المنافسة الآسيوية : الجولة المقبلة
سيكون هناك حاجة إلى نوع مختلف من الشركات الآسيوية للنجاح في الجولة المقبلة من المنافسة، ويدور هذا الكتاب حول ما ستحتاج إليه تلك الشركات، كي تظهر كما يرجى منها، وكيف يمكن أن تؤسس إنه حول فهم التحديات، واستغلال الفرص التي يستتبعها وجه المنافسة الآسيوية المتغير.
سيقتضي الفوز في آسية في المستقبل من الشركات أن توحد قواها التقليدية مع أفضل الممارسات التجارية من أنحاء العالم كي تكون شركات أسيوية متعددة الجنسيات جديدة ومميزة في مواجهة هؤلاء المنافسين الآسيويين ذوي الأسلوب الجديد، ستحتاج الشركات الغربية العاملة في آسية إلى إعادة تقويم مصادر ميزتها التنافسية، وتزويدها بوقود إضافي يصبح الرضا عن الذات المصحوب بغفلة عن الأخطاء المحدقة، والافتقار إلى الفهم الحقيقي لأخطار المنافسة المحلية موطن ضعف. لهذه الشركات.
إن بعض الشركات الآسيوية الآن في طريقها إلى إيجاد نوع من الشركات التي توضع في الموضع الصحيح كي تفوز في الجولة المقبلة من المنافسة. انظر إلى شركة Thailand's (Charoen Pokphand (CP للأعمال الزراعية. فقد كانت أعمالها الزراعية، في الوقت الذي حدثت فيه الأزمة المالية الأسيوية عام 1997، جزءاً من إمبراطورية أعمال منتشرة على نحو واسع بمبيعات جماعية، قدرت أنها تتجاوز خمسة مليارات دولار. كانت بدايتها من متجر وحيد للبذور في الحي الصيني في بانكوك عام 1921، إذ أقل ما يقال في نجاحها: إنه كان مدهشاً. لكن ميزتها الإنتاجية الباكرة على المنافسين، التي بلغت 80% كانت تتقلص، وعلى الرغم من الانتقال من البذور عن طريق علف الحيوانات إلى إنتاج الدجاج، ولحم الخنزير، والقريدس، لا تزال تستحوذ على نسبة محدودة فقط من القيمة المضافة المحتملة بين المزرعة والمستهلك النهائي، وكانت معظم مبيعاتها غير موسومة بعلامة تجارية. ثم إن عملياتها التجارية المهمة انتشرت في اثنتين وعشرين دولة من ضمنها تايلاند، والهند، وماليزية، وإندونيسية، وتايوان، وتركية، وفيتنام، ومئة وعشرة أعمال تجارية في الصين. تدار هذه الشركة بوصفها مجموعة شركات صغيرة ومتوسطة الحجم (SMEs)، لا بوصفها شبكة محكمة الدمج والتكامل. إن مربحها كانت على الرغم من حجمها وانتشارها، لا تزال تعرقل عن طريق التجزة الصناعي ( في قطاع علف الحيوانات في الصين، مثلاً، واجهت منافسة من 12,000 مطحنة علف مستقلة).
و حولت نفسها في الوقت الحاضر نحو الأفضل: استعداداً لجولة جديدة من المنافسة. اعتماداً على قواها التقليدية وتوحيدها مع قوى جديدة، وبالتخلص من حصصها في التلفاز الفضائي والأرضي وتصنيع الدراجات النارية والبتروكيماويات، وتخمير الجعة، أعادت الشركة تركيز استثمارها في الأعمال الزراعية، إن شركة CP تتدفع اعتماداً على فهمها العميق لسلسلة الإمداد للأعمال الزراعية الآسيوية، في خطوة تغيير أخرى، تتخطى الزراعة ومعالجة الإنتاجية إلى الشروع في معالجة نفقات التخزين والمبيعات، ونفقات الإدارة للانكباب على تحسين الإنتاجية في النفقات العامة، حيث يكون الناتج أصعب قياساً، وحيث تكون الأتمتة أكثر تحدياً. إنها تنتقل إلى قيمة مضافة أعلى، إذ صنعت الأطعمة مثل الروبيان المعلب يطرق جدابة، ثم إنها يمكن أن توضع مباشرة على طاولة الطعام في الفنادق في الولايات المتحدة، وعلى سفاقيد الدجاج، ولحم الخنزير، والخضار الجاهزة للشواء في حانات ياكيتوري اليابانية. والوجبات الجاهزة المبردة المتاجر الخدمة الذاتية الأوروبية ( السوبر ماركت مثل تيسكو (Tesco) محلات بيع التجزئة الأضخم في بريطانية، والآن بعملياتها التجارية الممتدة إلى ما وراء البحار، إن شركة CP بالعمل في تشارك مع زبائن رئيسين، تؤسس مصادر جديدة للميزة، وتفتح فرصاً جديدة بغية أن تصبح مطبخ العالم.. لكن هذه المبادرات الجديدة أسست بثبات على قاعدة معرفة موجودة، ومجموعة من القدرات التي تمتد، بدقة، إلى أساس العمل الزراعي في المزارع، ومطاحن الأعلاف، والأسواق المحلية في آسية. وتبدأ شركة CP في خط مواز بوضع الموارد خلف تأسيس علاماتها التجارية الدولية مثل الأطعمة البحرية Costa Seafoods كي تستحوذ أكثر على القيمة الإضافية التي توجدها للزبائن.
إن شركة CP تقوي معرفتها الفريدة في المناخ الأسيوي، وظروف البيئة الاستثمارية بدلاً من استعارة التقانة ببساطة من وراء البحار، تقويها باستثمار ما بين 3% و 5% من المبيعات في البحث والتطوير كي تنتج سلسلة واسعة من الابتكارات. وهذه الابتكارات امتدت إلى تطويرها سلالة فريدة من الأسماك، وهي التابتيم، وقد صممت في سبيل تحقيق إنتاجية عالية في برك الماء الأسيوية، ولكن دون الطعم الموحل»، الذي قلل من استساغة الأسماك التي تربى في المزارع. وساعدت هذه الابتكارات أيضاً في استخدام البذور وفقاً للأراضي المحلية وأنماط هطول المطر، وعلى تطبيق التقانة العالية المستوى على تربية الروبيان، وعلى علم سموم البرك المائية، وفي تطوير نباتات السحلب المعدلة وراثياً. إن شركة CP تتحرك، في أثناء ذلك، بثبات كي تحول بنيتها المجزأة السابقة من مجموعة شركات صغيرة ومتوسطة منتشرة هنا وهناك في آسية إلى شبكة موحدة قادرة على إنضاج الأعمال القائمة على التعاون والتضافر بواسطة الحدود، وقادرة على أن تغذي سلسلة إمداد ثابتة ومتينة مطلوبة من قبل متاجر السوبر ماركت في العالم وموردي المؤن والأطعمة، مع محافظتها على التوافق التقليدي مع الاختلافات في الظروف المحلية، (نزولاً إلى التنوع في عقلية المزارعين وتجاربهم في مناطق مختلفة). وأخيراً. إذ يكون ذلك ممكناً، فإن شركة CP تسعى لإعادة تحديد مسار ساحتها التنافسية مع منافسين كبار مثل مجموعة Hope شركة خاصة رائدة رأس مالها مليار دولار استحوذت في الصين على ثلاثين شركة لطحن الدقيق والأعلاف، كانت مملوكة من قبل الدولة سابقاً ) ، مثلاً تجري إدماجاً بين اثني عشر ألف مطحنة في الصين؛ بغية تقليص عددها إلى نحو ألفي مطحنة فاعلة من حيث الحجم، ومجدية من حيث التكلفة، وقابلة للحياة والنمو على المدى الطويل.
