العمل. فمقدمو التعليم والتدريب يعيدون توجيه المناهج والتقييمات حول المهارات بصورة متزايدة، بينما يولي أصحاب العمل أهمية أكبر للمهارات في التوظيف وإدارة المواهب. ومع ذلك، تظل الصلة بين التعلم والعمل ضعيفة في دول كثيرة. فالمعايير المهنية وسجلات المؤهلات والمناهج التدريبية كثيراً ما تستخدم لغات مهارات مختلفة، مما يصعّب ترجمة مخرجات التعلم إلى متطلبات وظيفية. كما أن المعلومات كثيراً ما تكون مشتتة؛ إذ تتوزع فرص التعلم والتوظيف على منصات متعددة تديرها في الغالب وزارات مختلفة، مما يزيد من صعوبة رسم الأفراد لمسيرتهم في تنمية المهارات.
ولذلك يتطلب تحويل هذه التطورات المتوازية إلى مقاربة وطنية متسقة آليات تربط بين عالمي التعلم والعمل وتعزز التنسيق بين الأطراف المعنية. ويمثل الإرشاد المهني مثالاً مهماً على ذلك، ولا سيما حين يساعد الأفراد على صياغة خياراتهم التعليمية والمهنية بلغة المهارات. كما تمثل التدابير التي تمكّن الأفراد من إبراز مهاراتهم لأصحاب العمل، كجوازات المهارات، عنصراً أساسياً آخر يمكن تعزيزه عبر السياسات العامة. ويمكن للاعتراف بالتعلم السابق، بما في ذلك المصادقة على التعلم غير النظامي والعرضي، أن يدعم الانتقال إلى اقتصاد قائم على المهارات أولاً عبر ضمان الاعتراف بالمهارات في صيغ مماثلة للمؤهلات الرسمية. وأخيراً، يمكن للحوار بين الأطراف المتعددة، بأشكاله المختلفة، أن يؤدي دوراً محورياً في مواءمة هذه المبادرات وتنسيقها، بما يساعد على بناء قدر أكبر من الاتساق بين منظومات التعليم والتدريب وسوق العمل.
ترسيخ مقاربات المهارات أولاً في الإرشاد المهني
يحتاج معظم البالغين إلى معلومات واضحة ومشورة موجهة لاستكشاف خيارات سوق العمل والتعلم من منظور المهارات. وتؤدي خدمات الإرشاد المهني دوراً حاسماً في هذه العملية، عبر توفير معلومات مركزة على المهارات عن المهن وفرص التعلم، وتزويد الأفراد بأدوات تمكّنهم من اتخاذ قرارات قائمة على المهارات أولاً.
ويشير الإرشاد المهني إلى الخدمات التي تهدف إلى مساعدة الأفراد على اتخاذ خيارات تعليمية وتدريبية ومهنية مستنيرة. وبصورة عامة، يمكن تجميع خدمات الإرشاد المهني في ثلاثة مجالات مترابطة: فهي أولاً تنتج المعلومات عن المهارات المطلوبة لمختلف المهن وفرص التعليم والتدريب المرتبطة بها وتنشرها. وثانياً تقدم طيفاً واسعاً من أدوات التقييم الذاتي والأدوات التشخيصية لمساعدة الأفراد على تحديد نقاط قوتهم ومهاراتهم واهتماماتهم. وثالثاً توفر إرشاداً شخصياً يدعم الأفراد في تفسير معلومات سوق العمل ونتائج التقييم الذاتي، وفي ترجمة هذه الرؤى إلى مشورة مصممة وفق احتياجاتهم لدعم نتائج التوظيف. وتقدم هذه الخدمات عادة دوائر التوظيف العامة ومقدمون من القطاع الخاص، كما تقدمها بعض مؤسسات التعليم والتدريب وأصحاب العمل.
وفي دول المنظمة، دأبت منظومات الإرشاد تقليدياً على التعامل مع المؤهلات الرسمية وتنمية المهارات والاعتراف بها بوصفها مسارات متساوية في مشروعيتها نحو التوظيف. وتشير نتائج استبيان المنظمة حول اتجاهات سياسات تعليم البالغين لعام 2025 إلى أن نحو 80% من الدول الأربع والثلاثين المشاركة تفيد بأن منظومات الإرشاد المهني لديها توفر معلومات عن تنمية المهارات والمؤهلات الرسمية معاً بوصفهما مسارين نحو التوظيف. ورغم هذا الحياد المؤسسي، تدمج خدمات الإرشاد المهني بصورة متزايدة عناصر قائمة على المهارات أولاً.
ولا يزال تيسير الوصول إلى معلومات سوق العمل وظيفة أساسية لمنظومات الإرشاد، وتؤدي البوابات الرقمية في ذلك دوراً بارزاً. فنظام المعلومات المهنية في النمسا، الذي تديره دائرة التوظيف العامة، يشجع المستخدمين على استكشاف المسارات المهنية من منظور المهارات أولاً. وتتيح خاصية البحث بالمهارات فيه للأفراد تحديد المهن المرتبطة بمهارات محددة؛ فالبحث عن مهارات إدارة سلاسل الإمداد مثلاً يُظهر مجموعة متنوعة من الملفات الوظيفية، منها مديرو تطوير الأعمال والمهندسون الصناعيون وعمال المستودعات ومشترو الجملة. ولكل مهنة يوفر النظام معلومات عن الدخل المتوقع والوظائف الشاغرة الحالية والمهارات الأخرى المطلوبة والبرامج التدريبية ذات الصلة. وعلى نحو مماثل، توفر منصة ووركبيديا الكورية معلومات تفصيلية عن المهن، تشمل المهارات المطلوبة مرتبة بحسب الأهمية ومتوسط الراتب السنوي والرضا الوظيفي والخلفيات التعليمية للعاملين. أما بوابة كارير نت فتعرض محتوى ووركبيديا بصيغة سهلة الاستخدام، وتكمّله باختبار للاستعداد يقيّم نقاط قوة الأفراد ويساعد على مطابقتهم مع الخيارات المناسبة.
