الفصل الأول: أبرز الرؤى في مجال السياسات
يعرض هذا الفصل رؤى في مجال السياسات تهدف إلى مساندة صانعي السياسات والجهات التنظيمية في تحقيق مزيد من المواءمة بين ممارسات السوق من جهة، ومبادئ مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لحوكمة الشركات والمبادئ التوجيهية للمنظمة بشأن المؤسسات متعددة الجنسيات والسلوك المسؤول للأعمال من جهة أخرى. ويتناول الفصل الإفصاح المتعلق بالاستدامة، ودور التأكيد المستقل في تعزيز مصداقية الإفصاحات، والفرص المتاحة لتقوية التوافق بين أطر الاستدامة بما يخفض تكاليف الامتثال ويحسن القابلية للمقارنة. كما يقدم رؤى إضافية حول هياكل الملكية في الشركات العالية الانبعاثات والشركات المبتكرة، ودور مجالس الإدارة في المراعاة الكافية لمسائل الاستدامة الجوهرية، واعتماد سياسات وآليات للتواصل مع المساهمين وأصحاب المصلحة.
لطالما تطلبت إدارة الشركات وتخصيص رأس المال فهماً للكيفية التي تؤثر بها الاتجاهات البيئية والاجتماعية والتقنية في التدفقات النقدية للأعمال. فمنذ نشأة الشركات الأولى، أثّرت تطورات السياسات العامة وتغير التفضيلات الاجتماعية والابتكار التقني في سلوك الشركات وقراراتها الاستثمارية. أما الجديد اليوم فهو اتساع المعلومات وعمقها مما تفصح عنه الشركات والمستثمرون بشأن الجوانب البيئية والاجتماعية لأنشطتهم.
وقد جرى تحديث كل من مبادئ مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لحوكمة الشركات والمبادئ التوجيهية للمنظمة بشأن المؤسسات متعددة الجنسيات والسلوك المسؤول للأعمال في عام 2023، وهما إطاران متسقان ومتكاملان. وتتضمن مبادئ الحوكمة فصلاً سادساً بشأن الاستدامة والقدرة على الصمود، يرمي إلى مساعدة الشركات ومستثمريها على اتخاذ القرارات وإدارة المخاطر على نحو يسهم في استدامة الشركة وصمودها. وتؤكد هذه المبادئ أن أطر الحوكمة السليمة، مقرونة بإفصاحات شفافة ومفيدة لاتخاذ القرار بشأن الاستدامة، أمر أساسي لضمان عدالة الأسواق وكفاءة تخصيص رأس المال وتحقيق النمو والصمود طويلي الأجل للشركات. أما المبادئ التوجيهية فتوصي المؤسسات بإجراء العناية الواجبة لمعالجة قضايا السلوك المسؤول للأعمال، وتتضمن فصلاً ثالثاً يتعلق بإفصاح الشركات عن المعلومات الخاصة بالسلوك المسؤول للأعمال والعناية الواجبة.
ويقدم هذا الإصدار من التقرير رؤى قائمة على البيانات لمساندة صانعي السياسات والجهات التنظيمية في تحقيق هذه الأهداف وتطبيق التوصيات الواردة في الإطارين المذكورين.
أولاً: الإفصاح المتعلق بالاستدامة
خلال العامين الماضيين، اتسع نطاق الإفصاح المتعلق بالاستدامة، فارتفع من 86% من القيمة السوقية العالمية في عام 2022 إلى 91% في عام 2024، وهو ما يعكس استمرار الطلب على هذه المعلومات من جانب الشركات الكبرى والمستثمرين. غير أن العدد المطلق للشركات المفصحة عن معلومات الاستدامة، البالغ 12,900 شركة، لا يمثل سوى حصة متوسطة من إجمالي الشركات المدرجة حول العالم البالغ عددها 44,152 شركة. وقد يمثل ذلك توازناً كفؤاً بالنظر إلى ما قد يترتب على الشركات الأصغر من تكاليف إفصاح غير متناسبة، إلا أن محدودية الإفصاح لدى المؤسسات المملوكة للدولة أمر لافت للنظر، نظراً لما يُتوقع منها عادة من مستوى أعلى من المسؤولية تجاه آثارها البيئية والاجتماعية. ففي عام 2024، أفصحت 63% من هذه المؤسسات عن معلومات متعلقة بالاستدامة، وهي تمثل 95% من قيمتها السوقية.
