تحرر الفكر
إن مجرد وجود الصين يحدث مشكلة للتفسيرات الغربية للتاريخ العالمي، فالكتاب المقدس لم يذكر أي شيء عن الصين؛ إذ اعتقد هيغل أن تاريخ العالم يبدأ بالصين البدائية، وينتهي في أرقى درجات الكمال بالحضارة الألمانية. أما فرضية نهاية التاريخ، لـ فوكوياما فتستبدل ببساطة أمريكا بألمانيا. لكن الغرب قد اكتشف فجأة أنه يوجد في الشرق هذه الصين إمبراطورية مترامية الأطرف، ذات تاريخ طويل وماض مجيد.
لقد بزغ فجر عالم جديد برمته.
غان يانغ و التقاليد الثلاثة الكبرى في العصر الحديث: دمج التقاليد الثلاثة، وإعادة ظهور الحضارة الصينية من جديد.
تحدث أمور قليلة جداً في حياتي، وسوف تذكر بعد موتي، حتى أحداث الحادي عشر من أيلول أو حرب العراق - الأحداث التي طعنتنا في الصميم، وأزهقت أرواحاً بريئة، وحسمت نتائج الانتخابات ستتلاشى تدريجياً إلى أن تصبح مجرد هوامش في كتب التاريخ، لكن نهوض الصين هو أمر مختلف إنها حكاية عصرنا الكبرى التي يمكن أن تؤثر نتائجها في الأجيال القادمة، مثل نهوض الإمبرطورية العثمانية وسقوطها، أو الحكم البريطاني للهند قبل عام 1947، أو الاتحاد السوفييتي، وهي المادة التي ستنسج منها قصص كبيرة. المرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، توجد قوة غير غربية في مصاف الدول العالمية الأولى: لقد انضمت الصين إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بوصفها ممثلة للنظام العالمي.
إن الصين تحرز تقدماً باهراً، ويتعذر علينا إلى حد ما الإحاطة بأرقام الإحصائيات الحيوية. ثم إن دخول الصين إلى السوق العالمية بخمس سكان العالم، قد ضاعف تقريباً القوى العاملة في العالم. فنصف الملابس والأحذية في العالم تحمل عبارة: «صنع في الصين». وإنتاج الصين للحواسيب يربو على إنتاج الحواسيب في أي مكان آخر في العالم، وشهية الصين النهمة للموارد تلتهم أكثر من أربعين في المئة من إسمنت العالم، وأربعين في المئة من فحمه، وثلاثين في المئة من فولاذه واثني عشر في المئة من طاقته. لقد أصبحت الصين شديدة الاندماج في الاقتصاد العالمي، حتى إن دلائل نجاحها أصبحت تؤثر مباشرة في حياتنا اليومية: ففي وقت واحد ، تضاعف أسعار البترول وتخفض أسعار الحواسيب إلى النصف، مبقية اقتصاد الولايات المتحدة عائماً، مسببة هبوطاً في صناعة الأحذية الإيطالية.
إن السرعة التي يحدث بها هذا التقدم أكثر من مدهشة. فتشييد المباني في شنغهاي يجري بسرعة مدهشة إلى حد تحتاج معه إلى إعادة رسم خرائط المدينة كل أسبوعين. فكل عام تنشأ مدينة بحجم لندن في غوان زو (دلتا نهر بيرل). ومع استمرار التحضير للألعاب الأولمبية، تشق الصين شبكة طرق جديدة تكفي للدوران حول العالم أربع مرات. لقد نقلت الصين 300 مليون مواطن من مجتمع التخلف الزراعي إلى الحداثة في ثلاثين سنة فقط - عملية التحول من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي، استغرقت أكثر من مئتي عام في أوروبا. إذا استمرت مسيرة النمو الحالية وهي باعتراف الجميع إذاء مهمة فإن الجمهورية الشعبية يمكن أن تتخطى الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح أكبر اقتصاد في العالم قبل عام 2050 بوقت طويل.
