إطار التخطيط الإستراتيجي
THE CONTEXT FOR STRATEGIC PLANNING
""التجول بين عالمين أحدهما ميت، والآخر ولد هزيلاً""
)MATTHEW ARNOLD( ماثيو آرنولد
القوى المؤثرة في الأنظمة التعليمية
بعد التغيير بمعدل متزايد من خصائص مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية، فالطفل الذي يدخل المدرسة اليوم يأتي من عالم يختلف تماماً عن العالم الذي شكل العديد من المعتقدات والافتراضات لدى الكبار الذين عملوا في هذا العالم، وبغض النظر عن الإسقاطات المستقبلية. قلمة تغيرات اقتصادية وسكنية وتنظيمية قد بدأت بالفعل في المجتمع وفيما يأتي تحليل هذه التغيرات بالتفصيل:
أولا إعادة بناء الاقتصاد:
إن تحول الولايات المتحدة من مجتمع صناعي إلى مجتمع معلوماتي قد ظهر أول ما ظهر عند إعادة بناء الاقتصاد، ويقول جون نيسبيت ( JOHN (NAISETT في كتاب الاتجاهات الكبرى "" MEGATRENDS"" إن ما يقارب من 60% من علمية إعادة البناء لم تتوقف حتى الآن، حيث لا يزال هناك فوارق إقليمية في الظروف الاقتصادية في جميع أنحاء البلاد.
بالإضافة إلى الاختلافات في قدرات المناطق بالتنويع واستبدل الأنشطة غير الإنتاجية، وهذا في الحقيقة فتور مستمر في توقع التغيير والتخطيط له، حيث يستشعر كل فرد السلبيات الناتجة عن إعادة البناء الاقتصادي بصورة متفاوتة في جميع أنحاء البلاد.
وفيما يأتي بعض الطرق التي أعيد بها بناء الاقتصاد الأمريكي:
- تغير طبيعة العمل.
- تغير القوة المحركة.
- تغير مركز الولايات المتحدة في التجارة العالمية.
- تغير نموذج تشغيل العمال.
- تغير تركيبة القوى العاملة.
ولكل واحد من هذه التغيرات الاقتصادية عدد من المضامين المهمة للتعليم والتدريب، ويمكن إبراز طبيعة هذه التغيرات والتحديات المفروضة على التعليم من خلال التفصيل الآتي:
طبيعة العمل:
في عام 1800 كان 80% من العمال يعملون في أعمال زراعية، وفي عام 1984 انخفضت هذه النسبة إلى 3% وفي عام 1986 زادت هذه النسبة قليلاً عن %2، وقد استمر هذا الانخفاض في الأعمال الزراعية مع امتداد أزمة المزارع، والتي بدأت في وسط المنطقة الغربية إلى أن وصلت إلى مناطق أخرى من البلاد. وبالطريقة نفسها ، ففي عام 1950 كان 55% من العمال الأمريكان يعملون في أعمال صناعية شاقة. أما في عام 1984 فلم يبق إلا 24% فقط من العمال يعملون في القطاع الصناعي. كما أن الأعمال الصناعية استمرت هي الأخرى في الانحدار عندما أصبحت المنافسة الأجنبية واستخدام الآلات على نطاق واسع يؤديان دوراً مهماً في تشكيل دور الاقتصاد.
فما الذي حل محل هذه القطاعات الاقتصادية؟ وماذا حدث للناس الذين كانوا يعملون في هذه الوظائف ؟ في عام 1980 ازدادت وظائف الخدمات ( وهي الأنشطة الاقتصادية التي لا تعطي نتائج ملموسة أو منتجات قابلة للتخزين، والتي لا تحتاج لأي مبلغ من رأس المال أو المعدات ) إلى أن صارت تشكل 30% من إجمالي الوظائف (راجع الشكل (1-1).
وثمة تغيير آخر طرأ على عدد وظائف المعلومات.
ووظائف المعلومات هي الوظائف التي يمكن من خلالها إنتاج أجهزة المعالجة المعلومات وتشغيل شبكة الاتصالات وإنتاج تقنيات جديدة واستخدام تقنيات أخرى لتوفير خدمات ومنتجات معلوماتية.
في عام 1983 تم تصنيف 56% من الوظائف في قطاع الخدمات والصناعة والزراعة على أنها وظائف معلوماتية، وهذه الفئة التي تضم 54 مليون عامل معلوماتي تشتمل أيضاً على 11 مليون وظيفة مدير تنفيذي ومدير، و 16 مليون متخصص وفني، و 11 مليون عامل مبيعات، و 16 مليون كاتب.
