الفصل الثالث: الاستدامة المؤسسية في قطاع الطاقة
يبيّن هذا الفصل كيف يفصح قطاع الطاقة، بوصفه أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري والممكّن الرئيسي للتحول نحو الطاقة النظيفة في آن واحد، عن المعلومات الجوهرية المتعلقة بالاستدامة المؤسسية، بما في ذلك انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وحوكمة الشركات.
يُعدّ قطاع الطاقة، الذي يضم صناعات النفط والغاز والفحم والطاقة الكهربائية، مصدراً رئيسياً لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري وفاعلاً محورياً في نشر تقنيات الطاقة النظيفة في الوقت ذاته. ومع شروع الحكومات في وضع استراتيجيات لبلوغ الحياد الصفري للانبعاثات بحلول منتصف القرن، يغدو فهم الكيفية التي تدير بها شركات الطاقة هذا التحول أمراً بالغ الأهمية. كما قد يطالب المستثمرون بدورهم بالشفافية وبخطط عمل ذات مصداقية، نظراً للمخاطر والفرص المالية المرتبطة مثلاً بالأصول العالقة أو بحاجة الدول إلى تعزيز أمن الطاقة لديها.
ويُعدّ قطاع الطاقة أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناجمة عن النشاط البشري، إذ يستأثر إنتاج الكهرباء والحرارة بثلث الانبعاثات العالمية. ومع بلوغ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية المرتبطة بالطاقة مستوى قياسياً قدره 37.8 غيغاطن في عام 2024، لا تزال البصمة الكربونية للقطاع تسير في مسار غير مستدام. ويؤكد ذلك أن الأهداف المناخية لن تتحقق ما لم يحدث تحول جذري في منظومات الطاقة. وفي الوقت نفسه، يمثل قطاع الطاقة جزءاً لا غنى عنه من الحل، إذ يحشد رأس المال والخبرات الإدارية والمعارف التقنية اللازمة لنشر البدائل المنخفضة الكربون على نطاق واسع. ويركز هذا الفصل على قطاع الطاقة، ولا سيما إفصاحه عن المعلومات الجوهرية المتعلقة بحوكمة الشركات وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وعلى المستوى العالمي، أفصحت شركات الطاقة المدرجة عن انبعاثات تقارب 23,350 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أفصحت شركات النفط والغاز عن قرابة 13,400 مليون طن منها، وهو ما يمثل نحو ثلث إجمالي الانبعاثات التي أفصحت عنها جميع الشركات المدرجة. وعلى الرغم من هذه البصمة البيئية الكبيرة، لا يمثل قطاع الطاقة سوى 6% من إجمالي أصول الشركات المدرجة و9% من القيمة السوقية العالمية. وتسجل أوروبا أعلى حجم من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المفصح عنها من شركات الطاقة المدرجة، تليها الولايات المتحدة، وإن كان ذلك قد يتأثر أيضاً بعدد الشركات المدرجة وحجمها في كل منطقة. وفي الصين، أفصحت شركات الطاقة عن انبعاثات تقارب 1,950 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، تمثل قرابة ثلث انبعاثات الشركات المدرجة في البلاد.
وقد تسارع الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة تسارعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعاً بتراجع تكاليف التقنيات النظيفة وبالسياسات الداعمة. ففي عام 2024، كان الاستثمار العالمي في الطاقة في طريقه إلى تجاوز 3 تريليونات دولار أمريكي، يتجه قرابة 2 تريليون دولار منها، أي الثلثان، إلى تقنيات الطاقة النظيفة وبنيتها التحتية. وتمثل الطاقة الشمسية مثالاً بارزاً على ذلك، إذ انخفضت أسعار أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية منذ عام 2015 بأكثر من 50% للأنظمة المثبتة على الأسطح وبنحو 40% لمحطات المرافق الكبيرة، مما جعلها خياراً فعالاً من حيث التكلفة، وقد بلغ الاستثمار فيها قرابة 95 مليار دولار أمريكي في عام 2024. ومن المتوقع أن يصل الاستثمار في الطاقة الشمسية بنوعيها، أي محطات المرافق والأنظمة المثبتة على الأسطح، إلى 450 مليار دولار أمريكي في عام 2025، لتصبح بذلك أكبر بند منفرد في حصر الوكالة الدولية للطاقة للإنفاق الاستثماري العالمي.
ويتطلب تحقيق خفض عميق في الانبعاثات نشراً سريعاً للتقنيات النظيفة القائمة، إلى جانب إنضاج حلول جديدة لم تصبح بعد جاهزة للسوق. والواقع أن قرابة 50% من تخفيضات ثاني أكسيد الكربون اللازمة بحلول عام 2050 وفق خارطة طريق الوكالة الدولية للطاقة لبلوغ الحياد الصفري تعتمد على تقنيات لا تزال في مرحلة العرض التجريبي أو النموذج الأولي. ومن أبرز فرص الابتكار المحددة الجيل القادم من البطاريات المستخدمة في تخزين الطاقة على الشبكات وفي المركبات الكهربائية، والمحللات الكهربائية منخفضة التكلفة لإنتاج الهيدروجين، وتقنيات التقاط الكربون مباشرة من الهواء.
3.1 انبعاثات غازات الاحتباس الحراري
تتمتع شركات الطاقة، على المديين القصير والمتوسط على الأقل، بقدر أكبر من السيطرة على انبعاثات النطاقين الأول والثاني، وهي الانبعاثات الناشئة عن عملياتها الذاتية والطاقة التي تشتريها، ويشمل ذلك ثاني أكسيد الكربون المنبعث من احتراق الوقود في المنشآت والميثان المنطلق أثناء استخراج النفط والغاز. غير أن انبعاثات النطاق الثالث، ولا سيما الناجمة عن استخدام المنتجات المباعة، تفوق البصمة التشغيلية لشركات الطاقة بفارق هائل، وتمثل التحدي الأكبر في مسار إزالة الكربون.