لكن هذا التركيز على مسيرة التقدم والسرعة والإحصائيات القابلة للقياس، يحجب عنا السؤال الأهم، وهو: هل سيغير نهوض الصين طبيعة عالمنا؟ إننا نعتاد شيئاً فشيئاً على تأثير الصين المتنامي في الاقتصاد العالمي - ولكن هل يمكن له أيضاً أن يعيد صياغة أفكارنا المتعلقة بالسياسية والسلطة؟ فالصين هي أول بلد، منذ نهاية الحرب الباردة، استطاع أن يؤسس العالم على طريقته الخاصة بإبداعه وتقدمه وانفتاحه على العالم. لكن مشكلات الصين الداخلية الهائلة تدفعها إلى البحث عن نموذج جديد من العولمة. ثم إن حجمها الهائل يعني أن الاقتصادات والدول الأخرى المرتبطة بها من أمريكا إلى زمبابوي ستحتاج إلى إعادة صياغة أنظمتها؛ لكي تتلاءم مع أفكار الصين الجديدة المتعلقة بالتطور الاقتصادي والإصلاح السياسي والنظام العالمي. لقد بدأت الصين الآن تفكر باستقلالية، وبالنظر إلى النتائج الاقتصادية المدهشة التي تحققها، بدأ الناس من جميع أنحاء العالم بمحاكاة النموذج الصيني.
قصة يقظة الصين الفكرية هذه هي أقل توثيقاً من حكاية نهضة الصين الاقتصادية المألوفة الآن. فعلى الرغم من أننا ندرس بشغف كبير أفكار الأحزاب المختلفة في الحياة الفكرية في أمريكا - المحافظين الجدد والواقعيين المتشددين واليمين الديني - كم عدد الذين يستطيعون منا أن يسموا حفنة من الكتاب أو المفكرين الصينيين المعاصرين؟ ومن يعلم ما المستقبل الذي يحلمون به لبلدهم، أو العالم الذي سيشكله؟ الأوروبيون الأمريكيون خاصة غير مؤهلين للإجابة عن هذه الأسئلة. فمنذ أن انطلقت البعثات التبشيرية الفرنسية والبريطانية المرة الأولى نحو الشرق، ركز الغرب على ما أراده من الصين - وهو أنه كيف سيحول حياة الصينيين إلى النمط الغربي، افترض الناس عبثاً أنه كلما ازدادت الصين غنى، ازدادت شبهاً بنا أيضاً.
الصينولوجي العرضي
تسللت الصين إلينا ببطء في تسعينيات القرن العشرين، وطوال ذلك العقد، كانت حكراً على المختصين الإقليميين، أو أولئك الحالمين من عالم الأعمال التجارية الذين حلموا بكسب ثروات ضخمة، ولكن غالباً ما كانت تزداد خسارتهم إلا أنه في وقت غير محدد وقبل بداية الألفية الثالثة، لم تعد الصين هدفاً للمختصين. ومن وجهة نظري بوصفي مديراً لخبراء ومستشاري السياسة الخارجية في لندن، أتذكر كيف لاحظت على نحو مفاجئ أن كل تحد عالمي تقريباً قد اكتسب بعداً صينياً:
من التنمية الإفريقية، إلى إصلاح نظام الأمم المتحدة، إلى محادثات التجارة العالمية في الدوحة، إلى البرنامج الإيراني النووي إلى الإبادة الجماعية في دارفور، إلى أسعار النفط في فنزويلا ، لم تعد الصين ذلك البلد الكبير الذي يمكن أن يختاره المرء لينعم بإقامة علاقات تجارية أو ديبلوماسية معه بل بدأت تصبح جزءاً من نسيج السياسة العالمية ووسيطاً تجارياً عالمياً نحن مجبرون على التحاور معه. وفي مصطلحات النفوذ السياسي، لم تعد الصين كغيرها من الدول النامية الكبرى مثل الهند أو البرازيل، بل تحولت إلى شيء جديد تماماً: نسخة مصغرة عن الولايات المتحدة الأمريكية. أدركت فجأة أنه من دون فهم الصين سيستحيل فهم السياسة العالمية.
لن أنسى ما حييت زيارتي الأولى إلى الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية (CASS) في بكين. حيث رحب بي نائب رئيس الأكاديمية وانغ ليولين ( الذي ترجم جده كتاب رأس المال الماركس إلى اللغة الصينية)، وهوانغ بينغ أحد أعضاء الحرس الأحمر السابقين الذي كان فيما مضى مساعد رئيس تحرير مجلة دوشو الثقافية). جلسنا على مقاعد ضخمة - رتبت على التوازي بمحاذاة الحائط كي تحمي ظهور المضيفين، وضيف الشرف من هجمات معادية وارتشفنا الشاي على الطريقة التقليدية، وتعارفنا بدأت بالقول: إن مركز السياسة الخارجية، تأسس منذ أربع سنوات. لدينا ما يقارب العشرين موظفاً، وتنشر في كل عام خمسة وعشرين تقريراً سياسياً، وتستضيف ما يقارب خمسين حلقة دراسية». أوماً وانغ ليولين برأسه بكل تهذيب، وابتسم قبل أن يسدد لي ضربته القاضية: إن الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية (CASS) هي أعلى منظمة للبحث الأكاديمي في مجالات الفلسفة والعلوم الاجتماعية. لدينا خمسون مركز أبحاث تغطي 260 مجالاً معرفياً رئيساً وفرعياً، وأربعة آلاف باحث متفرغ.