ومن المتوقع خلال العشرين إلى الثلاثين سنة القادمة أن يرتفع عدد المتخصصين والفنيين من 16 إلى 24% ليصبح أكبر قطاع في القوى العاملة، أما عدد الكتبة فسيظل نسبياً ثابتاً عند 15 ). في حين أن قطاع عمال المبيعات يمكن أن يزداد زيادة متوسطة تتراوح من 11 - %15. ومن ناحية أخرى، سيهبط عدد عمال المصانع بمعدل 20-25 خلال العقد القادم: نتيجة لاستخدام الآلات والحاسبات في المصانع على نطاق واسع (4) كما أن 20 إلى 30 مليوناً من الذين يعملون في وظائف عالية والذين يبلغ عددهم 54 مليوناً سيجدون وظائفهم قد تأثرت بسبب استخدام الحاسب والآلات بصورة عامة قبل حلول عام 1990 ، يضاف إلى ما سبق أن 10 ملايين سوف يطراً وجود تغييرات على طبيعة عملهم أو توفرها.
إن العدد الكلي للوظائف في القوى العاملة من المتوقع أن يهبط بمعدل 13-5 مليون وظيفة مع وصول استخدام الآلات إلى الشركات الصغيرة بعد أن سبق له أن وصل إلى الشركات الكبيرة.
ومع هبوط عدد العمال، فإن المعرفة والمهارات المطلوبة من الأفراد الذين يشغلون وظائف ستزداد، فاستخدام الآلات والتقنية يتطلب قدرات أعلى.
إذ يتعين على التصميم التنظيمي أن يدرك أن تقنية المعلومات ستحول الأدوار التقليدية تحولاً تاماً فالمديرون التنفيذيون سيتم تحويلهم من أصحاب سلطة إلى مخططين. كما أن المديرين سيتم تحويلهم من منسقين إلى منفذين، وسيتم تحويل المتخصصين والفنيين من أفراد يمارسون أعمالاً خاصة إلى أفراد يقومون بأعمال عامة كتوصيل الخدمات إلى العملاء، وسيتم تحويل الكتبة من أفراد مساندة إلى إخصائيين في توصيل الخدمات المعلوماتية. كما أن عمال المبيعات سيتم تحويلهم من موزعين للمعلومات إلى مديرين مع تقديم الرعاية الواجبة لهم.
إن الحصيلة الأساسية لإعادة هذا البناء تكمن في طبيعة العمل نفسه. ففي الماضي، كانت القدرات الجسدية والمهارات المتخصصة تشكل حجر الزاوية في تشغيل العمال. أما العمل اليوم وفي المستقبل فأصبح بشكل كبير. مسألة مهارات ذهنية عند الفرد بمعنى آخر قدرة هذا الفرد على معالجة المعلومات واستخدامها. وسيكون مطلوباً من الأفراد الحصول على مستويات أعلى من التعليم والمهارات الفكرية ليجدوا وظائف يعملون فيها.
ولن يحتاج الأفراد في المستقبل فقط إلى أن يكون لديهم مستويات عليا من التعليم والتفكير، بل سيكون عليهم أيضاً أن يزيدوا معرفتهم ومهاراتهم بصورة مستمرة.
ويقدر أن غالبية الوظائف في المستقل ستعاد هيكلتها بصورة جوهرية كل 5 أو 7 سنوات. وأن العمل نفسه سيتطلب قدراً كبيراً من التعليم والرغبة في تطوير معارف جديدة، وتشير الإسقاطات والتوقعات المستقبلية أن أرباب الأعمال سيخصصون ميزانية لا تقل عن 25% من تكاليف العمل لديهم لتعليم وتدريب المتخصصين والفنيين.
وقد أوجدت التحولات التي طرأت على استخدام المعلومات عناصر أساسية للعمل وتقارباً لا سبيل إلى الخلاص منه بين المعرفة والأنشطة الاقتصادية في المجتمع. فمن شأن المعرفة إنتاج سلع وخدمات جديدة وتحسين الإنتاج وأساليب التصنيع والوصول إلى إدارة وخطط تنظيمية أفضل. وترتبط الزيادات المستقبلية التي تطرأ على الإنتاجية والنمو الاقتصادي ارتباطا وثيقاً بالزيادات الكمية الكيفية في الأنظمة التعليمية والتدريبية للأفراد.