لا تمثل أي إستراتيجية من هذه الإستراتيجيات حلاً سريعاً ناجعاً، ولا تعرض ضمانة موثوقة للنجاح، ولكنها تحدد الطريق إلى أنواع التغييرات التي ستحتاج إليها شركات آسية كي تفوز في الجولة المقبلة من المنافسة. إن تطوير هذه الأنواع من الإستراتيجيات وتنفيذها يستلزم كثيراً من استيعاب التقانات والمهارات الجديدة، إنهما يتطلبان تغييرات أساسية في اتجاهات التفكير السابقة، وفي الهياكل التنظيمية وعمليات الإدارة.
إن هذه التغييرات مع ذلك، ليست بمنزلة تقليد طرق الشركات المتعددة الجنسيات من الولايات المتحدة وأوروبة. وبدلاً من ذلك، فإن هذا التحول يتطلب من الشركات الأسيوية أن توحد قواها التقليدية، مع القدرة على اكتساب الأفكار والتقانات الأفضل. التي تستطيع أن تختارها من حول العالم ودمجها، إن مثل هذه الجهود لن تنتج فقط نوعاً جديداً ومميزاً من الشركات، وإنما من حيث الجوهر، ستعيد توجيه مسار الساحة الأسيوية، يجب على مديري الشركات الأسيوية، في الوقت الحاضر، أن يسألوا أنفسهم الأسئلة الأساسية الآتية:
. هل أعرف ما ستحتاج إليه شركتي كي تبدو أنها ستفوز في الجولة المقبلة من المنافسة؟
. هل أمتلك الإستراتيجيات كي أنجح عن طريق تقوية إرثي وقدراتي الآسيوية المميزة بطرق جديدة، وتعزيزها ؟
إن معظم ما تبقى من هذا الكتاب مكرس لجمع الفكر العامة، وتنظيمها، مع الأدلة التي ستساعد مديري الشركات الأسيوية في تطوير إستراتيجية نشيطة، تمكنهم من الإجابة بنعم على هذين السؤالين بثقة.
إذا كنت مديراً لشركة غربية متعددة الجنسيات تعمل في آسية ( أو مديراً لشركة تخطط كي تدخل إلى المنطقة، فإنه من المحتمل أن تسأل نفسك فيما إذا كان يجب عليك أن تستمر في قراءة هذا الكتاب انظر إلى المعطيات الآتية: في عام 1995: أي بعد سنوات قليلة من فتح الصين سوقها الخاص بالحاسوب الشخصي (PC) للمنافسة العالمية، فإن الشركات المتعددة الجنسيات، ومن ضمنها HP و IBM و Compaq ( الآن مدمجة فازت بنصيب من السوق يفوق الـ 50%. لقد تنبأت مجلة The Economist أن حصة الشركات المتعددة الجنسيات سترتفع إلى 80% في العام 2000 مع إجبار اللاعبين المحليين على العودة إلى حصة 20%. وقد حدث العكس في الواقع، إذ إنه في عام 2000 أحرزت الحواسيب الشخصية الصينية منضدية الحجم ذات العلامة التجارية لجند (legend) المرتبة الأولى، إذ بلغ نصيبها من السوق 29%، ثم أحرزت اثنتان من الشركات المحلية المرتبتين الثانية والثالثة، وهما Founder بحصة 9% و Great Wall بحصة 5%، إن الحصة الأضخم بعد هاتين الحصتين من سوق الحواسيب الشخصية كانت قد استحوذت عليها شركات أسيوية مثل شركة Acer التايوانية، وشركة Toshiba اليابانية، وتراجعت الشركات الأسيوية إلى حصة 20%
من سوق مشترك. إن الأدلة المفهومة ضمناً هنا واضحة، ولأننا ندخل الجولة المقبلة من المنافسة في آسية، فقد حان الوقت لكي تفهم هذه الشركات المتعددة الجنسيات المنافسين الأسيويين المحليين، وكيف ستتطور في المستقبل بجدية جديدة، ولأنها تواجه منافسة أشد. مما سبق من نوع جديد من الشركات الآسيوية التي تجمع مزايا الفريق الوطن، مع قدرات المستقبل ذات المستوى العالمي، سيتعين على الشركات المتعددة الجنسيات الغربية أن تتحدى بنحو جوهري الإستراتيجيات التي كانت ناجحة، في جعلها تفوز بحصة من النمو المتسارع في آسية مدة العقدين الأخيرين. وسيحتاج المديرون في الشركات الغربية إلى مقاربات جديدة للسوق، تتيح لهم أن يحددوا بدقة متناهية مواطن قوتهم الفريدة الممكنة في الجولة المقبلة من آسية، وأن يستخدموها، من ثم، خير استخدام، يهدف هذا الكتاب إلى تقديم فهم للطريقة التي من المرجح أن يتطور بها بنحو أفضل المنافسون الآسيويون، وبعض الأفكار الثاقبة عن المواضع التي من الممكن أن تكمن بها مواطن قوة الشركات الآسيوية في المستقبل ومواطن ضعفها.
الضغوط من أجل التغيير
هذه الإستراتيجيات الجديدة مطلوبة لأن تغييراً قوياً وملحوظاً يجري في البيئة التنافسية في آسية. إن تكرار ما أجدى نفعاً في الماضي من غير المحتمل أن ينجح إزاء الحقائق الجديدة. لقد دفعت هذه التغييرات بسرعة إلى الأمام بالتنمية المتسارعة للصين.
وبالتأثير التراكمي لرفع القيود، وتحرير التجارة التدريجيين والمستدامين عن طريق آسية، وانخراط الجيل الجديد من القوى الاجتماعية والسكانية العاكف على إعادة تكييف مستقبل آسية الاقتصادي. وهذه كلها اتجاهات طويلة الأمد، لكن تأثيرها المباشر في المناضة الأسيوية كبح لأن كثيراً من الشركات الأسيوية قد أعيقت وقيدت بالنتائج التي أعقبت الأزمة المالية عام 1997 على مدى السنوات الخمس الأخيرة. والآن فقط أزيلت هذه العوائق، وأعيدت جدولة الدين أو أخيراً قد سدد، وأعطيت هذه الشركات الأسيوية بذلك مجالاً واسعاً للحركة كي تستجيب إلى الضغوط المكبوتة من أجل التغيير.
إن فهم دوافع التغيير في البيئة الأسيوية، وماذا تعني هذه الدوافع بالنسبة إلى الطريقة التي ستعمل بها المنافسة الآسيوية في الجولة المقبلة، هو الخطوة الأولى باتجاه إيجاد أنواع جديدة من الإستراتيجيات، والشركات التي ستنجح في المستقبل.
انعكاسات أزمة عام :
1997 إن المرحلة الجديرة بالاهتمام التي تلفت النظر إلى النمو والازدهار في آسية على مدى العقدين اللذين سبقا أزمة عام 1997 تقريباً، كانت من نواح كثيرة «معجزة.. كانت معدلات النمو في شرقي آسية 168 بين عامي 1980 و 1990 و 8.1% بين عامي 1990 و 1998. إن كثيراً من المستثمرين المستقلين شاركوا في الثروة المتزايدة، بالإضافة إلى الثروات الذائعة الصيت جدا، والمتراكمة من قبل نخبة آسية التجارية، وأصبحت سلسلة واسعة من الخدمات والسلع الاستهلاكية في متناول ملايين الآسيويين، وكان هذا المرة الأولى، في حين انخفض الفقر والأمية انخفاضاً مثيراً، ثم إن التغذية والصحة ومتوسط العمر المتوقع تحسنت بنحو ملحوظ. ولكن الواقع الكامن وراء كثير مما اصطلح على تسميته معجزات، لم يكن كما كان يبدو ظاهريا.
