القائمة الرئيسية

كتاب الشبكات الإسلامية

كتاب الشبكات الإسلامية
ملخص الكتاب

يستعرض الكتاب موضوع الشبكات والولاءات في الدولة الإسلامية خلال العصور الوسطى من خلال تحليل حياة الرحالة ابن بطوطة وسياقها الاجتماعي والسياسي. يناقش المؤلف قضايا الهوية والولاء في المجتمعات الإسلامية مقارنة بمفاهيم الدولة القومية الحديثة، مسلطاً الضوء على مفهوم ""دائرة الإنصاف"" التي جسدت علاقة السلطان بالرعايا كخطة حماية مشروعة تتسم بالابتزاز والهرمية. كما يعرض الكتاب دور العدالة التوزيعية وفقاً للفكر الإسلامي وتأثيره على إعادة توزيع الثروة والسلطة الاجتماعية، مستشهداً بأمثلة مثل ابن بطوطة وأبي العباس السبتي في ممارسة أشكال من الإنصاف النسبية المستمدة من تعاليم الدين وقيم أرسطية في العدالة.

 انتهازية ابن بطوطة

شبكات وولاءات باحث مسلم من القرون الوسطى

فنسنت ج. كورنيل

عندما يتعرض الطلبة الجامعيون الأمريكيون لأول مرة ليوميات رحلة الباحث المغربي ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي تصدر عنهم بصورة نمطية ثلاثة ردود أفعال، فهم يصابون أولاً بالذهول من شهوة الترحال لدى رجل استغرقت أسفاره ما يقرب من نصف عمره، بحيث لم يسترح حتى شاهد معظم أنحاء العالم المعروف من المغرب إلى الصين، وهم ثانياً لا يوافقون على قسوته الظاهرية ضد النساء. فهو يتزوج ويطلق سلسلة من النساء عبر قارة آسية، تاركاً وراءه سلسلة من الأطفال. ويتعزز الانطباع عن قسوته الذكورية من خلال تصريحات معينة يدلي بها في سرده القصصي، مثل قوله عن نساء المالديف: إن كل هذه المنتجات من نخيل الكاكاو والسمك التي يعشن عليها لها تأثير مذهل ولا نظير له في الاتصال الجنسي ويفعل سكان هذه الجزر الأعاجيب في هذا المجال. وكان لدي هناك أربع زوجات، مع الجواري المحظيات كذلك. وكنت أزورهن جميعاً كل يوم، وأمضي الليل مع الزوجة التي يحين دورها، وبقيت على هذا الحال طيلة مدة العام ونصف العام التي قضيتها هناك ( جيب 1958 - 2000 ، المجلد الرابع، ص 823 - (824). وأخيراً فإن ردة فعل الطلبة سلبية ضد انتهازية ابن بطوطة، ومدحه لنفسه. فهذا الباحث يشبه أحد المرتزقة المتنقلين في العصور الوسطى، ويصفه ابن حجر العسقلاني (المتوفى عام (1448) بأنه ذو حظ متواضع من ا العلم . كان، يسوق نفسه على أنه متخصص بارز في الفقه المالكي، وقد حصل على مناصب مهمة في حكومات بلدان عديدة دون أن يبقى طويلاً في أي منها. ويتساءل الطلبة: لماذا كان ابن بطوطة معظماً لنفسه ومتعجرفاً لهذا الحد إزاء مستخدميه؟ وأين كان شعوره بالجنسية؟ وأين كان شعوره بالولاء ؟

وليست هناك موضوعات توضح الفجوة المفهومية الفاصلة بين القاطن في دولة إسلامية من العصور الوسطى وبين المواطن الحديث في دولة قومية أكثر من قضايا الهوية والولاء. فمواطن الدولة القومية يرى نفسه منتمياً لكيان يعلو فوق معظم الروابط الأسرية والاجتماعية. ومن الناحية المثالية على الأقل، فإن هوية المواطن القومي مرتبطة بأفكار مشتركة عن وطن في إقليم محدد بحدود متجاورة ومعترف بها بشكل متبادل، وله حكومة مشتركة، ولغة مشتركة ، وعادات مشتركة، ودين مشترك على الأغلب، وشعور باتحاد اجتماعي يمثل المعايير والآمال لدى أولئك الذين يرون أنفسهم متشاركين في الفكرة نفسها عن الجوار ). وهذا الإحساس بالانتماء إلى أمة تعززه أشياء رمزية، كالعلم، والاعتراف الدبلوماسي، والجيش الوطني، وعضوية منظمات دولية مثل الأمم المتحدة.

وعلى عكس ذلك فإن ابن بطوطة، شأنه شأن المفكرين الآخرين في أوروبة والعالم الإسلامي في العصور الوسطى، لم تكن لديه مثل هذه الفكرة عن الجنسية والمواطنة. فالمجتمعات المتخيلة التي كان يرى نفسه جزءاً منها كانت في الوقت نفسه أوسع وأضيق من المفهوم الحديث للأمة. فلم يكن مغربياً قط؛ لأنه لم تكن هناك أمة مغربية طيلة مدة حياته. فإلى جانب هويته الإسلامية، التي كانت هيكلاً تركيبياً معقداً بحد ذاته، فإن ولاءاته وهوياته الأولية يمكن فهمها بشكل كلي تقريباً من خلال اسمه، وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن يوسف اللواتي الطنجي، فهويته المدنية يحددها الموضع المحلي الذي ولد فيه وهو مدينة طنجة في الجزء الشمالي مما كان يعرف آنذاك باسم «المغرب الأقصى) ، كما أن ولاءاته الشخصية كانت تحددها قراباته العائلية تحديداً يكاد يكون حصرياً. فقد كان أولاً عضواً في قبيلة لواتا البربرية التي كانت تحتل منطقة طنجة منذ أيام الرومان، وبشكل أدق فإنه كان متحدراً من سلالة نبيلة من القضاة المحليين الذين كانت أسماؤهم معروفة لدى أي قاطن في طنجة يلتقيه في أسفاره وظل ابن بطوطة حتى آخر عمره يشير إلى نفسه أولاً بأنه من أصل طنجوي، من أسرة عريقة ومحترمة، ومرتبطة بصلة القرابة مع سلالة تؤكد مكانته بوصفه واحداً من أعيان مدينته. وبطريقة كان سيفهمها سكان الجنوب الأمريكي، كان ابن بطوطة من أسرة أصيلة من أعيان سلالة أعيان ظلت لها أهمية في القضايا المدنية بشكل لا يختلف عن سكان المدينة الإغريقية الذين صاغ لهم أرسطو نظرياته في الحكم والأخلاق ومثل شخصية دون دومينيكو كليركوزيو في كتاب ماريوبوز والمعنون آخر السادة النبلاء، كان ولاء ابن بطوطة لربه أولاً ثم لقبيلته ثانياً... وثالثاً لالتزامه للأعضاء في محيط... أسرته.... فالحكومة لم تدخل في المعادلة أبداً، (1996، ص 59 (60) فكانت شبكته محددة اجتماعياً، ولكنها خاملة سياسياً.