وتتفاوت مستويات الإفصاح تفاوتاً كبيراً بين القطاعات، إذ تراوحت تغطيته من حيث القيمة السوقية في عام 2024 بين 78% و94%. ويسجل قطاع العقارات أدنى مستوى للإفصاح، حيث لا تتجاوز نسبة القيمة السوقية المفصحة عن معلومات الاستدامة 78%. ويبدو الإفصاح في هذا القطاع ضعيفاً على وجه الخصوص فيما يتعلق بانبعاثات النطاقين الأول والثاني بنسبة 74%، وبفئة واحدة على الأقل من انبعاثات النطاق الثالث بنسبة 55%. وبالنظر إلى تعرض قطاع العقارات للمخاطر المادية المرتبطة بالمناخ وكثافة انبعاثاته المرتفعة الناجمة عن استخدام الإسمنت والصلب، فإن هذه المستويات المتدنية من الإفصاح جديرة بالملاحظة. ولذا قد ينظر واضعو المعايير وصانعو السياسات في مدى جدوى تقديم إرشادات قطاعية إضافية أو تدابير لبناء القدرات من شأنها تعزيز تقارير الاستدامة في قطاع العقارات، ولا سيما في آسيا الناشئة والشرق الأوسط وأفريقيا حيث تسجل معدلات الإفصاح أدنى مستوياتها.
وقد سعى مزودو البيانات التجارية إلى تلبية طلب المستثمرين على بيانات الانبعاثات، لا سيما ما يتعلق منها بالشركات الأصغر وانبعاثات النطاق الثالث. ففي عام 2024، أفصحت 11,135 شركة تمثل 88% من القيمة السوقية العالمية عن انبعاثات النطاقين الأول والثاني، في حين تتوافر تقديرات لنحو 16,000 شركة تغطي 95% من القيمة السوقية. وتبدو الفجوة أوضح في انبعاثات النطاق الثالث، إذ أفصحت 7,712 شركة تمثل 76% من القيمة السوقية عن فئة واحدة على الأقل، بينما تمتد التقديرات لتشمل قرابة 15,900 شركة تمثل 94% من القيمة السوقية. وعلى الرغم من فائدة هذه التقديرات، فإنها لا تغني تماماً عن الإفصاح عالي الجودة، إذ إن أكثر نماذج التقدير تطوراً كثيراً ما تعتمد على متوسطات القطاع والموقع الجغرافي، وهي متوسطات قد لا تعكس الابتكارات الخاصة بكل شركة أو كفاءاتها التشغيلية التي يبحث عنها المستثمرون عند تخصيص رأس المال تحسباً للتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
ثانياً: التأكيد المستقل
تقرّ المادة الفرعية السادسة (أ) (5) من مبادئ الحوكمة بأن الإفصاحات المتعلقة بالاستدامة التي تراجعها جهة تأكيد مستقلة ومختصة ومؤهلة قد تعزز ثقة المستثمرين في المعلومات المفصح عنها، وتزيد إمكانية مقارنة هذه المعلومات بين الشركات. وبين عامي 2022 و2024، توسعت ممارسات التأكيد، فارتفعت تغطيتها من 66% من القيمة السوقية العالمية إلى 81%. ويشيع التأكيد حتى في الولايات القضائية التي لا تشترطه ولا توصي به، كجمهورية الصين الشعبية حيث بلغت النسبة 19% من الشركات و51% من القيمة السوقية، والولايات المتحدة حيث بلغت 39% و83% على التوالي.