حدثت مع الإنجازات الكثيرة اختلالات وظيفية عدة للتوازن، وكانت غير ثابتة، وكان بينها في المقام الأول الاختلال الذي أحدثته مبالغ ضخمة من رأس المال، الذي يتصيد فرص الاستثمار الإنتاجي بأسرع ما يمكن أن تحدث به هذه الفرص، وانظر دلالة على ذلك إلى حقيقة أن متوسط نسبة دين المصارف إلى إجمالي الناتج المحلي الإجمالي (GDP) بواسطة اقتصادات شرقي آسية ارتفع من 46% عام 1980 إلى 105% عام 1997.
عندما ينفد صبر المستثمرين المتحمسين مع فرص الاستثمار الجيدة جدا، فإنهم يبدؤون بالنظر إلى فرص أقل متانة وسلامة، ولأنهم لا يريدون أن تفوتهم فرصة الانتفاع من الازدهار، فإنهم أقنعوا أنفسهم بأنه أمر حسن أن يؤسسوا مجموعات إنتاجية جديدة وأبنية مكاتب وفنادق، حتى عندما يكون الزبائن المحتملون غير محددين، وفضلاً على ذلك، فإنهم يقنعون أنفسهم بأن الشركات التي ليس لديها خبرة في صناعة جديدة ستتعلم بطريقة سحرية: كيف تدير شؤون تجارة جديدة بسلاسة بين عشية وضحاها: وأن المنتجات والخدمات الجديدة لا ريب ستنطلق، حتى حين تكون قيمتها بالنسبة إلى المستخدمين غير مجربة وأن أسعار أصل الشركات المتضخمة تضخماً شديداً تمثل قيمة جيدة، إنهم يظنون أن المد المرتفع للنمو سوف يجرف كل هذه العيوب وجوانب القصور.
حتى بالنسبة إلى المستثمرين المفرطين في التفاؤل، مع ذلك، طبعاً، فإنه سيأتي في وقت يكون من المفترض فيه أن تنتج الاستثمارات أرباحاً ونقوداً، إذ إن الاستثمارات الهامشية وغير المنتجة والكثيرة التي صنعت في أثناء الجزء الأخير من مدة ازدهار آسية. لم تستطع أن تنقذ الوضع. إن أسسها الداعمة - قاعدة زبائنها، والخدمات والبنية التحتية المرافقة، والمهارات والقدرات المطلوبة لإدارتها بنجاح كانت ببساطة ضعيفة جدا، وعندما أخفقت العوائد في أن تتحقق، فقد المستثمرون الثقة. هؤلاء الذين أقرضوا ديوناً بدؤوا يطالبون بإعادة أموالهم، وقد حاول مستثمرو الأسهم العادية أن يبيعوا أسهمهم، وهكذا ولدت أزمة عام 1997.
باتت هذه المشكلات مفهومة الآن فهماً جيداً، على مستوى الاقتصادات الكبرى، ولكن ما يعترف به على نطاق أقل اتساعاً، هو أن الازدهار الطويل ترك الشركات في آسية ترزح تحت نير عادة مستحكمة خطرة وهي الاعتماد على تحصيل الإيجار: أي: العوائد من ملكية الأصول أو الموجودات، لا إيجاد قيمة جديدة للزبائن بوصفها طريقة رئيسة لهم. الصنع المال وموارد الإيجار التي جفت الآن إلى حد بعيد.
نهاية تحصيل الإيجار:
إن إيجاد قيمة جديدة يعني إيجاد طرق لتزويد الزبائن بخدمات وسلع، إما أن تكون أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم، أو أن تكون أكثر فاعلية من طرق المنافسين، ولم تكن تلك هي الطريقة التي كسبت بها كثير من الشركات في آسية الأموال في أثناء مدة الازدهار. وبدلاً من ذلك فإن كثيراً منها أثرى بتحصيل الإيجارات من الأصول أو الموجودات التي كانت تسيطر عليها. انظر إلى بعض الأمثلة على الإيجارات.
أرباح المضاربة كثير من الشركات الأسيوية كدست سندات تجارية ضخمة الأصول مادية، تراوح بين عقارات، ومنشآت كيماوية ضخمة، وحيازات أسهم في شركات أخرى. وحين تدفق رأس المال إلى آسية، تضخمت أسعار هذه الأصول. وهكذا، لا بأس إذا كنت فعلاً توجد قيمة بوصفك لنقل، مطوراً ملكية عن طريق بناء الأبنية على نحو مجد في مواقع قابلة للنمو، إذ سيجد المستأجرون فيها موثل عون لأعمالهم كي تنجح، وبدلاً من ذلك راهن مراهنة عظيمة وأسس أصولاً بأسرع ما يمكن مقترضاً أموال الآخرين. عندئذ استرح وانظر إلى قيمة تحليق أصولك. لقد أصبح رأس المال مورد فائض أكثر أهمية لكثير من الشركات في آسية، من أرباح الإمداد بالسلع والخدمات.
الأفضليات الوطنية والاحتكارات المحلية إن أرباح كثير من الشركات في آسية كانت قد عززت بالوصول إلى الرخص والإجازات المقيدة التي أحدثت احتكارات فعلية في أسواق كثيرة عن طريق آسية، إنه لم يكن تناضاً من طراز عالمي، ذاك الذي سمح لهذه الشركات أن تنجح وتزدهر، وبدلاً من ذلك كانت الحقيقة هي أن الشركات تحكمت بالطرق الضيقة في السلسلة، مثل الوصول إلى السوق والتوزيع، وهو الأمر الذي سمح لها بالإفادة من الازدهار الاقتصادي، ضع جهودك في الإبقاء على التحكم بعنق الزجاجة واسترح، واجمع الإيجارات من أولئك الذين يحتاجون إلى أن يعبروا.
موازنة الموارد الشركات الناجحة في الأسواق التنافسية هي تلك التي تكتشف كيف ستضيف قيمة أعلى بتكلفة أقل من تكلفة الشركات المنافسة لها، لكن حتى تلك الشركات التي تقدم عرضاً أقل جاذبية، أو خدمات أردأ وموارد مبددة للأموال, عبر التقصير وعدم الفاعلية، يمكن أن تنجح إذا استطاعت الوصول إلى موارد بتكلفة منخفضة على نحو زائف وظف الحقوق الاحتكارية في الغابات المطرية الاستوائية السريعة النمو أو رأس المال المقدم بوصفه معونة مالية من مصرف الدولة، تحصل على مدخل إلى موارد عالية الجودة بأقل من قيمة السوق حتى إذا كنت تحول هذه الموارد إلى أنواع رديئة ومنتجات منخفضة القيمة، وتعرض خدمات رديئة، وتبدد نسبة عالية من الدخول التي تستخدمها في العملية، فإنك تبقى قادراً على الإفادة من الإيجارات التي تحصلها باستغلال الموارد التي حصلت عليها بسعر رخيص.