 

قضيتنا : الابتزاز والذرائعية في الدولة الإسلامية في العصور الوسطى

إن الإشارة الواردة أعلاه لقصة معاصرة عن المافيا تشير إلى طرق لم تكن الشبكات الإسلامية فيها فريدة في وظيفتها ، فابن بطوطة، مثل دون دومينيكو كلا ريكوزيو، كانت لديه أسباب وجيهة لعدم إدخال الحكومة في معادلة الولاء. النبلاء في أوروبا ففي مقال مهم مكتوب قبل نحو عشرين عاماً، لاحظ عامل الاجتماع التاريخي تشارلز تيلي أنه إذا كانت ابتزازات الحماية تمثل الجريمة المنظمة في أنعم حالاتها فإن شن الحرب وإقامة الدول - التي هي في جوهرها خطط حماية ابتزازية مع ميزة كونها مشروعة يمكن وصفها بأنها أكبر الأمثلة على الجريمة المنظمة (1985 ، ص (169) . فالدولة في العصور الوسطى، سواء في أوروبة أم في العالم الإسلامي، كانت مشروعاً قسرياً يقوم على أساس مفهوم الحماية كعمل تجاري. وفي العالم الإسلامي، وفي غضون أقل من خمسين عاماً بعد وفاة النبي محمد (صلعم)، صارت الحقائق الاجتماعية وضرورات سياسة الدولة أهم من مبادئ المساواة في القرآن وفي المجتمع الإسلامي المبكر في المدينة. وبحلول عصر ابن بطوطة، صار شكل الحكومة السائد هو السلطنة، فكلمة «سلطان» العربية تعني الشخص الذي يمارس السلطة، أو بالمصطلحات العامية الرجل القوي» أو «الديكتاتور الأمر». وكان السلطان وموظفوه يحكمون السكان الذين يطلق عليهم اسم الرعايا». فكان الرعايا بحاجة إلى السلطان وجيشه لحمايتهم من العنف المحلي ومن الغزو الخارجي. ولم يكن ذلك الجيش جيشاً محترفاً بالمعنى الحديث، بل كان مؤلفاً من المحاربين القبليين المتصلين بصلة القرابة أو العرق بالسلطان، وطبقة خاصة من الجنود الأرقاء المعروفين بالمماليك (وهم أفراد أقوياء ومعهم أتباعهم ) الذين يدينون بولائهم الشخصي للسلطان. وفي مقابل تلقي الحماية من هذه القوى العسكرية، كان الرعايا يدفعون ضرائب - يتم تقديرها بالأرض والمال، أو العمل - تدعم السلطان وجيشه وتضفي عليهما الشرعية. وكانت هذه العلاقة يعبر عنها بصيغة تُعرف باسم دائرة الإنصاف، التي تدين بأصولها إلى السلطنة النموذجية للأتراك السلاجقة، الذين كانوا يحكمون آسية الوسطى، وإيران والعراق في القرن الحادي عشر (1038 - 1157م)، وتنص الصيغة على ما يأتي )88( إتزكوفيتز، 1972 ، ص

 -1- لا يمكن أن تكون هناك سلطة ملكية دون العسكريين.

 2- لا يمكن أن يكون هناك عسكريون دون ثروة.

 -3- الرعايا ينتجون الثروة.

 4- يهتم السلطان بالرعايا من خلال نشر العدالة.

5 العدالة تتطلب الانسجام في العالم.

 6 العالم حديقة وجدرانها هي الدولة.

7- دعامة الدولة هو القانون الإسلامي ( الشريعة) .

 8- لا دعم للقانون الإسلامي دون العسكريين.

إن المدافعين عن هذا النظام، الذي ظل سائداً في العالم الإسلامي حتى القرن التاسع عشر ، قد برروا وجوده في سياق الحاجة إلى الحماية من الأعداء الخارجيين. وكانت هذه الحجة ترتبط أحياناً بالحجة القائلة: إن السلطنة تحمي القانون الإسلامي وتوسع نطاقه، بحيث تتمكن السلطنة من تقديم نفسها كدولة جهاد تمثل مصالح الإسلام السياسية والعسكرية في منطقة معينة. ولكن دائرة الإنصاف كانت تستخدم في معظم الأحيان كحجة مناسبة للدولة كي توجد لنفسها وسائلها الخاصة لتبرير الذات، وللتغطية على حقيقة أن أكبر تهديد للرعايا يأتي غالباً من الدولة نفسها، فلم تكن دائرة الإنصاف دائرة مساواة. وكان أصحاب الامتيازات ضمن شبكتها هم المستفيدون من تركيبها التسلسلي الهرمي. وقد عانى السكان المسلمون من زيادة الضرائب وغيرها من الممارسات العدوانية للدولة وموظفيها أكثر حتى مما عانوا على أيدي الغزاة الخارجيين. وكما لاحظ تشارلز تيلي فإن الذي ينتج الخطر، وكذلك الدرع الواقي منه لقاء ثمن هو شخص مبتز (1985) ، ص 170 - (171). وهكذا, حسب تعريف تيلي للابتزاز فإن السلطنة الإسلامية في العصور الوسطى يمكن عدها بصورة مشروعة خطة ابتزازية وقضيتنا بالنسبة للسلطان وقواده العسكريين هي مشروع يشبه المافيا، والسلطان هو أبوه أو «عرابه الرئيس.