ولا يزال التأكيد المحدود أوسع انتشاراً بكثير بنسبة 56% مقارنة بالتأكيد المعقول بنسبة 17%. وفي هذا السياق، يأتي اعتماد المعيار الدولي لتأكيد الاستدامة ISSA 5000، الذي اكتملت صياغته في نوفمبر 2024، في توقيت مناسب. فاعتماده من قبل ولايات قضائية عديدة من شأنه أن يعزز الثقة في تقارير الاستدامة، وأن يرسخ فهماً مشتركاً لمعنى التأكيد "المحدود" و"المعقول" عبر الولايات القضائية، بما فيها آسيا الناشئة التي يكثر فيها الاستشهاد بالتأكيد "المعقول".
وثمة تطوران آخران قد يستدعيان اهتمام صانعي السياسات والجهات التنظيمية. أولهما أن نسبة الشركات التي تحصل على تأكيد معقول من بين الشركات التي تؤكد انبعاثات النطاقين الأول والثاني تقل قليلاً عن 15%. ونظراً لأن تغير المناخ يمثل خطراً مالياً جوهرياً لمعظم الشركات المدرجة، ولأن قياس انبعاثات النطاقين الأول والثاني يسير نسبياً، فقد يرغب صانعو السياسات في تشجيع التأكيد المعقول لدى الشركات التي تفصح عن هذه الانبعاثات. ويتسق ذلك مع المادة الفرعية السادسة (أ) (5) التي تنص على أن تحقيق تقارب أكبر في مستوى التأكيد بين القوائم المالية والإفصاحات المتعلقة بالاستدامة ينبغي أن يكون هدفاً طويل الأجل. وثانيهما أن كثيراً من الشركات الأوروبية، خلافاً لما هو سائد في المناطق الأخرى، تتعاقد مع الجهة ذاتها لتدقيق قوائمها المالية وتأكيد معلومات الاستدامة. ولذلك قد ترغب الجهات التنظيمية في أوروبا في متابعة مدى إشراف مجالس الإدارة أو لجان التدقيق أو المساهمين على هذه الممارسة إشرافاً كافياً، بما يحول دون تضارب المصالح المحتمل ويصون مصداقية إفصاحات الاستدامة.
ثالثاً: معايير الإفصاح المتعلقة بالاستدامة
شهد عام 2023 صدور مجموعتين جديدتين من المعايير، هما معيارا IFRS S1 وIFRS S2 اللذان وضعهما مجلس معايير الاستدامة الدولية، ومعايير الإبلاغ الأوروبية للاستدامة. وعلى المستوى العالمي، تستخدم 582 شركة معايير مجلس معايير الاستدامة الدولية، سواء بإعلان التوافق الجزئي معها أو بتأكيد الامتثال لها، وهو عدد لا يزال أدنى بكثير من عدد الشركات التي تعتمد توصيات فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ البالغ 4,857 شركة، أو معايير مجلس معايير محاسبة الاستدامة البالغ 3,497 شركة، وهما الإطاران اللذان شكّلا الأساس الذي بنى عليه المجلس عمله في وضع المعايير. ولا يزال استخدام المعايير الأوروبية محدوداً، بما يعكس حداثة اعتمادها في يوليو 2023. فبموجب توجيه تقارير الاستدامة المؤسسية بصيغته المعدلة مؤخراً، تطبق الشركات الكبيرة المدرجة هذه المعايير للمرة الأولى في عام 2025، على أن تلتحق بها الشركات الأخرى تدريجياً اعتباراً من عام 2028. ومن المتوقع أن تخضع ما لا يقل عن 1,800 شركة مدرجة في الاتحاد الأوروبي لمتطلبات هذه المعايير بدءاً من عام 2025.