سوق المورد: أدمنت الشركات في الاقتصادات الأسيوية، التي ما انفكت تنمو بين %7 و 8% سنويا على مدى عقود على متعة التسابق على طلب الإمداد باستمرار وعلى الرغم من صدمات قوية قليلة أحدثتها الدورة التجارية، فإن ذلك كان بنحو أساسي سوق المورد. وفي هذه البيئة المقيدة بالإمداد، فإن أولئك الذين يستطيعون أن ينظموا الموارد كي يوسعوا القدرة بسرعة، يحسنون صنعاً، إن المقدرة على الإمداد بكمية كبيرة أمر أساسي سواء أكانت النوعية ممتازة أم كان المنتج أو الخدمة معدلة. وفقاً للمتطلبات الدقيقة للمستخدم، أم كانت الفاعلية التشغيلية من طراز عالمي، كل هذه تعد أموراً ثانوية. يحفز أداء الشركات إلى حد حد . بعيد من قبل أولئك الذين يملكون الأصول والموارد والقدرة في بيئة ندرة دائمة، ومرة ثانية، إذا كنت تتحكم بالأصول إزاء الطلب المتزايد، فباستطاعتك أن تنعم بالإيجارات حتى عندما استمروا في الإفادة من هذه الأنواع من تحصيل الإيجار، فإن كثيراً من كبار المديرين في الشركات الأسيوية كانوا سعداء ينعمون في وهم أنهم كانوا ينتجون قيمة جديدة، عبر التنافس المتفوق عالميا ، وينجحون في سوق مفتوحة ودينامية، الشيء نفسه كان ينطبق على كثير من نظرائهم المتعددي الجنسيات العاملين في المنطقة، الذين كانت إدارتهم أكثر ميلاً إلى أن تعزو نجاحاتها إلى تنفيذ وإستراتيجية رائعين، يثيران الإعجاب، أكثر مما تعزوه إلى ظروف السوق الإيجابية المواتية.
لقد حطمت الأزمة المالية الأسيوية ذلك الوهم لأنها بضربة واحدة تقريباً أزالت معظم موارد الإيجارات الاقتصادية، تلك ذاتها التي كانت سر النجاح الذي تعجز الكلمات عن وصفه لكثير من الشركات الآسيوية جوبهت الإدارة الآسيوية بانكماش دام طويلاً، بدلاً من أرباح رأس المال بوصفها أصولاً ترتفع قيمتها عاماً بعد آخر، وقد واجه أولئك الذين لديهم احتكارات محلية آمنة ومريحة انهياراً في الطلب المحلي لذلك أظهرت محاولاتهم التحول إلى الأسواق التصديرية أنهم لم يكونوا منافسين قط خارج أسواقهم المحلية، التي كانوا ينعمون فيها بغطاء يحميهم، وهكذا فإن الإيرادات التي كانوا يحصلون عليها، من اختلاف أسعار صرف العملات تحولت إلى خسائر أصبحت آسية في أثناء ذلك السوق المناسبة للمشترين، إذ كان الزبون الذي يملك أموالاً نقدية ملكاً. وما كان مهماً هو امتلاك منتجات وخدمات جذابة ومناسبة لحاجات الزبون الدقيق في اختياره، الذي يصعب إرضاؤه، وسلسلة إمدادات فائقة الفاعلية وفيض كبير وقدرة غير تفاضلية، أصبحت مسؤولية أكثر مما هي أصول.
الإبداع من جديد بعد الأزمة:
ما يمكن أن يبدو مدهشاً أنه على الرغم من اختفاء الإيجارات من أرباح الشركات والانكماش الضخم في أسعار الأصول، قامت أغلب الشركات بإجراء تغيير بسيط جدا في أسس إستراتيجياتها التنافسية، في المرحلة التي تلت الأزمة مباشرة. وفي مسح للمديرين في 127 شركة آسيوية، وشركات متعددة الجنسيات عاملة في آسية أشرفت عليه عام 1998 مثلاً، أشار 50% تقريباً من الذين شملهم المسح إلى أنهم كانوا يخططون كي يبقوا إلى النهاية، و يجتازوا العاصفة بسلام، حتى تأتي أوقات أفضل، وفقط 13% كانوا يبادرون ببرنامج إعادة هيكلة مغامر ( استلزم بيع بعض الأعمال ودفع الدين نقداً. وتقوية أعمال أخرى عن طريق إجراء تغييرات في الإستراتيجية، أو تسخير المكتسبات للشروع في أعمال أخرى).
لم يتحقق كثير من إعادة الهيكلة المتنبأ بها، ومن التغييرات في الإستراتيجية من قبل الأعمال الآسيوية، والسبب المهم هو أنها وجدت نفسها في مأزق يواجهها من قبل الدائنين بعدما حدثت الأزمة. لقد انتشر بين المقرضين قول مأثور قديم يقول: إذا كنت مديناً للمصرف بمبلغ قليل من المال، ولا تستطيع أن تسدده، فعندئذ إنها مشكلتك، ولكن إذا كنت مديناً للمصرف بمبلغ ضخم، ولا تستطيع تسديده، فإنها مشكلة المصرف، تلخص هاتان الجملتان السبب الذي دفع بشركات أسيوية كثيرة كي تتدبر أمرها لتتفادى إعادة الهيكلة المثيرة لأعمالها، في أعقاب أزمة 1997 كان لدى المصارف خيارات قليلة، غير إعادة جدولة ديونها أو إعادة هيكلتها، وكان استرداد الأصول ذا فائدة قليلة: لأن الأصول. يمكن فقط أن تُصفى بأسعار زهيدة جدا (محروقة) ، هذا إن كان بيعها ممكناً أصلاً. ولم تكن المصارف عموماً في وضع تستطيع فيه أن تضطلع بإدارة الشركات، في حين كان المديرون الأكفاء نادرين أرادت بعض المصارف في أثناء ذلك أن تتفادي الاعتراف بواقع سندات قروضها، وفقاً لما لحظه مين هينغ تشاو في صحيفة korea's Hansol بسخرية قائلاً: ومن الغريب أن تلك الشركات ذات التصنيف الائتماني السيئ، والمدينة بقروض مصرفية مددت آماد تسديد قروضها لأن المصارف لا تستطيع أن تتحمل الإعلان عن أنها في وضع العجز.
إن عملية إصلاح مواطن الخلل التي كشفت النقاب عنها أزمة عام 1997. استغرقت أكثر من خمسة أعوام من العمل بواسطة النظام. أسست الحكومات شركات إدارة أصول مثل أبرة ABRA في إندونيسية، وشركة دانا هارتة Danaharta في ماليزية. وقد بدأت هذه الشركات عملية بطيئة إلى حد مرهق، للتعامل مع القروض غير المنجزة على دفاتر المصارف، وأخذ الدائنون الشيء القليل، أو حولوا الديون إلى أسهم كارهين.
لقد باعث شركات مثل First Pacific أصولاً غير آسيوية كي تصفي ميزانينها العامة، وبدأت بالاستحواذ على أعمال من جديد، ثم إن مجموعات أسرية مثل Eastern Sugar التي تسيطر عليها جماعة واتانا فيكين في تايلاند. بدأت بإعادة هيكلة ديونها. وهي مهمة أكملتها هذه الجماعة أخيراً عام 2003، وبعدئذ أضحت قادرة على إطلاق مبادرات جديدة.