ولا يقل أهمية عن ذلك دعم الأفراد في فهم مهاراتهم واهتماماتهم. إذ تقدم السلطات العامة طيفاً واسعاً من أدوات التقييم الذاتي للمهارات، كثيراً ما تقترن بآليات دعم أخرى. ويمكن دمج هذه الأدوات في بوابات معلومات سوق العمل وجوازات المهارات الرقمية، أو إدراجها مباشرة في خدمات الإرشاد حيث يعزز التيسير المهني التفسير والمتابعة. ويتمثل غرضها الرئيس في دعم التأمل الذاتي، كأن تساعد الأفراد على تحديد مواهب واهتمامات كامنة، أو تقترح مهناً ربما لم يفكروا فيها لكنها تتواءم مع مهاراتهم وتفضيلاتهم. ولذلك تعتمد معظم الأدوات على التقييم الذاتي، وتختلف عن التقييمات المستخدمة في التوظيف لقياس مهارات محددة كمهارات البرمجة، التي تناولها الفصل الرابع. أما أدوات أخرى فتستند إلى اختبارات نفسية قياسية لقياس سمات الشخصية والقدرات المعرفية، وهي أساليب تُستخدم أيضاً في التوظيف لتقييم ملاءمة المرشحين.
وتعتمد بعض أدوات التقييم الذاتي للمهارات أساساً على أسئلة مفتوحة، وتشجع بقوة على مشاركة المرشدين. فأداة بروفيل باس في ألمانيا مثلاً صُممت لمساعدة الأفراد على تحديد المهارات المكتسبة لا عبر التعليم الرسمي فحسب، بل عبر التعلم غير النظامي والعرضي أيضاً. وتُوزع في صيغة كراسة عمل قابلة للطباعة، وتوجه المستخدمين عبر تأمل منظم في طيف واسع من الكفاءات، منها المهارات الاجتماعية والتقنية واللغوية والفنية. ويدعم مستشارون مدربون الأفراد طوال عملية التأمل والتوثيق، ويحصل المشاركون على شهادة كفاءة بعد تقييم ذاتي مدعوم من مرشد. ومنذ إطلاقها عام 2006، كُيّفت الأداة لفئات مستهدفة مختلفة، منها الشباب والنساء والعاملون لحسابهم الخاص والمهاجرون، وباتت متاحة بأكثر من عشر لغات.
غير أن عدداً متزايداً من أدوات التقييم الذاتي يُقدم عبر منصات إلكترونية تستخدم أسئلة مغلقة. فبنك الوظائف الكندي مثلاً يقدم مجموعة من الاختبارات المهنية لمساعدة الأفراد على استكشاف اهتماماتهم وقدراتهم وتفضيلاتهم في العمل. ويتألف اختبار القدرات من نحو أربعين سؤالاً يقيّم فيها الأفراد مهاراتهم على مقياس من خمس درجات، ويقيس نقاط القوة في مجالات عدة منها القدرة اللفظية والعددية والقدرة على التعلم، والمهارة اليدوية ومهارة الأصابع، والقدرة المكانية، والإدراك الكتابي. وبناءً على النتائج، يولّد النظام اقتراحات مهنية تتوافق مع ملف المهارات الذي جرى تقييمه.
وفي بعض الحالات، يُجمع بين هذه المقاربات وتُستكمل بصيغ مبتكرة كالتقييمات القائمة على الألعاب. ففي اليابان، يتضمن إطار بطاقة الوظيفة استبياناً قائماً على أسئلة مفتوحة إلى جانب أدوات إلكترونية للتقييم الذاتي تستخدم أسئلة مغلقة لتحديد اهتمامات الأفراد ومهاراتهم، كما يُشجَّع الأفراد على مناقشة النتائج مع مرشدين مهنيين مسجلين لدعم التفسير وتخطيط الإجراءات. وفي هولندا، تستهدف مبادرة جواز العمل المطبقة في مدينة آيندهوفن العاملين ذوي التحصيل التعليمي المتدني، وتدمج مكوناً للتقييم قائماً على الألعاب لتحديد المهارات والاهتمامات، مع توليد مخرجات يمكن مشاركتها مباشرة مع أصحاب العمل المحتملين.
وتنطوي المقاربات المختلفة للتقييم الذاتي للمهارات على مزايا وقيود متباينة. فالأدوات القائمة على الأسئلة المفتوحة، كأداة بروفيل باس في ألمانيا، يمكن أن تدعم تحديداً أكثر تخصيصاً ودقة للمهارات، لكن فاعليتها تتوقف إلى حد كبير على توفر الميسرين المتخصصين وخبرتهم. أما الأدوات الإلكترونية القائمة على مجموعة ثابتة من الأسئلة المغلقة، كتلك التي يستخدمها بنك الوظائف الكندي، فتوفر قدراً أكبر من التوحيد وقابلية التوسع، ويمكنها الاستناد إلى بيانات غنية عن سوق العمل لربط الأفراد بالمهن التي تتطلب ملفات مهارية مماثلة، لكنها قد تكون أقل فاعلية في تشجيع التأمل الأعمق في مهارات الأفراد وخبراتهم التعليمية.