حين قال تلك الكلمات شعرت أنني أتضاءل من هول المفاجأة، وكأنني أصبحت بحجم درزات الكرسي الضخم فمجموع الذين يعملون في المراكز الاستشارية في بريطانية كلها يعد بالمئات وفي أوروبا لا يتجاوز بضعة آلاف حتى الولايات المتحدة الأمريكية منبع المراكز الاستشارية لا يمكن أن تضم أكثر من 10,000 باحث. أما هنا في الصين، فمؤسسة واحدة - وهناك عشرة مراكز استشارية أو نحوها في بكين وحدها ضمت 4000 باحث اكتشفت في وقت لاحق أنه حتى الذين يعملون في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، يعتقدون أن كثيراً من هؤلاء الباحثين هم دون المستوى المطلوب، لكن الأرقام الأولية كانت كافية للتهويل علي في ذلك اللقاء المبكر.
إن طريقة وانغ ليولين في التعالي على الآخر بالحجم، كانت مجرد بداية لإستراتيجية بالية صممت لإرباك الغرباء وكسب مودتهم. حيث أمضينا عدة ساعات، ونحن نتبادل أطراف حديث ودي دون التطرق إلى ذكر تفاصيل التعاون فيما بيننا فطقوس التودد المتقنة هذه تبدو خلوا من أي مادة أو توجيه، وقد صقلت على مر قرون لإلغاء الإستراتيجيات التفاوضية الغربية، وإلزام الأجانب باتباع الطرق الصينية لأداء الأشياء، عبر إقامة علاقات تعتمد على التواصل الشخصي بدلاً من الالتزامات التعاقدية. في بداية الرحلة، كنت أمل الاطلاع على الصين بسرعة على مقدمة موجزة عن الصين أطلع على الأمور الأساسية ثم أعود أدراجي إلى الوطن، ولكن بعد قضاء بضعة أسابيع تقريباً في هذه اللقاءات التمهيدية، بالجلوس وارتشاف الشاي وتبادل المجاملات انتهى بي المطاف إلى التعلق بالأمر.
لقد عثرت مصادفة على عالم مخبوء من المثقفين والخبراء المستشارين والناشطين الذين يتبنون أفكاراً عظيمة، وسرعان ما أدركت أن الأمر سيحتاج إلى أكثر من بضع زيارات إلى بكين وشنغهاي للإحاطة بميزان مناظرات الصين الداخلية وطموحاتها . اتخذت قراري - أردت تكريس السنوات القليلة القادمة من حياتي لفهم هذه التطورات الجوهرية، وتوثيق تاريخ حي يتكشف أمام ناظري أصبحت إذا جاز التعبير، صينولوجياً عرضياً، أي مهتماً فجأة بالشؤون الصينية، ولكثرة ما زرت بكين، أصبحت أشعر أنها موطني الثاني. فمع كل زيارة كان تعلقي بمصير الصين يتعمق أكثر أصبحت صديقاً لعدد كبير من مفكري الصين الجدد، وراقبت نظرياتهم، وهي تتطور مع مرور الوقت وترتقي بالتزامن مع التغيرات المدهشة التي تحدث في بلدهم. رأيتهم يأخذون الأفكار الغربية ويعدلونها ويكيفونها إلى مقاربة صينية جديدة للتعامل مع العالم - بالانضمام إلى الرحلة الثقافية التي بدأتها الصين حين اشتبكت المرة الأولى مع الغرب في القرن التاسع عشر.
بؤرة الانفجار في الصين
كان القصر الصيفي القديم في بكين كبيراً بحجم المدينة. كل من رأه قال: إنه كان أكثر فخامة من الأهرام، وأكثر كمالاً من البارثينون . وأكثر غموضاً من نوتردام، حتى فيكتور هوغو، وهو رجل نادراً ما أعيته الحيلة في إيجاد الكلمات المناسبة، وجد صعوبة في وصف روعته، حيث قال : شيد حلماً من الرخام واليشم والبرونز والخزف الصيني مرصعاً بالأحجار الكريمة، مكسواً بالحرير، واجعله هنا حرماً، وهناك حرملكا ... واطله بالذهب، وزينه بالألوان، وأحضر له معماريين شعراء يبنون ألف حلم وحلم من ألف ليلة وليلة، أضف الحدائق، والأحواض، والماء الرقراق والزبد، والبجع وطيور الماء والطواويس، وتصور باختصار أنه ضرب من الكهوف المبهرة للخيال الإنساني على هيئة معبد وقصر. هكذا كان هذا البناء.
