فليبارك الله أمريكا:
التجربة المسيحانية
حين يختتم رئيس الولايات المتحدة خطبته بكلمات فليبارك الله أمريكا»، يهز العديد من المراقبين في أوروبا المعلمنة رؤوسهم غير مصدقين. بل لا يصدقون حقيقة أن أغلبية المواطنين الأمريكيين لا يعترضون على ما يبدو على هذا النوع من الكلام الإلهي ... الفوارق بين ثقافاتنا على درجة كبيرة من الأهمية الدلالية. فعلى جانبنا من المحيط الأطلسي نتبنى مواقف مختلفة فيما يتعلق بدور الدين في السياسة المثال اللافت يمكن العثور عليه في المناقشات الحامية الوطيس حول الإشارات المرجعية إلى الله في الدستور المقترح للاتحاد الأوروبي. لكن في نهاية المطاف رفضت جميع هذه الإشارات. وحقيقة رفض فرنسا وهولندا لاقتراح دستور أوروبي لا علاقة لها بهذا الجانب.
نظرا لانحياز معظم السياسيين الأوروبيين والمختصين في العلوم السياسية للعلمانية حاليا، فإنهم يعدون الخطاب الديني للزعماء السياسيين في الولايات المتحدة محاولات انتهازية لتحقيق توقعات وأمال جماعات دينية معينة. وحتى في هذه الحالة - وهي كذلك دون شك - يلاحظ المرء حقيقة أن عبارة فليبارك الله أمريكا ليست سوى عملة سياسية المكافأة كل من يستحضر الإلهي والمقدس باستمرار. بكلمات أخرى، يحظى المكون الديني في الولايات المتحدة بنفوذ كاف لصياغة اللغة السياسية في حين لا يمكن الفوز بأي انتخابات في أوروبا عبر اللعب على المشاعر الدينية للمواطنين. ويبدو واضحا أن مثل هذه الجماعات الدينية في أوروبا صغيرة الحجم بحيث لا تتطلب اهتماما خاصا من قبل السياسيين، وعلى وجه العموم، يعبر هذا الابتعاد عن التدين وإظهار الورع والتقوى عن القلق المنتشر على نطاق واسع من خلط الدين بالسياسة.
تطلب الأمر بعض الوقت لأدرك أن الخطاب الديني للزعماء في الولايات المتحدة جزء لا يتجزأ من ثقافة الأمة السياسية. وساعدني البروفسور يورغن مولتمان ( الصديق والمشرف والأستاذ في جامعة توبنغن) على معرفة أن اللغة الدينية للرئيس بوش (مع أنها أكثر وضوحا وصراحة من لغة العديد من أسلافه جزء من التراث العظيم الذي أثر في تطور الولايات المتحدة منذ بداياتها. هذا هو التراث المسيحاني الذي جعل أمريكا، تعبيرا مشحونا بالدلالة ومحملا بالمعاني إلى هذا الحد. ففي المعنى الكامل، تعد أمريكا» بلدا ضخما يحمل رسالة عظيمة، كيانا تاريخيا منح وعدا استثنائيا.
الميراث المسيحاني
قادتني وجهة نظر مولتمان عن أمريكا بوصفها مشروعا مسيحانيا إلى معاينة تطورها التاريخي، وهذا أعادني إلى الآباء الحجاج، فحين وصلوا إلى شاطئ العالم الجديد بعد رحلة طويلة ومرعبة ومحفوفة بالخطر اقتنعوا في أعماقهم بأن مشروعهم يحظى بهداية وحماية الله. فبين عام 1619 - 1640 ، وصل أكثر من عشرين ألفا من المتطهرين (البيوريتان). وعدوا أنفسهم شعب إسرائيل الجديد، وأطلقوا على الأرض التي تركوها بريطانيا فرعون، أرض العبودية. ما شاهدوه أمامهم كان أرضا جديدة ونقية لم ينخرها الفساد تعد ببداية جديدة، ومثلما اضطر الإسرائيليون القدماء إلى محاربة الفلسطينيين، كذلك رأى الإسرائيليون الجدد أنفسهم مفوضين بخوض المعركة مع الشعوب والقبائل الوثنية لامتلاك ما عدوه أرضهم الموعودة.