وفي المستقبل، يوحي التقدم في تقنيات النماذج اللغوية الكبيرة بإمكانية دمج إجابات التقييم الذاتي المفتوحة في معلومات منظمة عن سوق العمل بطريقة أكثر توحيداً، بما قد يجمع بين عمق الأدوات التأملية وتخصيصها من جهة وقابلية المنصات الرقمية للتوسع وثراء بياناتها من جهة أخرى. وقد تعزز التقييمات القائمة على الألعاب إمكانية الوصول والانخراط، ولا سيما لدى المستخدمين الأقل ميلاً إلى إكمال الأدوات التقليدية القائمة على الاستبيانات.
الإطار 5.1: مساعدة الأفراد على فهم مهاراتهم وعرضها
منذ عام 2019، تقدم بلدية آيندهوفن أداة إلكترونية تُعرف بجواز العمل، تجمع بين وظيفتي تقييم المهارات وإبرازها. وتهدف المنصة إلى زيادة المشاركة في سوق العمل بين الفئات الضعيفة، ولا سيما الأفراد ذوي الخلفيات في التعليم المهني، وفي قطاعات البناء والتقنية والرعاية الصحية. وتقدم تقييمات للمهارات قائمة على الألعاب والمحاكاة لتعزيز الوعي الذاتي لدى الأفراد، وتحديد المهن ذات الملفات المهارية المتقاربة، وإبراز فرص التدريب المناسبة لسد فجوات المهارات. كما تؤدي الأداة دور آلية لإبراز المهارات، إذ تمكّن الأفراد من إبلاغ أصحاب العمل المحتملين بمهاراتهم.
ويشير التحليل الأولي للأثر إلى أن الأداة زادت وعي الباحثين عن عمل بمهاراتهم، ووسعت فهمهم للمسارات المهنية المحتملة ذات المتطلبات المهارية المماثلة. كما يبرز التقييم أهمية إشراك طيف واسع من الشركاء، ومنهم دائرة التوظيف العامة والمنظمات العاملة مع الفئات المستهدفة، لتوسيع نطاق الوصول ودعم التطبيق الفعال.
ورغم الاهتمام المتزايد بالمنصات الرقمية وأدوات التقييم الذاتي الإلكترونية، تظل مشاركة المرشدين المهنيين المتخصصين أمراً أساسياً لحسن أداء منظومات الإرشاد الموجهة نحو المهارات. إذ يدعم المرشدون الأفراد في تفسير معلومات سوق العمل ومخرجات التقييم الذاتي، فيعززون بذلك الأساس التحليلي لقرارات رفع المهارات والتوظيف. كما يساعدون الأفراد على التعبير عن مهاراتهم وإبرازها، مثلاً عبر إعداد السير الذاتية وجوازات المهارات، فضلاً عن دعم الاستعداد للمقابلات.
ففي الفلاندر، تقدم دائرة التوظيف العامة قسائم للإرشاد المهني للباحثين عن عمل الذين يُرجَّح أن يستفيدوا من الدعم الشخصي. ويستطيع الأفراد الاختيار من بين طيف من مقدمي الإرشاد المهني، يتخصص بعضهم في فئات مستهدفة محددة، كالبالغين ذوي التعليم العالي أو الشباب أو من تجاوزوا الخمسين. ويشمل الإرشاد تحديد المهارات القائمة وفجوات المهارات، واختيار التدريب ذي الصلة عند الحاجة، والمساعدة العملية في أنشطة البحث عن عمل، بما في ذلك إعداد طلبات التوظيف والتدريب على المقابلات. وفي نيوزيلندا، تتاح مشورة مهنية شخصية مجانية من خبراء مهنيين حضورياً وعبر الإنترنت والهاتف، بما يضمن إمكانية وصول واسعة. ويساعد هذا الدعم الأفراد على إدراك مهاراتهم القابلة للنقل وكيفية تطبيقها في أدوار جديدة، ووضع خطة مهنية وتدريبية مصممة وفق احتياجاتهم، وتحسين سيرهم الذاتية وخطابات التقديم.
تعزيز ظهور المهارات عبر إبرازها
يتيح تعزيز ظهور المهارات لأصحاب العمل التوظيف على أساس المهارات، ويمكّن الأفراد من الوصول إلى الوظائف وفرص التدريب المتوائمة مع قدراتهم. ويُشار بصورة متزايدة إلى هذه العملية، التي يعلن فيها الأفراد مهاراتهم صراحة، بإبراز المهارات. وفي منظومة المهارات أولاً، يؤدي إبراز المهارات وظيفة محورية عبر تعزيز الصلة بين تنمية المهارات والاعتراف بها.
وقد توسع إبراز المهارات في دول المنظمة خلال السنوات الأخيرة، إذ يعلن الأفراد مهاراتهم بصورة متزايدة عبر المنصات الرقمية، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي. ويُظهر تحليل حديث يستند إلى بيانات منصة لينكد إن أن نسبة المستخدمين الذين يضيفون معلومات عن مهاراتهم إلى ملفاتهم ارتفعت في المتوسط في دول المنظمة من 1.8% في عام 2018 إلى 3.3% في عام 2023. وفي عام 2023، تجاوزت هذه النسبة 4% في كوستاريكا وإستونيا وكولومبيا، بينما ظلت دون 2.5% في كوريا وآيسلندا واليابان. ورغم أن المقارنات الدولية المستندة إلى منصة واحدة تنطوي على قيود، ولا سيما بسبب اختلاف استخدام المنصة بين الدول، ترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن هذه الفوارق بين الدول قد تعكس جزئياً خصائص كامنة في أسواق العمل. ففي أمريكا اللاتينية، يكثر العمل غير المنظم، إذ يعمل نحو نصف السكان في سن العمل في وظائف غير منظمة، مما يزيد الاعتماد على الخبرة العملية والتعلم العرضي، وقد يشجع الأفراد على إبراز مهاراتهم بنشاط أكبر. أما في شرق آسيا، فتميل هياكل التوظيف إلى الجمود، مع تنقل وظيفي أدنى، ومن ثم حوافز أقل للعاملين للانخراط في إبراز المهارات. ويُظهر التحليل ذاته أن الشباب والعاطلين عن العمل أكثر ميلاً من غيرهم إلى إضافة معلومات عن مهاراتهم إلى ملفاتهم. يضاف إلى ذلك أن نسبة من يبرزون مهاراتهم أعلى في قطاعي التقنية والمعلومات والإعلام والخدمات المهنية مقارنة بالقطاعات الأخرى.