وتكشف أحدث البيانات المتعلقة بإفصاحات الاستدامة لدى شركات الطاقة عن فروق إقليمية في الإفصاح عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ففي الولايات المتحدة، يفصح أكثر من نصف شركات الطاقة، بنسبة 57%، عن انبعاثات النطاقين الأول والثاني، ويفصح 36% منها عن فئة واحدة على الأقل من انبعاثات النطاق الثالث. ومن حيث القيمة السوقية، تتصدر أوروبا، إذ تفصح شركات الطاقة المدرجة التي تمثل 99% من القيمة السوقية عن انبعاثات النطاقين الأول والثاني، و98% عن فئة واحدة على الأقل من النطاق الثالث. وتنخفض معدلات الإفصاح لدى شركات الطاقة الصينية، إذ تفيد 32% منها بانبعاثات النطاقين الأول والثاني، و9% بفئة واحدة على الأقل من النطاق الثالث. ويسجل الشرق الأوسط وأفريقيا أدنى مستويات الإفصاح عن الانبعاثات، إذ لا تفيد سوى 20% من شركات الطاقة بانبعاثات النطاقين الأول والثاني، و9% بفئة واحدة على الأقل من النطاق الثالث.
وعلى المستوى العالمي، أفادت شركات الطاقة المدرجة بانبعاثات قدرها 5,622 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في النطاق الأول، أفصحت شركات النفط والغاز عن 27% منها، وقرابة 450 مليون طن في النطاق الثاني، كانت حصة شركات النفط والغاز منها 49%، و17,285 مليون طن في النطاق الثالث، كانت حصة شركات النفط والغاز منها 67%. وكان إجمالي الانبعاثات المفصح عنها من شركات الطاقة عبر جميع النطاقات هو الأعلى في أوروبا، مدفوعاً إلى حد كبير بانبعاثات النطاق الثالث، إذ بلغ 596 مليون طن في النطاق الأول، و55 مليون طن في النطاق الثاني، و6,033 مليون طن في النطاق الثالث. وسارت الولايات المتحدة على نمط مماثل، إذ أفصحت شركات الطاقة فيها عن 1,242 مليون طن في النطاق الأول، و104 ملايين طن في النطاق الثاني، و5,182 مليون طن في النطاق الثالث.
وتظهر فروق دقيقة مهمة عند تفصيل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، سواء في التمييز بين الغازات المختلفة المبلغ عنها ضمن النطاق الأول، أو في المقاربات المنهجية المعتمدة في حساب النطاق الثاني، أو في اتساع أنشطة سلسلة القيمة المشمولة بالنطاق الثالث.
فانبعاثات النطاق الثاني يمكن حسابها وفق منهجيتين بموجب بروتوكول غازات الاحتباس الحراري. فالمنهجية القائمة على الموقع تعكس متوسط انبعاثات الشبكة الكهربائية في المكان الذي تُستهلك فيه الكهرباء، أما المنهجية القائمة على السوق فتعكس الانبعاثات المرتبطة بمنتجات الكهرباء المحددة التي اشترتها الشركة، كاتفاقيات شراء الطاقة وشهادات سمات الطاقة. وفي حين تفصح جميع شركات الطاقة تقريباً عن انبعاثات النطاق الثاني وفق المنهجية القائمة على الموقع، لا تفصح عنها وفق المنهجية القائمة على السوق سوى أقلية منها.
وتغطي الفئة الحادية عشرة من النطاق الثالث، المعنونة "استخدام المنتجات المباعة"، الانبعاثات اللاحقة الناجمة عن استخدام العملاء لمنتجات الشركة. وفي قطاع الطاقة، تُعدّ هذه الفئة عادة الأهم بالنسبة لشركات النفط والغاز، إذ تشمل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المنطلقة حين يحرق المستخدمون النهائيون أنواع الوقود كالبنزين والديزل والغاز الطبيعي. وكما هو متوقع، تُعزى انبعاثات النطاق الثالث لشركات الطاقة المدرجة إلى حد بعيد إلى الفئة الحادية عشرة، غير أن الفئات الأخرى تظل جوهرية، إذ تتجاوز 4,400 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، بما يعكس انبعاثات سلاسل الإمداد لدى شركات الطاقة من خارج صناعة النفط والغاز أيضاً.
وخلافاً للنطاقين الأول والثاني، لا يمكن للشركة بمفردها خفض انبعاثات النطاق الثالث، إذ تتوقف على الطلب العالمي على الوقود الأحفوري وعلى مدى توافر تقنيات أنظف للاستخدام النهائي. ويخلق ذلك معضلة، فشركة النفط تستطيع خفض انبعاثاتها المباشرة، لكنها إن استمرت في بيع النفط فسيبقى ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراقه لدى العملاء قائماً. وقد يفسر ذلك إحجام بعض الشركات عن وضع أهداف كمية لخفض انبعاثات النطاق الثالث، إذ قد لا تقلص هذه الأهداف الطلب أو الانبعاثات العالمية فعلياً، وقد لا تؤدي إلا إلى نقل الحصص السوقية دون تحقيق منافع مناخية. فعلى سبيل المثال، قد يضغط المستثمرون على الشركات المدرجة لبيع أصولها كثيفة الكربون، كحقول النفط الناضجة ومناجم الفحم، إلى مشغلين غير مدرجين. وفي حين قد يؤدي ذلك إلى خفض الانبعاثات المبلغ عنها للشركة، فإنه لا يخدم المناخ بالضرورة، إذ ينتقل التلوث ببساطة إلى كيان قانوني آخر.
وللحكومات دور كبير في تمكين انبعاثات القطاع أو كبحها، فهي لا تكتفي بإصدار تراخيص الاستكشاف والإنتاج، بل كثيراً ما تمتلك حصصاً كبيرة في شركات تستأثر بنسبة 32% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لشركات قطاع الطاقة المدرجة.
وعلى المستوى العالمي، تتحمل المؤسسات المملوكة للدولة المدرجة، التي يعرّفها هذا التقرير بأنها الشركات التي تمارس الدولة السيطرة عليها أو تمتلك أكثر من 25% من أسهمها، المسؤولية عن 3,132 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون من انبعاثات النطاق الأول، وقرابة 4,250 مليون طن من انبعاثات النطاق الثالث، مما يؤكد دورها المهيمن في الأنشطة التشغيلية وأنشطة المنبع. أما الشركات غير المملوكة للدولة فتفيد بانبعاثات أقل في النطاق الأول تبلغ 2,490 مليون طن، لكنها تفصح عن انبعاثات أكبر بكثير في النطاق الثالث يبلغ مجموعها 13,037 مليون طن.