لكن هذا الصرح الذي استغرق بناؤه مئة وخمسين عاماً، انهار بعد أن عصفت به الريح الاستعمارية، عندما اجتاحته القوات البريطانية والفرنسية عام 1860. كل ما تبقى منه اليوم قليل من الأجزاء المتقطعة الأوصال، وبعض النماذج الكرتونية التي فشلت تماماً في استحضار مجد القصر السابق. هذه البقايا المتهدمة تمت حمايتها بعناية من قبل الحكومات الصينية المتعاقبة كالندبة التي أحدثتها بؤرة الانفجار في مدينة نيويورك ( بعد الحادي عشر من أيلول)، تؤدي هذه البقايا دوراً واضحاً في إذكاء الروح الصينية - لا شك في أنها عظيمة كعظمة أي بناء لا يزال يقف شامخاً. إن ذكرى القصر الصيفي «يوانمينغيوان» كما يعرف بالصينية، تمثل جرحاً مفتوحاً يمكن رش الملح عليه كلما دعت الحاجة إلى تعبئة المواطنين أو تذكيرهم كيف أن الحزب الشيوعي أنقذ الصين من هزيمة أجنبية يعد اليوانمينغيوان تجسيداً حقيقياً لـ قرن من الإذلال، يمتد من هزيمة الصين في حروب الأفيون عام 1840، مروراً بخسارة تايوان والغزوات اليابانية المتعددة والحرب الأهلية، حتى اندلاع الثورة الشيوعية في عام 1949.
يعتقد بعض المثقفين أن بقايا اليوانمينغيوان تروي أيضاً قصة أخرى عن الصين الحديثة. هذه القصة لا تتحدث عن الدمار الذي أحدثته القوى الاستعمارية بالصين، بل عن الدمار الذي سببه الصينيون لأنفسهم باستيراد الأفكار الغربية أو بسوء تطبيقها. ففي شهر تموز / يوليو عام 2006، قام جانغ غوانغتيان مخرج مسرحي طليعي بعرض مسرحية جدلية تدعى يوانمينغيوان، تمثل السعي الحثيث إلى تحديث الصين عبر استيراد أفكار من الخارج، قصة ترى البلاد تنتقل من فلسفة شمولية إلى أخرى. دعت مسرحية جانغ غوانغتيان المواطنين للإجابة عن سؤال لم يطرحه من دمر اليوان مينغيوان فعلاً ؟ فقد سلط الضوء بعيداً عن القوى الاستعمارية، وأوضح كيف أن الشعب الصيني نفسه شارك في جريمة نهب هذه الأيقونة الوطنية، التي يصفها بأنها رمز أحلامهم ومثلهم العليا.
تبدأ القصة في عام 1860 مع مجموعة من الفلاحين يتسكعون في الجوار، متذمرين بمرارة من تجاهل الإمبرطور الصيني الناس البسطاء، عندما يعتلي جندي بريطاني خشبة المسرح، يشجعه الفلاحون على مهاجمة القصر الملكي لكي يتمكنوا من نهب بقاياه. بعد ذلك، يتحول الممثلون الثلاثة أنفسهم إلى طلاب مثاليين - جزء من حركة الرابع من أيار (مايو) العلم والديمقراطية عام 1919 يدنسون أطلال وخرائب الإقطاعية ليظهروا التزامهم بالحداثة الغربية.
