دربي
ولدت في ليدز شمال إنكلترا، حيث كان والدي ووالدتي قد اشتريا منزلاً صغيراً ضمن صف من البيوت يقع على طريق ضيق قبالة صف آخر من المنازل الشبيهة به تماماً. وبعد ثلاث سنوات، انتقلت عائلتنا إلى أثيوبيا ثم إلى زيمبابوي عندما كنت في السادسة من العمر. في ذلك الوقت، أصبح لي شقيق وشقيقة صغيرة ممتلئة الجسم، أحببتها كثيراً، عشنا في منزل جميل في إحدى ضواحي هراري التي تنخفض فيها الكثافة السكانية. مع حوض سباحة وفدانين من الأزهار، وحديقة خضراوات وأشجار موز. خلال الثماني عشرة سنة الأولى من حياتي عشت مثل أي شابة أخرى أعرفها من الطبقة الوسطى في زيمبابوي.
التحقت بمدرسة بنات في هراري، وكنت أرتدي سترة موحدة وأعتمر قبعة من القماش، وترأست البنات عندما أصبحت في الصف السادس. بذل والدي ووالدتي جهدهما لتعلمينا جذورنا الأسكتلندية، تلك التي تعود إلى قبيلة الزولو، وثقافتنا الجنوب إفريقية، وأن نقدر ما نحن عليه ومن أين جئنا. لم يرسلانا أبداً إلى مدارس خاصة استعمارية الأسلوب، وتعلمنا الرقصات الزيمبابوية التقليدية، وغالباً ما كنا نشد و بأغان مناهضة للتمييز العنصري في أثناء سيرنا إلى المدرسة وبالفعل، كنا ناشطين سياسياً منذ عمر مبكر، وعندما أصبحنا أكبر سناً، غالباً ما كانت الرغبة بالتوافق مع الأنداد ومحاكاة ما تراه على التلفاز تطفى على أفضل نوايا أهلنا.
استمتعت بدراستي كثيراً وفزت دورياً بجوائز أكاديمية، فنية، وفي مجالي الخطابة والمسرح في نهاية كل سنة، كنت فتاة منطلقة وواثقة من نفسي، مفعمة بالحياة والأفكار، نشيطة، وأقوم بتطوير مشاريع جديدة دائماً، على أي حال، إلى جانب شخصيتي المدرسية المتميزة، كنت فتاة حفلات أيضاً، كما كانت حال جميع أصدقائي آنذاك، عشنا جميعاً حياة مزدوجة إذا صح القول، وتفوق الكثيرون منا في المدرسة برغم ظهورنا المستمر في حفلات هراري. لم تكن مثلنا العليا مؤلفين كباراً أو مفكرين يدعون للمساواة بين الجنسين، برغم حصولنا فعلاً على اشتراك في مجلة كوزموبوليتان Cosmopolitan الداعية إلى المساواة ولم يكن مثلنا الأعلى كذلك بطلات كفاح التحرير الزيمبابوي المدعوات شيمورينغا Chimurenga. كانت مثلنا العليا الممثلات والمغنيات الأمريكيات وضمنهن فرق الفتيات ت- إل سي TLC وسالت - إن بيبا Salt-N-Pepa
وجاء توجيهنا الأخلاقي من أروب R'n'B، موسيقى الراغا و «فرق الراب - لم يكن بالتوجيه المهم كما سيخبركم أي شخص استمع مرة إلى تولايف كرو 2 Live Crew ، سنوب دوغي دوغ Snoop Doggy Dogg أو شابا رانكس Shabba Ranks في الواقع العادات الجنسية والأعراف الاجتماعية لغالبية شباب هراري الباردين، كانت مستوردة بالكامل من الشواطئ الغربية كنا مثل الشباب في الكثير من الأماكن، مرتاحي البال ولا شيء يؤرقنا، أرتعش دائماً عندما أفكر في عدد المرات التي اقتربنا فيها من الخطر نظراً لأسلوب حياتنا وافتقارنا إلى الحذر. كنا مهملين فيما يخص الشراب والقيادة، مخمورين البقاء مع غرباء، الخروج وحدنا ليلاً دون نقود، تحت رحمة شباب حمقى مثلنا الإصابة بفيروس الزهري، فيروس إتش - أي في ( المسبب المرض الإيدز)، الحمل المبكر، الإجهاض: سم ما شئت، فقد كنا قريبين من كل ذلك. على أي حال، مرت سنوات مراهقتي بسلام دون أن أصاب بأذى، وفي جعبتي علامات جيدة في الامتحانات الم يكن كل أصدقائي محظوظين بذلك القدر.