وفي حين سارت هذه العملية ببطء، فإن أيدي فرق إدارة كثيرة، سواء أكانت حرساً قديماً أم مديرين أخذوا مواقعهم حديثاً في العمل، قيدت أيديهم، عندما وصل الأمر إلى تجديد إستراتيجياتهم. مثال رئيس على ذلك هو شركة دايو Daewoo، التي كانت فيما مضى ثاني أضخم مجموعة شركات في كورية. وعلى الرغم من عجز بلغ أكثر من 80 مليار دولار أمريكي، وإعلان باكر عن خطط إعادة هيكلة تنطوي على مغامرة بعد حدوث الأزمة آلت دايو إلى الإهمال، وبدلاً من إعادة الهيكلة، فإن الشركة ادعت أنها ستكون قادرة على تخفيض نسبة أسهم ديونها إلى أقل من 200% في عام 2000، وذلك بإطلاق أسهم جديدة في سوق الأسهم المالية. لقد تخلت عن خطط بيع صناعات دايو الثقيلة ( بناء السفن وعمل الآلات وأوريون الكتريك Orion Electric ( منتجة المونيتور الحاسوب المشترين أجانب، وكانت في أثناء ذلك تقاوم خطة التخلي عن أعمال الإلكترونيات الاستهلاكية إلى سامسونغ Samsung مقايضة مقابل أعمال ذات صلة بالآليات ذاتية الحركة من سامسونغ.
لقد استغرق الأمر أكثر من عامين قبل أن تنهار أخيراً دايو، وبعد مدة وجيزة اختفى مؤسس الشركة ورئيسها كيم وو - تشونغ، وسجن في غيابه اثنان وعشرون مديراً تنفيذيا من الشركة بسبب الاحتيال الذي ضخم أصول الشركة نحو 30 مليار دولار. لم تكتمل إعادة الهيكلة، التي قسمت دايو إلى سلسلة من الشركات الصغيرة، بما في ذلك دايو لبناء السفن، ودايو للصناعات الثقيلة، وشهدت بيع موتور دايو السابقة إلى جنرال موتورز، حتى عام 2003.
لكن عندما حدثت التغييرات أخيراً في الإستراتيجية كانت مثيرة، ما انبثق من دايو الأصلية أخيراً كان شركات أكثر تركيزاً، وأقل اتكالاً على تحصيل الإيجار، وأقل وصولاً إلى رأسمال تفضيلي من مصارف الدولة هذه الشركات المستقلة الجديدة، مثل دايو لبناء السفن، باشرت عملها بسياسات لتحسين إنتاجيتها بطريقة جوهرية كي تستعيد مربحها وتضع الأساس من أجل التنافسية المستقبلية شركات كورية ذات رؤوس أموال ضخمة، مثل شركة سامسونغ هي شركة كورية ضخمة أخرى، من تلك الشركات التي تدعى باللغة الكورية chaebol (وتعني حرفياً مقدار كبير من المال)، عاكفة الآن على إجراء تغييرات كبيرة في الإستراتيجية. وبعد مدة وجيزة من تعيينه رئيساً لإلكترونيات سامسونغ، واجه يون جونغ يونغ الأزمة. في بادئ الأمر كان التغيير محدوداً، ولكن أخيراً فصل يون ثلث القوة العاملة السابقة، وباع أعمالاً خاسرة، ووظف في العمل ثلاث مئة من حاملي شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من الدارسين في الولايات المتحدة، وسبع مئة من المهندسين حاملي شهادة الدكتوراه. ويصف يون نفسه بأنه مثل «صانع الفوضى الشاملة. أعلنت سامسونغ في أواخر عام 2002 عن تغيير متعدد المراحل في مساعيها لتأسيس علامة تجارية عالمية رئيسة لمنتجاتها، وقد وقعت عقد إعلانات جديد بمبلغ Madison Avenue's Foote Cone & أربع مئة مليون دولار أمريكي لكل عام، مع وكالة .Belding Agency
من الواضح أن كل شركة آسيوية تجر هذه الأنواع من التغييرات الدراماتيكية. ولكن حقيقة أن الشركات الآن، أخيراً، تتخلص من القيود التي وضعت، بسبب أزمة عام 1997 تبشر ببيئة تنافسية مختلفة في الجولة المقبلة من المنافسة. وفي الوقت نفسه، فإن الضغط المتزايد من أجل تغيير الطريقة التي تنافست بها في الماضي، يأتي من إخفاق استعادة الأحوال القديمة الجيدة في آسية، على الرغم من نسب النمو المتحسنة بالإضافة إلى الإدراك العميق أن زمن تحصيل الإيجارات قد انتهى إلى غير رجعة، نتيجة لذلك، فإن طبيعة المنافسة ستتغير تغيير المنافسة باتجاه تلك الشركات التي تستطيع أن تضيف القيمة الأعظم إلى الموارد التي تستخدمها، وبعيداً عن الشركات التي ببساطة تضيف قدرة جديدة. إن الجولة القادمة ستكافئ أولئك الذين يستطيعون أن يفعلوا أكثر وبطريقة مختلفة، لا أولئك الذين أسسوا إمبراطوريات الشركات الأضخم أو جمعوا أضخم الأموال النقدية من الأصول والموارد التي يحصلون منها الإيجارات.
الأسواق الأسيوية بوصفها محركاً للنمو المستقبلي:
إن توقف تحصيل الإيجار بوصفه مولداً للربح، هو القوة الأولى التي تحفز التغيير في البيئة التنافسية الأسيوية، أما القيمة الرئيسة الثانية فهي الطلب المتزايد للسوق الأسيوية: طلب من ضمن آسية يحل الآن محل صادرات إلى الولايات المتحدة، بوصفه محركاً للنمو هذا التغيير كسب زخماً مع الوقت، لكن البندول يتأرجح الآن تأرجحاً حاسماً. اعتاد الناس على القول: عندما تعطس الولايات المتحدة تصاب آسية بالزكام. ولكن بعدما أصيب الاقتصاد الأمريكي بهبوط مفاجئ عام 2001، انخفضت نسب النمو في آسية أقل كثيراً مما كان متوقعاً وبالتأكيد، فإن اليابان بقيت عالقة في فخها الانكماشي، في حين عانت بعض القطاعات والاقتصادات، مثل سنغافورة التي كانت مرتبطة ارتباطاً مباشراً أكثر مع طلب الولايات المتحدة للإلكترونيات، عقبات كثيرة، ومع ذلك، فبينما انخفضت الواردات الأمريكية من آسية 14% بين عامي 2000 و 2001، فإن النمو في معظم مناطق آسية استمر بين ضعف وثلاثة أضعاف ذلك الذي تحقق في الولايات المتحدة.
إن السبب المهم لهذا الانقطاع عن نموذج الماضي كان أن الاقتصادات الأسيوية بدأت تطوير دينامية نموها المستدام الذاتي الدعم دون الحاجة إلى عون خارجي، وكي ترى دليلاً على هذه الدينامية في العمل، تنظر إلى Acer، وهي المورد الأضخم في تايوان السلع الحاسوب ذات العلامة التجارية بين عامي 2000 و 2001 ازدادت حصة Acer من إيرادات المبيعات الإجمالية الآتية من الصين من 10% إلى 18%، في حين انخفضت حصة أمريكة الشمالية من 30% إلى 20% والنموذج مكرر في الصناعات من الزراعة إلى الموارد الطبيعية والخدمات، وفي الصناعات سريعة النمو مثل السياحة، حيث يأتي تقريباً 70% من السائحين إلى الدول الأسيوية من الدول الأسيوية المجاورة الأخرى. وهذا الاتجاه سيتعزز في المستقبل، وليس السبب الأقل لذلك هو أن الصين منفتحة أكثر، وأضحت الآن محركاً مهماً للنمو الداخلي الأسيوي عبر وارداتها المتزايدة من الخدمات والسلع المنتجة آسيوياً، إن السائحين الصينيين إلى تايلاند وحدها، عدوا %8 من إجمالي السائحين عام 2000 ارتفاعاً من نسبتهم التي كانت تؤلف 1% من عدد السياح عن عام 1990.