وهناك تقدير بأن ثلثي الزيادة في الإنتاجية يحدث نتيجة للمصادر البشرية في حين تشكل المصادر المالية نحو ثلث عناصر الدخل، وستحدد قدرة أفراد المجتمع على إدراك هذه الحقائق وعلى إعادة بناء الأنظمة التعليمية والتدريبية، إلى حد كبير كيان الأمة الاقتصادي والاجتماعي.
القوة المحركة للمجتمع:
إن مصادر القوة في مجتمع لا تحدد فقط طبيعة الإنتاج ومستوى الإنتاجية، ولكنها تشكل أيضا التطور فيه، فالعصر الزراعي الذي مر به المجتمع الأمريكي كان يقوم على أساس استخدام القوة البشرية والحيوانية ومصادر الطاقة الطبيعية كالريح والشمس والماء. وقد كانت هذه المصادر من الطاقة غير كافية نسبياً ولا يمكن التحكم فيها أو الاعتماد عليها. لذلك كانت القوة الجسدية للإنسان في أغلب الأحيان هي العامل الأهم في حصوله على عمل.
ولم يكن ممكناً تحويل الولايات المتحدة من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي إلا من خلال تطوير المعدات والتقنيات فقد سهل اختراع الآلة البخارية ومحرك الجازولين وتوليد الكهرباء تحويل مجتمع يعتمد على القوة البشرية والحيوانية إلى مجتمع يعتمد على آلات تعمل بالفحم والبترول، وقد أصبح هذا الفحم والبترول مصادر الطاقة الأساسية، فقد أدى استخدامها إلى فتح الباب أمام العديد من أنظمة الإنتاج القادرة على إنتاج سلع بصورة فعالة تفوق كل تصور. لقد كان التأثير بالفعل تأثيراً جذرياً.
واليوم بدأت ثروة جديدة تلوح في الأفق، إذ أدى تطوير معالج الكلمة المصغر الميكروبروسيسور (MICROPROCESSOR) إلى حدوث انفراج في استخدام المعلومات. كما أن تخزين المعلومات أو توصيلها باستخدام وسائل مثل الهاتف المبرقة، المذياع التلفاز، دور العرض السينمائي وما إليها أدى إلى زيادة سرعة نقل المعلومات ونوعية المعلومات وتوزيعها ، فلم يكن هذا التطور يفتقر إلا إلى طريقة ميسرة المعالجة وتحليل وتخزين المعلومات.
وقد وفرت هذه الشريحة المصغرة ميكروشيب (MICROSHP) أسلوبا فعالاً يجمع بين الكفاءة وانخفاض السعر المعالجة كميات كبيرة من المعلومات. وهكذا أصبحت المعلومات قوة رئيسة لتطوير المنتجات والتقنيات.
وعلى الرغم من الدور الذي تلعبه تطورات العلوم والتقنية في الحياة الأمريكية على مدار قرن من الزمن، فإن نجاح العلم والتقنية في الحرب العالمية الثانية هو الذي أدى إلى تشجيع سياسة وطنية على دعم وتعزيز البحث العلمي والتطور، وقد نتج عن هذه السياسة مدة شهدت نمواً ملحوظاً في المعرفة العلمية كما أدت إلى حدوث تقدم في نطاق كبير من التقنيات. وقامت الأرضية العلمية والخبرة بإيجاد بنية تحتية لإتاحة طرق أكثر فاعلية للقيام بالأبحاث ومعالجة المعلومات. واستطاعت الشريحة المصغرة أن توجد هذه القوة أو الشرارة. وهذا هو الانفراج المطلوب لإحداث تطورات في العلوم والتقنية.
هذا ، وهناك سبع تقنيات تشكل وستستمر في تشكيل الاقتصاد والمجتمع الأمريكي وهذه التقنية هي الإلكترونيات المصغرة، التكونات بفعل الكائنات الحية، استخدامات الرجل الآلي، أجهزة الليزر، البصريات الليفية الاستطلاع الشمسي التعدين تحت البحر هذا التقدم الهائل لم يكن ممكناً في هذه القطاعات على نطاق واسع، إلا بفضل القدرة التي وفرتها لنا الشريحة المصغرة لمعالجة مقادير كبيرة من البيانات بصورة فعالة وغير مكلفة. وقد أصبح الميكروبروسيسور عنصراً أساسيا من عناصر التقدم العلمي والتقني. وربما لا يصدق المرء أن تأثير الميكروبروسيسور يمكن استشعاره في كل قطاع تقريباً من قطاعات حياتنا، ففي موقع العمل تقوم أدوات المعلومات بتغيير طبيعة العمل نفسه، وهياكل التنظيمات والعلاقات بين العمال والتنظيمات وعملهم، ونوع المنتجات والخدمات الناتجة.