بخلاف غالبية الزيمبابويين، نشأت في أسرة غير متدينة. كانت والدتي، وهي امرأة بارعة الجمال من الزولو، قد ولدت ونشأت نصرانية لكنها عاشت حياة مدنية صاحية في جوهانسبرغ، وعملت ممرضة فيما كانت تحصد جوائز الجمال وبطولات الرقص خالفت والدتي التقاليد وقوانين التمييز العنصري) ، ووقعت في حب والدي الجنوب إفريقي الأبيض، برغم تلقين والدي أنه صاحب امتياز ومتفوق على ما سواه في مدارس خاصة بالبيض، إلا أنه رفض المعيار العنصري لنظام الفصل واحتضن الكفاح المناهض له في المسرح الثابت الجذور، في حال كان هناك إفريقي أبيض، سيكون هوا كان والدي ماركسياً ملتزماً وسفسطائياً شخص يقول: إنه لا يمكن معرفة شيء عن الله ) في ذلك. لهذا، عندما كنا أطفالاً، قيل لنا: إن الإنجيل مليء بحكايات الجان، وقد صدقنا ذلك. على أي حال، كنت أشدو التراتيل وأتلو صلوات للرب مثل كل الأطفال الآخرين، برغم أنها لم تكن تعني شيئاً لي.
في سنتي الأخيرة في المدرسة الثانوية، قررت التقدم بطلب للحصول على مقعد جامعي في لندن. كنت مصممة على الخروج من زيمبابوي لم أكن أريد الوقوع في مصيدة التفكير بأن حياة المدينة في هراري هي كل شيء وأن نادي سيركس ( السيرك ) الليلي هو أفضل مكان على وجه الكوكب. لهذا تقدمت بطلب وتم قبولي في إحدى كليات جامعة لندن.
كل ما كان علي فعله هو الحصول على المال اللازم لإيصالي إلى هناك بعد نحو ثمانية شهور من العمل في صناعة السفر والغناء في فرق محلية ناجحة ادخرت ما يكفي من المال لشراء التذكرة وقضاء الشهور الأولى في لندن. وهكذا، غادرت هراري لدراسة الفرنسية علم السياسة والاقتصاد في لندن. هناك التقيت المجموعة الأولى من صديقاتي المقربات، وبدأت اكتشاف المعنى الحقيقي للصداقة بين النساء. قرأنا معاً، عملنا معاً. أكلنا معاً واحتفلنا معاً. استكشفنا فرانتز فانون، أليس وكر وديكارت أحنينا رؤوسنا احتراماً لطاقم عمل بوف دادي، ماكسويل وإيريكا بادو. تركنا شعرنا ينمو بشكل طبيعي، دون مواد كيميائية، وعقصناه وجد لناه ولففناه بأسلوب إفريقي. تكلمنا حول قضايا سوداء ( أضحت وجهات نظرنا حولها أكثر حدة، حول حالة العالم، حول عائلاتنا وماضينا، كانت دائرتي الاجتماعية مكونة من مجموعة من الشابات السوداوات الجميلات الواثقات من أنفسهن اللواتي يتابعن تعليمهن، ويستمتعن بالحياة، على قمة العالم، أو هذا ما كنت أعتقده.
خلال صيف سنتي الأولى في الجامعة، قمت برحلة غيرت حياتي إلى الأبد. بدأ كل شيء مع دعوة بريئة للمشاركة في مهرجان موسيقي في مصر لتمثيل زيمبابوي، إلى جانب أحد أصدقائي الموسيقيين الذي كان مغنياً محترفاً وعازف مبيرا ( أداة موسيقية زيمبابوية). برغم أنني لم أكن موسيقية محترفة، إلا أنني كنت أستطيع الغناء والضرب على الطبل الإفريقي نغوما إضافة إلى إجادة العديد من الرقصات الزيمبابوية التقليدية.
كانت مصر حارة وتضج بالضوضاء، وتنشط فيها الحركة في ظلال من الرمال وضوء الشمس بالطبع، زرنا الأهرامات، والمتاحف والأسواق كما يفعل كل السياح، لكني أتذكر أيضاً اهتمامي الشديد بالنساء اللواتي يضمن غطاء الرأس الحجاب، أينما ذهبنا ، وبكل صراحة، شعرت بالخوف ثارت كل غرائز المساواة الناشئة داخلي ضد فكرة قيام المرأة بتغطية نفسها، اعتقدت أنه رمز لاضطهاد المرأة، وهيمنة الرجل. لكن على الأغلب، كنت أعتقد أنه يجعلهن يبدون قبيحات. عادة، عندما نشاهد أشياء غريبة عنا نستند في آرائنا إلى تجاربنا ومعرفتنا، نادراً ما نتغاضي في الواقع عن ملاحظاتنا وتحاول فهم ما نراه من خلال عيون أولئك الذين يعيشونه. لسبب ما ، تجرأت في تلك الرحلة على طرح أسئلة حول ما كان يبدو مبهماً بالنسبة لي.
في إحدى الأمسيات، كنا نقيم حفلة موسيقية في قرية خارج المدينة، بعد أن انتهينا، أتذكر أنني شاهدت شابة، زوجة المنظم، وكانت ترتدي غطاء رأس - حجاب - بلون الكريم. كان يؤطر وجهها ثم يلتف في طيات فوق عنقها وصدرها. نظرت إلى وجهها، كانت جميلة. بدا لي أن وجهها يشع ألقاً، ونوعاً ما وبطريقة ما كان الحجاب يبرز ذلك. كنت مأخوذة للغاية بذلك المنظر، لدرجة أنني توقفت للحديث إليها. بعد تبادل الدعايات طرحت عليها سؤالاً كان يشغل ذهني منذ وصلت إلى القاهرة: لماذا تغطين نفسك ؟ إنك جميلة للغاية، حتى يومنا هذا، ترن إجابتها الواضحة والبسيطة في ذاكرتي.