إن مفتاح تشغيل مشروع حماية ابتزازي ناجح هو إيجاد توازن لا تكون فيه المطالب الابتزازية لصاحبه كبيرة إلى حد دفع زبائنه للبحث عن الحماية من شخص آخر. فالرعاية الأبوية سرعان ما تفقد قيمتها إذا كانت كلفة الحفاظ على الراعي الحامي تدفع بالمرء إلى الخراب، فهناك علاقة تبادلية ضمنية صامتة في مثل هذه الترتيبات يتوقع فيها الزبون أن يقدم له الراعي مردوداً كافياً من الحماية أو الخدمات المفيدة الأخرى كتعويض عن استثماره، وتماماً كما أن الراعي قد يقدم للزبون عرضاً لا يستطيع أن يرفضه، فإن الزبون قد يحافظ في المدى الطويل على توقعاته التي لا يستطيع الراعي أن يرفضها كذلك. وبعبارة أخرى، فإن السلطان، في دوره بوصفه راعياً رئيساً، يجب أن يتصرف مع رعيته كما يتصرف المربي مع قطيعه. وحتى إذا اختار أن يكون حامياً غائباً يعهد بقطيعه إلى رعاة كالحكام العسكريين ومسؤولي جباية الضرائب، فإن عليه أن يتأكد بأن القطيع يلقى الرعاية بطريقة ترفع فائدة المدى الطويل إلى أقصى حد فوق مكاسب الأمد القصير. ومن ناحية الممارسة الفعلية. كانت العدالة في العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر مسألة إدراك، وقابلة للتفاوض على الأقل إلى حد ما. وكانت العدالة العملية تعتمد على توازن هويزي (نسبة إلى توماس هوبز، الفيلسوف الإنكليزي المؤيد للحكم الملكي المطلق في القرن السابع عشر ) للمصالح الذاتية المتنافسة، بحيث إن مستوى الحفاظ المطلوب للسلطان وأتباعه، مع الحفاظ الذي يتطلبه العسكريون والمسؤولون المحليون لا يكون من الضخامة بحيث تخسر الرعية أسباب معيشتها. وكان السلاطين الأذكياء وموظفوهم يدركون أن انعدام الأمل قد يشكل عاملاً مثبطاً لإنتاج الثروة. ويمكن أن يأتي فشل مشروع الدولة بسرعة إذا أدرك القطيع أن كلاب حراسته هي في الحقيقة ذئاب.

على الرغم من أن مصلحي القرون الوسطى الإسلاميين كثيراً ما كانوا يشجبون الطبيعة الاستغلالية لتشكيل الدولة والحفاظ على عملها فإن فرضيات النظام المنطقية نادراً ما كان يتم تحديها على الأرض. بل إن الاعتراف بالأمر الواقع موضح بشكل وافر في كتب الفقه الإسلامي، حيث يشكل موضوع اغتصاب الدولة للممتلكات نوعاً من القضايا الفرعية الكبرى في الممارسة القانونية. غير أنه في معظم الأحيان كان مبدأ عدم جواز اغتصاب الممتلكات يتعرض للخرق أكثر من المراعاة.

ولقد كانت العدالة في العالم الإسلامي في القرون الوسطى تركز على النسبية أكثر من تركيزها على المساواة، فكلمة «عدل» العربية لا ترتبط بالمساواة بمعنى التطابق أو التشابه، بل هي تشير إلى فكرة التساوي أو إعادة التوازن. وهي في ذلك تشترك إلى حد كبير مع الكلمة الإغريقية التي تعني العدل (dikaiosune) التي ترتبط بالإنصاف وليس بالتساوي ( ماكنتاير 1998 ، ص (11). ولم يغفل الفلاسفة والقضاة المسلمون الأوائل عن هذا التشابه في المعنى. فقد رأوا في العدل وفي مصطلح الحق المتصل به فكرة أرسطو عن العدالة التوزيعية. فقد عرفها في سياق الوسيلة بقوله: «ارتكاب الظلم هو أن يملك المرء أكثر مما ينبغي له، والمعاناة هي أن يملك أقل مما ينبغي له (ص 79) وهكذا فإن العادل هو المنصف، والمحق، أو المتمشي مع القانون، والعدالة التصحيحية تستتبع إعادة التوازن المنصف الذي فقد. وكلمة «حق» العربية تعني في السياق المستخدمة فيه القانون» والحق بمعنى الحقوق الشخصية والقانونية) . والحقيقة» و«الحصة». ثم إن كون المرء رجلاً عادلاً في السياق الإسلامي في القرون الوسطى كان يعني أن يتمسك بالقانون (الحق) المترسخ في الحقيقة السماوية الإلهية (الحق) وأن يعيد ترسيخ الإنصاف بإعادة الأشياء إلى طبيعتها الأصلية (الحقيقة) : وهذا يتم بتنظيم (تحقق) توزيع السلع، بحيث يتلقى كل واحد حصته التي هي من (حقه). ولكن تلقي المرء لحصته التي هي من حقه لا يعني الحصة نفسها لجميع الناس الآخرين، وبما أن المجتمع الإنساني بطبيعته ذو مراتب متسلسلة فإن تلقي الحصة نفسها سيكون معناه أن بعض الناس سيتلقون أكثر مما ينبغي لهم، وبذلك يوجد ظلم والمجتمع الإسلامي في العصور الوسطى لم يكن نظام طبقات، وكان من الممكن لفلاح أو ساكن مدينة فقير أن يصبح أستاذاً باحثاً ، أو متصوفاً أو حتى وجيهاً. ولكن الفلاح النموذجي لم يكن باحثاً أو وجيهاً، وما كان له أن يعامل بوصفه باحثاً أو وجيهاً. فهذه الفكرة الأرسطوطاليسية عن العدالة التوزيعية والأخلاق النسبية كثيراً ما كان يتم التعبير عنها في سير المتصوفة المسلمين التي كان الأثر المشترك فيها هو قدرتهم على أن يفهموا بفراستهم الحدسية ما الذي يستحقه كل فرد أو طبقة من الأشخاص بموجب قواعد العدالة التوزيعية.