وتعني هذه التطورات مجتمعة أن مشهد الإفصاح العالمي يُتوقع أن يتقارب على المدى القصير حول ثلاث مجموعات من المعايير: معايير المبادرة العالمية لإعداد التقارير التي تستخدمها أكثر من 6,500 شركة، ومعايير مجلس معايير الاستدامة الدولية التي قد تطبقها نحو 5,000 شركة إذا اختارتها الجهات المصدرة التي تركز على الأهمية النسبية المالية وحدها، والمعايير الأوروبية التي ستنطبق على قرابة 2,000 شركة بحلول نهاية عام 2025. وقد يكون تعزيز التوافق والتشغيل البيني بين هذه الأطر الثلاثة أمراً حاسماً في خفض تكاليف الامتثال على الشركات العاملة في ولايات قضائية متعددة، وفي تحسين قابلية معلومات الاستدامة للمقارنة وموثوقيتها وفائدتها في اتخاذ القرار.
رابعاً: حقوق المساهمين والمستثمرين المؤسسيين
يكشف تحليل الشركات المدرجة المئة الأعلى من حيث الانبعاثات المفصح عنها عن أمرين رئيسيين.
الأول أن المستثمرين المؤسسيين يمتلكون الحصة الأكبر من أسهم هذه الشركات العالية الانبعاثات بنسبة إجمالية تبلغ 36%، وتتضاعف هذه النسبة في الولايات المتحدة. ويؤكد ذلك أهمية أطر حوكمة الشركات في تمكين التواصل الفعال مع المساهمين ودعمه، على النحو الذي تبرزه المادة الثالثة (أ) من مبادئ الحوكمة. غير أن تأثير المستثمرين عبر التواصل قد يكون أقل فاعلية في الأسواق التي تتسم فيها معظم الشركات العالية الانبعاثات بوجود مساهم مسيطر، كما هو الحال في آسيا الناشئة وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا. وفي المقابل، تكون ملكية أكبر خمسة مساهمين محدودة في كثير من الشركات العالية الانبعاثات في اليابان، بينما يمتلك أكبر عشرين مساهماً في المتوسط 42% من الأسهم.
والثاني أن القطاع العام مساهم رئيسي في الشركات العالية الانبعاثات في كثير من الأسواق الناشئة، إذ ترتفع الملكية العامة في هذه الشركات ارتفاعاً لافتاً في الصين بنسبة 51%، وفي أسواق آسيوية ناشئة أخرى بنسبة 51%، وفي أمريكا اللاتينية بنسبة 47%، وفي الشرق الأوسط وأفريقيا بنسبة 41%. ومعظم الشركات المئة الأعلى انبعاثاً في هذه المناطق مملوكة للدولة، مما يبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات المملوكة للدولة بوصفها قدوة في مجال الاستدامة وفي رسم مسار التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون في الاقتصادات الناشئة.
وإذا كان تبني الشركات العالية الانبعاثات للتقنيات الخضراء القائمة أمراً أساسياً للانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، فإن تطوير تقنيات جديدة قد يكون مطلوباً أيضاً لضمان نجاح هذا التحول مع الحفاظ على مستويات المعيشة وأمن الطاقة. ويقدم تحليل الشركات المدرجة المئة الأكثر امتلاكاً لبراءات الاختراع الخضراء رؤيتين إضافيتين.
الأولى أن المستثمرين ضمن فئة "التداول الحر الأخرى" يمتلكون الحصة الأكبر من أسهم هذه الشركات العالية الابتكار بنسبة 40%، مقارنة بنسبة 31% فقط في الشركات الأعلى انبعاثاً. ويشير ذلك إلى أن المستثمرين الأفراد قد يميلون إلى توجيه رؤوس أموالهم نحو الشركات المبتكرة ذات الأداء القوي في البحث والتطوير الأخضر. ومن الدلالات المحتملة على صعيد السياسات أن إضفاء الطابع الديمقراطي على التمويل، بحيث يستثمر الأفراد مباشرة في الأوراق المالية، لا يعزز عوائدهم فحسب عبر خفض تكاليف الوساطة، بل قد يوجه أيضاً مزيداً من رأس المال نحو الشركات التي تطور التقنيات الخضراء.