وفي الصين، تمثل المؤسسات المملوكة للدولة المصدر الرئيسي للانبعاثات بين الشركات المدرجة في قطاع الطاقة، إذ تستأثر بنحو 1,426 مليون طن من انبعاثات النطاق الأول و100 مليون طن من انبعاثات النطاق الثاني، في حين لا تسهم الشركات غير المملوكة للدولة إلا بنحو 27 مليون طن في النطاق الأول و57 مليون طن في النطاق الثاني. وعلى نحو مماثل، تسهم المؤسسات المملوكة للدولة في الشرق الأوسط وأفريقيا بجميع انبعاثات النطاقين الأول والثاني المبلغ عنها تقريباً.
3.2 أهداف خفض الانبعاثات
تتفاوت جودة أهداف الانبعاثات لدى الشركات، من حيث طموحها وقابليتها للتحقيق وشمولها، تفاوتاً واسعاً في قطاع الطاقة. فكثير من الشركات الكبيرة تعلن اليوم طموحها إلى بلوغ الحياد الصفري للانبعاثات بحلول عام 2050، غير أن التفاصيل الدقيقة تظل حاسمة: هل يقتصر الحياد الصفري على عملياتها الذاتية، أي النطاقين الأول والثاني، أم يشمل أيضاً استخدام العملاء، أي النطاق الثالث؟ وهل سيتحقق عبر خفض فعلي للانبعاثات أم عبر شراء أرصدة تعويض الكربون أيضاً؟ ويمكن القول إن الأهداف الممتدة حتى عام 2030 أو 2035 أكثر أهمية، لأنها تترجم الطموح إلى عمل على المدى القريب، أو تكشف غيابه.
ولإجراء تحليل أكثر عمقاً، جرى اختيار عينة من 100 شركة طاقة لفحص تقارير الاستدامة الخاصة بها وتقييم مدى إفصاحها عن المعلومات البيئية ومعلومات حوكمة الشركات الرئيسية. وتتألف العينة من 34 شركة كبيرة و33 شركة متوسطة الحجم و33 شركة صغيرة، مصنفة بحسب إجمالي أصولها. وقد اختيرت العينة من بين 2,475 شركة مدرجة في قطاع الطاقة، تبلغ أصول فئة "الشركات الكبيرة" منها، وعددها 779 شركة، 18 تريليون دولار أمريكي، بمتوسط أصول للشركة الواحدة قدره 23 مليار دولار أمريكي. وتبلغ أصول فئة "الشركات المتوسطة"، وعددها 779 شركة، 618 مليار دولار أمريكي، بمتوسط أصول للشركة الواحدة قدره 794 مليون دولار أمريكي. أما فئة "الشركات الصغيرة"، وعددها 780 شركة، فتبلغ أصولها 46 مليار دولار أمريكي، بمتوسط أصول للشركة الواحدة قدره 59 مليون دولار أمريكي.
وتُظهر الشركات الكبيرة أعلى مستويات الإفصاح المناخي ووضع الأهداف عموماً. فبينما تفصح 94% من الشركات الكبيرة عن انبعاثاتها الحالية، لا تفصح عن انبعاثات سنة الأساس سوى 44% منها. ويبقى وضع الأهداف المرحلية لدى الشركات الكبيرة معتدلاً، إذ وضع نحو ربعها مثل هذه الأهداف، ويبلغ متوسط عدد السنوات بين سنة الأساس والهدف المرحلي، الذي يُحدد في الفترة بين عامي 2025 و2035، 11 سنة. أما وضع الأهداف طويلة الأجل فأكثر انتشاراً، إذ تلتزم 35% من الشركات الكبيرة بخفض انبعاثات النطاقين الأول والثاني، وإن لم تستهدف دائماً بلوغ الحياد الصفري.
وفيما يخص الشركات المتوسطة الحجم، تفصح 52% منها عن انبعاثات النطاقين الأول والثاني الحالية، بينما لا تفصح عن انبعاثات سنة الأساس سوى 15%. وعلى صعيد وضع الأهداف، لم تعتمد أهدافاً مرحلية سوى ثلاث شركات من أصل 33 شركة، بفاصل 12 سنة بين سنة الأساس والهدف المرحلي، في حين وضعت خمس شركات أهدافاً طويلة الأجل لبلوغ الحياد الصفري. وتتأخر الشركات الصغيرة في الإفصاح عن الانبعاثات وفي وضع الأهداف على حد سواء، فبينما أفاد ثلث الشركات الصغيرة بانبعاثات النطاقين الأول والثاني الحالية، لم تفصح عن انبعاثات سنة الأساس سوى 6% منها. ويظل وضع الأهداف نادراً، إذ لم تفد سوى شركة واحدة بأهداف مرحلية، بفاصل ثماني سنوات عن سنة الأساس، أو بأهداف طويلة الأجل.
وفيما يتعلق بالإفصاح عن انبعاثات النطاق الثالث ووضع أهدافها، تفصح 29% من الشركات الكبيرة عن انبعاثات سنة الأساس لهذا النطاق، مقابل شركة واحدة متوسطة الحجم وشركة واحدة صغيرة. وتفصح 71% من الشركات الكبيرة، أي 24 شركة من أصل 34، عن انبعاثاتها الحالية في النطاق الثالث، مقابل 24% من الشركات المتوسطة، أي 8 من أصل 33، و21% من الشركات الصغيرة، أي 7 من أصل 33. وعلى صعيد وضع الأهداف، لم تضع هدفاً مرحلياً لانبعاثات النطاق الثالث سوى أربع شركات كبيرة، أي 12%، بمتوسط فترة قدره 10 سنوات قياساً إلى قيمة سنة الأساس، في حين وضعت سبع شركات، أي 21%، أهدافاً طويلة الأجل. ولم تفصح أي شركة متوسطة أو صغيرة عن أهداف مرحلية أو طويلة الأجل لخفض انبعاثات النطاق الثالث.