ولعل ابن بطوطة قد عرف بأمر المتصوفي المغربي أبي العباس السبتي ( المتوفى عام 1204م)، وهو راعي مدينة مراكش الذي ولد وتربى في سبته، وهي على مسافة قصيرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط من المغرب الأقصى من مدينة طنجة، موطن ابن بطوطة. وفي دوره المختار بصفته راعياً لفقراء مراكش ومتحدثاً باسمهم، أقام السبتي كل حياته الصوفية المهنية على مقولة أرسطو عن العدالة التوزيعية والعدالة التصحيحية.

أما بالنسبة لمقاربته للعدالة التوزيعية فإن الطريقة المنهجية الصارمة التي كان يوزع بها الصدقات من التبرعات التي كان الناس يعطونه إياها قد منحته واحداً من أوضح التعابير عن الأخلاق النسبية التي يمكن العثور عليها في أي مكان إنني أقسم كل شيء يأتيني إلى سبع حصص، فأخذ سبعاً لنفسي والسبع الثاني لما هو مطلوب مني إنفاقه على زوجتي والأطفال الذين تحت رعايتها، وكذلك على العبيد والجواري في بيتنا الذين يصل عددهم جميعاً إلى اثنين وثلاثين فرداً. ثم أبحث عن الذين فقدوا ما يسد رمقهم وهم اليتامى المهملون بلا أم ولا أب. فأخذهم كأنهم من أسرتي، وأتأكد من أن أياً منهم لن ينقصه الزواج [ اللائق] أو الدفن. ما لم يقدمها لهم شخص آخر، ثم أبحث عن أقاربي الذين يصل تعدادهم إلى أربعة وثمانين فرداً. فلهم حقان: حقهم بوصفهم أفراد أسرة، وحقهم بصفتهم مقيمين في (بيتي). ثم يأتي دور الذين فقدوا الدعم، كما هو مذكور في كتاب الله تعالى. فهم الفقراء الذين وقعوا في ضائقة - في سبيل الله - والذين لا يستطيعون العمل في الأرض ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وهم العاجزون عن تدبير أمورهم بأنفسهم. فأخذهم وكأنهم أقاربي، وعندما يموت واحد منهم، أخذ في محله شخصاً آخر.

فهل كان السبتي يتبع أرسطو عن وعي في توزيعه للسلع؟ أم أنه كان ببساطة يتبع الأمر الوارد في القرآن: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَايِ ذِي الْقُرْب ) (النحل: (۹۰) ؟ وكانت فكرة السبتي عن عدالة التوزيع أرسطية إعادة توازن منصف للسلع من خلال إعادة توزيع الثروة الشخصية لم تكن تهدف إلى التساوي الجماعي، بل إلى إعادة الحقوق الفردية المادية، سواء أكانت مؤلفة من المال، أو الممتلكات، أو الغذاء، أو حتى الأطفال. وقد أطلق السبتي على إعادة الحقوق هذه مشاطرة ( أي التقاسم بمقياس نسبي، فشكلت نوعاً من الابتزاز المعجز الذي بموجبه أرغم الذين أخذوا أكثر مما ينبغي - تحت تهديد العقوبة الإلهية - على إعادة توزيع الفائض على الذين أخذوا أقل مما ينبغي. وفي معظم الأحيان كان فائض الثروة الشخصية يعاد توزيعه على أفراد، ولكن التوزيع يمكن أن يكون جماعياً في بعض الأحيان، كما حدث عندما أقنع السبتي ابنة حاكم مراكش على التبرع بألف دينار ذهبي لفقراء المدينة. وكان الابتزاز الخيري الذي يقوم به السبتي تطبيقاً عملياً ملموساً لمفهوم التسخير عند ابن عربي، من حيث إنه كان يعيد الحقوق المادية للفقراء المحكومين بابتزاز الثروة الفائضة ( أي الظالمة) من المبتزين الذين كانوا يديرون الدولة. وإن الذي حمى السبتي من ملاحقة الدولة هو أنه لم يكن يعد الفائض إسرافاً، ولذا فإنه لم يكن يطلب أبداً أكثر من المعدل الوسطي المنصف فكانت خطته الابتزازية، إن صحت تسميتها كذلك، هي أن يقدم لنخبة ذوي السلطة في مراكش حماية من عدالة الله التصحيحية عن طريق أعمال العدالة الاجتماعية كي لا يتعرضوا للإذلال في الحياة الدنيا وفي الآخرة، عملاً بالآية الكريمة في القرآن: مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ (البقرة: ٢٤٥) وكان السبتي يستخدم لغة أكثر تفلسفاً بقوله: «الوجود ينفعل بالجود. ولو كان روبن هود قديساً قادراً على عمل معجزات أخلاقية أرسطوط اليسية مثل السبتي، لما غادر ريتشارد قلب الأسد سجنه في فرنسة وعاد إلى إنكلترة.