لا يمكن أن تكون الحال غير ذلك. فأهم كتاب الأوائل المهاجرين - والكتاب الوحيد الذي حملوه في الحقيقة - كان الكتاب المقدس. إذ زودهم بالصور الذهنية التي أعطت لحياتهم معنى وأكثر قصصه تأثيرا تلك التي روت كيف تحرر شعب الله المختار من أسر العبودية في مصر، وكيف ترك الإسرائيليون مصر في هجرتهم الجماعية الكبرى (الخروج): وكيف اختلف معهم زعيمهم موسى على الوصايا العشر، وكم تمتعوا بالنقاء والطهارة بوصفهم شعب الله وكيف خاص يشوع * معارك عديدة لتحرير الأرض الموعودة من الوثنيين الكفار الذين سكنوها. لقد وفرت هذه الرواية مع الكلمات للأنبياء القدماء ومزامير داود الإطار المناسب لحياة هؤلاء المهاجرين، وإمكانات مجتمعاتهم المحلية المحتملة، وتكوين أمة في مرحلة لاحقة المدينة على التل. لقد صاغت هذه الصور رؤية أمريكا - الأرض الموعودة للشعب المختار.
رسمت الصور مشروعا مثيرا اجتذب ملايين الناس من أوروبا، ومنهم الألمان. فكلما وجد الرجال والنساء ضغوط السادة الإقطاعيين لا تحتمل وعانوا قمع السلطات المطلقة للملوك والملكات، ولم يعودوا يحتملون الكنائس التي تكبت معتقداتهم - توجهوا إلى أمريكا الملاذ وأرض النجاة، ومثلما أشار تمثال الحرية في ميناء نيويورك فيما بعد لأولئك الذين أتوا عبر المحيط الأطلسي، فقد وعدت أمريكا بأن تكون ملاذا آمنا للحرية - على الأقل لأولئك الذين قدموا من أوروبا. أما الوضع للذين قدموا من إفريقية فكان مختلفا اختلافا مرعبا في الحرية، عنت أن يتمتع السادة بالحق في امتلاك البشر كعبيد.
هنا، في أرض الحرية والأحرار، سيكون كل شيء أفضل حالا. لا ملوك يحكمون بل الناس هم الحكام، لا بابا يقرر إيمان رعاياه بل جماعة متأخية من المؤمنين تستمع بإخلاص إلى آيات الإنجيل، وتتحول إلى كنيسة الله الصادقة الأمينة الأرض شاسعة رحبة. فإذا لم تنجح في الشرق يمكنك الانتقال إلى الغرب حيث الفرص الجديدة تكمن في انتظارك. إعلان الاستقلال وعد بالحق في المسعى إلى تحقيق السعادة لكل من يمتلك ما يكفي من الشجاعة.
فقدت الصور التوراتية معناها الدلالي المباشر بمرور الزمن، لكن طبيعتها المسيحانية ظلت متشبثة بالأذهان والعقول، أصبحت أمريكا أرض الاحتمالات اللامحدودة، ولن توقف الحدود تقدم المستوطنين والفاتحين بل عدت نوعا من التخوم التي يمكن تجاوزها وأسرارا غامضة يجب كشفها واستكشافها، وهكذا غدا التقدم تعبيرا مشحونا بالمعنى المسيحاني: يحمل في ركابه افتتان المستوطنين الأوائل بمملكة الله وبحثهم عنها في العالم الجديد. لكن الوعد كان كثير المطالب: يمكنك أن تكون مهندس مستقبلك ومصممه، لكن عليك أن تستعد لفهمه والتشبث به والقتال من أجله. تلك كانت، وظلت الطريقة التي ترتقي بها إلى مستوى النداء ( الرباني) الموجه إليك.
ثمة جرعة كبيرة من الفردانية في صورة التقدم هذه. وإدراكها يساعدنا في فهم السبب وراء تعددية المجتمعات المحلية والطوائف والكنائس، وانتشار الجماعات التمثيلية ومجموعات الضغط من المؤكد ظهور قدر كبير من التشظي والانقسام والعلمنة على مدى القرون، بحيث أن الركائز التوراتية للأجيال المبكرة غدت غامضة ومبهمة. لكن الاعتقاد القديم بألفية المسيح ما زال حيا وقويا. فرؤية أمريكا لم ترتبط فقط بتراث الخروج الجماعي للإسرائيليين ( من مصر)، بل اتصلت اتصالا وثيقا بصورة الإنجيل الرؤيوية عن نهاية الزمان، خصوصا في سفر الرؤيا، وستشمل العودة الثانية للمسيح وبداية حكمه الألفي معركة نهائية حاسمة مع المسيح الدجال، وهذا أعطى أهمية خاصة لإقامة وإنشاء الولايات المتحدة: فقد عدت جزءا من المملكة الألفية، التي ستظهر قريبا.