هناك عدد من الأسباب الأخرى الكامنة وراء حقيقة أن طلب السوق الأسيوي سيصبح بنحو متزايد أكثر أهمية من الصادرات أولاً، على مدى الأعوام الخمسة عشر القادمة. ستنمو القوة العاملة في آسية بمعدل متوسط يزيد على 1% كل عام. ويقارن ذلك بالقوة العاملة الأوروبية التي ستبقى في مكانها، أو ستنخفض عدداً، والقوة العاملة الأمريكية التي ستنمو، ولكن ليس بأكثر من 0.7% كل عام.
هذه الإحصائيات ليست تخميناً. إن نمو القوة العاملة على مدى الأعوام الخمسة عشر القادمة، هو واحد من الاتجاهات القليلة التي تستطيع أن تتنبأ به، بدرجة عالية من الدقة إلى حد ما لأن أولئك العمال المستقبليين قد ولدوا بشرط ألا يكون هناك هجرات ضخمة للناس حول العالم، إذ إنه في هذه الحالة سيغيرون حجم السكان في أي منطقة بذاتها من العالم تغييراً أساسياً، وألا يكون هناك بطالة ضخمة، فإن أعداد الأطفال الأحياء في الوقت الحاضر سيكون مساوياً للنمو في القوة العاملة في المستقبل. إن هذه المعادلة البسيطة غالباً تنسى في غمرة التشوش الذي يكتنف التنبؤ القصير الأمد، ولكن يجب ألا تتجاهل؛ لأن الملابسة هي أن تبدأ آسية، من القوة العاملة فقط. بدينامية نمو الخط القاعدي، الذي سيكون أعلى من ذلك الذي سيكون في أوروبة أو الولايات المتحدة عملياً، هذا الفارق في النمو المصلحة آسية سيكون أكثر وضوحاً، لأنه بالإضافة إلى أطفال الوقت الحاضر، فإن مزيداً من النساء الأسيويات سيدخلن إلى القوة العاملة خارج المنزل أو مزرعة الأسرة، إنه التغيير الذي جرى سابقاً في أوروبة والولايات المتحدة.
والسبب الثاني الذي يكمن وراء أن أسواق آسية ستكون أساسية، هو مجال النمو السريع في مستويات الدخل الأسيوي، بواسطة تحسين الإنتاجية، الذي ينجز باستخدام التقانات والمعالجات التي أتقن استخدامها في مكان آخر، وإذا كانت دول جنوب شرقي أسية، بما فيها تايلاند وماليزية، ستنطلق إلى مستويات الإنتاجية التي وصلت إليها كورية في الوقت الحاضر، فإن معدل مستويات الدخل سيكون مضاعفاً، وإذا وصلت هذه الدول إلى مستويات الإنتاجية التي حققت من قبل أوروبة أو الولايات المتحدة، فإن معدل مستوى الدخل سيكون ثلاثة أضعاف أو أربعة أضعاف، مقارنة بمعدل مستوى الدخل في الوقت الحاضر، إن إمكان أن تنمو الصين معتمدة على الإنتاجية المحسنة فحسب، هو أكثر من مدهش، وإذا كان معدل إنتاج العاملة الصينية في الوقت الحاضر مماثلاً لمعدل إنتاج نظيرتها الكورية، فإن السوق الصينية الراهنة سيتضاعف حجمها ثلاث عشرة مرة.
وإذا وصلت إلى معدل أوروبة في الوقت الحاضر، فإن الاقتصاد الصيني سيكون أكثر بخمس وعشرين مرة من حجمه الحالي. وإذا استطاعت الصين أن تصل إلى مستويات الإنتاجية التي حققتها الولايات المتحدة في عام 2000، فإنه سيكون لديها سوق أضخم من سوقها الحالية بأربعين مرة.
هذه التحسينات الجوهرية في الإنتاجية لن تكون سهلة الإنجاز، ولكن النقطة المهمة هي أنها قابلة للتحقيق لأن التقانات والعمليات والأنظمة المطلوبة لتحقيق هذا النوع من الزيادة موجودة الآن في الولايات المتحدة، على سبيل المقارنة، سيأتي كثير من نمو الإنتاجية من التقانات التي لما تبتكر حتى الآن، أو على الأقل حتى الآن لم تدر على أساس تجاري على نطاق واسع، إن قدرة آسية على تنمية أسواقها عن طريق سد الفجوة الإنتاجية، ستعزز بواسطة رفع مستويات التعليم: سيكون في العقود الآتية هؤلاء الذين يدخلون إلى القوة العاملة أفضل تعلماً من كل من سبقهم. إنه مؤثر جداً أن %68% من الكوريين الشباب الذين دخلوا حديثاً إلى القوة العاملة في الوقت الحاضر، يحملون مؤهل (كلية) مستوى ثالث، وهؤلاء الطلاب هم باستمرار بين المراتب العليا في المقارنات الدولية، لقدراتهم في فرع من فروع المعرفة مثل الرياضيات والعلوم، وفي جميع دول شرقي آسية الأكثر تطوراً مثل ماليزية وتايلاند، هناك بين 20% و 30% من أولئك الذين يبدؤون عملهم بدوام كامل أكملوا دراسات مستوى ثالث حتى في الصين وإندونيسية اللتين تضمان مجموعة ضخمة جدا من السكان الريفيين، فإن الرقم هو 11% و 6%، على التوالي، وهو يرتفع بسرعة، إن إضافة نسبة عالية من الأشخاص المؤهلين جيداً إلى قوتها العاملة خلافاً لما كان عليه الوضع عند الجيل الماضي) يعطي آسية فرصة قوية لتحسين مستويات الإنتاجية سريعا، وللنمو بسرعة دون أن تكون مقيدة على نحو غير ملائم بسبب نقص المهارات.
سبب ثالث يجعل من المرجح أن يقود الطلب الآسيوي النمو في المستقبل يكمن في تاريخ نسب المدخرات المرتفعة في آسية على مدى العقد الماضي، ادخر الناس وسطياً في شرقي آسية أكثر من 20% من دخلهم، أبقت الصين على نسبة ادخار صاف من 30%
من الدخل على مدى أكثر من عقد، إن النسب المقارنة للادخار في أوروبة يبلغ معدلها نحو %10، وادخر المستهلكون الأمريكيون %5% إلى 6% من دخلهم فقط.
هذا المال المتراكم من المدخرات الأسيوية يقدم إمكانية كامنة الأسية: كي تنمو أسرع من أجزاء أخرى من العالم على مدى العقد القادم، أو دون أن ترزح تحت عبء مستويات خطرة من الدين.
اتجه الآسيويون، منذ الأزمة المالية الأسيوية عام 1997، إلى حصر مدخراتهم في ودائع مصرفية. وكانت النتيجة أن وصلت ودائع المصارف في آسية عام 2002 إلى أعلى مستوى بلغته على الإطلاق، وامتلك أفراد الأسر الصينية وحدهم أكثر من ترليون دولار في المصارف المحلية، ومبلغاً إضافياً يقدر بـ 250 مليار دولار أمريكي في حوزتهم بالإضافة إلى الإبداعات المصرفية. ولكونها حذرة في مساندة كل الأعمال، باستثناء معظم عروض استثمار الحديد الصلب، فقد شهدت المصارف ارتفاعاً مثيراً في نسب ودائعها المعدة للإقراض هذه التطورات مجتمعة كونت آسية المغمورة بالسيولة النقدية، وهي أبعد ما تكون عن الحرمان من النقد محرومة من النقد، فإنها كانت مغمورة بالسيولة المالية.