في المشهد الثاني، يعود الممثلون أنفسهم على هيئة حراس حمر من الثورة الثقافية، ويحولون الآثار إلى حقل من الأرز للتباهي بحماستهم الثورية هؤلاء الحراس بدورهم يصبحون بيروقراطيين من حقبة ثمانينيات القرن العشرين، ويملؤون جيوبهم من تحويل الموقع المقدس إلى مدينة ملاه. بعدئذ ، تنتقل سلسلة أحداث المسرحية إلى عام 2005، إذ ذاك يقوم الممثلون أنفسهم بدور موظفين محليين يملؤون بحيرات اليوان مينغيوان بصفائح بلاستيكية في محاولة لتوفير الماء، مسببين غضباً عارماً، مما يؤدي إلى إثارة أول جلسة استماع بيئية عامة تعقد في البلاد. أما الجزء الثاني من مسرحية جانغ غوانغتيان، فهو عرض جريء للمشكلات التي سببها اعتناق الصين الجديد للسوق كمشكلة التلوث البيئي، والفساد الإداري الرسمي، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، والأوضاع المروعة للمناجم في الصين. تواجه المسرحية الجمهور بضرورة تحمله مسؤولياته إزاء المشكلات في الصين، بدلاً من إلقاء اللوم على الغزاة الأجانب، إن رسالة كاتب المسرحية هي رسالة دقيقة فهي ليست دعوة لعزل الصين عن العالم، بل هي دعوة إلى أبناء وطنه لكي يشقوا طريقهم الخاص نحو المستقبل، بدلاً من التبني الأعمى للأفكار والسلع الغربية. لقد أطرت مسرحيته السؤال الذي ينظم وطنه الأم ويكيفه تأطيراً درامياً: ما الذي يجب أن تقوم به الصين لتتحكم بمصيرها؟
في ظل العولمة
تعتقد مجموعة متزايدة من المفكرين الصينيين أنه بعد أن خرجت بلادهم من فوضى الثورة الثقافية استبدلت ببساطة فلسفة متشددة أخرى بالسيطرة الماوية : وهذه الفلسفة هي الإعجاب الشديد بالولايات المتحدة الأمريكية. فهم يشتكون من أنه عندما فتح دنغ شياو بينغ أبواب الصين على العالم، كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي سباقة لاقتحام بلادهم أرست فلسفة سوقها قواعد التطور الاقتصادي ورسخت دعواتها للديمقراطية معايير الإصلاح السياسي، وحددت سياستها الخارجية ما هو مقبول وما هو مرفوض على المسرح العالمي. لقد أدت الولايات المتحدة الأمريكية دور الإله الجبار الذي تحدد أهواؤه الأهواء الجوية. وكما عاش الفلاحون الصينيون قديماً في خوف دائم من العقاب، كان هدف الصين الملح هو تجنب غضب القوة المهيمنة عبر ابتكار سياسة خارجية تحجب بريق الصين خلف سلوك متواضع وتقديم تضحيات ذات طابع طقسي تتعلق بقضايا تمتد من شمال كوريا إلى السودان إرضاء المطالب الولايات المتحدة.
هكذا أصبحت الحداثة، للأبد وللأسوأ، مصطلحاً مرادفاً للأمركة في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته في الظاهر خلعت الصين الشيوعية جلدها الأحمر، وأنبتت مكانه جلداً جديداً مدموعاً برموز الاستهلاكية الواسعة - فقد اخترقت ستارباكس أسوار المدينة المحرمة وعدت لافتات ماكدونالد وكنتاكي تضيء الشوارع العامة ومراكز تسوق الصين المتمدنة، حتى إن الأطفال قد تعلموا أن يشتموا بعضهم بشتائم مستوحاة من هوليود: «يا لك من أحمق». ويؤكد العالم السياسي يوكيبينغ قائلاً: «إن الحلم الأمريكي هو المثل الأعلى للجيل الشاب الذي نشأ مع الإصلاحات. فكل شيء في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ذلك الشعب الأمريكي، والمؤسسات، والاقتصاد، والثقافة، والبلاد، هو في غاية الكمال حتى القمر الأمريكي أصبح أكثر استدارة من القمر في الصين.
في المستوى الأعمق، أجبرت الصين على التكيف مع قواعد عالم معولم أنشأه رأس المال الأمريكي والقوة العسكرية الأمريكية، في هذا العصر - الذي أطلق عليه الصحافي توماس فريدمان اسم العالم المسطح تفقد جميع الدول القومية القدرة على التحكم في أقدارها: فيلقى بها خارج مجال النشاط الاقتصادي عبر الخصخصة، وخارج العالم السياسي بواسطة الموجة ثالثة للدمقرطة، وتدفعها قوى رأس المال والإرهاب والتجارة التي لا وطن لها خارج عالم السياسة الخارجية يخشى كثير من المفكرين الصينيين من أنه مع تقبل الفوائد الاقتصادية للعولمة، قد تخاطر الصين بأن تصبح مسطحة عبر إيديولوجية سياسية أمريكية مرافقة.