وعلى المستوى العالمي، ومن بين 924 شركة طاقة مدرجة أفصحت عن انبعاثاتها من غازات الاحتباس الحراري، تتولى جهة خارجية تأكيد انبعاثات 512 شركة منها. وأفصح خُمس الشركات عن مستوى تأكيد محدود، في حين أفصحت 11% منها عن خضوع انبعاثاتها لمستوى تأكيد معقول. وفي أوروبا وأمريكا اللاتينية، أكدت 34% و32% من الشركات على التوالي انبعاثاتها بمستوى تأكيد محدود. وفي عينة الشركات الكبيرة، يخضع أكثر من 75% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المفصح عنها لتأكيد خارجي، منها 59% بتأكيد محدود و18% بتأكيد معقول. أما معظم الشركات المتوسطة، بنسبة 85%، فلا تخضع لأي شكل من أشكال التأكيد الخارجي، إذ تفصح 6% منها عن تأكيد معقول لانبعاثاتها و9% عن تأكيد محدود. وبالنسبة للشركات الصغيرة، تبقى الغالبية العظمى من الانبعاثات المفصح عنها دون تأكيد، ولا يخضع منها لتأكيد بمستوى معقول سوى 3%.
وثمة آليات سوقية عديدة تهدف إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، من أهمها أرصدة تعويض الكربون وتصاريح الانبعاث. فأرصدة تعويض الكربون شهادات تستطيع الشركات شراءها من جهات تنفذ مشروعات لتجنب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أو التقاطها، ويمكن للمشتري عندئذ أن يعتبر خفض الانبعاثات الذي موّله بشراء الشهادة تعويضاً جزئياً عن انبعاثاته الذاتية، وتُتداول هذه الأرصدة عادة على أساس طوعي. أما تصاريح الانبعاث فهي شهادات تمنح الشركات الحق في إطلاق كمية معينة من غازات الاحتباس الحراري، وتوجد في إطار أنظمة تداول الانبعاثات المطبقة في الولايات القضائية التي تشترط الحصول على هذه التصاريح لإطلاق غازات الاحتباس الحراري دون دفع غرامات. ويُطلق على كلتا الأداتين اسم أرصدة الكربون. وعلى المستوى العالمي، أفصحت نحو 1,000 شركة مدرجة عن أرصدة كربون تعادل 258 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، منها 116 شركة طاقة بما مجموعه 174 مليون طن، تمثل 0.7% من إجمالي الانبعاثات المبلغ عنها لهذه الشركات. وأفصحت الشركات الأوروبية عن أعلى نسبة لأرصدة الكربون المستهلكة إلى الانبعاثات بلغت 1.9%. وعند فحص عينة الشركات المئة، أفصحت الشركات الكبيرة عن أرصدة كربون قدرها 26 مليون طن، تمثل 0.6% من إجمالي انبعاثاتها.
3.3 أنشطة الضغط والتأثير
من المجالات التي يمكن فيها اختبار التزام شركات الطاقة بمعالجة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أنشطة الضغط والتأثير. فبعض الشركات تخضع للتدقيق للتحقق من اتساق أنشطتها في الضغط والتأثير مع التزاماتها وأهدافها المتعلقة بمسائل السلوك المسؤول للأعمال. فعلى سبيل المثال، يُتوقع من الشركات التي تعهدت ببلوغ الحياد الصفري بحلول عام 2050 بما يشمل انبعاثات النطاق الثالث أن تدافع عن سياسات مناخية حازمة تقلص الطلب على الوقود الأحفوري، كتسعير الكربون ومعايير الكفاءة ودعم التحول إلى المركبات الكهربائية. غير أن زيادة الأرباح على المدى القصير قد تدفع الشركات عملياً إلى ممارسة الضغط ضد اللوائح المناخية أو السعي إلى إضعافها، وهو ما يتعارض مع أهدافها المتعلقة بالاستدامة.
وتوصي المادة الفرعية السادسة (ج) (1) من مبادئ مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لحوكمة الشركات بأن يكفل إطار حوكمة الشركات إشراف مجالس الإدارة على مدى اتساق أنشطة الضغط التي تمارسها الشركات مع أهدافها وغاياتها المتعلقة بالاستدامة. ووفقاً للشروح المرافقة لهذا المبدأ، ينبغي أن تشرف مجالس الإدارة إشرافاً فعالاً على أنشطة الضغط التي تمارسها الإدارة التنفيذية وتموّلها باسم الشركة، ضماناً لمراعاة الإدارة الواجبة لاستراتيجية الاستدامة طويلة الأجل التي يعتمدها المجلس.
ويتزايد عدد الدول التي تضع أطراً تنظيمية لأنشطة الضغط تحدد بوضوح التعريفات ومتطلبات الشفافية الخاصة بهذه الأنشطة. ففي الوقت الراهن، عرّف نحو نصف الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنشطة الضغط والجهات التي تُعدّ من جماعات الضغط ضمن أطرها التنظيمية، ولدى 17 دولة من الدول الأعضاء سجل علني لجماعات الضغط.
ولا تهدف هذه الأطر إلى تقييد أنشطة الضغط أو الحد منها، وإنما إلى إرساء ضمانات ومعايير تكفل تمثيل المصالح تمثيلاً عادلاً، وتمكّن المواطنين من معرفة الجهات التي تسعى إلى التأثير في القرارات المتعلقة بالسياسات العامة. ومع ذلك، تبيّن تجارب هذه الدول أن وضع تعريفات فعالة لا يزال يمثل تحدياً، لا سيما أن الساعين إلى التأثير في عملية صنع السياسات ليسوا بالضرورة ممن يُعدّون عادة من جماعات الضغط. والواقع أن مشهد الضغط والتأثير قد تطور في السنوات الأخيرة، لا من حيث الجهات الفاعلة والممارسات فحسب، بل من حيث السياق الذي تجري فيه هذه الأنشطة أيضاً. وقد يلزم تكييف تعريفي "الضغط" و"جماعة الضغط" مع السياق المحدد، وجعلهما متينين وشاملين وصريحين بما يكفي لتجنب سوء التفسير وسد الثغرات. ويشمل ذلك توضيح الجهة التي تمارس الضغط والجهة التي تمارسه نيابة عنها، والمسؤولين العموميين المستهدفين بالضغط، والمسائل موضوع الضغط، أي الغاية المنشودة والقرار العام المحدد المستهدف، والكيفية التي يجري بها الضغط.