مثلما سأبين في الفصل التالي استفزت فكرة الألفية فيضا وافرا من التوقعات والأمال والتأملات فاللاهوت السياسي المتضمن في سلسلة روايات والمتروكون (Left Behind) مثلا التي اعتلت قائمة أكثر الكتب مبيعا، يوضح أن مفاهيم الألفية مرتبطة ارتباطا عضويا بفكرة الدعوة الربانية لأمريكا لإنقاذ العالم برمته وهي لا توجد لنفسها، لكن لها وظيفة خلاصية إنقاذية لأمم وشعوب الأرض الأخرى، وحتى حين لم تعد الأصول التوراتية مفهومة تماما ظل الشعور بحمل الرسالة حيا وقويا. وهذا ما أدهشتي بوصفه مشروعا مسيحانيا، إحساسا محددا برسالة الأمة الأمريكية، ولا يمكن تخيله بمعزل عن فكرة وجود قوة إلهية ترشد وتهدي وتدعم وتؤيد النداء الموجه إلى أمريكا.
عندما يمتلك المرء شعورا بهذه الدينامية يسهل عليه فهم السبب الذي جعل المتطهرين ( البيوريتان في السنوات المبكرة يفضلون المفاهيم الثيوقراطية. فما كان فاسدا في إنكلترا سيصبح واقعا حقيقيا في العالم الجديد. لكن حين تكون الحاكمية لله تدعى الكنيسة والمجتمع معا الحياة مرتكزة على خشية الله واعتمادا على الإنجيل، سيرتقي نمط من الكومنويلث المسيحي المقدس - بكلمات أخرى، نظام سياسي واجتماعي فريد تشكل فيه الكنيسة والدولة مجتمعا يرتبط بعهد ميثاقي مع الله.
بهتت هذه الرؤية الثيوقراطية الواضحة بالطبع مع تدفق مزيد من المهاجرين إلى الأرض الجديدة، وتوطد العلاقات الحميمة بين مجتمعات نيو انغلند المحلية ومجتمعات الجنوب ( مثل فيرجينيا ) . لكن ما ظل باقيا هو الإشارة إلى الله - أو بلغة عصر التنوير، إلى الكائن الأسمى - بوصفه مفهوما هاديا للفهم الذاتي للأمة الأمريكية البازغة. ولربما من المناسب الاستنتاج أن الدافع المسيحاني أصبح يتمتع بجاذبية مستقلة أسرة لجميع الغرباء الذين تقاطروا إلى هذه البلاد الجديدة. ومن ثم، استحضره الزعماء السياسيون لحشد الناس خلفهم وإعطائهم إحساسا بالانتماء، سيفسر ذلك أيضا لماذا أمكن تكييف هذه المسيحانية لتوائم الحاجات المدركة للولايات المتحدة وطموحاتها مع تزايد عدد مواطنيها وتوسع حدودها لتتجاوز كل ما تخيله المهاجرون في الأيام المبكرة، إضافة إلى السبب الذي جعل الخطاب العام يحتفظ بالحاجة إلى مثل هذا المكون الديني القوي.
من المفيد في هذا السياق معاينة خطب التنصيب التي ألقاها الرؤساء الأمريكيون. فهي تشكل لحظات فريدة يسعى خلالها الرئيس القادم إلى وصل برنامجه بالمشروع المسيحاني للأمة الرئيس الأول للولايات المتحدة. جورج واشنطن مثلا، أعلن في خطاب القسم لولايته الأولى:
إن من غير اللائق في هذا العمل الرسمي الأول إهمال الإشارة إلى توسلي وتضرعي للرب العظيم، إله الكون وحاكمه الذي يترأس على الأمم، ويمكن بعونه إصلاح كل نقيصة في البشر، أن يبارك حريات وسعادة شعب الولايات المتحدة، ويعينه على إقامة حكومة تحقق هذه الأهداف الجوهرية، ويمكن كل أداة تستخدمها إدارتها من تنفيذ الوظائف الموكلة عليها ..