والثانية أن المستثمرين المؤسسيين يمتلكون حصة قدرها 37% في هذه الشركات العالية الابتكار، وهي نسبة تكاد تماثل حصتهم البالغة 36% في الشركات الأعلى انبعاثاً. وقد يدل ذلك على أن تخصيصات محافظ المستثمرين المؤسسيين، رغم التزاماتهم المعلنة بدعم التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، لم تميّز بين الشركات العالية الانبعاثات وتلك التي تستثمر في التقنيات الخضراء الجديدة. ومن ثم قد تحتاج مبادرات التواصل التي يقودها المستثمرون والموجهة إلى الشركات العالية الانبعاثات، كمبادرة Climate Action 100+، إلى أن تُستكمل بمبادرات جديدة تراعي أيضاً تخصيص الاستثمارات وجهود الإشراف والرعاية تجاه الشركات العالية الابتكار.
خامساً: مجلس الإدارة
توصي المادة السادسة (ج) من مبادئ الحوكمة بأن يكفل إطار حوكمة الشركات مراعاة مجالس الإدارة على نحو كافٍ لمخاطر الاستدامة وفرصها الجوهرية عند اضطلاعها بمهامها الرئيسية. ومن المهم أن تتم هذه المراعاة بما يحقق المصلحة الفضلى للشركة ومساهميها، مع أخذ مصالح أصحاب المصلحة في الحسبان وفق ما تنص عليه المادة الخامسة (أ).
ويستلزم تقييم مدى وفاء مجالس الإدارة بهذه المسؤوليات بالضرورة تقييماً لكل حالة على حدة. ففي عام 2024، أفادت شركات تمثل 70% من القيمة السوقية العالمية بأن مجالس إداراتها تشرف على القضايا المتعلقة بالمناخ، بعد أن كانت النسبة 53% في عام 2022، وهي تتجاوز نسبة الشركات التي يُعدّ تغير المناخ خطراً مالياً جوهرياً بالنسبة لها، والتي تمثل 65% من القيمة السوقية. ويعد هذا تطوراً لافتاً يؤكد تنامي إدراك مجالس الإدارة لتغير المناخ بوصفه قضية مالية واستراتيجية جوهرية.
سادساً: مصالح أصحاب المصلحة والتواصل مع المساهمين
على المستوى العالمي، أفصحت أكثر من 9,600 شركة تمثل 86% من القيمة السوقية عن سياساتها بشأن التواصل مع المساهمين في عام 2024. وتحدد هذه السياسات عادة الكيفية التي يستطيع بها المساهمون مساءلة مجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية، أو طرح مقترحات في اجتماعات الجمعية العامة. ويزيد هذا العدد بألف شركة عما كان عليه في عام 2022. وعلى الرغم من أن الإفصاح عن هذه السياسات لا يضمن في حد ذاته تواصلاً فعالاً، فإنه يعكس استعداد الشركات لتيسير الحوار مع المساهمين، لا سيما حين لا يكون الإفصاح إلزامياً بموجب اللوائح. ولذا يُعدّ هذا الاتجاه مؤشراً إيجابياً على التقدم نحو تطبيق المادة السادسة (ب) من مبادئ الحوكمة، التي تشجع الحوار بين الشركة ومساهميها وأصحاب المصلحة لتبادل الآراء بشأن مسائل الاستدامة ذات الصلة باستراتيجية أعمالها.
وتوصي المادة السادسة (د) كذلك بأن يراعي إطار حوكمة الشركات حقوق أصحاب المصلحة وأدوارهم ومصالحهم. ولتعزيز التعاون المنتج للقيمة مع الموظفين تحديداً، يمكن للشركات إنشاء آليات للمشاركة، كمجالس العمال أو تمثيل الموظفين في مجالس الإدارة. وقد تكتسب هذه الآليات أهمية خاصة بالنسبة لثلثي موظفي الشركات المدرجة الذين لا تمثلهم نقابات عمالية ولا تشملهم اتفاقيات المفاوضة الجماعية.