ومن المرجح أن يتسارع هذا الاتجاه مع توسع المنصات في خصائص إبراز المهارات. ففي مطلع عام 2026، أعلنت منصة لينكد إن أن المستخدمين سيتمكنون، إلى جانب خصائص المهارات القائمة على التقييم الذاتي وتزكيات الآخرين، من عرض إتقانهم لأدوات ذكاء اصطناعي مختارة يتحقق منه مزودو هذه الأدوات أنفسهم. وتقيّم الشركات الشريكة مستوى الإتقان عبر تحليل بيانات استخدام المنتجات وأساليب تقييم قائمة على الذكاء الاصطناعي، وتصدر شهادة يمكن للمستخدمين إضافتها إلى ملفاتهم. ويسعى أصحاب العمل كذلك بصورة متزايدة إلى معلومات المهارات؛ فكما ناقش الفصل الأول، أفادت المنصة في عام 2022 بأن 40% من مسؤولي التوظيف استخدموا بيانات المهارات لشغل الوظائف المعلنة عليها، بزيادة قدرها 20% مقارنة بالعام السابق. وتُظهر أدلة أحدث من سلوك البحث لدى مسؤولي التوظيف على المنصة أن نحو 15% من عمليات البحث عن المرشحين في دول المنظمة خلال عامي 2023 و2024 طبقت مرشحات قائمة على المهارات، مقارنة بنحو 2% طبقت مرشحات قائمة على الشهادات.
وقد أطلقت الحكومات عدداً متزايداً من المبادرات السياساتية لدعم توثيق المهارات وتوحيدها وإعلانها. وتُعرف هذه الأدوات عموماً بجوازات المهارات، وإن ظهرت بأسماء مختلفة كسجل التعلم والتوظيف في الولايات المتحدة، وهي تمكّن الأفراد من تسجيل تعليمهم وخبرتهم العملية ومهاراتهم المكتسبة في سياقات التعلم النظامي والعرضي وغير النظامي وعرضها. ويستند عدد منها إلى البيانات الإدارية المتعلقة بالتوظيف والتدريب، فيوفر منصة لعرض معلومات موثقة. ولا تقتصر فائدتها على إبلاغ أصحاب العمل بالمهارات أثناء البحث عن عمل، بل تمتد إلى دعم التواصل مع متخصصي الإرشاد المهني، ومساعدة الأفراد على تحديد فجوات المهارات وأولويات التطوير عند التخطيط لخطواتهم المهنية المقبلة.
وتبرز أمثلة راسخة في فرنسا وسنغافورة، حيث تندرج مبادرات جوازات المهارات ضمن منظومات أوسع للتعلم مدى الحياة. ففي فرنسا، يشكل جواز المهارات جزءاً من الحساب الشخصي للتدريب، وهو حساب تعلم فردي يمنح المقيمين حقوقاً في استحقاقات تدريبية تتراكم بمرور الوقت. ويوفر أربع وظائف أساسية: مساري المهني، الذي يجمع السجلات المهنية والتدريبية ويُعبأ جزئياً بصورة مسبقة باستخدام إقرارات الضمان الاجتماعي وبيانات مقدمي التدريب؛ ومهاراتي، الذي يرسم خريطة المهارات المكتسبة؛ وسيرتي الذاتية، الذي يتيح للمستخدمين إنشاء سيرة ذاتية باستخدام معلومات رسمية موثقة؛ ومستقبلي، الذي يساعد المستخدمين على استكشاف فرص مهنية جديدة في ضوء مهاراتهم وإمكاناتهم وأهدافهم المهنية. وفي سنغافورة، يندمج جواز المسارات المهنية والمهارات في بوابة مهارات المستقبل الخاصة بي، وهي نقطة موحدة لخدمات التعلم مدى الحياة. ويتضمن الجواز قسماً مخصصاً للمهارات يستند إلى المهارات الموثقة من الشهادات المكتملة ومصادقة أصحاب العمل والتزكية الذاتية، كما يتضمن أقساماً عن التوظيف والشهادات الأكاديمية والمهنية، يستند كل منها إلى بيانات إدارية.
وثمة مبادرات أخرى أكثر استهدافاً تُطبق في الغالب على المستوى الإقليمي أو القطاعي. فجوازات المسار المهني في ولاية كاليفورنيا مثلاً تهدف إلى مساعدة الأفراد، ولا سيما غير الحاصلين على شهادة جامعية مدتها أربع سنوات والمحاربين القدامى، على إثبات مهاراتهم وخبراتهم بفاعلية أكبر أمام أصحاب العمل المحتملين. وفي قطاع الطاقة، يساعد جواز مهارات الطاقة في اسكتلندا العاملين على تحديد مهاراتهم القابلة للنقل وعرضها، وإدراك المجالات التي تتطلب مزيداً من التطوير، بهدف تيسير التنقل المهني.