قالت: لأنني أريد أن يحكم الناس علي بما أقوله وأفعله، وليس بما أبدو عليه.
بووم!
منذ وعيت على هذه الدنيا وأنا أهتم بمظهري، ليس لأنني جميلة على وجه الخصوص ( برغم أن أصدقائي وعائلتي سيشهدون على غروري ) ، لكن بسبب رد فعل الناس تجاهي خلال سنوات مراهقتي، كنت أنا وصديقاتي مرتاحات تماماً للفكرة القائلة إن مظهرنا الخارجي ميزة لنا، وتستطيع السيطرة على الرجال بهذه الطريقة. في ذلك العالم، تعرف كل امرأة الخدعة: عندما تذهبين إلى مقابلة عمل، تأكدي أن يكون مظهرك على أحسن ما يرام، وإذا كان من تقابلينه رجلاً ، فربما ينبغي عليك أن تكشفي ساقك قليلاً ، تضحكين على دعاباته، تمدين شفتيك قليلاً : ليدعوك إلى الغداء، على ذلك النوع من الأشياء تنشأ معظم النساء وهن يعرفن تلك الخدع ويستعملتها بوعي أو عن غير إدراك.
في تلك الليلة في القرية المصرية، عندما قالت لي المرأة الفاتنة: إنها غير مهتمة بأن يحكم الآخرون على مظهرها ، وإنما على ما تقوله وتفكر فيه، كان علي التوقف قليلاً وتسجيل ملاحظة ما الذي كانت تعنيه؟ هل تريد إزالة المظاهر الجسدية من المعادلة؟ لم أشعر سوى بالإعجاب تجاه تلك المرأة. أخذت أفكر في الإسلام الذي يجعل المرأة قوية جداً لدرجة أنها لا تبذل كل ما بوسعها للفت انتباه الرجال، ولا تحتاج إلى نظرات الإعجاب تلك لتشعر بأنها جذابة، ولا تعرض نفسها لمجرد أن باقي العالم يفعل ذلك؟ أثرت هذه الأسئلة بي بعمق، بدأت التفكير في حياتي، في الصورة التي أكونها عن نفسي وكيف أريد أن أكبر وأتطور. سألت نفسي ما إذا كنت أتحلى بالشجاعة، الثقة، والتقدير الذاتي للمضي قدماً بشخصيتي وتفكيري فقط.
هذا ما كان، وبدأت في تلك الرحلة المصيرية إلى مصر في صيف 1998 التفكير حول الإسلام، ودارت عجلة التغيير. وبدا أن الحديث مع تلك المرأة الجميلة التي أثارت إعجابي بقوة شخصيتها قد فتح عيني. فجأة، بدأت أشاهد التقوى في كل مكان حولي، في المساجد في الشوارع، وفي كل مكان. في ذلك الوقت، بدأت أهتم بكلمات التقوى، التي تلفظ بالعربية: «بسم الله»، «الحمد لله»، «إن شاء الله ما شاء الله.. شعرت في الوقت نفسه بالدهشة والفضول: لأنني أدركت فجأة أن لدي جانباً روحياً لم يسبق لي استكشافه من قبل. شعرت بالقلق لأنني لم أكن أعرف الكثير عن أحد أعظم أديان العالم. كنت ممتلئة بالنصرانية، ولم تحرك كل دروس الثقافة الدينية التي حضرتها في المدرسة مشاعري، وعلقت ذكرى قراءة الإنجيل وصور المستعمرين حاملي البنادق في ذهني بشكل لا يمكن طمسه.
كان شبه مستحيل بالنسبة لي فصل النصرانية عن كل عواملها الثقافية وعن الإمبريالية التي نقلتها إلى إفريقية، نتج عن ترعرعنا في زيمبابوي إحدى دول المواجهة التي تحد جنوب إفريقية التمييز العنصري، موزامبيق التي تعصف بها النزاعات أنغولا وناميبيا، معرفتنا العميقة بالطريقة التي يتم بها استعمال النصرانية ستارة لحجب الأنظار عن سرقة أرضنا بشكل كامل، برغم أن ذلك لم يمنع ( وما زال لا يمنع غالبية الجنوب إفريقيين من التشبث بإيمانهم، إلا أنه كان يزعجني، ازداد هذا القلق باعتناقي لفكرة السود والأفارقة في الجامعة، التحول إلى النصرانية يماثل التخلي عن كل شيء. لكن الإسلام كان جديداً تماماً بالنسبة لي. ولا أعرف شيئاً أبداً عن تاريخه. بدأت أطرح أسئلة حول الإيمان ما يؤمن به المسلمون، ما يفعلونه وما يمتنعون عنه، عقدت العزم على قراءة القرآن لدى عودتي إلى لندن، والإنجيل أيضاً، شعرت أنني أريد منح النصرانية فرصة أخرى.