وفي عام 2024، ضمّت شركات تمثل 11% من القيمة السوقية العالمية ممثلين عن الموظفين في مجالس إدارتها. وتتباين هذه النسبة تبايناً كبيراً بين المناطق، إذ تبلغ 59% من القيمة السوقية في الصين، و39% في أوروبا، و9% في أمريكا اللاتينية، مقابل مستويات ضئيلة في المناطق الأخرى. ومقارنة بعام 2022، ظل تمثيل الموظفين في مجالس الإدارة مستقراً في أوروبا عند 10% وفي أمريكا اللاتينية عند أقل من 1%، بينما ارتفع في الصين من 26% إلى 28%.
ويمكن أن يمثل إفصاح الشركات عن معدل دوران الموظفين مؤشراً مفيداً لتقييم رضا الموظفين ومدى استعداد الشركات للاستثمار في رأس المال البشري الخاص بها. ففي عام 2024، أفصحت أكثر من 8,400 شركة تمثل 60% من القيمة السوقية العالمية عن بيانات دوران الموظفين، وأفصحت إلى جانبها أكثر من 7,350 شركة تمثل 57% من القيمة السوقية عن متوسط عدد ساعات تدريب الموظف سنوياً. ويُرجّح أن يعكس انتشار هذه الإفصاحات كون 68% من القيمة السوقية العالمية تتركز في شركات تُعدّ مخاطر رأس المال البشري بالنسبة لها مخاطر مالية جوهرية.
سابعاً: الإفصاح عن معلومات حقوق الإنسان
يتخلف الإفصاح عن معلومات حقوق الإنسان كثيراً عن الإفصاح العام عن معلومات الاستدامة. فعلى سبيل المثال، تفيد شركات تمثل 26% من القيمة السوقية العالمية بقضايا حقوق الإنسان البارزة التي حددتها في عملياتها وسلاسل إمدادها، وهي نسبة أدنى بكثير من نسبة 91% التي أفصحت عن معلومات متعلقة بالاستدامة في عام 2024. وأكثر معلومات حقوق الإنسان إفصاحاً هي وجود سياسات والتزامات مؤسسية بشأن حقوق الإنسان بنسبة 81% من القيمة السوقية، والقضايا الرئيسية كعمل الأطفال والعمل القسري بنسبة تقارب 85% من القيمة السوقية. ويرتبط الإفصاح عن معلومات حقوق الإنسان ارتباطاً قوياً وإيجابياً بالقيمة السوقية للشركات، إذ تكون معدلات الإفصاح عند قياسها بالقيمة السوقية أعلى بنحو عشرة أضعاف منها عند قياسها بعدد الشركات، وذلك عبر جميع المؤشرات. كما يرتفع الإفصاح ارتفاعاً ملحوظاً في مناطق بعينها، منها أوروبا والولايات المتحدة.
ويمكن تفسير هذه النتائج جزئياً بالتصور السائد بأن حقوق الإنسان لا تُعدّ على نطاق واسع خطراً مالياً جوهرياً. فالقضايا المتعلقة بحقوق الإنسان تُعدّ مخاطر مالية جوهرية لدى شركات تمثل 13% فقط من القيمة السوقية، ولا تُصنف موضوعاً جوهرياً إلا في 6 قطاعات من أصل 77 قطاعاً، مقارنة بنسبة 50% و33 قطاعاً لإدارة الطاقة. وفي الوقت ذاته، قد يعيق غياب المؤشرات الكمية وأطر قياس أداء حقوق الإنسان قدرة الشركات على الإبلاغ عن ممارساتها في هذا المجال بصورة ذات مغزى.
ويعني انخفاض الأهمية المالية النسبية لمخاطر حقوق الإنسان أن التشريعات تمثل محركاً مهماً لممارسات الشركات في هذا المجال. فالإبلاغ عن وجود سياسات بشأن العمل القسري وعمل الأطفال، على سبيل المثال، منتشر انتشاراً واسعاً في المناطق التي اعتمدت تشريعات لمكافحة العمل القسري. ففي الولايات المتحدة وأوروبا، حيث توجد مثل هذه القوانين، تفيد شركات مدرجة تمثل ما بين 89% و95% من القيمة السوقية بامتلاكها سياسة أو التزاماً بشأن العمل القسري أو عمل الأطفال.