وقد أصبح الناس ينظرون إلى أجهزة الميكروبروسيسور على أنها أمر مألوف في البيت بوصفها وسائل للتحكم في الأجهزة المنزلية كما ينظرون إليها بصفتها أدوات لشؤون الموظفين والإدارة وعلى أنها توسعات في تقنيات الاتصال الأخرى ووسائل للتعليم والتدريب.
وعلى مدى عقدين من الزمن بعد الحرب العالمية الثانية ظلت الولايات المتحدة سائدة ومتفوقة على مستوى العالم في مجال البحث العلمي والتقني والتطوير. ولكن بعد ذلك بدأ موقع الولايات المتحدة يأخذ في الانحدار، في حين تمكنت دول أخرى من إحراز خطوات بإجراء ما يزيد عن ثلث إجمالي الأبحاث الأساسية في العالم، مع اقتسام الباقي من هذه الأبحاث بالتساوي بين كل من أوروبا الغربية واليابان من ناحية وشعوب الاتحاد السوفيتي من ناحية أخرى.
ومن الجدير بالذكر أن الشريحة المصغرة أسهمت إسهاماً كبيراً في تحقيق التقدم السريع في هذه الدول الأخرى كذلك.
إن المحافظة على موقع قوي في العلوم والتقنية هو عنصر مهم لكيان الولايات المتحدة المستقبلي. وقد ظلت التقنية إحدى الصادرات الأساسية والإسهامات الأمريكية للعالم. وهي لا يتعين عليها فقط أن تستمر في التطورات العالمية والتقنية فحسب، بل عليها أيضاً أن تستخدم هذه المعرفة المتطورة في المساعدة على تعليم أفراد المجتمع الذين يعدون على درجة من الأهمية لمستقبل الأمة.
وتجد الإشارة إلى أن العلماء الأمريكيين مع أنهم من أفضل العلماء في العالم فمازال الكثير من الأمريكيين يفتقرون إلى المبادئ الأساسية في الحساب والعلوم، وتظهر مقارنات أجريت على مستوى دولي أن الطلاب الأمريكان يأتون في ذيل قائمة الطلاب في معظم الدول التي جرت فيها هذه المقارنات وتشير دراسة قامت بها جامعة متشجان (AUNIVERSITY OF MICHIGAN) إلى أن ""تحصيل التلميذ الأمريكي لا يختلف كثيراً عن تحصيل الأطفال في اليابان وتايوان وإن هذا التخلف يظهر بالفعل منذ اليوم الأول من دخولهم المدرسة "".
إن قوة الشريحة المصغرة يجب أن تطبق ليس فقط التطورات العلمية والتقنية والاقتصادية، بل أيضاً على المستوى الذي وصل إليه شعبنا من المعرفة والمهارات، فتطوير رأس المال البشري أمر حاسم إذا كان لنا أن نحتفظ باقتصاد وموقع قويين بين دول العالم.
موقع الولايات المتحدة في التجارة العالمية:
استطاع الاقتصاد الأمريكي أن يتطور من اقتصاد وطني إلى اقتصاد عالمي فالتجارة العالمية، التي كانت تضم 6% من إجمالي الدخل القومي الأمريكي في أوائل عقد الستينيات، قد أصبحت تضم 15% من إجمالي المنتجات الوطنية الأمريكية في بداية الثمانينيات، وبالرغم من هذا، فإن نصيب الولايات المتحدة من التجارة الدولية قد أخذ في الانحدار. فقد بلغ في )15( عام 1980، %11 بعد أن كان 20 في عام 1950 راجع الشكل 1,2.
وقد هبطت الصادرات الأمريكية من 38.2 بليوناً في عام 1981 إلى 21.9 بليون دولار في عام 1983 وهو انخفاض قدر على أنه كلف 25000 وظيفة صاحب انخفاض الصادرات زيادة في الواردات بنسبة %10.9 بين عامي 1981، 1983، وتشكل السلع المستوردة الآن نسبة %19 من إجمال الاستهلاك الأمريكي والتي كانت %9% فقط في عام 1970 فغياب هذا التوازن التجاري للصادرت والواردات أحدث عجزاً قدره 150 بليون دولار تقريباً في عام 1985.