وتعترف توصية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الشفافية والنزاهة في أنشطة الضغط والتأثير بأن الضغط والسعي إلى التأثير في القرارات الحكومية وسيلتان مشروعتان لمشاركة أصحاب المصلحة في عمليات صنع القرار العام. وتعرّف التوصية أنشطة الضغط والتأثير بأنها "الإجراءات التي تُنفذ مباشرة أو عبر أي شخص طبيعي أو اعتباري آخر، وتستهدف المسؤولين العموميين القائمين على عملية صنع القرار، أو أصحاب المصلحة فيها، أو وسائل الإعلام، أو جمهوراً أوسع، وترمي إلى تعزيز مصالح الجهات الفاعلة في الضغط والتأثير فيما يتعلق بعمليات صنع القرار العام والعمليات الانتخابية".
وعند المقارنة بين أربعة أطر تشريعية مختارة تنظم أنشطة الضغط في أستراليا وتشيلي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، من حيث نطاق كل تشريع والأفراد والكيانات الخاضعين لقواعده، وأنواع المعلومات الواجب الإفصاح عنها بموجبه، ومدى تعيين سلطة أو مؤسسة مختصة تتمتع بالصلاحية القانونية لرصد الامتثال لقواعد الضغط وإنفاذها، تبرز أوجه تشابه واختلاف رئيسية في متطلبات الشفافية بين الولايات القضائية. وتتمحور هذه المقارنة حول ستة معايير، هي: انطباق القواعد على الشركات التي تمارس الضغط لحسابها الخاص، وانطباقها على مستشاري الضغط الذين يمارسونه نيابة عن عملاء من الغير، والإفصاح عن مصدر التمويل، والإفصاح عن نفقات الضغط، والإفصاح عن التشريع أو اللائحة المستهدفة، وتعيين جهة رقابية. وتتميز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باستيفاء المعايير الستة جميعها، وتستوفي تشيلي جميع المعايير باستثناء إلزامية الإفصاح عن نفقات الضغط، أما أستراليا فلا تستوفي سوى ثلاثة معايير، والأهم من ذلك أن إطارها لا يشمل الشركات التي تمارس الضغط لحسابها الخاص.
وتدعم متطلبات الإفصاح المؤسسي هذه شفافية أنشطة الضغط، إذ توفر معلومات عن الجهة التي تمارس الضغط، والجهة التي تمارسه نيابة عنها، والموارد المسخرة له. وتمكّن هذه الإفصاحات المستثمرين وأصحاب المصلحة وهيئات الرقابة من تقييم حجم جهود الضغط ومقارنة التأثير النسبي لمختلف الجهات الفاعلة، كما يمكن أن تكشف عن مدى اتساق الالتزامات المعلنة أو أهداف الاستدامة مع ممارسات الضغط الفعلية.
وعلى المستوى العالمي، تفصح 7% من شركات الطاقة المدرجة، وهي تمثل 35% من القيمة السوقية، علناً عن موقفها من السياسات العامة واللوائح المتعلقة بالمناخ. ويُعدّ الإفصاح عن العضوية في جمعيات الأعمال أكثر شيوعاً، إذ تفيد بهذه الانتماءات 15% من الشركات من حيث العدد و51% من حيث القيمة السوقية. غير أنه لا يقيّم مدى اتساق سياساته المناخية مع سياسات الجمعيات التي ينتمي إليها سوى 6% من الشركات من حيث العدد و24% من حيث القيمة السوقية. وتتصدر أوروبا والولايات المتحدة في المقاييس الثلاثة جميعها.
وفيما يتعلق بعينة الشركات المئة، أفصحت الشركات الكبيرة عن تخصيص 3.5 ملايين دولار أمريكي في المتوسط لأنشطة الضغط في عام 2024، مقارنة بمتوسط قدره 120,000 دولار أمريكي أفصحت عنه الشركات المتوسطة، في حين لم تفصح أي شركة صغيرة عن هذه المعلومة. وتتأثر هذه الأرقام بمحدودية الإفصاح، إذ لم تفصح عن نفقات الضغط سوى 12 شركة كبيرة من أصل 34، أي 35%، و3 شركات متوسطة من أصل 33، أي 9%، ولم تفصح عنها أي شركة صغيرة.
وفي عينة الشركات المئة، أفصحت 68% من الشركات الكبيرة عن أنشطة الضغط التي تمارسها، وأفصح نصفها عن الغاية من هذه الأنشطة. وأفصحت 71% من الشركات الكبيرة عن أنشطة الضغط غير المباشرة، التي تشمل طيفاً واسعاً من الأنشطة الرامية إلى التأثير في السياسات العامة عبر أطراف ثالثة، كالعضوية في الجمعيات التجارية ووسائل التواصل الاجتماعي والحركات الشعبية وغيرها، في حين أفصحت 35% منها عن الأموال المخصصة للضغط وعن الولايات القضائية التي تمارس فيها هذه الأنشطة معاً. ويوجد لدى 38% من الشركات الكبيرة قواعد سلوك تنطبق على أنشطة الضغط الداخلية والخارجية على حد سواء، وتقدم 15% منها تدريباً للموظفين المعنيين بأنشطة الضغط، بينما تجري 47% منها مراجعات سنوية لهذه الأنشطة. ومن بين الشركات المتوسطة، أفصحت 12% عن أنشطة الضغط، لكن أياً منها لم يفصح عن الغاية من هذه الأنشطة. وتُظهر الشركات الصغيرة مستويات إفصاح منخفضة بصورة موحدة، إذ تتراوح كل المؤشرات لديها بين 0% و9%.
3.4 البحث والتطوير والنفقات الرأسمالية
ستتطلب معالجة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري استثمارات ضخمة في تقنيات بديلة تحل محل حرق الوقود الأحفوري. وفي القطاع الخاص، تمتلك شركات كثيرة خبرات تقنية كبيرة وقدرات في مجال البحث والتطوير يمكن توجيهها نحو الحلول المناخية.
ولا تلتزم أرقام البحث والتطوير البيئي والنفقات الرأسمالية البيئية التي تفيد بها الشركات بنظام تصنيف موحد، كتصنيف للأنشطة المستدامة، وإنما تستند إلى إفصاحات خاصة بكل شركة، مما يحد من قابلية البيانات للمقارنة.