يتابع واشنطن بالنفس ذاته ليصف المهمة التاريخية لهذا الاتحاد الفتي من الولايات
لا يوجد شعب يقر ويعترف ويعشق اليد الخفية التي تسير أمور البشر أكثر من شعب الولايات المتحدة، فكل خطوة تقدم بها نحو إقامة أمة مستقلة تبدو متميزة برمز دلالي يشير إلى العناية الإلهية.
ويضيف فيما بعد:
لأننا يجب أن نقتنع بأن ابتسامات السماء الميمونة لا يمكن أن تنتظرها أمة تتجاهل القواعد الأبدية للنظام والحق التي قدرتها السماء ذاتها؛ ولأن الحفاظ على نار الحرية المقدسة ومصير نموذج الحكم الجمهوري يعتمد حقا اعتمادا عميقا ونهائيا على التجربة الموكولة إلى أيدي الشعب الأمريكي.
يبدو أن هذه العبارات تظهر ما يلي:
ا الله الذي يتحدث عنه جورج واشنطن هو رب الكون العظيم الذي يرشد الأمم»، في حين أن يده الخفية تحكم تاريخ الأمة الجديدة.
2- العناية الإلهية تهدي التجربة الموكولة إلى الشعب الأمريكي. أما الكفاح في سبيل الاستقلال فيعد هدفا للعناية الإلهية ذاتها.
3 يتعلق هذا الكفاح بنار الحرية المقدسة. وحين يرتبط بالنموذج الجمهوري للحكم، يعني أنه يعتمد اعتمادا عميقا ونهائيا على التجربة الموكولة إلى أيدي الشعب الأمريكي، وبهذه الطريقة تشكل الحرية والنموذج الجمهوري للحكم مركز التجربة التي تلتزمها الولايات المتحدة إلى أبد الآبدين.
من المفهوم أن يفسر جورج واشنطن الصراع غير المتكافئ بين مستعمرات المستوطنين المزارعين الأمريكيين الصغيرة والقوة الساحقة لإنكلترا بوصفه عملا تحريريا ربانيا، وحين وصل التجربة الأمريكية بأهداف وقوى السماء، عبر عن رأي ظلت أصداؤه تتردد في رسائل الحرب وخطب القسم للعديد من خلفائه، تقدم فيما يلي بعض الأمثلة من الرؤساء الأمريكيين في القرن العشرين بيان ودرو ولسون عن أهدافه في الحرب عام 1917 كان بليغا على نحو خاص: يجب جعل العالم مكانا آمنا للديمقراطية. ويجب تأسيسها على الركائز المختبرة للحرية السياسية ليست لدينا غايات أنانية نريد خدمتها لا نرغب في الفتوحات ولا الهيمنة ولا تسعى إلى الضمانات لأنفسنا، ولا التعويض المادي عن التضحيات التي سوف نقدمها عن طيب خاطر نحن لسنا سوى أحد المدافعين عن حقوق البشر.
فرانكلين روزفلت تلحف أيضا بعباءة إنقاذ العالم بكل ارتياح، حين قال في خطاب القسم للولاية الرابعة (1945) لقد بارك الله القدير أرضنا بطرائق عديدة. إذ وهب شعبنا قلوبا شجاعة وسواعد قوية توجه ضربات شديدة في سبيل الحرية والحقيقة، وأعطى بلادنا إيمانا دينيا أصبح أملا للشعوب جميعا في عالم مكروب، لذلك نحن نصلي له كي نرى سبيلنا بوضوح - نرى السبيل المؤدي إلى حياة أفضل لأنفسنا ولجميع إخواننا البشر - لتحقيق إرادته تعالى بإقامة السلام على الأرض.
جون كنيدي اختتم خطاب القسم بهذه الكلمات: «بضمير حي تعده الثواب الوحيد الأكيد، والتاريخ بوصفه الحكم النهائي على أفعالنا ، دعونا نتقدم لقيادة الأرض التي نحب، ونسأل بركته وعونه تعالى، مع معرفتنا بأن عمل الله هنا على الأرض يجب أن يكون عملناء. تنقل هذه البيانات والتصريحات بقوة صورة القدر المسيحاني بوصفه العمود الفقري لـ « الدين الوطني أو بتعبير آخر، ينظر إلى الأهداف السياسية للولايات المتحدة من الداخل بوصفها إلهاما من الله، ولذلك فهي تتمتع بعامل من العصمة المسيحانية، وضمن خط النسب السلالي هذا قال جورج بوش (الابن) في خطاب الاتحاد (28) كانون الثاني / يناير (2003)
أمريكا أمة قوية شريفة وكريمة في استخدامها لقوتنا، نحن نمارس القوة دون فتح واحتلال، ونضحي في سبيل حرية الغرباء والأجانب.