وبالرغم من وجود أساليب عدة خلف غياب هذا التوازن التجاري ( مثل قيمة الدولار الأمريكي والديون الأمريكية لدول أخرى... إلخ) ، فإن العامل الأول يكمن في ارتفاع مستوى معيشتنا وأجور العمال الأمريكان مقارنة مع نظرائهم في دول أخرى، ففي عام 1983 على سبيل المثال، كان معدل أجرة الساعة العمال السيارات في الولايات المتحدة 19.07 دولاراً. في حين وصل هذا المعدل في اليابان إلى 7.91 دولارات.
في الماضي كنا ننظر إلى اليابان على أنها منافسنا الرئيس، إلا أننا نجد في يومنا هذا، أن كوريا وعدداً كبيراً من الدول الأخرى تنتج سلعاً بتكاليف أقل بكثير عما هو ممكن في الولايات المتحدة أو اليابان، فالعمال الكوريون مثلاً يعملون بمعدل 7 أيام في الأسبوع ( ويتوقفون عن العمل مدة يومين سنوياً ) وبمتوسط 12 ساعة في اليوم، وذلك بقصد إنتاج أجهزة فيديو منزلية تباع في الولايات المتحدة وتبلغ رواتبهم السنوية 3000 دولار فقط. ومن الواضح أن المنتجين الأمريكان لا يستطيعون التنافس مع تكاليف هذه العمالة، ومن ثم عليهم أن يجدوا طرقاً أخرى؛ حتى يرفعوا مستوى الإنتاجية.
وثمة إستراتيجية شاملة وضعها أحد المتفائلين تقوم على تجميع خط عالمي تقوم فيه الولايات المتحدة بتوفير المعرفة والتقنية في حين توفر البلدان الأخرى الأيدي العاملة قليلة الأجور وقليلة المهارة وقد بدأت دول أخرى وخاصة اليابان تدرك أن مستقبلها أيضاً يتوقف على إنتاج المعرفة والتقنية لبلدان يسود فيها انخفاض الأيدي العاملة، ولذلك بدأت تدخل مناطق كانت في السابق تحت سيطرة الولايات المتحدة.
وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب في التنافس فإن أحد البدائل غير المرغوبة هو خفض مستوى معيشة العمال بالمهارات المتواضعة.
وسمة بديل آخر أكثر واقعية، يتمثل في تدريب العمال ذوي المهارات والتعليم العاليين ودعمهم بأفضل الوسائل والتقنية، والوقت الأساسي المطلوب لاستثمار هؤلاء الأفراد هو وقت مهم، إذ يفضي إلى فاعلية حقيقية.
وثمة سبب آخر لميزاننا التجاري المتدهور هو إهمالنا العام للقضايا والمسائل الدولية. فمع أن معظم الشعب الأمريكي يفهمون أهمية الدفاع العسكري القوي والسياسات الخارجية التي يقوم عليها السلام العالمي لا يعلم العديد منهم بشكل واضح أي شيء عن الظروف الجغرافية والتاريخية والثقافية للبلدان الأخرى. ويتعين إعداد الطلاب الأمريكان على أن يعيشوا يفكرون بلغة الاقتصاد العالمي وأن يدركوا الحاجة مع البلدان الأخرى، وعليهم أن يتعلموا النظر إلى الأوضاع من خلال منظور تأريخ وثقافة يختلف عن تأريخنا وثقافتنا. ويجب أن يضم المنهج لغة ثانية الجميع الطلاب، وعليهم أن يتعلموا التاريخ العالمي والجغرافيا العالمية وشيئاً من الثقافة على أنها إطار أساسي لفهم قطاعات المعرفة كافة.
نماذج العمالة:
خلال عقدي الخمسينيات والستينيات كان الاقتصاد الأمريكي يتسم بالاستقرار نسبياً غير أنه تعرض لحقبة من الركود بدأت عند منتصف السبعينيات، ثم امتدت بعد ذلك مدة انتعاش قصيرة المدى تلك التي حدثت في عقد الثمانينيات، وبالرغم من أن استمرار النمو الاقتصادي كان أمراً متوقعاً مع أنه كان أكثر بطئاً من ذي قبل إلا أن الهزات التي تعرض لها الاقتصاد أدت إلى إيجاد نماذج من التغيير تمثل انحرافاً واضحاً عن الوضع الاقتصادي في الماضي.