وكثيراً ما تقترن أدوات إبراز المهارات بأدوات التقييم الذاتي للمهارات. فالغرض الرئيس لبطاقة الوظيفة اليابانية مثلاً هو مساعدة الأفراد على فهم مهاراتهم واهتماماتهم المهنية فهماً أفضل، لكن يمكن استخدامها أيضاً لإثبات المهارات المكتسبة أمام أصحاب العمل الحاليين والمحتملين. وعلى نحو مماثل، صُمم جواز العمل في آيندهوفن لمساعدة الباحثين عن عمل غير الحاصلين على تعليم عالٍ على إثبات مهاراتهم، وترافقه أداة لتقييم المهارات قائمة على التلعيب.
وقد يكون إبراز المهارات مفيداً بوجه خاص في تضييق الفجوة بين اكتساب المهارات والاعتراف بها في سوق العمل لدى العاملين الأكثر هشاشة. فقد وجدت دراسة استندت إلى بيانات ملفات لينكد إن في الولايات المتحدة خلال الفترة من 2015 إلى 2021 أن إضافة عشر مهارات مُبلغ عنها ذاتياً إلى ملف المستخدم ترتبط بتقليص المدة الوسيطة لفترات الانقطاع عن العمل بنحو 0.7 شهر، مقارنة بمدة وسيطة أساسية تبلغ نحو ستة أشهر. وشهد الأفراد الذين لا يتضمن ملفهم أي تعليم رسمي أكبر تقليص في فترات الانقطاع عن العمل بعد إضافة المهارات. كما تفيد الدراسة بعوائد أعلى لإبراز مهارات التقنيات الناشئة، كالروبوتات والذكاء الاصطناعي، وكذلك للمهارات الشخصية.
إضفاء الطابع الرسمي على المهارات عبر الاعتراف بالتعلم السابق
يستغرق الانتقال إلى اقتصاد قائم على المهارات أولاً وقتاً، وفي هذه المرحلة الانتقالية يمكن لمنظومات الاعتراف بالتعلم السابق أن تيسر التكيف عبر ترجمة العملة الناشئة للمهارات إلى العملة التقليدية للشهادات. ويشير الاعتراف بالتعلم السابق إلى عملية المصادقة على مهارات الأفراد المكتسبة عبر التعلم النظامي أو غير النظامي أو العرضي، ومنحهم مؤهلات أو شهادات أو ساعات أكاديمية معتمدة كاملة أو جزئية. وكثيراً ما يُستخدم مصطلح الاعتراف مرادفاً لمصطلح المصادقة.
وقد بات الاعتراف بالتعلم السابق أداة سياساتية معيارية في دول المنظمة وخارجها، وترسخت أهميته في المشهد السياساتي منذ أكثر من عقد. فقد اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي مثلاً في عام 2012 توصية بشأن المصادقة على التعلم غير النظامي والعرضي، دعا فيها الدول الأعضاء إلى إنشاء منظومات وطنية للمصادقة. وينعكس هذا الزخم السياسي في الممارسة؛ إذ تفيد أكثر من 80% من الدول الأربع والثلاثين المشاركة في استبيان المنظمة حول اتجاهات سياسات تعليم البالغين لعام 2025 بوجود منظومة وطنية للاعتراف بالتعلم السابق لديها، ويفيد نحو 60% منها بأنها مطبقة تطبيقاً شاملاً أو واسعاً.
ويمكن تصميم منظومات الاعتراف بالتعلم السابق لدعم قابلية التوظيف والتعلم مدى الحياة معاً. ويتمثل الهدف الأكثر وضوحاً، الذي تفيد به أكثر من ثلثي الدول التي لديها منظومة من هذا النوع، في منح مؤهلات كاملة أو جزئية أو شهادات مكافئة. وتستخدم أكثر من نصف الدول الاعتراف بالتعلم السابق لتحسين فرص التوظيف عبر ترجمة التعلم غير النظامي والعرضي إلى شهادات، بهدف تحسين إبراز مهارات المرشحين في التوظيف. وفي نحو 45% من الدول، يهدف الاعتراف بالتعلم السابق إلى تقصير مدة التعليم الرسمي عبر الاعتراف بالمعارف والمهارات المكتسبة وإعفاء المتعلمين من أجزاء من المنهج. كما يمكن أن ييسر الالتحاق ببرامج التعليم عبر منح إعفاءات من متطلبات القبول على أساس التعلم السابق. ومجتمعة، يمكن لهذه العمليات أن تساعد المتعلمين ومقدمي التعليم والتدريب وممارسي الإرشاد المهني على تحديد فجوات المهارات والاحتياجات التدريبية.