الأمريكيون شعب حر، يعرف أن الحرية حق كل شخص ومستقبل كل أمة. الحرية التي نثمنها ليست هية أمريكا إلى العالم، بل هبة الله للبشر.
تحتوي هذه الكلمات على ثلاث قناعات راسخة يمكن أن تساعد الأجانب على فهم التوليفات الفريدة والغريبة للمسيحانية الأمريكية:
1- الحرية هبة الله إلى البشر.
2 أمريكا جسدت هذه الهبة إلى درجة الكمال بحيث قد تخطئ الأمم الأخرى وتظن أنها هبة أمريكا، إلى العالم.
3- أمريكا تضحي بنفسها من أجل حرية الغرباء والأجانب. ومن ثم فإن جلب الحرية الهبة الربانية إلى الغرباء والأجانب في الأمم الأخرى التزام وتضحية من جانب أمريكا.
يضيف عامل التضحية معنى خاصا للمشروع المسيحاني.
فإذا كان ذلك كله صحيحا، تبرز الولايات المتحدة في الموقع الاستثنائي الذي سماه ارنست لي توفيسون الأمة المنقذة . يبدو هذا الزعم متغطرسا إلى حد مروع، لكن قبل إدانته بوصفه تبريرا مرتكزا على خداع الذات لاستخدام القوة أو إساءة استخدامها، أرغب في الاعتراف بسرعة بأنه أثبت عمليا بالالتزام السخي والمكلف الذي لن ينساه أبدا العديد من الناس - ومنهم الألمان إذ لا يقتصر الأمر على وصف تدخل الولايات المتحدة في الحربين العالميتين الأولى والثانية بمثل هذه التعابير فقط؛ بل يجب أن تعزى عملية إعادة تأسيس الحكم الديمقراطي بعد رايخ الألف عام، الذي تحدث عنه هتلر إلى التضحية المكلفة للشعب الأمريكي غالبا.
فضلا على ذلك كله أريد من القارئ أن يتذكر أن أمما أخرى أطلقت مثل هذه المزاعم والدعاوى المسيحانية. أقول مجددا كمواطن ألماني، إنني لا أستطيع إلا تذكر المسيحانية السياسية لهتلر. فقد زعم أن العناية الإلهية دعته لتخليص العالم من شر الشعب اليهودي الملوث. يورغن مولتمان وصف ذلك بأنه النسخة الكاريكاتورية الألمانية القصيرة الأجل عن هذه الفكرة.
ما يجعل مسيحانية الولايات المتحدة فريدة - ومهددة - هو حقيقة أنها عامل فعال في السيناريو التاريخي لأمريكا. ويبدو أنها تبرر الشعور الأمريكي بالقوة العالمية والالتزام العالمي ولذلك يظهر السؤال التالي: كيف يمكن لأمة المحافظة على الصورة المسيحانية الذاتية دون السقوط في شرك الوطنية المتغطرسة الاستكبارية؟ هل يظل مشروع أمريكا المسيحاني منيعا إلى الأبد من سوء الاستخدام؟ على سبيل المثال، هل تعد الحرب على الإرهاب، تعبيرا كافيا عن رسالة أمريكا العالمية أم صورة كاريكاتورية منذرة بالخطر عنها؟
الرموز المسيحانية
هنالك سبب وجيه يدعو للتأمل في السؤال التالي: هل يمكن للمزاعم المسيحانية أن تتسق مع الحاجة المتنامية لأمم الأرض إلى العمل معا». حسب ذلك التعبير المألوف الذي يقترح حل الصراعات بطريقة ودية. عند هذه النقطة من محاولتي فهم المفهوم الذاتي له أمريكا»، أجد من الملح معاينة كيف نقلت فكرة المسيحانية السياسية لـ الأمة المنقذة، إلى زهاء ثلاثمئة مليون مواطن ما الذي جعل من الممكن للرجال والنساء المنتمين إلى أكثر الخلفيات في العالم تنوعا على صعيد الديانات والتقاليد والثقافات، أن يعدوا أنفسهم أمريكيين؟ ما الذي يشجع ويروج هذا التماهي السريع مع أمريكا المسيحانية من الواضح أن ذلك لا يمكن تحقيقه عبر الخطاب العام وحده كما تمثل في خطب أداء القسم أو حالة الاتحاد التي ألقاها الرؤساء، قد نجد أحد الأجوبة في الاتصال الرمزي الذي يبدو أنه يربط الشعب الأمريكي برباط وحدة المشاعر فيما يتعلق مثلا بالعلم الأمريكي وأهم عيدين وطنيين، عيد الشكر وعيد الشهداء.