وكان أهم هذه التغيرات هو نمو المؤسسات التجارية الصغيرة، فما يقدر بنحو 640 ألف مؤسسة صغيرة قد بدأت تشق طريقها عام 1984 ، وهذا يفوق عدد المؤسسات التجارية التي أغلقت أبوابها بنسبة كبيرة، إذ كانت النسبة بينهما هي 1-20.. ويمكن مقارنة ذلك مع عدد المؤسسات التجارية التي بدأت تعمل في 1980 حيث بلغت 50 ألف مؤسسة.
إن نمو المؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة كان وراءه عدد من العوامل منها التغيرات التقنية التي لم تكن بحاجة لتكاليف مالية كبيرة وظهور صناعة الخدمات التي لم تكن هي الأخرى بحاجة على أي مبالغ مالية كبيرة، وأخيراً استهداف الأسواق المتخصصة، بالإضافة إلى رغبة الكثير من الناس في الاستقلالية والعمل لحسابهم الخاص.
وتقدم هذه المؤسسات العديد من الخدمات والمنتجات الجديدة، كما أنها توفر الوظائف للعديد من الأفراد. إلا أن هذه المؤسسات تعرضت مع مرور الوقت لدرجة عالية من الإخفاق. فلعل هذا يشير بوضوح للحاجة إلى إعداد أفراد يتوافر لهم فهم أفضل عن العالم التجاري لمعرفة المهارات والكفاءات المطلوبة لإدارة الأعمال.
الاتجاه الثاني في مجال تشغيل العمال كان يتمثل في استقطاب الوظائف بدفع رواتب عالية لذوي المهارة العالية ورواتب متدنية لذوي المهارة الدنيا. أما الوظائف التي كانت بحاجة إلى مهارات متوسطة ومن ثم تدفع لأصحابها رواتب متوسطة فكانت نادرة، وذلك بسبب عمليات خفض الإنتاج إلى مستوى سابق خاصة في صناعتي الحديد والسيارات. بالإضافة إلى الاستخدام الأوسع للآلة للقيام بوظائف المراقبة ومتابعة الإدارة المتوسطة، وكذالك التطوير العام في الوظائف من دون أن يصاحب ذلك أي زيادة مقابلة في الرواتب.
وفي عقد الثمانينيات زادت مستويات البطالة من 6 إلى 96% مع استقرارها في الوقت الراهن عند معدل %79% تقريباً. وقد انخفض هذا المعدل إلى حد ما بسبب العدد المتزايد من العمال غير المتفرغين، في حين أن بعض الأعمال التي تقوم على أساس عدم التفرغ قد تكون دليلاً على إنجاز العامل إلا أن قدراً كبيراً ينتج عن الحاجة إلى وظائف على أساس التفرغ.
إن البطالة تؤثر على كل من الأقليات والنساء على نحو غير متكافئ بالنسبة لأفراد المجتمع الآخرين، ففي عام 1980 بلغ معدل البطالة عند الرجال السود 12.4% وعند النساء السود 11.9% وعند الرجال البيض 5.3 وعند النساء البيض 191965.6). وينتج عن عدم تكافؤ معدلات البطالة عن التمييز العنصري، والتدريب والمهارات غير الكافية، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من المشكلات الاجتماعية مثل النقل، ورعاية الأطفال. والوصول إلى أماكن التدريب، وما إلى ذلك.
ومع أن الجهود التي بذلت خلال الستينيات والسبعينيات للتغلب على التمييز العنصري قد أدت إلى تقدم ملحوظ لدى العديد من أفراد الشعب الأمريكي، إلا أنه لا يزال الشكل العام غير مشجع. فالصراعات الناتجة عن فرض قوانين الحقوق المدنية واستمرار التمثيل الضعيف للأقليات في برامج العلوم والتقنية، وانخفاض عدد طلاب الأقليات المسجلين في الجامعات والصورة الاجتماعية المعكوسة استمرت جميعها في الحد من الفرص لقطاع كبير من أفراد المجتمع في الحصول على العمل المناسب أو حتى الحصول على أي عمل.
تركيبة القوى العاملة:
بعد دخول المرأة على نطاق واسع ضمن القوى العاملة بأجر من أعظم تغيرات هذا القرن، ففي عام 1982 تم تشغيل ما نسبته %53% من النساء بالمقارنة مع 38% تم تشغيلهم من إجمالي عدد النساء في عام 1960 فكانت النساء اللواتي التحقن بالقوى العاملة أمهات الأطفال من دون سن السادسة، في حين بلغت نسبة النساء اللواتي لهن أطفال من دون سن السادسة في عام 1970م %28. كما أن 45% من هؤلاء النسوة كن يعملن . في عام 1982 (راجع الشكل 31).