تركت مصر مصدومة: لقائي بالإيمان الإسلامي أثر بي حتى النخاع. لم أستطع وضع إصبعي على ما أثارني إلى ذلك الحد، لكن مهما كان السبب فقد تحول إلى تساؤل عن كل تلك الافتراضات والتوقعات القائمة منذ أمد طويل حول طموحاتي المستقبلية. ما هو هدف حياتي؟ هل سأتخرج في الجامعة وأحصل على عمل مرموق، وأعمل من التاسعة حتى التاسعة؟ هل سأنفق مالي على الملابس والأثاث المنزلي، وأزور زيمبابوي كل سنة؟ هل سأعود في النهاية إلى هناك، أتزوج من رجل محلي، وأعيش في ضاحية راقية مع خادمة، طاه وبستاني، بعيداً عن عامة الشعب - بوفو؟ هل سأنتظر حتى أبلغ الثلاثين من العمر لأنجب أطفالاً، وأتأكد من التحاقهم بأفضل المدارس الخاصة الاستعمارية الأسلوب وأصطحبهم في رحلات ما وراء البحار كل سنة؟ في الجوهر، هل سأعيش الحياة التي اخترتها خلال سنوات مراهقتي الحياة التي كان يصبو إليها كل الزيمبابويين الشباب في دائرتي الاجتماعية بشكل ما ، كل ما رأيته وسمعته في مصر أيقظ شيئاً ما في داخلي، توقاً إلى استشراف الوجهة، إلى العمق والجوهر، اشتياقاً إلى شيء أكثر من مجرد وجود مبتذل كنت أخطط له للمرة الأولى، بدأت أتساءل حول العالم وموقعي فيه بدأت أتساءل حول معنى الحياة؟
لدى عودتي إلى لندن، كنت مقتنعة آنذاك بأنني أريد منح موضوع اللباس المحتشم فرصة لهذا غطيت رأسي، كما كانت تفعل المغنية إيريكا بادو في تلك السنة، وارتديت ملابس فضفاضة، قمصان مغلقة عند الصدر وسراويل واسعة ذات ألوان هادئة، إضافة إلى ذلك، كنت أتأكد دائماً من ارتداء معطف عندما أرتدي سروالاً ضيقاً، لم يمر تحولي من مغنية ملهى إلى «أخت إفريقية، مرور الكرام في الحرم الجامعي، كانت إحدى الشائعات التي وصلتني أنني قد انضممت إلى فرقة دينية وأن علي وضع غطاء الرأس طيلة الوقت على أي حال، لم تزعجني تلك الشائعات لأن غرائزي كانت توحي إلي بأنني أقوم بالعمل الصحيح، بغض النظر عن الاستنتاجات المتطرفة التي قد يقفز إليها بعضهم.
اشتريت نسخة من القرآن مترجمة من قبل مارمادوك بيكتهول المؤلف الإنكليزي الذي اعتنق الإسلام في بداية القرن العشرين لخوفي الشديد لم أستطع استيعاب معانيه العظيمة، بغض النظر عن دروس الثقافة الدينية في المدرسة، إلا أنني نشأت خارج تقاليد الكتاب المقدس ولم أكن أشعر بأنني على صلة جيدة بقصص الأنبياء وشعوب الماضي، وبما أنني لم أكن أستطيع قراءة العربية في ذلك الوقت، فقد كان علي تدير أموري مع النسخة الإنكليزية التي سيخبركم أي شخص بأنها مجرد ترجمة سيئة، لم يشرح لي أحد مصادرها ، لم أكن أعرف كيف خرجت إلى الوجود بشكلها الحالي، وما إذا كانت الوحي الأصلي نفسه أو أن شخصاً ما، مثل النبي محمد ﷺ أو أصحابه، قد كتبوها بأنفسهم. كنت أعتقد أنه يشبه الإنجيل كثيراً، وأنه لذلك يحتوي على بعض القصص نفسها التي وضعها رجال مختلفون عبر مر السنين. في الحقيقة، لم تكن ردة فعلي الأولية موقرة وكانت نسختي الأولى مليئة بالخطوط تحت الكلمات، علامات الاستفهام والتعجب. كانت هناك بعض المفاهيم التي لم أستطع استيعابها في ذلك الوقت، والتي بدأت أفهمها فقط عندما عرفت المزيد عن القرآن.
لكن كان هناك جوانب من الشريعة القرآنية فهمتها بسهولة. استطعت رؤية الجمال والحكمة في إقامة الصلاة خمس مرات يومياً. كان ذلك يعني أن أول عمل يقوم به المرء في اليوم هو العبادة صلاة الفجر، كما أن آخر عمل هو صلاة العشاء، ما بين هاتين الصلاتين، تأتي الصلوات الثلاث الأخريات صلاة الظهر وقت الغداء تقريباً، صلاة العصر في منتصف المدة بعد الظهر، وصلاة المغرب التي تقام عندما تصبغ الشمس الغيوم باللون الأحمر الداكن عند المغيب. تعد هذه الصلوات الخمس تذكيراً مستمراً بالرب، وفرصة لتجديد علاقة المرء بالمولى عز وجل.