ولم تكن كل عاصمة محظوظة بأن يكون فيها رقيب أخلاقي ترعاه العناية الإلهية مثل السبتي. فحتى أفضل الحكام كانوا يضطرون أحياناً للتصرف بقسوة من أجل الاحتفاظ بعروشهم. ذلك أن المطالب المتعارضة للأخلاق من جهة والحقائق السلطة من جهة أخرى كانت تجعل فقهاء المسلمين في العصور الوسطى كابن بطوطة كثيراً ما يتخذون مواقف غامضة ملتبسة ومتناقضة إزاء رعاتهم الملكيين. وكان أنجح هؤلاء الحكام لا يختلفون عن شخصية العراب دون دومنيكو كلير كوزيو في قصته ماريوبوزو المعنونة آخر السادة النبلاء، لقد أوصل دون دومنيكو أسرته إلى أعلى مراتب السلطة باستخدام قسوة مثل قسوة سيزار بورجيا، وانتهازية ماكيا فيللية ماكرة، مضافاً إليها معرفة صلبة بالأعمال التجارية كمعرفة الأمريكيين. ولكنه فعل ذلك قبل كل شيء بمحبة أبوية لأتباعه. وهكذا تمت مكافأة الفضيلة، ومعاقبة الإساءات، وضمان سبيل المعيشة (1996) ، ص 60) . قارن هذا المقطع مع وصف ابن بطوطة لأهم واحد من رعاته وهو السلطان محمد بن تغلق ( الذي حكم دلهي من عام 1325 إلى عام (1351) فتتضح لك الروابط المتشابهة بجلاء لا لبس فيه: «إن هذا الملك من أكثر الناس إدماناً على تقديم الهدايا وعلى سفك الدماء، فبوابته لا تخلو أبداً من رجل فقير يغتني أو رجل حي يتم إعدامه، ويتناقل الناس قصصاً كثيرة عن سخائه وشجاعته وقسوته وعنفه ضد المجرمين. بالرغم من ذلك كله فإنه من أشد الناس تواضعاً وأكثرهم استعداداً لإظهار الإنصاف والاعتراف بالحق.... وهو واحد من الملوك الذين لا يعكر شيء دمائتهم ولباقتهم ونجاحه في إدارة شؤونه يفوق التجربة العادية، ولكن صفته الغالية السائدة هي الكرم (غب 1958 - 2000 المجلد الثالث، ص 657 - 658) .

 

قضيتنا II: نقابة العلماء، حماة الإسلام

إن قصة فشل السلطان المريني أبي عنان في مقابلة المتصوف ابن عشير، والمدى الذي يذهب إليه ابن بطوطة ( أو كاتب سيرته الوهمي ابن الجوزي) في وصف الأمثلة العديدة على كرم محمد بن تغلق وقسوته يشير إلى أن أشياء كثيرة على المحك في هذا السرد القصصي، أكثر من مجرد وصف الأحداث. بل إن مثل هذه المقابلات بين السلاطين والباحثين تشير إلى مسرحية أخلاقية شخصياتها الرئيسة هي السلطان صاحب السلطة، والعالم الباحث، أو صاحب المعرفة». والمهم في هذه المقابلات ليس شخصيات المشاركين فيها فحسب، بل كذلك الأدوار نفسها. ويستخدم الفيلسوف الاسدير ماكنتاير مصطلح الشخصية كي يعبر عن الدور الاجتماعي الذي يجمع الروابط الدرامية التمثيلية والأخلاقية معاً بهذه الطريقة في حالة الشخصية فإن الدور والذاتية ينصهران معاً بطريقة محددة أكثر مما يفعلان بصورة عامة؛ وفي حالة شخصية أخرى فإن إمكانيات التمثيل تتحدد بطريقة محدودة أكثر منها بطريقة عامة. إن أحد الفوارق المهمة بين الثقافات هو مدى كون الأدوار فيها شخصيات ولكن ما هو محدد بدقة لكل حضارة هو جزء كبير ومركزي ما هو خاص بمخزونها من الشخصيات. ويرى ماكنتاير أن الشخصيات هي ممثلة أخلاقية لحضارتها.... بسبب الطريقة التي تكتسب بها الأفكار والنظريات الأخلاقية والميتافيزيقية وجوداً متجسداً من خلال الشخصيات في العالم الاجتماعي (1984) ، ص 28) . فالشخصيات مفيدة المؤرخ الحضارات، لأن تجسيدها الفريد للهوية الذاتية والدور يساعد على كشف الفجوات والشروخ الموجودة ضمن المجتمعات. وبما أن الشخصيات موضع احترام لدى شرائح مهمة من السكان، فإنها تضفي شرعية على نماذج محددة من الوجود الاجتماعي، وتقدم مثلاً أعلى حساس الأهمية ثقافياً ومعنوياً (ص20). وبالضبط مثلما كانت ثقافة إنكلترة الفيكتورية محددة جزئياً بشخصيات مدير المدرسة العامة والمستكشف، والمهندس، وثقافة ألمانية الغليومية محددة بطريقة مشابهة بشخصيات الضابط البروسي، والأستاذ والديمقراطي الاجتماعي (ص (28) ، فكذلك كان المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى محدداً جزئياً بشخصيتي السلطان والباحث.

قال المتصوف الفارسي جلال الدين الرومي ( المتوفى عام 1273م): «إن أسوأ الباحثين هو الذي يزور الأمراء، وأفضل الأمراء هو الذي يزور الباحثين (8). وهذه عبارة تنقل معنى مجازياً ظل جزءاً رئيساً جوهرياً من الأخلاق الإسلامية منذ مرحلة الخلافة الأموية ( 661 - 750م) . وحسب هذا المجاز، فإن الدولة، بمحاولتها تنظيم شؤون العالم المادي تتلوث حتماً بهذا العالم، وهكذا تلوث كل من يتصل بها (9) . وبالنسبة للمسلمين السنة، فإن الدولتين الوحيدتين اللتين كانتا متحررتين من هذا الفساد هما اللتان أقامهما النبي محمد ﷺ في المدينة (622) - 632م) وخلفاؤه الراشدون الأربعة الأوائل، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (632 - 661م) . وكل الدول الأخرى، بما فيها الخلافة الأموية في دمشق، ودولة الخلافة العباسية التي تبعتها في بغداد (750) - 1258م) قد أصابتها لوثة العالم، وبذلك تلوثت بدرجة أكثر أو أقل.