وفي معظم الدول، تبني إجراءات الاعتراف بالتعلم السابق الوطنية على أدوات قائمة، كسجلات المؤهلات الوطنية أو المعايير المهنية، مستندة إلى واصفات المهارات المدمجة في هذه الأطر. ففي جمهورية التشيك مثلاً، تنتظم منظومة المصادقة على التعلم غير النظامي والعرضي حول السجل الوطني للمؤهلات، الذي يضم نحو 1500 مؤهل مهني كامل وجزئي. ويتألف المؤهل الكامل من مؤهلات جزئية عدة، لكل منها مخرجات تعلم محددة بوضوح من حيث المعارف والمهارات. ويستطيع الأفراد الحصول على الاعتماد باجتياز الامتحانات الخاصة بهذه المؤهلات الجزئية. ويقوم التقييم على الكفاءة، ويتضمن عادة مزيجاً من الاختبارات الشفهية والكتابية وعرضاً عملياً للمهارات والكفاءات المحددة في معايير المؤهل والتقييم. وفي كولومبيا، تنتظم خدمة تقييم الكفاءات المهنية واعتمادها حول المعايير القطاعية للكفاءة المهنية؛ إذ تقيّم هيئة التدريب الوطنية المعارف والمهارات الخاصة بالمهنة لدى الأفراد وفق هذه المعايير، وتمنح شهادة كفاءة مهنية عند الاجتياز الناجح. وفي الهند، يستند إطار الاعتراف بالتعلم السابق المطبق في إطار برنامج رئيس الوزراء لتدريب الشباب على الإطار الوطني لمؤهلات المهارات والمعايير المهنية الوطنية معاً. وتتضمن العملية عادة إرشاداً لتحديد الأدوار الوظيفية ضمن المعايير المهنية الوطنية التي تتوافق مع المعارف والمهارات السابقة للفرد، تليها مرحلة فرز أولي تتضمن تقديم الوثائق الداعمة والتقييم الذاتي. ثم يُكمل المرشحون توجيهاً إلزامياً مدته ثلاثون ساعة، وعند الحاجة تدريباً إضافياً لمعالجة فجوات المهارات المحددة. ويقيّم التقييم النهائي المهارات المحددة في المعايير المهنية الوطنية، ويفضي إلى شهادة مرتبطة بالإطار الوطني لمؤهلات المهارات.
ورغم الترسخ المؤسسي الواسع، لا تزال معدلات المشاركة في الاعتراف بالتعلم السابق متواضعة في دول كثيرة. ومن العوائق في هذا الشأن محدودية وعي المستفيدين المحتملين به، وطول الإجراءات وتعقيدها. ولذلك تواصل الدول إصلاح منظوماتها وتعزيزها. واستجابة لهذه التحديات، أطلقت فرنسا مؤخراً إصلاحاً لمنظومتها العريقة للمصادقة على الخبرة المكتسبة، التي أُدخلت لأول مرة عام 2002. فقد أُطلقت عام 2023 بوابة معلومات إلكترونية مركزية لتيسير الوصول إلى المعلومات وتقديم الطلبات وإدارتها إلكترونياً، واستُحدث دور مهني مخصص يوصف بمهندس الإرشاد المهني لدعم المرشحين طوال العملية. وإضافة إلى ذلك، عولجت القيود المالية عبر إتاحة التمويل من خلال الحساب الشخصي للتدريب.
ورغم أن إجراءات الاعتراف بالتعلم السابق تفضي إلى مؤهلات وشهادات، فإن منطقها التشغيلي يظل متجذراً في مقاربات المهارات أولاً. ففي الممارسة العملية، يعمل الاعتراف بالتعلم السابق بوصفه شكلاً موسعاً من تقييم المهارات، تُقاس فيه كفاءات الأفراد وفق معايير راسخة وتُحوَّل إلى شهادات معترف بها رسمياً. وبهذا المعنى، يؤدي دور الجسر بين المهارات والمؤهلات، بما يمكّن المهارات المكتسبة خارج مسارات التعليم الرسمي من أن تصبح مرئية وقابلة للنقل ضمن المنظومات القائمة على الشهادات. كما يعكس روح المهارات أولاً في توسيع الفرص أمام طيف واسع من الأفراد؛ إذ يمكنه مثلاً دعم وصول المهاجرين المدربين في منظومات مختلفة إلى المهن المنظمة، وتمكين العاملين في منتصف مسيرتهم من ذوي التحصيل التعليمي الأدنى من إثبات مهارات ذات صلة بالوظيفة، ومساعدة البالغين ذوي المسارات التعليمية المتقطعة على تحويل تعلمهم السابق إلى شهادات معترف بها.
تعزيز التعاون بين الأطراف المتعددة
تشمل منظومة المهارات أولاً طيفاً واسعاً من الأطراف الفاعلة التي تتباين ولاياتها ومصالحها تبايناً كبيراً. فالحكومات تؤدي دوراً محورياً، غير أن المسؤوليات كثيراً ما تتوزع على وزارات متعددة، ولا سيما وزارتي التعليم والعمل. ولا يكون التنسيق بين الوزارات سلساً دائماً، مما ينعكس على اتساق السياسات وكفاءة تنفيذها. وإلى جانب الوزارات، تشارك هيئات عامة متنوعة، منها دوائر التوظيف العامة وهيئات ضمان الجودة. ويمثل أصحاب العمل أطرافاً حاسمة كذلك، لكن أولوياتهم ومواردهم ومستويات انخراطهم تتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب القطاع وحجم المنشأة. ويقع الأفراد، الذين تمثلهم عادة النقابات العمالية، في قلب سياسات المهارات أولاً، غير أن احتياجاتهم ومساراتهم في تنمية المهارات شديدة التنوع. ولا يقل مقدمو التعليم والتدريب أهمية، لكنهم كثيراً ما يعملون ضمن مجالات مؤسسية مجزأة تشمل التعليم المهني والتقني والتعليم العالي والتعلم غير النظامي. ومن الجهات المعنية المهمة الأخرى ممارسو الإرشاد المهني ومنظمات المجتمع المدني.
ويتوقف التطبيق الفعال لاستراتيجية وطنية قائمة على المهارات أولاً على حوار وتعاون منظمين بين هذا الطيف الواسع من الجهات المعنية، لدعم اعتماد متسق والحد من التشتت بين المجالات السياساتية والبيئات التشغيلية. ورغم أن التنسيق في هذا المشهد المتنوع لا يزال صعباً، وأنه لا يوجد نموذج حوكمة واحد يناسب جميع السياقات، تتخذ الدول خطوات لتعزيز التعاون بين الأطراف المتعددة عبر طيف من الترتيبات المؤسسية. فالمقاربة الأكثر تقليدية تعتمد على التعاون الثلاثي بين السلطات الحكومية ومنظمات أصحاب العمل والنقابات العمالية. وبالتوازي مع ذلك، أنشأت بعض الدول مجالس أو لجان توفر منتدى للحوار حول سياسات المهارات، بينما أنشأت دول أخرى منظمات مخصصة تتولى تنفيذ سياسات المهارات والتنسيق بين القطاعات. كما تُستخدم الشراكات القائمة على البرامج، كمبادرات تعليم البالغين الموجهة، على نطاق واسع.