ويحاج وانغ شياودونغ، وهو أحد أبناء الجيل الجديد من القوميين الصينيين في أن اعتناق الأفكار الأمريكية ينشأ من نوع من كراهية الذات، بحسب ما يقول. فقد نظر كثير من مثقفي بكين في ثمانينيات القرن العشرين إلى الشعب الصيني على أنه أمة دون غيرها من الأمم ذات ماض رديء في اعتقادي، هذا لا يختلف كثيراً عن عنصرية هتلر الفرق الوحيد بينهم ( أعني المثقفين الصينيين وبين هتلر هو أنهم ( أعني الصينيين) يوجهون هذه الكراهية نحو أبناء عرقهم. لهذا السبب ابتكرت مصطلح (4) العنصرية المعاكسة». وبالرغم من أن تشبيه وانغ شيا ودونغ يبدو متطرفاً وغير ملائم عند كثير من الصينيين والغربيين أيضاً، لكن ما يعرضه هو دلالة على شعور سائد بالقلق الثقافي، الذي أدى إلى انتقال الصين من إيديولوجية متطرفة إلى أخرى.
التحرر
في عام 1993. كتب كوي جيوان، أستاذ في جامعة تسينغوا ، كان يدرس آنذاك في معهد ماساتشوستس للتقانة، مقالاً إبداعياً يدعو إلى تحرر جديد للفكر زاعماً أنه بعدما حرر المثقفون الصينيون أنفسهم من الماركسية التقليدية، يجب عليهم أن يحرروا أنفسهم من إعجابهم الأعمى بالرأسمالية الغربية. كان هدفه كسر حالة التشوش الكلي التي أدت بالصين إلى اعتناق إيديولوجية جديدة مع كل جيل، وأن يشجع الشعب الصيني على التفكير بطريقة مستقلة، بدلاً من قبول اللازمة المتكررة ليس هناك بديل عن أجندة الليبراليين الجدد، ويذكر أنه يجب على الصين أن تسخر كثيراً من الموارد؛ لكي تطور طريقة جديدة أو حداثة بديلة، كما يذكر.
لم تلق دعوته في البداية آذاناً مصغية. فالصين كانت ماتزال مضطربة إثر مذبحة تيانانمان، حيث أصيب معظم المثقفين بالفزع بسبب الرد العنيف للحكومة على الاحتجاجات التي يؤيدها أعضاء الحزب الشيوعي أو أولئك الذين يعيشون في المنفى، كان قادة الحزب يستأنفون إصلاحاتهم الاقتصادية، أما بقية النخبة فكانت منهمكة جداً في جمع المال. بيد أن أفكار كوي جيوان لها تأثيرها اليوم، فيما يؤدي النمو الاقتصادي في الصين إلى ثقة جديدة بالنفس.
حتى القومي وانغ شياودونغ يعترف أن بلاده أخذت تغير مبدأ العنصرية المعاكسة. وفي خطاب ألقاه أخيراً، وضح الأمر مستشهداً بكلام أحد رجال الأعمال الكبار الذي قال: في الثمانينيات غادرت الصين المرة الأولى إلى سنغافورة ... وأصبت بالذهول بسبب التقدم التقني والثقافي وعظمة العمران المدني والإيقاع الحيوي للحياة، وقد حلم أعضاء وفدنا: هل يمكن أن يكون في بلدنا مدينة مثل سنغافورة في خمسين سنة؟ نحن لم نكن متفائلين، لكن التاريخ قد أثبت أننا كنا مخطئين؛ إذ استغرق الأمر خمساً وعشرين سنة فقط، في السنة الماضية، ذهبت إلى سنغافورة، وفي رأيي أنها لا تستطيع أن تنافس مدننا شنزن و داليان وشنغهاي وبكين.
إن الثقة بالذات التي تمخضت بمعجزة الصين الاقتصادية، قد خلصت الأمر الذي ينطوي على مفارقة بعض مفكري الصين من الشك في المبادئ الرئيسة لثورة السوق، التي أوجدت تلك الثقة. ولما كان المفكرون الصينيون يعدون معدلات النمو المدهشة في بلادهم أمراً بدهياً، فهم يتساءلون: هل كانت إيديولوجية الثمانينيات والتسعينيات قد حققت فعلاً كل ما وعدت به؟ هوجم التزام دينغ شياوبينغ بالتطور الاقتصادي قبل أي شيء آخر، من قبل أولئك الذين يريدون أن يقلصوا ذلك التفاوت الاجتماعي، ويوقفوا نهب البيئة في الصين. وفي ميدان الإصلاح السياسي يتساءل بعض المثقفين الصينيين على نحو متزايد: هل كانت الديمقراطية الليبرالية هي النموذج المناسب للصين على المدى البعيد؟ أما في عالم السياسة الخارجية، فهم يتحدون الفكرة القائلة: إن الدول القومية يجب أن تهمشها قوى العولمة التي لا تنتمي إلى دولة بعينها.