ولقد وقف رجال العلم، أو العلماء، كحصن ضد الدولة وفسادها، فتمسكوا بقيم الإسلام الأخلاقية، وحموا الناس من تجاوزات الحكام المسرفين على الرغم من أن فئة رجال العلم كان من المحتمل أن تشمل جميع المتدينين، بمن فيهم القضاة علماء الشريعة والعقيدة، والفلاسفة، والمتصوفون، وشتى الزهاد من ذوي النزعات الفكرية الصوفية وغير الصوفية، فقد سيطر القضاة في آخر الأمر على هذه الفئة بسبب معرفتهم المتخصصة بالقانون الإسلامي. إن المبدأ السابع من مبادئ دائرة الإنصاف، التي نوقشت في بداية هذا الفصل ينص على أن دعامة الدولة هو القانون الإسلامي ( الشريعة). وبسبب أهمية الشريعة لكل من الدولة والمجتمع الإسلامي عموماً، فقد كان الاستنتاج المسلم به أن الفقهاء الذين يفسرون القانون هم رجال المعرفة العلماء بامتياز. ورجال المعرفة الحقيقيون يجب أن يكونوا مستقلين، فإذا لم يكونوا مستقلين، وراحوا يسعون للرعاية أو الأبوة الملكية، فإن أحكامهم ستصبح فاسدة، وقد قال الرومي عن مثل هؤلاء الباحثين وسواء أكان الأمير هو الذي يزور العالم رسمياً أم أن العالم هو الذي يذهب لزيارة الأمير، فإنه هو الزائر على كل حال والأمير هو المزور. (آربري 1975 ، ص 13).

وفي المغرب الأقصى، موطن ابن بطوطة، كانت شخصية الباحث القاضي تحظى باحترام هائل بعده مثلاً أخلاقياً أعلى للمجتمع. بل إن الذين كان لهم فضل إقامة حكم القانون الإسلامي في أي موضع محلي معين كان يعطى لهم لقب تشريفي هو أركان الأرض»، ويوضعون بعد موتهم في مصاف المتصوفة المحليين. وقد حصلوا على هذا التكريم لأنهم كانوا يؤدون - بصورة مجازية - دور أوتاد الخيمة، فيرسخون من خلال تعاليمهم ومثلهم الأخلاقي الخيمة الكبرى للعدالة الإلهية التي تحمي الناس جميعاً في ظلها، وبتفسيرهم وحمايتهم للشريعة، وبإقامتهم لعدل الله على الأرض كانوا يعدون أيضاً ممثلي الشعب والمدافعين عنه. بل لقد دخلوا في الثقافة الشعبية للعوام في شمال إفريقية الإسلامي بعدهم شبيهين بصغار أنبياء بني إسرائيل. كثيراً ما يستشهد العلماء أنفسهم بحديث الرسول ﷺ أن النبي محمداً ﷺ قال: العلماء ورثة الأنبياء. والتواريخ المحلية في المغرب مليئة بقصص الباحثين من أوتاد الأرض مثل دراس بن إسماعيل (المتوفى عام 968م) ، وسيدي بوجدا ( المتوفى عام 978م) وكلاهما من مدينة فاس، ويقال إنهما ظلاً يحميان السلامة السياسية والأخلاقية لمدينتهما بعد وفاتهما بزمن طويل ( كورنيل 1998 ، ص 9 - 12) .

وبحلول زمن ابن بطوطة كان العلماء يرون أنفسهم كشبكة مشتركة لمهنيين محترفين منظمين كشبه طبقة تحتل مركزاً في المراتب الاجتماعية تحت مكانة الحكام تماماً ، ولعل أوضح رأي في تصورهم لأنفسهم كشخصيات في تمثيلية أخلاقية يمكن العثور عليه عند الفقيه الفارسي نصير الدين الطوسي ( المتوفى عام 1273م) في وصفه للمراتب الاجتماعية المتسلسلة في الدولة المسلمة. فكل عضو في الطبقات الموصوفة في سلسلة المراتب هذه يشكل شخصية معنوية وميتافيزيقية بالمعنى الذي يستخدمه ماكنتاير لهذا المصطلح. وبوصف كل فئة اجتماعية كشبه طبقة، يكشف الطوسي عما استعاره من أرسطو ومن النظام الاجتماعي في بلاد فارس الساسانية قبل الإسلام، ويعطي هذا النموذج بصورة شاملة صورة دقيقة للطريقة التي كان ابن بطوطة سوف يتخيل نفسه بها في بلاط دلهي، إن لم يكن في بلد موطنه:

يأتي أولاً رجال القلم مثل أساتذة العلوم وفروع المعرفة، ومحامي قانون الشريعة، والقضاة، وأمناء السر، والمحاسبين، والمختصين بعلم الهندسة والفلكيين والأطباء، والشعراء الذين يعتمد على وجودهم نظام هذا العالم والعالم الآخر ومن بين العناصر الطبيعية، فإن هؤلاء يضاهون الماء. وثانياً رجال السيف المقاتلون والمحاربون والمتطوعون، والمناوشون وحراس الحدود والخفراء، والرجال الشجعان، ومؤيدو المملكة وحماة الدولة الذين بواسطتهم يتم تنفيذ تنظيم العالم ومن بين العناصر الطبيعية فإن هؤلاء يضاهون النار وثالثاً رجال المفاوضات والتجار الذين يحملون البضائع من منطقة إلى أخرى، والذين دون تعاونهم تصبح الحياة اليومية للجنس البشري مستحيلة ومن بين العناصر الطبيعية فإنهم يضاهون الهواء. ورابعاً رجال الزراعة وتربية الدواجن كالباذرين، والمزارعين، والحراثين والفلاحين الذين ينظمون إطعام كل المجتمعات، والذين دون مساعدتهم لا يمكن بقاء الأفراد على قيد الحياة؛ ومن بين العناصر الطبيعية فإن هؤلاء يضاهون التراب في المرتبة . (الطوسي 1964، ص 230 وفي إتزكوفيتز 1972 ، ص  39).