ولكن آخر الأمر سيبدأ المدخرون الأسيويون بإخراج أموالهم من ودائع المصارف كي يضعوها في سندات وأسهم عادية، حين تتلاشى ذكرى أزمة عام 1997 وتتعزز الثقة. وستبدأ المصارف، مع إدارة الأخطار المحسنة حديثاً وأنظمة الموافقة على القروض بالإقراض أكثر المشروعات الاستثمار القوية لذا سيبدأ هذا المقدار الهائل من السيولة في آسية بدعم استثمار المستقبل ونموه.
إن نسب المدخرات المرتفعة أيضاً تقدم فرصة كي يحث الإنفاق الاستهلاكي المتزايد الطلب في المستقبل. وعندما تتوافر أحوال اقتصادية أفضل، فإن بعض أولئك المدخرين الأسيويين الجليلين ( بمن فيهم جيل جديد من الذين كسبه الدخل، عرفوا ازدهاراً ورخاء اقتصادياً نسبياً فقط، ولم يعرفوا فقر الماضي البعيد الذي يوهن العزيمة) ، قد يبدؤون الإتفاق بإسراف. إن حقيقة أن لديهم المجال لمزيد من الإنفاق دون أن يأخذوا على عاتقهم عبء المستويات المرتفعة من دين المستهلك لا يشبهون كثيراً من المستهلكين في الولايات المتحدة وبعض أجزاء من أوروبة، الذين هم الآن على مسافة قريبة من حدود اقتراضهم تتيح، إضافة إلى ذلك، مورداً آخر لإمكان أن تنمو آسية أسرع من الغرب، دون تحمل أعباء أخطاء تنطوي على تهور. كان هذا قد بدأ يحدث في عام 2002 في كورية البلد الذي كانت فيه إعادة الهيكلة التي تلت الأزمة أكثر تحدياً ومغامرة، وقد وضع أول أساس جديد للنمو المستقبلي، والآن بدأت الدول الأخرى تتبع كورية.
إن توحيد هاتين القوتين التحول من إبداعات المصارف نحو السندات والأسهم. والتحول التدريجي من بيئة يكون فيها المستهلكون يختزنون النقد باتجاه بيئة يكونون مستعدين فيها للإنفاق سيسهم في الأهمية المتنامية للإستراتيجيات الرامية إلى اختراق الأسواق الأسيوية في الجولة المقبلة من المنافسة ولاشك في أن الولايات المتحدة وأوروبة ستبقيان أسواقاً مهمة للشركات الأسيوية، ولكن الاعتماد على طلب التصدير بوصفه حافزاً رئيساً للنمو الأسيوي قد انتهى. إن آسية الآن محرك نمو بحكم حقها الذاتي. لقد ذهب بعضهم بعيداً إلى حد التنبؤ بأن الطلب الداخلي ضمن آسية سيكون الدافع الرئيس لنمو الاقتصاد العالمي على مدى عشر السنوات إلى العشرين سنة القادمة.
لهذا للتحول أيضاً مدلولاته المهمة الضمنية التي ينطوي عليها بداهة بالنسبة إلى الإستراتيجيات التي سيكون على الشركات الأسيوية أن تتبناها في المستقبل؛ لأنه يعني أنه بدلاً من المنافسة للحلول محل السلع والخدمات المنتجة محليا، في الولايات المتحدة وأوروبة، يعني أن التركيز سيتحول إلى المنافسة مع اللاعبين الأسيويين الآخرين من أجل حصة في أسواق آسية، فعواقب هذا التحول عميقة جدا..
إن ميزات التكاليف التي سمحت للشركات الأسيوية بأن تأخذ حصة السوق من الموردين المرتفعي التكاليف في الولايات المتحدة وأوروبة، سوف تساعد مساعدة ضئيلة في الفوز بالمعركة من أجل أسواق آسية. إن المنافسين الرئيسين، سواء أكانوا الشركات الأسيوية أم الشركات المتعددة الجنسيات العاملة في آسية، سوف ينعمون جميعاً بميزات التكاليف الأسيوية ذاتها، وستكون التكاليف المنخفضة هي بطاقة الدخول إلى اللعبة. ستكون موارد ميزات جديدة ضرورية من أجل الفوز في الجولة المقبلة من المنافسة من أجل أسواق آسية.
وسيتحول بحث الماضي عن فهم الأسواق الأوروبية والأمريكية نحو تطوير فهم أعمق للمستهلكين والمشتري الأعمال المتنوعين من آسية والاستجابة وفقاً لذلك. ولكن ألا تفهم الشركات الآن الأسواق الأسيوية؟ إن هذه الفكرة خرافة خطرة، لا تنظر إلى أبعد من الإخفاقات عندما غامرت شركات لديها معرفة عميقة ودقيقة حول سوق آسيوي واحد في الدول المجاورة، بما في ذلك المصارف السنغافورية، إذ نزفت النقد في الشركات الضخمة جداً التايلاندية منها والفليبينية وهذا الأمر سبب خسائر جسيمة في الصين. إن التحول الصائب إلى الأسواق الآسيوية سيستلزم طرق فهم مختلفة وجديدة لكل شيء، بدءاً من بحث حالة السوق وإدارة علاقات الزبائن، وصولاً إلى تأسيس علامة تجارية، وإيجاد التعريف الآسيوي للخدمة الجيدة.
إن تأسيس قنوات توزيع فاعلة، ومؤثرة عن طريق آسية سيكون أمراً أساسياً. كان في الجولة السابقة من المنافسة كسب الوصول إلى التوزيع في الولايات المتحدة وأوروبة أولوية حاسمة، وكان هذا صعباً ومكلفاً ومستنزفاً للوقت، ولكن مقارنة بأسية، فإن الولايات المتحدة وأوروبة امتلكنا شبكة فاعلة ومتطورة للتوزيع والبيع بالجملة والتجزئة في الموضع الملائم تماماً، وكانت القنوات الأمريكية والأوروبية ليست قادرة فقط على جعل السلع والخدمات في أيدي المستخدمين، ولكن أيضاً في نقل المعلومات إلى الزبائن وتقديم خدمات دعم مساندة يختلف الموقف في آسية؛ إذ إنه في أسواق كثيرة تعاني شبكة التوزيع والبيع بالجملة وقنوات التجزئة فجوات عميقة غالبا، وتكون عادة الجدوى منخفضة كثيراً. ولكن ما هو أكثر أهمية هو أن كثيراً من أنظمة التوزيع الأسيوية سيئة الإعداد، من حيث فهم حاجات الزبائن، ونقل معلومات عن التسويق وتقديم خدمات سريعة الاستجابة، وكي تكون ناجحة في الفوز بحصة في أسواق النمو المستقبلي الآسية فإنه يجب على الشركات أن تقوي بطريقة فاعلة شبكات التوزيع وتعززها ، لا فقط كسب المدى الواسع لوصولها وانتشارها.
إن التحول من الأسواق الأوروبية والأمريكية نحو الأسواق الآسيوية بوصفها مورداً رئيساً للنمو، يظهر تحديات جديدة مختلفة، ويتيح فرصاً لتعلم طريقة المنافسة.