وفي دول المنظمة، نشأت الترتيبات التعاونية لا عبر القيادة الحكومية فحسب، بل أيضاً عبر مبادرات يقودها الشركاء في سوق العمل ومقدمو التدريب. ويعكس هذا التنوع في المنشأ اختلافات في تقاليد الحوكمة والقدرات المؤسسية. وتبعاً كذلك للأطراف المشاركة، تستخدم الهياكل التعاونية طيفاً واسعاً من الأدوات، منها الاستراتيجيات الوطنية للمهارات، والمراسيم الحكومية، وآليات التمويل الموجهة، وأنظمة جمع استخبارات المهارات وتحليلها ونشرها. وفي بعض الحالات، يفضي الحوار بين الأطراف المتعددة إلى تطوير هذه الأدوات، بينما تؤدي الأدوات نفسها في حالات أخرى دور الآلية التي تجمع الجهات المعنية.
ولا تزال الحوكمة الثلاثية التي تضم الحكومة ومنظمات أصحاب العمل والنقابات العمالية من أكثر نماذج التعاون رسوخاً. ففي الدنمارك مثلاً، وُقّع أحدث اتفاق ثلاثي بشأن تعليم البالغين عام 2023، بميزانية سنوية مخصصة قدرها 360 مليون كرونة دنماركية، أي نحو 50 مليون يورو. وتهدف هذه الأموال إلى ضمان أن تكون القوى العاملة مجهزة جيداً لاحتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية، وتدعم طيفاً من المبادرات منها برنامج وطني لتعزيز المهارات الأساسية.
وبالبناء على هذا الأساس، أنشأت دول كثيرة أيضاً مجالس ولجاناً مخصصة تركز على تنسيق سياسات المهارات والإشراف الاستراتيجي عليها، وكثيراً ما تضم مقدمي التعليم والتدريب. ففي النرويج مثلاً، تعمل هيئات تنسيق عدة ذات ولايات مرتبطة بالمهارات إلى جانب الترتيبات الثلاثية. فقد أُنشئ مجلس سياسات المهارات عام 2017 في أعقاب الاستراتيجية النرويجية لسياسات المهارات للفترة من 2017 إلى 2021، وأُنيطت به مسؤولية متابعة تنفيذ الاستراتيجية. وجُددت ولايته عام 2022، وتضم عضويته ممثلين عن خمس وزارات والشركاء الاجتماعيين والبلديات ومنظمات تمثل تعليم البالغين والتعليم العالي والتعليم المهني والتقني. واستكمالاً لهذا الهيكل، تجري اللجنة النرويجية لاحتياجات المهارات دراسات لتقييم المهارات واستشرافها، وتوفر بيانات وتحليلات للمهارات تُثري مداولات مجلس سياسات المهارات.
وتقوم مقاربة مماثلة متعددة الأطراف على تنسيق سياسات المهارات في ألمانيا. فالاستراتيجية الوطنية للتعليم المستمر تقودها بصورة مشتركة الوزارة الاتحادية للعمل والشؤون الاجتماعية والوزارة الاتحادية للتعليم وشؤون الأسرة وكبار السن والمرأة والشباب، وتجمع 17 شريكاً منهم الولايات الاتحادية والمنشآت والنقابات العمالية والوكالة الاتحادية للتوظيف. وقد أُطلقت الاستراتيجية عام 2019 وتُحدَّث كل ثلاث سنوات، وتحدد التحديات في التعليم والتدريب المهني المستمر من منظورات متعددة، وترسم أولويات استراتيجية تدعمها تدابير تمويل موجهة. وفي المجر، كثيراً ما يُستخدم التشريع لتمكين التعاون بين الجهات المعنية؛ فقرار الحكومة رقم 1276 لسنة 2023 مثلاً يكلف وزير الثقافة والابتكار بإعداد تصور تفصيلي لتطوير إطار وطني للشهادات المصغرة ولإمكانيات إدخال حسابات التعلم الفردية، مع تسمية وزير التنمية الاقتصادية ووزير المالية شريكين رئيسين في التنسيق.
وتمثل مجالس المهارات القطاعية آلية أخرى واسعة الاستخدام للتعبير عن احتياجات المهارات الخاصة بكل قطاع وتوجيه عروض التعليم والتدريب. وتقدم مؤسسة سكيلنت أيرلندا أحد أقدم الأمثلة على ذلك؛ فهي وكالة وطنية تعمل تحت مظلة وزارة التعليم الإضافي والعالي والبحث والابتكار والعلوم، وتُمول عبر الصندوق الوطني للتدريب الذي يُموَّل أساساً من رسوم يدفعها أصحاب العمل. وتدعم المؤسسة 70 شبكة من شبكات الأعمال، تمثل كل منها قطاعاً أو منطقة محددة، بما يمكّن أصحاب العمل من التعبير عن الطلب المتطور على المهارات والمشاركة في تصميم برامج تدريبية قصيرة وموجهة بالشراكة مع مقدمي التعليم والتدريب.