وعلى المستوى العالمي، لا تفصح عن البحث والتطوير البيئي سوى 1% من جميع الشركات المدرجة من حيث العدد، أي 381 شركة، وإن كانت هذه النسبة ترتفع إلى 5% من حيث القيمة السوقية. وفي قطاع الطاقة، تفصح 2.5% من الشركات، أي 61 شركة، عن هذا النوع من البحث والتطوير، وهي تمثل 24% من القيمة السوقية للقطاع. وفي الشرق الأوسط وأفريقيا، ورغم قلة الشركات التي تفيد بالبحث والتطوير البيئي، إذ لا يتجاوز عددها 3 شركات تمثل 1.8% من الشركات المدرجة في المنطقة، فإنها تستأثر بنسبة 80% من القيمة السوقية، وهي الحصة الأعلى عالمياً. وتسجل شركات قطاع الطاقة في أمريكا اللاتينية أعلى نسبة إفصاح عن البحث والتطوير البيئي بواقع 7% من الشركات، تمثل 43% من القيمة السوقية للقطاع.
ويمثل البحث والتطوير البيئي 6% من إجمالي تكاليف البحث والتطوير لدى شركات الطاقة على المستوى العالمي. وترتفع هذه النسبة ارتفاعاً كبيراً في أوروبا لتبلغ 46%. وفي آسيا الناشئة والنامية باستثناء الصين وفي أمريكا اللاتينية، يُوجَّه أكثر من 20% من تكاليف البحث والتطوير نحو تطوير منتجات وخدمات تركز على الحد من الأثر البيئي والابتكار في هذا المجال. وفي عينة الشركات المئة، مثّل البحث والتطوير البيئي 24% من إجمالي استثمارات البحث والتطوير لدى الشركات الكبيرة، ولم يتسنَّ احتساب هذا المقياس للشركات المتوسطة والصغيرة بسبب شح البيانات المتاحة عن أنشطة البحث والتطوير لديها.
وقد يكشف المكان الذي توجه إليه الشركة نفقاتها الرأسمالية والطريقة التي توجهها بها عن أولوياتها الاستراتيجية على نحو أكثر وضوحاً من تعهداتها. فإذا واصلت الشركة الاستثمار بكثافة في استكشاف حقول نفط جديدة أو إنشاء وحدات جديدة لتوليد الكهرباء بالفحم، فإن ذلك يدل على توقعها استمرار أعمال الوقود الأحفوري. وفي المقابل، قد تشير النفقات الرأسمالية الخضراء الكبيرة والمتنامية إلى توجه نحو مستقبل منخفض الكربون. ولذا فإن توافر خطط النفقات الرأسمالية هذه وشفافيتها يحظى باهتمام المستثمرين وصانعي السياسات على حد سواء.
ولا يزال الإفصاح عن النفقات الرأسمالية البيئية محدوداً في الأسواق العالمية. فعلى المستوى العالمي، لا تفيد بالنفقات الرأسمالية البيئية سوى 3% من جميع الشركات المدرجة، غير أنها تمثل 16% من إجمالي القيمة السوقية. ويكون الإفصاح أكثر انتشاراً في قطاع الطاقة، إذ تفيد به 7% من الشركات تمثل 42% من القيمة السوقية للقطاع. وتتصدر الصين وأوروبا من حيث نسبة شركات الطاقة المفصحة عن النفقات الرأسمالية البيئية، بنسبة 12% و10% من الشركات على التوالي، تمثل 47% و59% من القيمة السوقية.
وفي عينة الشركات المئة، أفادت الشركات الكبيرة بنفقات رأسمالية قدرها 267 مليار دولار أمريكي، وُجّه منها 114 مليار دولار، أي 43%، نحو الأصول والمشروعات المنخفضة الكربون، في حين مثّلت النفقات الرأسمالية البيئية أقل من 1% من إجمالي النفقات الرأسمالية لدى الشركات المتوسطة والصغيرة.
وإلى جانب غياب المعلومات لدى كثير من الشركات، يتمثل تعقيد رئيسي آخر في التحليل السابق في غياب الإفصاح الموحد. فالمستثمر الذي يحاول المقارنة بين مدى "اخضرار" البحث والتطوير والنفقات الرأسمالية لدى شركات الطاقة المختلفة سيواجه صعوبة، لأن التعريفات متباينة، ولأن كثيراً من الشركات لا تفصل الإنفاق المنخفض الكربون عن غيره على الإطلاق.
فمعيار IFRS S1 لا يشترط صراحة الإفصاح عن النفقات الرأسمالية الخضراء أو البيئية بوصفها مقياساً مستقلاً، لكنه يُلزم الشركات بالإفصاح عن المعلومات الجوهرية المتعلقة بمخاطر الاستدامة وفرصها، بما في ذلك كيفية إدماجها في الحوكمة والاستراتيجية وتخصيص الموارد. كما أن معايير المبادرة العالمية لإعداد التقارير، ولا سيما المعيار GRI 302 الخاص بالطاقة والمعيار GRI 305 الخاص بالانبعاثات، لا تفرض إفصاحات محددة بشأن النفقات الرأسمالية الخضراء، لكنها تشجع المؤسسات على الإبلاغ عن استثماراتها في كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة ومبادرات خفض الانبعاثات. أما المعيار الأوروبي ESRS E1، المتوائم مع التصنيف الأوروبي للأنشطة المستدامة، فيشترط صراحة أن تفصح الشركات عن نسبة النفقات الرأسمالية والنفقات التشغيلية المتوائمة مع الأهداف البيئية لهذا التصنيف، بما فيها التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه. ويشمل ذلك الإبلاغ عن حصة النفقات الرأسمالية الخضراء نسبةً إلى إجمالي النفقات الرأسمالية، وتقديم تفاصيل عن كيفية إسهام هذه الاستثمارات في التحول نحو اقتصاد محايد مناخياً.
ومن التحديات الأخرى في التواصل بين الشركات والمستثمرين قدرة شركات الطاقة على الاستثمار في النفقات الرأسمالية والبحث والتطوير، خضراء كانت أم غير ذلك، في ظل أولويات متنافسة. فبين عامي 2015 و2024، تضاعف النقد الذي استخدمته شركات الطاقة المدرجة في دفع توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم ثلاث مرات، ليبلغ ذروته عند 671 مليار دولار أمريكي في عام 2024. وخلال الفترة ذاتها، لم تتجاوز الزيادة في صافي النقد المستخدم في الأنشطة الاستثمارية 5%. وفي عام 2022، وللمرة الأولى خلال هذه الفترة، تجاوز النقد المستخدم في إعادة شراء الأسهم النقد المحصل من إصدارها.