ثامناً: الإفصاح المناخي في قطاع الطاقة
يُعدّ قطاع الطاقة، الذي يشمل صناعات النفط والغاز والفحم والطاقة الكهربائية، محركاً محورياً لنشر الطاقة النظيفة، وفي الوقت ذاته أكبر مصدر منفرد لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إذ يستأثر بما يقارب ثلث إجمالي الانبعاثات التي تفصح عنها الشركات المدرجة. ولكي تعمل أسواق رأس المال بكفاءة، يحتاج المستثمرون إلى فهم واضح لمدى استعداد كل شركة طاقة على حدة لمسارات بديلة نحو اقتصاد منخفض الكربون. ومما له دلالة أن قطاع الطاقة يسجل أعلى معدل للإفصاح المتعلق بالاستدامة بين جميع القطاعات، إذ أفصحت شركات تمثل 94% من قيمته السوقية عن معلومات الاستدامة في عام 2024.
ويرتفع الإفصاح عن انبعاثات النطاقين الأول والثاني نسبياً في قطاع الطاقة، إذ يغطي 90% من القيمة السوقية. أما الإفصاح عن النطاق الثالث فلا يزال محدوداً، لا سيما في آسيا الناشئة والشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تفصح أقل من نصف الشركات من حيث القيمة السوقية عن هذه البيانات. وحيثما يُفصح عن انبعاثات النطاق الثالث، يتركز الإفصاح في الشركات الكبيرة التي نادراً ما تضع أهدافاً لخفض انبعاثات هذا النطاق، وحين تفعل تبقى أهدافها المرحلية محدودة في الغالب.
ويطرح ذلك تساؤلاً مهماً على صعيد السياسات أمام الجهات التنظيمية لأسواق رأس المال والسلطات البيئية وسلطات الطاقة والمستثمرين: هل ينبغي تحفيز شركات الطاقة أو إلزامها بدرجة أكبر بالإفصاح عن معلومات شاملة بشأن النطاق الثالث واعتماد أهداف تغطي هذه الانبعاثات؟ وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لكون المؤسسات المملوكة للدولة تستأثر بنسبة 32% من الانبعاثات المفصح عنها في القطاع، بينما يبدو أنها تقلل من الإفصاح عن انبعاثات النطاق الثالث مقارنة بالشركات الأخرى.
وتتمتع شركات الطاقة بقدر أكبر من السيطرة على انبعاثات النطاقين الأول والثاني الناشئة عن عملياتها المباشرة والطاقة التي تشتريها. وفي المقابل، أثبت وضع أهداف لانبعاثات النطاق الثالث، المرتبطة في معظمها باستخدام المنتجات المباعة، أنه أمر عسير. وقد يكون لمثل هذه الأهداف أثر مباشر محدود على الطلب أو على الانبعاثات العالمية إذا اقتصر تبنيها على الشركات المدرجة، وهو ما يفسر تركيز كثير من شركات القطاع على الإفصاح عن انبعاثات النطاقين الأول والثاني. ومع ذلك، تفوق انبعاثات النطاق الثالث البصمة التشغيلية لشركات الطاقة بفارق هائل، مما يجعلها أكبر من أن يُغض الطرف عنها.
تاسعاً: أثر قطاع الطاقة
من المجالات التي يمكن فيها اختبار التزام شركات الطاقة بمعالجة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أنشطة الضغط والتأثير. إذ توصي المادة الفرعية السادسة (ج) (1) من مبادئ الحوكمة بأن تكفل مجالس الإدارة اتساق أنشطة الضغط والتأثير التي تمارسها الشركات مع أهدافها وغاياتها المتعلقة بالاستدامة. وعلى المستوى العالمي، تفصح 7% من شركات الطاقة المدرجة عن مواقفها من السياسات المناخية، وتفيد 15% منها بعضويتها في جمعيات الأعمال، بينما تفصح الشركات الكبيرة عن نفقات ضغط وتأثير تبلغ في المتوسط 3.5 ملايين دولار أمريكي. وتكشف هذه الأرقام عن محدودية وصول المساهمين إلى المعلومات اللازمة لمساءلة مجالس الإدارة عن إشرافها على أنشطة الضغط والتأثير. غير أن الممارسات الإقليمية تتفاوت تفاوتاً واسعاً، إذ تتصدر أوروبا والولايات المتحدة الاقتصادات المتقدمة، وأمريكا اللاتينية الأسواق الناشئة، بينما يتسع مجال التحسين في المناطق الأخرى.