الصين تبعثر الاوز الطائر:
غالباً ما وصفت وسائل الإعلام النموذج التقليدي للتطوير الاقتصادي بعبارة «الإوز الطائر. لقد بدأت كل دولة بتصنيع سلع بسيطة تتطلب عملاً مكثفاً وتصديرها، مثل الألبسة والأحذية. وعندما راكمت رأس مال وبراعة ومهارة في العمل انتقلت إلى صناعات متوسطة، مثل صناعة الكيماويات الأساسية واللدائن البلاستيكية، وبعدئذ انتقلت إلى منتجات القيمة المضافة الأعلى، مثل أشباه الموصلات والأدوية وبينما كانت إحدى الدول تنتقل إلى المستوى اللاحق لصناعات القيمة المضافة متوافقة ومتناسقة مع دعم معايير معيشية أعلى وتكاليف عمل متزايدة كانت دولة أخرى نامية تأخذ مكانها عند الحد الأدنى للقيمة. وقد قادت اليابان السرب، تلتها هونغ كونغ، وسنغافورة، وكورية الجنوبية وتايوان، بعد ذلك ماليزية، وتايلاند، والفليبين، وإندونيسية، وفيتنام في آخر القائمة. وإن يكن بسيطاً إلى حد ما، فإن مفهوم الإوز الطائر في الإعلام دعم كثيراً سياسات حكومية وإستراتيجيات شركات، لقد صاغ هذا المفهوم النموذج الذي استثمرت فيه لاحقاً الشركات المتنوعة المملوكة آسيوياً، وأسست الشركات المتعددة الجنسيات فاعلياتها وأنشطتها في آسية.
بعدئذ أنت الصين لخصت مجلة The Economist على نحو يفي بالغرض نتيجة ذلك بصورة ساخرة لقد رسمت طائرة نفاثة يقودها حيوان البائدة، وتصعد هذه الطائرة بسرعة كبيرة صعوداً مستقيماً عبر سرب من الإوز الآسيوي. لم تكن الصين تطير ضمن بنية ملائمة ومتجانسة مع انطلاقة الألفية الجديدة، كانت تنتج كل شيء من الصناعات البسيطة إلى مكونات التقانات المتقدمة ومعداتها، ومن الألعاب القماشية البسيطة إلى اللدنيات ( البلاستيكيات) ثم إلى شبه الموصلات والآليات المتخصصة. وتفعل الصين هذا على نطاق واسع إلى حد يكفي لإعادة رسم الخريطة التنافسية.
أبطل في الوقت الحاضر، ذلك النموذج من الإوز الطائر، إذ تستثمر ؛ كي تقوي ميزتك المبنية في بلدك، وأصبحت البنية الدقيقة البارعة في حالة تهويش وفوضى لذا سيكون على الشركات أن تعيد تقويم المنتجات والخدمات والأنشطة التي تستطيع أن تنافس بها في المستقبل. لقد آن الأوان كي تنسى الشركات والحكومات معاً محاولة الجمع بين الدول والصناعات ستكون هويتك الذاتية في الجولة المقبلة من المنافسة الآسيوية، أكثر أهمية بكثير من هويتك الوطنية من أين أتيت؟، ومن تاريخك في الصناعة.
مع الصين الآن جزء أساسي من اللعبة الآسيوية، وسيكون الفائزون هم أولئك الذين يستطيعون أن يعرضوا جزءاً مميزاً من الآليات الأسيوية الأكثر تكاملاً ، إذ تورد الشركات الناجحة المكونات المتخصصة أو المنتجات أو الخدمات أو تركز على نشاطات خاصة ضمن سلسلة الإمداد الإجمالية، إن عالم الماضي - إذ صنعت الشركات في دولة واحدة النسيج في حين صنعت الشركات التي في دولة أخرى الحواسيب المحمولة (Laptop) سيفسح في المجال لبيئة جديدة، إذ ستتبادل الشركات في كل صناعة، وفي مواقع مختلفة. منتجات وخدمات متمايزة مثلاً، ستبيع الصين معدات معالجة حاويات متخصصة إلى كورية، وستبيع كورية في الوقت نفسه أناساً آليين robots إلى الصين كي تجهز منشآتها التجميع السيارات وستصمم تايلاند الخطوط الكبرى للدارات، وترسمها على رقاقات السليكون، في حين إن ماليزية تجمعها، وتغلفها في رقاقات يمكن ربطها بلوحة الحاسوب الرئيسة التي تتضمن جميع الدارات، وستبيع فيتنام بركولي (نبات شبيه بالقنبيط) إلى الصين، في حين إنها ستشتري فول الصوية الصيني، وستمد سنغافورة هونغ كونغ بخدمات التسويق، في حين أنها تبث الإعلانات التجارية التلفازية التي تنتجها هونغ كونغ. يدعو الاقتصاديون هذا الأمر بـ.. التخصص المشترك، وهو بيئة تنافسية، تتخصص فيها شركات مختلفة في جوانب مختلفة من سلسلة القيم و/ أو تتبادل الخدمات والمنتجات المتخصصة بواسطة الحدود. تتدفق التجارة في بيئة التخصص المشترك في الاتجاهين معاً بين بلدين، حتى في الصناعة نفسها.
إن ظهور التخصص المشترك في آسية يمثل تغييراً أساسيا في البيئة التنافسية. لن تكون الشركات قادرة على الاتكال على كونها في موقع موات ومساعد لصناعة محددة بوصفها عاملاً رئيساً يميزها عن المنافسين ستظل الفروق في النوعية والتكلفة بين الدول موجودة ولكنها ستكون ضئيلة الأهمية، مقارنة بالفروق بين الشركات الفردية بالتركيز على تحقيق إنتاجية عالية في حقل نشاط معين، أو ابتكار خدمات ومنتجات متخصصة تكون فعليا فريدة في نوعها، فإن الشركات الرئيسة في آسية الجديدة سنتيح ميزة تنافسية هائلة، لن تكون الشركات المتقاعسة قادرة على مضاهاة هذه الشركات، وليس مهما الطريقة التي تبدو بها بيئة بلدهم إيجابية ومواتية. لقد حدث هذا تماماً في صناعات مثل شبه الموصلات. إن موطنك الذي تنتمي إليه لا يعد مسألة حاسمة على صعيد قدرتك على المنافسة في شبه الموصلات شركات من الصين وماليزية، وسنغافورة، وتايوان وتايلاند على سبيل المثال كلها في العمل، إن الوجود في الموقع المناسب لا يعني ضمانة للنجاح، إن ما يهم هو أنه لديك مهارات، ومعرفة، وتجربة وقدرات كي تجعل شركتك تتفوق في إمداد جزء خاص من السلسلة، مثل تصميم الدارات أو الليثوغرافية الضوئية ( طباعة حجرية تستعمل فيها صفائح معدة ضوئيا ) أو أن تصبح متفوقاً عالمياً في إنتاج أجزاء محددة من الرقاقات التي تدخل في صلب صناعة معالجات الحواسيب مثل ذاكرة الحاسوب (DRAMs) و (RISC ).
سيكرر هذا النموذج في صناعة بعد أخرى في الجولة المقبلة من المنافسة، إن العالم المريح للميزة الوطنية في آسية سيفسح في المجال لعالم آخر، تكون فيه الحدود الحادة للإنتاجية والتفاضل هي الشيء الذي يؤخذ في الحسبان، وعندما يحدث هذا التغيير، فإنه سيحفز تغييراً رابعاً واسع التأثير في البيئة التنافسية الأسيوية: سوف تستبدل الإقطاعات الوطنية السابقة بمنافسة تكون آسيوية شاملة على نحو متزايد.