ومنذ عام 2022، أخذ صافي التدفقات النقدية من الأنشطة التشغيلية لشركات الطاقة في التراجع، في حين ظلت توزيعات الأرباح المدفوعة وصافي عمليات إعادة شراء الأسهم وصافي النقد المستخدم في الأنشطة الاستثمارية مستقرة. وفي الوقت ذاته، انخفضت نفقات البحث والتطوير بنسبة 14% بين عامي 2023 و2024.
3.5 مكافآت المديرين التنفيذيين
في شركات الطاقة، شملت المقاييس التقليدية لمكافآت المديرين التنفيذيين معدل إحلال الاحتياطيات ونمو الإنتاج والعوائد المالية قصيرة الأجل، وهي عوامل قد تحفز، إن بقيت على حالها، سلوكيات لا تتسق مع أهداف إزالة الكربون. وعلى المستوى العالمي، تربط 23% من الشركات أجور التنفيذيين بمقاييس الأداء، وهي تمثل 90% من القيمة السوقية. وفي قطاع الطاقة، تربط 34% من الشركات من حيث العدد و89% من حيث القيمة السوقية المكافآت بالأداء.
وتوصي المادة السادسة (ج) من مبادئ مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لحوكمة الشركات بأن "يكفل إطار حوكمة الشركات مراعاة مجالس الإدارة على نحو كافٍ لمخاطر الاستدامة وفرصها الجوهرية عند اضطلاعها بمهامها الرئيسية". ويمكن لمجالس الإدارة أن تأخذ مسائل الاستدامة في الحسبان عند تحديد مكافآت كبار التنفيذيين.
وعلى المستوى العالمي، أفصحت 10% من جميع الشركات المدرجة عن ربط مكافآت مديريها التنفيذيين بمقاييس متعلقة بالاستدامة، وهي تمثل 60% من القيمة السوقية العالمية. وفي قطاع الطاقة، اعتمدت 21% من الشركات من حيث العدد و77% من حيث القيمة السوقية هذا الربط في مكافآتها. وتتصدر أوروبا من حيث العدد والقيمة السوقية لجميع الشركات المدرجة، إذ تدمج 23% منها الاستدامة في مكافآت التنفيذيين، بما يغطي 89% من القيمة السوقية للمنطقة، وفي قطاع الطاقة تبنت 31% من الشركات، وهي تمثل 92% من القيمة السوقية، هذه الممارسات. وتسجل الولايات المتحدة أعلى نسبة من شركات قطاع الطاقة التي تفصح عن وجود مثل هذه الترتيبات في مكافآتها، بواقع 48% من حيث العدد. وفي المقابل، لا تفصح عن مكافآت مرتبطة بالاستدامة في آسيا الناشئة والنامية باستثناء الصين سوى 6% من الشركات من حيث العدد و18% من حيث القيمة السوقية.
وعلى مستوى جميع الشركات المدرجة، لم تفصح سوى 3%، تمثل 32% من القيمة السوقية، عن ربط مكافآت الرئيس التنفيذي والتنفيذيين الآخرين بمؤشرات الأداء المتعلقة بالمناخ، وترتفع هذه الأرقام في قطاع الطاقة إلى 9% من الشركات و56% من القيمة السوقية. وعند التركيز تحديداً على إدماج أهداف خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بوصفها مؤشر أداء رئيسياً في المكافآت، يظل الإفصاح محدوداً، إذ لم تفصح عن هذه الممارسات سوى 2% من الشركات تمثل 17% من القيمة السوقية، مقارنة بنسبة 4% من الشركات تمثل 25% من القيمة السوقية في قطاع الطاقة.
وتتخذ مؤشرات الأداء غير المالية في سياسات المكافآت لدى شركات الطاقة في الغالب شكل مقاييس مرتبطة بالصحة والسلامة والبيئة، أو بخفض انبعاثات الكربون والتحول في مجال الطاقة. ومن فئات مؤشرات الأداء الرئيسية الشائعة الأخرى المتصلة بالقضايا غير المالية مسائلُ الحوكمة والأخلاقيات وإدارة المخاطر والامتثال، فضلاً عن موضوعات مرتبطة بالتنوع والإنصاف والشمول، أو بإشراك الموظفين وثقافة العمل.
3.6 تقييمات الأهمية النسبية المزدوجة
يمثل عام 2025 الموجة الأولى من الإفصاحات المؤسسية المتوافقة مع توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن تقارير الاستدامة المؤسسية ومعايير الإبلاغ الأوروبية للاستدامة. وتستند هذه المعايير إلى المعايير الدولية للسلوك المسؤول للأعمال بطرق عدة. فأولاً، تتصل عدة متطلبات للإفصاح اتصالاً مباشراً بالتدابير والخطوات المبينة في المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن المؤسسات متعددة الجنسيات والسلوك المسؤول للأعمال، وما يرتبط بها من إرشادات العناية الواجبة للسلوك المسؤول للأعمال، ومن ذلك اشتراط إفصاح المنشآت عن المعلومات المتعلقة بعملية العناية الواجبة لديها وفق متطلب الإفصاح GOV 3. يضاف إلى ذلك أن المنشآت مطالبة بإجراء تقييم الأهمية النسبية للآثار وفقاً لهذا النهج القائم على المخاطر في العناية الواجبة.
وتحديداً، يتعين على الشركات، في إطار عملية الإبلاغ بموجب التوجيه الأوروبي، إجراء تقييم للأهمية النسبية المزدوجة بهدف تحديد الآثار الجوهرية، الإيجابية منها والسلبية، والإفصاح عنها، إلى جانب المخاطر والفرص المالية الجوهرية المرتبطة بعملياتها وسلاسل قيمتها. ويُتوقع من الشركات الإفصاح عن هذه الآثار والمخاطر والفرص في ضوء قائمة تضم عشرة موضوعات للاستدامة، وما قد يندرج تحتها من موضوعات فرعية.