إن التحرر الفكري الذي دعا إليه كوي جيوانغ يأتي أخيراً، فكما أعلن الأوروبيون في أثناء حركة التنوير أن الإله ميت، وسعوا إلى نسج عالم محوره الإنسان يعلن المفكرون الصينيون اليوم استقلالهم عن النماذج الغربية، ويحيكون المستقبل وفق شروطهم الخاصة والمطلوب بحسب العالم السياسي غان يانغ هو الاستفادة من تجارب الصين التاريخية وابتكار فكرة جديدة للحداثة - بدلاً من استيراد نظريات بالجملة من الخارج. يقول:
اليوم بإمكاننا أن نرى في الصين ثلاثة تقاليد: الأول هو التقليد الذي تكون في الأعوام الثمانية والعشرين العصر الإصلاح... لعصر الاهتمام بالسوق، وفيه مفاهيم كثيرة كالحرية والحقوق. وهناك تقليد آخر تكون في عهد ماوتسي تونغ تتميز ملامحه الرئيسة بالنضال من أجل تحقيق العدالة والمساواة والتقليد الأخير تكون عبر آلاف السنين من عمر الحضارة الصينية، يُشار إليه تقليدياً بالثقافة الكونفوشيوسية في الماضي، كنا نتصرف دوماً، وكأن هذه التقاليد الثلاثة يتناقض بعضها مع بعضها الآخر، لكنها لم تكن كذلك.
إنها ليست المرة الأولى التي يسعى فيها الصينيون إلى الجمع بين الخبرة الغربية والهوية القومية، فقد سعى المصلحون الكونفوشيوسيون في القرن التاسع عشر، إلى دعم النظام الإمبرطوري باستخدام المعرفة العملية الغربية يونغ (yong) للحفاظ على الجوهر الصيني تي (ti). وقد وصف دنغ شياوبينغ إصلاحاته للسوق بأنها «اشتراكية بخصائص صينية. لكن في حين بدأت الأجيال السابقة من موقف الضعف المتداعي، ينسجمم الإصلاحيون المعاصرون مع قوة الصين المتنامية. والأهم من ذلك، يجري دعم هذه المحاولة عبر نقاش ثقافي بعيد عن قاعات السلطة.
المفكر بوصفه ملكاً
يدور هذا الكتاب حول تطور رؤية عالمية صينية جديدة، ويظهر كيف أن بحث الصين عن استقلال فكري، سيمثل أساساً لنموذج جديد من العولمة ويرصد الكتاب المحاولات التي يقوم بها المفكرون الصينيون للتوفيق بين الأهداف المتزاحمة مستعرضاً كيف بإمكانهم دخول الأسواق العالمية، وهم يحمون الصين من عواصف الدمار المبدع، وكيف سيتمكنون من إطلاق العنان لنظامها السياسي والاقتصادي. كذلك يبين كيف ستتحدى الصين العالم المسطح للعولمة الأمريكية، بعالم محصن من ابتكار الصين الخاص. ويحاول هذا الكتاب أن يرسم مخططاً لتحرر الصين الثقافي الجديد من الأفكار الغربية المتعلقة بعلم الاقتصاد والسياسة ومن القوة العالمية مستلهماً ذلك من النقاشات التي جرت مع أكثر من 200 مفكر ومسؤول صيني، طوال مدة تزيد على ثلاث سنوات، موضحاً كيف سيتمكن فكر بكين الجديد من تغيير النظام العالمي - وتغيير الغرب نفسه أيضاً بتلك الطريقة.
أنا لا أزعم تمثيل وجهات النظر المتعددة التي يحملها 4.1 مليارات شخص، أو وجهات نظر جميع المثقفين الصينيين - الذين قمع كثير منهم بالسجن والتخويف أو بالنفي. لكن المفكرين الذين يقدمهم هذا الكتاب هم أشخاص مطلعون، قد اختاروا العيش في داخل الصين. مكتسبين بذلك القدرة على تحمل نوبات التشدد والتراخي المتكررة للنظام في سعي منهم إلى دفع عجلة التغيير من داخل النظام، بالرغم من أنهم كانوا في بعض الأحيان يتنازعون مع مسؤولي الرقابة الصينية غريبي الأطوار. وقد جرد كثير من أبطال هذه القصة من وظائف مهمة في مراكز استشارية ومجلات في أثناء السنوات التي كنت أؤلف فيها هذا الكتاب - أفكارهم قد تلقت دعماً أكبر من الحكومة، وبالرغم من التهديد الدائم بالقمع والسجن والرقابة حظي المثقفون في الصين بالتقدير. فقد استدعى الرؤساء ورؤساء الوزارات، وكبار مسؤولي الحزب كثيراً من هؤلاء المفكرين لاستشارتهم. وفي الحقيقة، إنهم يتمتعون بنفوذ أكبر من نفوذ نظرائهم في كثير من البلدان الغربية.