كانت هناك قوانين أخرى بدت معقولة بالنسبة لي أيضاً، برغم أنني كنت معروفة مع صديقاتي بانغماسنا في شرب الخمر بين الفينة والأخرى. إلا أنه لم تكن لدي مشكلة في قبول تحريم الكحول والمسكرات الأخرى. هناك حقيقة معروفة تماماً بأن رجال زيمبابوي يحبون جعتهم، وقد شاهدت خلال طفولتي ومراهقتي بأم عيني آثار إدمان الكحول، تبذير النقود، والعنف والاختلاط غير الشرعي والعواقب المدمرة التي ترافق الشرب بشكل مفرط في التجمعات الإفريقية، لكن أي شخص في أي مكان في العالم عاقر تلك الجعة البغيضة حتى خرجت رائحتها من أنفاسه، لا بد أن يكون قد شعر بآثار الإسراف في الشراب، واختبر التقيؤ الذي يثير الغثيان، وشاهد الألم المثير للشجن الناتج عن الحاجة للكحول أو عاني من عواقب ثمالة بعض المرح وسيفهم، قليلاً على الأقل. الطريقة التي يحط بها الكحول من كرامة البشر. على الرغم من أن هذه السيناريوهات لا ترافق كل المغامرين (المبتلين) باحتساء الكحول، إلا أن إمكانية الوصول إلى ذلك كانت كافية لإقناعي بحكمة الابتعاد عنها تماماً.
على أي حال، تطلب الأمر مفاجأة بشعة حتى أتوقف عن تناول لحم الخنزير، كنت قد اشتريت مع زميلتي في السكن بعضاً منه، ووضعناه في الثلاجة، ما أثار اشمئزازنا الشديد أننا عندما أخرجناه من الثلاجة النطهوه في اليوم اللاحق، كانت قطعة اللحم الشاحبة اللون مليئة بالديدان. كان ذلك كافياً بالنسبة لي، حتى أقسم على عدم تناول لحم الخنزير طيلة حياتي لغاية يومنا هذا ، حتى الكلمة نفسها تجعلني أشعر بالغثيان.
بالنسبة لي، توصية الرجال والنساء بالتواضع ومعاملة بعضهم باحترام كانت تعني وضع حد لاهتمام الرجال غير المرغوب فيه، صيحات الاستهجان، صغير التحرش الغمز واللمز والتحرش الجنسي، كان يعني أيضاً وضع حد للسعي وراء الحصول على موافقة الذكور على مظهري أو ملابسي. كان ذلك يعني تغيير نوعية ملابسي وكيفية تفاعلي مع الرجال والمحافظة على مسافة معينة بينهم وبيني كانت تلك طريقة جديدة في الحياة، وطريقة جديدة في النظر إلى العالم، كان ذلك يعني أنني صاحبة القول الفصل أشاطر من نفسي قدر ما أراه مناسباً ، لا أكثر - ليس هناك رجل لديه حق علي. ماذا عساي أقول؟ كان ذلك يمنحني السلطة.
لهذا، ببطء لكن بثبات، كانت حياتي تتغير، على أي حال، لم أكن مقتنعة بأنني أحتاج لاعتناق الإسلام فعلاً حتى أعيش على الطريقة الإسلامية. كنت أعتقد أنني سأستمر فقط في تغيير بعض الأشياء هنا وهناك والحفاظ في الوقت نفسه على أسلوب حياتي وأهدا في الشخصية. وكنت ما أزال أدين بالولاء لـ إخوتي وأخواتي السود أكثر مما أدين به للمسلمين الذين التقيت بهم. بالفعل، برغم أنني كنت منجذبة نحو الإسلام، إلا أن المسلمين كانوا ما يزالون غامضين بالنسبة لي، كانت جامعتي تقع في مايل - إند، على الطريق بين وايتشابل وبريك - لين الذائعة ( السيئة الصيت الآن، ويقطن تلك المنطقة كثافة سكانية كبيرة من الأسيويين، معظمهم مسلمون كانوا في كل مكان حولنا هناك - في المنازل المنفصلة والمتصلة، ومحال بيع الدجاج ورقائق البطاطا والمساجد، غالباً ما كنت أرى الرجال، المتجهمين ذوي اللحى الشائبة والبيضاء، يمشون عاقدي العزم نحو منزل صغير قرب الحرم الجامعي يستعملونه مسجداً - مسجداً، كما علمت لاحقاً، لا مكان فيه للنساء لتأدية الصلاة. برغم أن النساء يتمتعن بخيار الصلاة إما في البيت أو المسجد، إلا أن بعض المساجد التقليدية لم تكن تفسح المجال للنساء باعتماد أحد الخيارين بأنفسهن.
كان معظم المسلمين هناك بفغالاً وكنت أرى النساء أيضاً، اللواتي يرتدين فساتين (ساري) تلوح من تحت عباءاتهن السوداء، ويضعن أوشحة غير ثابتة على رؤوسهن، وشفاههن وأسنانهن مصبوغة بلون برتقالي داكن نتيجة تناولهن جوز نخل التنبول ( فوفل) الذي يحيين مضغه، ثم كان هناك الفتيات الصغيرات المشرقات الوجه، بأوشحتهن المزركشة وملابسهن النسائية الطراز السروال والقميص، والفتيان الصغار، التحيلون بشعرهم المصنف وهواتفهم المحمولة المنتشرة في كل مكان شاهدت كل أولئك الناس، أولئك المسلمين، وعرفت أنهم يؤمنون بالله وأنهم دون شك يقرؤون القرآن نفسه الذي أحاول جاهدة قراءته كل يوم. وبرغم ذلك، لم أشعر بأي صلة نحوهم على الإطلاق، لم أر نفسي في عيونهم. ولهذا بقيت بعيدة.