وفي هذا السياق، يحلل هذا القسم نتائج تقييمات الأهمية النسبية المزدوجة التي أجرتها 42 شركة طاقة مدرجة أعدت تقاريرها خلال دورة الإبلاغ الأولى بموجب التوجيه الأوروبي. ويتمثل الهدف الرئيسي في تحديد الموضوعات الأكثر والأقل ارتباطاً بالآثار السلبية الجوهرية من جهة، وبالمخاطر الجوهرية من جهة أخرى، وتقييم مدى التداخل بين هذين التقييمين. فحين تفوق الآثار السلبية الجوهرية للشركات على الاستدامة مخاطرَها الجوهرية المتعلقة بالاستدامة، فقد يكون ذلك مؤشراً على افتقار الشركات إلى الحوافز اللازمة لتحسين أدائها في مجال الاستدامة. ويمكن لتحديد هذه الفجوات أن يساعد صانعي السياسات على تقييم المواضع التي قد تلزم فيها حوافز إضافية قائمة على السوق أو على التنظيم لتحسين الأثر الذي تحدثه الأعمال على الاستدامة.
وقد حددت شركات الطاقة الاثنتان والأربعون المشمولة بالتحليل آثاراً جوهرية على الاستدامة في طيف واسع من الموضوعات، إذ تعدّ نصف شركات القطاع على الأقل تسعة من موضوعات المعايير الأوروبية العشرة آثاراً جوهرية. والموضوع الوحيد الذي لم تعدّه معظم الشركات أثراً سلبياً جوهرياً هو المستهلكون والمستخدمون النهائيون، وفق المعيار S4، إذ يعدّه نحو ثلث الشركات أثراً جوهرياً بنسبة 36%. وفي المقابل، لا يعدّ أكثر من نصف الشركات خطراً مالياً جوهرياً سوى أربعة موضوعات من العشرة، هي: تغير المناخ بنسبة 98%، والقوى العاملة الذاتية بنسبة 81%، والعاملون في سلسلة القيمة بنسبة 52%، وسلوك الأعمال بنسبة 52%.
ويُعدّ موضوعان أثراً جوهرياً وخطراً مالياً جوهرياً في آن واحد لدى غالبية كبيرة من الشركات. فتغير المناخ، وفق المعيار E1، هو الموضوع الجوهري الأكثر ثباتاً في كلا نوعي تقييم الأهمية النسبية، إذ عدّته جميع الشركات باستثناء شركة واحدة، أي 98%، أثراً سلبياً جوهرياً وخطراً مالياً جوهرياً معاً. وتأتي الآثار السلبية المتعلقة بالقوى العاملة الذاتية للشركات، وفق المعيار S1، في المرتبة الثانية بين الآثار الجوهرية الأكثر إبلاغاً، إذ تعدّها 88% من شركات الطاقة أثراً سلبياً جوهرياً، و81% منها خطراً مالياً.
وتُظهر جميع الموضوعات الأخرى فروقاً كبيرة بين تقييمي الأهمية النسبية. وتبلغ الفجوة أقصاها في موضوع التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية، وفق المعيار E4، الذي تعدّه 86% من الشركات أثراً جوهرياً، في حين لا تعدّه خطراً مالياً جوهرياً سوى 36% منها، أي بفارق قدره 50 نقطة مئوية. ومن الموضوعات الأخرى التي تشهد فجوات كبيرة على وجه الخصوص التلوث وفق المعيار E2 بفارق 31 نقطة مئوية، والمياه والموارد البحرية وفق المعيار E3 بفارق 31 نقطة مئوية، والعاملون في سلسلة القيمة وفق المعيار S2 بفارق 26 نقطة مئوية.
ومن اللافت أن الأهمية النسبية للآثار تفوق الأهمية النسبية للمخاطر في ثمانية موضوعات من أصل عشرة، مما يعني أن شركات القطاع قد تفتقر عموماً إلى الحوافز المالية اللازمة لتحسين أدائها في مجال الاستدامة وإدارة مخاطرها فيما يتصل بهذه الموضوعات. وتكون هذه الفجوة في العادة أوسع في القضايا البيئية منها في القضايا الاجتماعية. والموضوع الوحيد الذي تفوق فيه الأهمية النسبية للمخاطر المالية الأهميةَ النسبية للآثار هو سلوك الأعمال، وفق المعيار G1، المتعلق بقضايا مثل الفساد والتأثير السياسي وأنشطة الضغط، إذ تعدّه 52% من الشركات أثراً جوهرياً، في حين تعدّه 67% منها خطراً جوهرياً، وهو ما قد يعكس ارتباط مخاطر الفساد بمسؤولية قانونية ومالية كبيرة.
وترتبط غالبية الآثار والمخاطر الجوهرية المبلغ عنها بسلاسل قيمة الشركات. فإجمالاً، يرتبط 58% من الآثار السلبية الجوهرية المبلغ عنها بسلاسل القيمة، بشقيها الأولي بنسبة 32% واللاحق بنسبة 25%. ويبرز تحديد الآثار السلبية في سلسلة القيمة على نحو أوضح في موضوعات العاملين في سلسلة القيمة وفق المعيار S2، والمستهلكين والمستخدمين النهائيين وفق المعيار S4، وتغير المناخ وفق المعيار E1، وسلوك الأعمال وفق المعيار G1. وعلى العكس من ذلك، فإن الموضوعات التي حُددت آثارها السلبية أساساً في العمليات الذاتية للشركات هي القوى العاملة الذاتية وفق المعيار S1، والمياه والموارد البحرية وفق المعيار E3، والتنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية وفق المعيار E4. أما فيما يخص المخاطر المالية الجوهرية، فإن حصة المخاطر المرتبطة بسلسلة القيمة أدنى بقليل فحسب، إذ تبلغ 53%، ويتشابه توزيعها عبر موضوعات المعايير الأوروبية إلى حد كبير. ورغم أن هذا التوزيع يبدو متفاوتاً بحسب الموضوع، فإنه سيعكس على الأرجح عوامل خاصة بصناعة الطاقة، إلى جانب مدى توافر البيانات لدى الشركات عن الآثار والمخاطر في سلاسل القيمة ومدى جودتها.