وما ينطوي على مفارقة هو أن النظام الصيني السياسي القمعي يعزز قوة المثقف الصيني، مع العلم أنه لا توجد أحزاب معارضة ولا اتحادات تجارة مستقلة ولا نزاعات علنية بين السياسيين، وتعزز وسائل الإعلام الموجودة الانسجام الاجتماعي بدلاً من أن تشجع المساءلة السياسية. في عالم كهذا، يصبح النقاش الفكري بديلاً عن السياسة - فقط لأنه شخصي وهجومي وحماسي أكثر من أي شيء آخر يمكن أن تفرضه السياسة الرسمية. فالمثقفون يستطيعون التعبير عن مخاوف القوى الاجتماعية العريضة - من عمال ومزارعين ومقاولين ويدفعون الأمور في اتجاه التغيير باسمهم. يود الصينيون أن يجادلوا هل كان المثقفون هم الذين يسيطرون على صناع القرار، أم أن جماعات صنع القرار هي التي تستخدم المثقفين المقربين منها بوصفهم ناطقين غير رسميين باسم الحكومة لتعزز وجهات نظرها. في كلتا الحالتين، أصبحت النقاشات التي تدور بين المفكرين جزءاً من العملية السياسية، ثم إنها تستخدم لوضع الأفكار في حيز التنفيذ، ولتوسيع الخيارات المتاحة أمام صناع القرار الصينيين.
على الرغم من أن كثيراً من الباحثين يشتكون من أن المثقفين الصينيين قد فقدوا دورهم التقليدي بوصفهم ضمير الأمة الاجتماعي إذ تقوم الحكومة بنقلهم أو تعينهم للعمل في اختصاصات مملة- فإن النزاعات بين الأجنحة المختلفة، مثل اليسار الجديد، واليمين الجديد»، تعبر عن انقسامات اجتماعية حقيقية على الأرض.
لا يزال المثقفون مثل وانغ هوي، وجائع ويينغ، ويو كبينغ، وبان وي وجنغ بيجيان ويان شيوتونغ غير معروفين لا سيما خارج الصين لكننا سرعان ما سنجد أن عالمنا قد تغير بواسطة أفكارهم. كل واحد قد يلقى أذناً مصغية من الحكومة لخطط الإصلاح التي ستغير طبيعة الاقتصاد والسياسة والسياسة الخارجية للصين. فهم مشتركون في معركة قديمة الطراز بين اليمين واليسار - تتعلق بحجم الدولة ونهج الإصلاح السياسي وطبيعة السلطة، غير أن سجلاتهم الساخنة تتمخض بفلسفة جديدة، فلسفة ستحمل مضامين مهمة للعالم.
طبعاً، سيرجع أمر اتخاذ القرارات المهمة إلى القادة الكبار دوماً: فالصين لم تكن لتتبنى فكرة السوق لولا دنغ شياوبينغ والتاتشرية ما كانت لتحدث لولا وجود تاتشر وكذلك تفكك الاتحاد السوفييتي ما كان ليحدث لولا غورباتشوف وحرب العراق ما كانت ستشن لولا وجود جورج بوش بالرغم من ذلك، فإن من المستحيل فهم هذا الدفع القوي الواسع للتغير التاريخي دون دراسة الحركات الفكرية التي تدور حول أفكار معينة ويستفيد منها القادة فتاتشر لم تخترع بنفسها سياسة التحكم في الأموال المتوافرة لدى الدولة، من أجل الإبقاء على الاقتصاد متيناً، لكنها استفادت من الأفكار التي رجحت لسنوات عدة. وجورج بوش قد تأثر بالأفكار التي عرضها مفكرو المحافظين الجدد. كذلك دنغ شياوبينغ لم يقرر فجأة فتح سوق الصين، بل كان متأثراً بوجهات النظر التي طورها المفكرون الصينيون الذين كانوا على اتصال مع الغرب اليوم، هناك أفكار جديدة تظهر داخل الصين، يمكن أن تشكل جوهر فلسفة صينية جديدة، هي فكرة العالم المحصن.