انتهت عزلتي الدينية عندما شاهدت فتاة من الجامعة كانت أقدم مني بسنة، كان اسمها ساندرا، وكنت أحاول جعلها تنتسب إلى الجمعية الكاريبية - الإفريقية منذ وقت طويل. على أي حال، كانت صديقتها الحميمة هناء عربية مسلمة من والد مصري وأم من زنجبار، أتذكر أنها كانت تعترض دائماً على ما تعده الإقصاء والتمييز العنصري الذي تمارسه الجمعية، لهذا تخليت تماماً عن محاولة ضم كلتيهما . لكن، يوماً ما، كنت أسير عبر مطعم الجامعة ووقع بصري على ساندرا، التي كانت تجلس مع مجموعة من الأصدقاء، كانوا جميعاً يبدون متشابهين، عدا تلك النظرة الغريبة على وجه ساندرا والوشاح الذي كانت تلفه حول رأسها. كان واحداً من تلك الحجابات المزركشة المفضلة لدى البنغاليات، لكنها كانت تلفه حول رأسها بدلاً من تركه ينسدل ليغطي عنقها وصدرها. كانت تبدو مختلفة تماماً. سألت نفسي ما الذي فعلته؟ كنت مهتمة جداً بذلك، حتى إنني لم أستطع مقاومة الرغبة الذهاب إليها وسؤالها حول مظهرها الجديد أخبرتني عندها بأنها نطقت بالشهادة في عطلة نهاية ذلك الأسبوع، لقد نطقت بشهادة الإيمان الإسلامي:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
كانت مسلمة آنذاك، شعرت الصدمة والحسد في الوقت نفسه، كانت تبدو سعيدة جداً، كما لو أنها أدركت أنها فعلت شيئاً مهماً وذا معنى، وأن ما قامت به هو الصواب. لقد خطت خطوة شجاعة، خطوة كنت خائفة جداً من الإقدام عليها .
تمالكت نفسي لأقول: حسناً، أنت أكثر شجاعة مني. ثم أخبرتها عن خطواتي المترددة نحو الإسلام وعن تحفظاتي، سألتني في ذلك الوقت ما إذا كنت أرغب في المجيء إلى غرفتها في المدينة الجامعية، وتعليمها كيفية ربط غطاء الرأس؟ كنت سعيدة لقبول ذلك. في اليوم اللاحق، ذهبت مع بعض الأشياء، بينها قطعة قماش ذهبية جميلة مقلمة بالأحمر من مصر. قطعة من النسيج الأسود السميك الممتازة لوضع حجاب، ثابت وقطعة من القماش الشفاف الأزرق الداكن، وفي تلك الليلة، فيما كنا نحاول القيام بذلك، وبين عقد الحجاب والقيام بعدة محاولات فاشلة، بدأت عرى الصداقة تتوثق بيننا، صداقة كانت ستغير حياتي إلى الأبد.
فجأة، كان لدي شخص يشاركني اهتمامي بالإسلام، أناقشه وأتجادل معه في تفاصيل الإيمان، وقد استسفت ذلك. وفيما بدأ اهتمامي بكل الأمور الإسلامية يزداد، بدأ شغفي بـ قضايا السود يتضاءل لم نكن نناقش قضايا جدية حقاً في اجتماعات الجمعية الكاريبية - الإفريقية، وأصابني الإحباط خاصة من الطريقة المتكررة التي تناقش بها الموضوعات نفسها. سنة بعد أخرى. وفيما استمرت النقاشات القديمة نفسها حول الهوية الإفريقية مقارنة بالكاريبية، ومخاطر العلاقات بين السود والبيض والأغاني المناهضة للنساء وتلك التي تحض على العنف في رفع حرارة اجتماعاتنا، بدأ قلبي يشعر بالاستياء بشكل غريب، بدا كل ذلك سطحياً جداً، ولا معنى له، هل كانت تلك حقاً أهم القضايا التي تواجهنا بصفتنا بشراً؟ قادني اهتمامي المتزايد بالإسلام إلى رؤية وجهة نظر مختلفة تماماً عن العالم، وإلى فهم جديد لهدف وجود البشر، ووجدت من الصعوبة بمكان أن أتجاهل كل ما كنت أعرفه أنذاك. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لي عندما نظمت الجمعية عرضاً للفيلم الجامايكي ملكة الرقص ضمن أمسية ثقافية.
شعرت عندما جلست في القاعة المظلمة، أستمع إلى موسيقى الراغا تصدح من حولي، وأنظر إلى الأجساد التي تتلوى على خشبة المسرح والسيقان المنفرجة، المكسوة بالكاد والأحذية التي تصل إلى الفخذين بأنني بعيدة جداً، ومنعزلة تماماً عما يجري، فكرت في قرارة نفسي بأنني لا أريد الاستمرار على المنوال نفسه، وأنني لم أعد أنتمي إلى ذلك المكان.