وتبرز من هذا الوصف للفئات الاجتماعية ثلاث نقاط مهمة، هي: أولاً: على الرغم من أن الطوسي يضع العلماء تحت مرتبة الحكام ( الذين لم يرد ذكرهم كأحد العناصر، ويبدو أنهم خارج نطاق النظام الاجتماعي) فإنه يمتدحهم بعدهم يعتمد على وجودهم نظام هذا العالم والعالم الآخر، وثانياً : إنه يضع العلماء فوق مرتبة العسكريين، الذين يأتي السلطان من بين صفوفهم. والمعنى الضمني هنا ( على الأقل عند حاكم عسكري جيد الإدراك ) هو أن العلماء أهم لتسيير وظائف العالم - وبالنتيجة الدولة - من الحاكم نفسه. وثالثاً : يؤدي الطوسي رسالة أخفى بالمزاوجة بين كل طبقة وبين واحد من العناصر الأربعة. وحسب ترتيب العناصر الأربعة الوارد إلينا منذ عصر الفيلسوف الإغريقي المتصوف إمبد وقليس كان الماء يتزاوج مع التراب، والهواء يتزاوج مع النار. وعند ترجمة ذلك وفق مخطط الطوسي فإن معناه أن «نار» العسكريين لا يمكن أن تشتعل» دون هواء» التجار الذين تقدم ضرائبهم وخدمات جبايتها الأموال التي تدعم العسكر، وبالمثل فإن «تراب الفلاحين يحتاج إلى «ماء» العلماء لتمكين الأرض من رعاية دوام الحياة بفضل الله، وهذا أكثر من مجرد إعادة التأكيد على دائرة الإنصاف فقد أظهرت دراسات حديثة للمجتمع الإسلامي في عصور ما قبل الحداثة أن غالبية العلماء قد جاؤوا من خلفية تجارية. وهكذا فإن من الممكن المجادلة بأن العلماء والتجار يؤلفون أهم عناصر المجتمع الرئيسة، وتماماً كما أن الحياة على الأرض لا يمكن أن توجد دون الهواء والماء، فإن الحياة الأخرى للمجتمع الإسلامي لا يمكن أن توجد دون العلماء والتجار.

ولقد كان تضامن العلماء يقوم جزئياً على التعليم المشترك وعلى نظرية مشتركة للمعرفة. وكان أساس التعليم لهذا التضامن هو المدرسة، وهي نموذج من المدرسة الدينية التي تقدم في العادة تعليماً قانونياً. ونظام المدرسة مؤسسة أوجدتها السلطنة السلجوقية في القرن الحادي عشر، رغبة منها في ترويج تصوير موحد متجانس للإسلام السني. أما الأساس النظري المعرفي لتضامن العلماء فيمكن العثور عليه في محتوى التعليم المدرسي الذي كان يعتمد على الأصول ( أي الجذور أو المرتكزات الأساسية في منهج المنطق القانوني. وهذا المنهج المنسوب للفقيه محمد ابن إدريس الشافعي (المتوفى عام 820م) يركز على استخدام المصادر المقدسة المكتوبة (القرآن والحديث بعدها أساس القرارات القانونية. وبموجب منهج الأصول كان استنباط القوانين والأحكام يتألف من تطبيق المنطق الأرسطوطاليسي على المصادر الفقهية. وعند حلول أواخر القرن الحادي عشر كانت الشعبية المتزايدة للفقه الشافعي والطريقة الأصولية للمعرفة قد أدت إلى تأصيل» الحياة الفكرية في الشرق الإسلامي، وبما أن المنهج الأصولي كان يقوم على المحاكمة العقلية القانونية فقد كان التدريب على أصول الفقه شيئاً جوهرياً لجميع أشكال التعليم العالي، وسواء أكان خريجو المدارس سيصبحون قضاة، أم علماء شريعة، أم متصوفة، أم موظفين حكوميين، أم مؤرخين، أم علماء، أم أساتذة رياضيات، فقد كانوا جميعاً يشتركون في تلقي تعليم قائم على الأصول.

وكان هذا صحيحاً بصورة خاصة في المغرب، حيث صار المنهج الأصولي هو السائد في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. وبموجب المذهب الفقهي المالكي الذي سيطر على هذه المنطقة كانت كل المدارس تقريباً وقفاً يتبرع به موظفو الدولة. فكان قاضي الجماعة الرئيس في مدينة ما، وهو معين من قبل الحكومة، مسؤولاً عن استئجار جميع موظفي التعليم في المدرسة. وعند الضرورة كان هو الذي يقرر المنهج الذي سيتم تدريسه في المدرسة. وقد تصادف شباب ابن بطوطة مع إدخال نصوص مختصرة للتعليم في المدارس تركز على الاستظهار الحفظي عن ظهر قلب وتفضله على المنازعات الجدلية التي كانت تميز جلسات التعليم المتقدم فيما سبق تلك المرحلة. وكان السلطان أبو الحسن المريني ( الذي حكم من عام 1331 إلى عام (1348) بانياً عظيماً للمدارس. وقد أطاح به أبو عنان، راعي ابن بطوطة واستولى منه على السلطة. ففي المغرب الأقصى وحده، أنشأ مثل هذه المدارس في مدن مراكش ومكناس، وتازا، وسالي، وأنفا التي هي الدار البيضاء حالياً) وأسافي، وأزيمور ومدينة طنجة، موطن ابن بطوطة، وبمقارنة خريجي هذه المدارس مع نظرائهم في المشرق، الذين كانوا يتمتعون بتعليم مدرسي أقل خضوعاً لتوحيد المقاييس وللسيطرة    الحكومية، فإن علماء المغرب الذين يشبهون نسخة مكررة خارجة من أداة الصك مثل ابن بطوطة لا بد أنهم كانوا باحثين سطحيين يعطون انطباعاً بأنهم شديدو التمسك بالتقاليد العامة أكثر من كونهم ذوي أصالة. ومن جهة أخرى فإنهم كانوا سيظهرون بوصفهم متشاركين في شعور قوي من التعصب الروح جماعتهم والولاء لأمثالهم من النوعية ذاتها. وعندما كان العلماء يبتعدون عن أوطانهم كانت ارتباطاتهم تتحول إلى مواطنيهم ذوي التفكير المماثل لتفكيرهم من مذاهب فقهية أخرى.