ويوفر التعاون القائم على البرامج مساراً إضافياً للانخراط التشغيلي المباشر بين الجهات المعنية. ففي هولندا، خُصص نحو 400 مليون يورو من صندوق النمو الوطني لمبادرة محفز التعلم مدى الحياة للفترة من 2022 إلى 2027. وتنسق المبادرة وزارة التعليم والثقافة والعلوم، وتجمع جهات معنية من قطاعات فرعية مختلفة للتعليم والتدريب والحكومة وممثلين عن قطاع الأعمال على المستويين الوطني والمحلي. ويتمثل هدفها في تعزيز التنسيق بين الأطراف المتعددة في مجال التعلم مدى الحياة وتسريع تنمية المهارات عالية الطلب.
ويتمثل شكل أكثر مأسسة لنماذج الحوكمة هذه في إنشاء هيئات مخصصة تتمحور ولاياتها حول النهوض بسياسات المهارات. فمركز خدمات التعلم المستمر والتوظيف في فنلندا يعمل تحت المسؤولية المشتركة لوزارة التعليم والثقافة ووزارة الشؤون الاقتصادية والتوظيف. وقد أُنشئ عام 2022 بهدف دعم تنمية القوى العاملة استجابة لاحتياجات سوق العمل الحالية والناشئة، وتشمل مهامه تحليل الطلب الحالي والمستقبلي على المهارات، وإدارة تخصيص التمويل لبرامج تعليم البالغين القصيرة في المجالات عالية الطلب، وتطوير خدمات المعلومات والإرشاد. ويسترشد عمله بمجلس التعلم المستمر والتوظيف، الذي يضم ممثلين عن وزارات عدة وأكثر من عشر منظمات من الشركاء الاجتماعيين. وفي إنجلترا، تُكلَّف هيئة مهارات إنجلترا، وهي وكالة تنفيذية تابعة لوزارة العمل والمعاشات، بالعمل عبر مختلف الجهات الحكومية لضمان توفر مسارات واضحة ومتسقة لتنمية المهارات للشباب والبالغين. وتعمل الهيئة مع أصحاب العمل وشركاء آخرين على المشاركة في تطوير المعايير المهنية وبرامج التلمذة المهنية والمؤهلات التقنية وتحديثها بانتظام وفق الاحتياجات المتطورة من المهارات، كما تتعاون مع الشركاء الإقليميين لمعالجة تحديات أسواق العمل المحلية والاستجابة للأولويات الوطنية. أما هيئة الوظائف والمهارات الأسترالية فهيئة قانونية تابعة لوزارة التوظيف وعلاقات العمل، تقدم المشورة للحكومة بشأن الاحتياجات الحالية والمستقبلية من المهارات ومدى فاعلية منظومات التدريب والهجرة في الاستجابة لها، ويشرف على أدائها مجلس استشاري وزاري يضم ممثلين عن أصحاب العمل والموظفين وحكومات الولايات والأقاليم.
وتذهب بعض الدول أبعد من ذلك بإنشاء هيئة ذات ولاية محددة لتعزيز مقاربات المهارات أولاً. ففي سنغافورة، أطلق معهد تعليم البالغين بجامعة سنغافورة للعلوم الاجتماعية مركز ممارسات المهارات أولاً عام 2025، بهدف بناء القدرات على مستوى المنظومة وفهم مشترك بين الجهات المعنية للتعبير عن المهارات وتفعيلها والاعتراف بها. وينشر المركز سلسلة من الأوراق التي تتناول مقاربات المهارات أولاً من منظورات الجهات المعنية المختلفة، ويقدم تدريباً لتنمية القدرات بهدف إشراك الجهات المعنية وتمكينها، ويتشارك مع أصحاب العمل لتجريب هذه المقاربات. وفي الولايات المتحدة، أُنشئت منظمة أوبورتيونيتي آت ورك غير الربحية عام 2015 للمساعدة على ضمان الاعتراف بالأفراد الذين اكتسبوا مهاراتهم عبر مسارات بديلة ومكافأتهم في سوق العمل. وتعمل المنظمة مع الشركات والمنظمات الخيرية وممثلي العاملين على إزالة اشتراطات الشهادات غير الضرورية من إعلانات الوظائف. وتركز إحدى مبادراتها على القطاع العام، إذ تجمع 15 حكومة ولاية وحكومة محلية لتقديم التدريب وفرص التعلم من الأقران والمساعدة الفنية العملية لتسريع التوظيف القائم على المهارات أولاً في وظائف أساسية كالميزانية والمالية والموارد البشرية وتحليل البيانات وتقنية المعلومات والأمن السيبراني. وفي هولندا، تيسر سفارة المهارات، وهي مجتمع قاعدي أُطلق عام 2023، الحوار وتدعم التنسيق والتعاون بين القطاعات في مبادرات المهارات أولاً، بما في ذلك جهود الربط بين جوازات المهارات المختلفة.
وتختلف هذه المقاربات من حيث بنيتها المؤسسية وطبيعة التعاون الذي تنطوي عليه. فبعضها يتخذ شكل انخراط مؤقت أو عرضي للجهات المعنية، يُنظم فيه التعاون حول فترة محددة أو مبادرة بعينها، وبعضها الآخر هياكل أكثر ديمومة ذات ولاية صريحة تجمع الجهات المعنية على أساس مستمر. والنوع الأول قد يكون أيسر إنشاءً على المدى القصير، وهو شائع بالفعل في دول كثيرة. أما النوع الثاني فيتطلب جهداً وموارد أكبر لإنشائه، لكنه قد يوفر أساساً أمتن للتنسيق، ويبعث برسالة واضحة عن التزام وطني قوي بالاعتماد والتطبيق المتسقين لمقاربات المهارات أولاً.