لهذا نهضت غادرت القاعة وذهبت إلى مصلى الطلاب في الجانب الآخر من الحرم الجامعي، كنت بحاجة للوجود مع أشخاص آخرين يكونون على الموجة نفسها معي كنت بحاجة إلى صحبة مفيدة. كنت بحاجة إلى العمق والمعنى. كنت بحاجة إلى غذاء الروح أدركت وقتها أنني لم أعد أرتاح تماماً لشخصيتي القديمة وأن قلبي يتحول، شيئاً فشيئاً، نحو الإسلام.
لكن برغم كل اشتياق قلبي، كانت هناك أمور ينبغي أخذها في الحسبان، وأيديولوجيات وسياسات. كيف يمكنني، وأنا المرأة الإفريقية السوداء ( كما كنت أرى نفسي في ذلك الوقت، دون أن أمانع كوني من أصول مختلطة) أن أعتنق الإسلام؟ مما كنت أراه آنذاك، كان الإسلام ديناً للأسيويين والعرب بالمحصلة، كان أولئك هم المسلمين الوحيدين الذين سبق ورأيتهم من قبل، فشلت في تخيل قدرتي على التوافق مع طريقة الحياة تلك دون أن أخسر شعوري بالهوية، وملأتني فكرة اعتناق دين قد يبعدني عن عائلتي، وأصدقائي وتقاليد أسلا في بالرعب.
كانت صديقتي الجديدة، ساندرا، صبورة للغاية معي عندما كنت أثير تلك الاعتراضات. أعتقد أن جزءاً منها كان يرى الخلفية التي جئت منها، لكن جزءاً أكبر منها كان يتساءل عن سبب تشيئي الشديد بفكرة «الهوية الإفريقية، كان الأمر بالنسبة لها بسيطاً : إذا كان الإسلام هو الحقيقة فكل تلك الأشياء الأخرى ثانوية، لهذا لماذا ندعها تعترض طريق اعتناقنا ما نعرف أنه الحق؟
لكن كان لدي المزيد من الأسئلة لها. أتذكر بكل وضوح أنني صرخت يوماً ما: «ماذا إن وهبت حياتي الله وفعل بها شيئاً لا أريده؟.. بالمحصلة كان لدي خطط العمل الممتاز، المال الزفاف الكبير في الديار، الأطفال بسترات مقلمة وضفائر مجدولة، كنت وضعت كل ذلك بالحسبان لكن إذا اعتنقت الإسلام، كنت أعرف أن ذلك كله سيتغير، هل كنت مستعدة للتخلي عن طموحاتي وخططي للمستقبل؟ لا، لم أكن مستعدة لذلك التغيير، لست مستعدة للتخلي عن مستقبل مخطط بعناية ومحدد سلفاً بالماضي الذي عشته. كنت مترددة نتيجة الخوف من المجهول الخوف من عدم اليقين، الخوف من الإذعان.
بحلول ذلك الوقت بدأت العمل موظفة بديلة في شركة أحذية كبيرة في لندن التقيت هناك امرأة تتحدر من جزر الهند الغربية، وسررت عندما رأيت وجهاً أسود آخر في المكتب، ولهذا كنت ودودة معها، اكتشفت أنها متواضعة ولطيفة جداً، وتأثرت تماماً عندما أخبرتني أنها أضافت «إكس بعد اسمها بدلاً من اسم العائلة التي لم تعرفها أبداً. في الغرب، يحمل كل شخص أسود كان أسلافه أرقاء اسماً أوروبياً، هو اسم مالك أسلافهم. أو سيد الرقيق تغيرت أسماؤهم الإفريقية الأصلية الآن، التي لم تعد معروفة على الأغلب، سرعان ما اكتشفت أن عادة استبدال اسم عائلة الرقيق بحرف ، إكس هي ما يفعله مناصرو ما يدعى أمة الإسلام، تماماً كما فعل رئيسها ذو الشخصية الجذابة مالكوم إكس من قبل، لهذا عندما أخبرتني مونيكا أنها تذهب بانتظام إلى المبنى الخاص بأمة الإسلام في شيفردز بوش ودعتني لمرافقتها، كنت متلهفة للذهاب واختبار ذلك بنفسي، ربما كان ذلك ما أنتمي إليه نسخة سوداء، من الإسلام؟ لهذا. في أمسية اللقاء اللاحق، ذهبنا معاً وكانت تلك مواجهتي الأولى مع أمة الإسلام المثيرة للخلاف.
وصلنا إلى قاعة الاجتماع، كان حراس أمة الإسلام، طوال القامة عريضي المناكب ببذلاتهم وربطات أعناقهم الأنيقة على شكل فراشات هناك لاستقبالنا . ضمن جوقة من كلمات الترحيب مثل: السلام عليكم يا أخواتي السود»، «السلام عليكم يا ملكاتي السود»، قادونا إلى مقصورة في أعلى السلالم حيث تم تفتيشنا، وكانت تلك عادة متبعة نوعاً ما في اجتماعات أمة الإسلام كانت المرأة في المقصورة ترتدي ما بدا أنه لباس رسمي: فستان أزرق داكن وغطاء على رأسها ، يشبه ما ترتديه الراهبات إلى حد بعيد، والذي يغطي شعرها وينسدل خلف أذنيها حتى ظهرها. قامت بتفتيشنا، وأتذكر أن كفاءتها وجديتها أعجبتني، وهو شيء نادراً ما وجدته في منظمات السود التي عرفتها. عندما دخلنا قاعة الاجتماع كانت النساء يجلسن على صفوف المقاعد الأقرب إلى المدخل والرجال على صفوف المقاعد في الطرف الآخر من الغرفة. كان هناك ممر ضيق يفصل بينهم. كان الجميع ينظرون نحو المنصة، حيث يقف أعضاء جدد في فاكهة الإسلام، الإطار التنظيمي لكوادر أمة الإسلام، وقد باعدوا بين أقدامهم. ينظرون دون أي انفعال على الفراغ، تماماً كما فعل غيرهم في الستينيات في عهد إلياس محمد كان الرجال الآخرون يرتدون بذلات رسمية جميعاً، ويضع الكثيرون منهم ربطات عنق على شكل فراشة، وكانت النساء يرتدين أغطية رأس شبيهة تماماً بذلك الذي تضعه أول امرأة قابلناها جلست الزائرات في الصفوف الخلفية، يضعن أغطية الرأس من أجل تلك المناسبة.