ولا يزال الإفصاح عن البحث والتطوير البيئي والنفقات الرأسمالية البيئية محدوداً. فعلى المستوى العالمي، لا تتجاوز نسبة شركات الطاقة المدرجة التي تفصح عن البحث والتطوير البيئي 2.5%، وتتراوح الأرقام الإقليمية بين 7.3% في أمريكا اللاتينية و1.3% فقط في منطقة آسيا والمحيط الهادئ المتقدمة باستثناء الولايات المتحدة. وبالمثل، لا تفصح عن النفقات الرأسمالية البيئية سوى 7% من شركات الطاقة. وحيثما تفصح الشركات الكبيرة، فإن تخصيصها 43% من نفقاتها الرأسمالية للأصول المنخفضة الكربون قد يدل على توقعات بتحول تدريجي نحو اقتصاد منخفض الكربون. بيد أن هذه الإفصاحات لا تستند إلى نظام تصنيف موحد، كتصنيف للأنشطة المستدامة، وإنما تعتمد على تعريفات خاصة بكل شركة، مما يحد من قابليتها للمقارنة.
ويتمثل تحدٍ آخر في قدرة شركات الطاقة ورغبتها في الحفاظ على نفقاتها الرأسمالية واستثماراتها في البحث والتطوير، خضراء كانت أم غير ذلك، في ظل أولويات متنافسة. فبين عامي 2015 و2024، ارتفع صافي التدفق النقدي من الأنشطة التشغيلية لشركات الطاقة المدرجة بنسبة 32%، مما مكّنها من مضاعفة توزيعات الأرباح وعمليات إعادة شراء الأسهم ثلاث مرات، في حين لم يتجاوز نمو صافي النقد المستخدم في الأنشطة الاستثمارية 5%. كما تضاعفت نفقات البحث والتطوير الإجمالية أربع مرات بين عامي 2015 و2023، في إشارة إلى جهود الابتكار، لكنها تراجعت في عام 2024 بنسبة 14% مقارنة بعام 2023.
وتبرز نتائج تحليل 42 تقييماً للأهمية النسبية المزدوجة أجرتها شركات طاقة خلال دورة الإبلاغ الأولى بموجب توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن تقارير الاستدامة المؤسسية فجوات متسقة بين تقييم الآثار السلبية الجوهرية وتقييم المخاطر المالية الجوهرية في معظم موضوعات الاستدامة. فعلى سبيل المثال، حددت 86% من الشركات آثاراً جوهرية تتعلق بالتنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية، في حين لم تربط هذا الموضوع بمخاطر مالية جوهرية على الشركة سوى 36% منها. ووُجدت فجوات مماثلة فيما يخص المياه والتلوث والقضايا الاجتماعية المرتبطة بالعاملين في سلسلة القيمة. وقد يدل ذلك على أن شركات القطاع كثيراً ما تفتقر إلى الحوافز المالية اللازمة للحد من بعض آثار الاستدامة الكبيرة، ولا سيما في الموضوعات البيئية والاجتماعية الرئيسية.
وقد ينظر صانعو السياسات في نُهج قائمة على السوق أو على السياسات العامة تسعّر الآثار السلبية وتقيّم تكلفتها بفاعلية، بما يعزز حوافز الشركات للتحرك. كما سيكون إجراء مزيد من البحوث في قطاعات أخرى أمراً بالغ الأهمية لتقييم ما إذا كانت أنماط مماثلة تتكرر عبر القطاعات والمناطق الجغرافية، ولتصميم استجابات سياسية فعالة تراعي أي فروق من هذا القبيل.