وكثيراً ما كان تضامن العلماء يؤدي بهم إلى إصدار أحكام أخلاقية على الدولة. فقد كان معظم المساهمين في صياغة نظرية الفكر السياسي الإسلامي فيما قبل عصور الحداثة علماء. وإن ما يلفت النظر بشأن نظرياتهم هو انعدام تعاملهم مع الحقائق وكثرة تعبيرهم عن المثاليات وكان أولئك المنظرون جميعاً يتحسرون على إضعاف الخلافة الإسلامية التي كانت تسمى في مؤلفاتهم الإمامة) وإزالتها في آخر الأمر، وكانوا يرون أنها تعطي شكل الحكومة الإسلامية الوحيد المشروع بالفعل. وكان بعضهم يدافعون عن النظام السلطاني، مثل العالم أبي حامد الغزالي ( المتوفى عام 1111م) وأستاذه أبي المعالي الجويني (المتوفى عام 1085م) الذي عمل عند السلاجقة. ولكن باحثين آخرين كانوا ينتقدون الأنظمة العسكرية - الديكتاتورية ويشددون على دور العلماء بوصفهم حراساً يحمون الإسلام وحقوق السكان المدنيين على حد سواء. وكان أحد العلماء الأكثر ذرائعية عملية من هؤلاء النقاد هو أبو بكر الباقلاني (المتوفى عام 1013م). وكان قاضياً مالكي المذهب من البصرة، وكان الآرائه نفوذ مؤثر في المغرب، وكان رأيه السياسي الواقعي يعطي العلماء دور الرقيب الأخلاقي على الإمام الذي لا يجب بالضرورة أن يكون خليفة، والذي تكون مسؤولياته في السلطة محصورة في الحماية، وجباته الضرائب والدعوة للإسلام وتعزيز تقدمه (1987) ، ص 477 - (78) . ومع زعماء الفئات الاجتماعية الكبرى ضمن المملكة، كان العلماء يؤلفون أهل الحل والعقد، فهم الذين يضفون الشرعية على الحاكم بتأكيد «عقد» متفاوض عليه، أو مجموعة تفاهمات يمارس الحاكم سلطته في الحكم بموجبها . ومن حيث المبدأ كان يلزم باحث واحد فقط لتثبيت حاكم معقود» في منصبه. غيرأنه كان من الأفضل أن يكون هناك شهود على العقد المبرم بين الحاكم والباحث ( ص 467 - (469) . وكان يبرم عقد مشهود بشكل رسم يعرف باسم «البيعة» في زمن ابن بطوطة عند كل تغيير للحاكم. وهذا من الأمور التي لا تزال ممارسة اليوم في المملكة المغربية. ومن الناحية المثالية، فقد كان الاختيار يقع على المرشح الأفضل ليتم انتخابه حاكماً، ولكن عندما جعلت حقائق الحياة اختيار المرشح الأفضل مستحيلاً. صار الناس يكتفون بمرشح ذي مؤهلات كافية ( ولو كان مفضولاً) (ص 475). وفي مثل هذه الحالات، كان العلماء مسؤولين عن مراقبة الشؤون الأخلاقية للدولة وتقديم النصح والمشورة للحاكم في قضايا الدين والأخلاق. وعندما يتصرف الحاكم بطريقة ظالمة، فإن من واجبهم أن يعترضوا. بل إنهم كانوا مفوضين في الحالات الشديدة بإزاحة الحاكم ووضع شخص آخر في مكانه ( ص 478 - 480) . ولعل اتساع تأثير كتابات البلقيني هو الذي جعل المغرب أحد الأماكن القليلة في العالم الإسلامي التي يجد المرء فيها دولاً يؤثر فيها الفقهاء قبل تأسيس جمهورية إيران الإسلامية في عام 1979م.

إن مواقف ابن بطوطة إزاء الولاء الشخصي وخدمة الحكومة تصبح مفهومة أكثر عند النظر إليها على ضوء التضامن الذي كان سائداً بين العلماء وقلة احترام معظمهم للدولة، وشعورهم بأحقيتهم في تعيين أنفسهم حماة للإسلام. وفي بعض الأحيان كان سلوك العلماء المتشامخ المتعجرف مثيراً للسخط تماماً، فكيف يمكن أن يتوقع أي شخص ألا يُظهر أي رد فعل من السلطان محمد بن تغلق عندما ترنم جمال الدين المغربي أمامه ببيت من الشعر فحواه: «أما سلاطينهم فاسأل التراب عنهم / فتلك الرؤوس القوية لم تعد الآن سوى جماجم فارغة ؟ - وكان جمال الدين صديقاً لابن بطوطة، وقد أنشد هذا البيت مع أنه كان يتلقى راتباً من السلطان غب 1958 - 2000 المجلد الثالث، ص (685). وعندما يأخذ المرء في الحسبان أن مراكز العلماء في بلاط الملوك والأمراء كانت قلعة غير مستقرة، يجد أنه من المذهل أن كثيراً منهم كانوا يتجاهلون خطر الاستهزاء باليد التي تطعمهم، إن لم يعضوها فعلاً.

كتب ذات صلة