بدأ الاجتماع بتحية السلام عليكم وتلاوة أول سورة من القرآن الكريم الفاتحة ما أعقب ذلك كان مزيجاً من الوعظ التبشيري ( الذي يشتهر به متحدثو أمة الإسلام) ، الحكايات الشخصية وعرضاً تقدم به أطفال مدرسة أمة الإسلام. آثار الاجتماع وما تضمنه مشاعر قوية فينا جميعاً، خاصة أولئك المهتمين بقضايا السود في الاجتماع، ذهبت ثانية بعد بضعة أسابيع، واصطحبت معي زميلتي في السكن عفوة، وزميلتي نيشل، لم تفلح الأفكار العنصرية التي أطلقها المتحدثون في إثارة اهتمام نيشل على الإطلاق، كما أنها لم تؤثر بي أو بعضوة كثيراً. لكن فقط عندما ذهبت إلى الاجتماع الثالث مع صديق مسلم، حتى بدأت الشكوك تراودني فيما إذا كانت أمة الإسلام، تناسبني حقاً. في البداية، لم أكن مقتنعة بفرضيتهم القائلة: إن كل الحضارات في العالم قامت على عاتق الرجل الأسود الأسيوي». وجدت من السخف أن تقوم حركة تدعي العمل على تعزيز مكانة السود باختيار بذلات رسمية وربطات عنق على شكل فراشة لباساً لأفرادها، كان الأمر الآخر الذي لا يصدق هو الاستعمال المتكرر لاسم «محمد» - اسم عربي بامتياز - والادعاء في الوقت نفسه بأنه لم يكن إفريقياً أو كاريبياً، وإنما من أصل أسيوي، في محطة القطارات، قال صديقنا المسلم ليس ذلك هو الإسلام الحقيقي، وبرغم أنني لم أكن أعرف الكثير في ذلك الوقت، إلا أنني أدركت أنه على حق، ومقارنة بمبادئ أمة الإسلام، كان الإسلام الحقيقي، يبدو متناسقاً، متوازناً ومنفتحاً.
بدلاً من التركيز على العلاقة بين الإنسان الأسود و الشياطين البيض مكانة السود والمشكلات الاجتماعية الأخرى التي تواجه مجتمعات السود يشدد الإسلام على العلاقة بين كل البشر وخالقهم، الإيمان، الأخلاق والعيادة، بدت هاتان الطريقتان في العيش والاعتقاد متباعدتين تماماً. ولم يكن بحثي قد انتهى بعد.
لم يفارقني الشعور بأنني قد وصلت إلى نقطة تحول في حياتي، فيما شعرت، من ناحية، أنني لا أستطيع انتقاء واختيار جوانب الإسلام التي تناسب نظرتي للعالم: عرفت من ناحية أخرى، أنني لا أستطيع العودة إلى أسلوب حياتي السابق كان الوقت قد حان بالنسبة لي لأتخذ قراراً. وقالت لي ساندرا، التي أصبحت إحدى صديقاتي المقربات بحلول ذلك الوقت: إنه ينبغي علي اتخاذ قرار أو أنني سأخاطر بالموت كافرة لأنني لست مسلمة، كنت أتعذب، لكن الأعياد النصرانية كانت على الأبواب وكنت استلمت راتبي من المتجر الذي عملت فيه بدوام جزئي. ماذا عساي أفعل؟ هل أذهب لقضاء عيد الميلاد مع عائلتي التي كانت في الولايات المتحدة؟ أو هل أذهب إلى مكان آخر يساعدني على فهم ما ينبغي علي فعله بقية حياتي؟ اخترت الخيار الأخير قررت الذهاب إلى إفريقية المسلمة، إلى غينيا، أرض الحياة المفعمة بالحيوية كما تخيلتها في ذهني بعد قراءة كتاب كامارا لين، لو إنفانت نوار L'Enfant Noir. اخترت غينيا أيضاً : لأنني عرفت أن غالبية سكانها مسلمون: ولأنني التقيت أيضاً. خلال رحلتي إلى مصر، مدير الخدمات البريدية الغيني الذي أثار هو وقومه إعجابي بإيمانهم الثابت وشعورهم القوي بالهوية. كان ذلك الرجل حلقة اتصالي فيما كنت أقوم بالاستعدادات لرحلتي