في عام 1965، خلال إقامتي الأولى في الولايات المتحدة، دهشت وذهلت الرؤية العلم الأمريكي مرفرفا على كل كنيسة، وفي كثير من الأحيان في الجزء الرئيسي من الصحن أي أقدس مكان فيها. ألم أتعلم أن الفصل الصارم بين الكنيسة والدولة يعد واحدا من أهم منجزات أمريكا الخاصة ومبادئها التي لا يمكن انتهاكها؟ الدستور لا يجيز إنشاء كنيسة للدولة ( مثلما هي الحال في البلدان الاسكندنافية). ولا ضرائب كنسية ( كما في المانيا والنمسا وسويسرا ) ، ومع ذلك، هنالك علم فوق كل كنيسة أخبرني صديق خلال حرب العراق عام 2003 أن النشيد الوطني الأمريكي تردد في كل قداس أقيم في كنيسته. فكيف أمكن اجتماع العلم والصليب يمثل هذا التجانس والتوافق؟
حين وصلت إلى أمريكا عام 1965، لم يكن قد مضى سوى عشرين عاما على نهاية الهياج القومي المحموم للنازيين في المانيا، لذلك كان التعبير عن العواطف الوطنية يثير الشكوك في نفسي، إذ يستحيل أن يفكر أحد برفع علم جمهورية المانيا الاتحادية على إحدى كنائسنا. وما زال الأمر غير وارد حتى الآن. لكن في الوقت ذاته هنالك علاقة مؤسسية وثيقة بين الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والدولة الوطنية الألمانية. ومن بين العديد من الأمور الأخرى تعمل الحكومة الوطنية الألمانية كجابي ضرائب للكنيسة وتدفع تكاليف التعليم الديني في المدارس العامة. وصحيح أن الفائزين في المناسبات الرياضية الدولية أصبحوا يلفون أنفسهم بأعلامهم الوطنية كما جرت العادة منذ سنوات، والرياضيين الألمان ليسوا استثناء في هذا السياق، إلا أن من النادر أن يرفع المواطن الألماني علم بلاده أمام بيته.
في صيف عام 1966، عملت مدة ثلاثة أشهر في أبرشية في فيلادلفيا. وكان راعي الأبرشية وزوجته وأطفالهما الخمسة يمضون عطلتهم في بيتهم الصيفي في فيرمونت ودعوني للانضمام إليهم في عطلة نهاية الأسبوع. استمتعت كثيرا بالزيارة لعدة أسباب لكنني رأيت شيئا حيرني ففي الصباح، قبل تناول الفطور، جمع الجد أحفاده الخمسة قرب بركة السباحة، وفي حين تشرف أحدهم برفع العلم، اصطف الآخرون وأيديهم اليمنى على قلوبهم، وأدوا التحية لعلم الولايات المتحدة.
من المؤكد أن الحدث عابر وغير مهم لكنني قلت في نفسي هكذا تبدأ المسألة. فالارتباط مع رمز أمريكا الجميلة، ينطلق من حافة بركة السباحة في المنزل، من بيوت أروع الناس من العائلات المحبة والكريمة التي ترعى أبناءها ويستمر في المدارس والمعسكرات الصيفية ويصبح جزءا طبيعياء من الأحداث الرياضية والاحتفالات العامة، وهكذا يغدو العلم جزءا لا يتجزأ من نسيج المشاعر الوطنية بطريقة لا نجدها في أي مكان آخر، مثلما أكد صمويل هنتنغتون على الرغم من عدم وجود إحصائيات مقارنة دقيقة، إلا أنه لا يوجد بلد آخر على ما يبدو يتمتع فيه العلم الوطني بمثل هذا الحضور المنتشر على أوسع نطاق ويحتل الموقع المركزي في الهوية الوطنية. وكما قال إدوارد سعيد المفكر الكبير الفلسطيني الأصل: لا أعرف بلدا آخر يجسد فيه العلم الخفاق مثل هذا الرمز المركزي. أنت تراه في كل مكان.. فهو يجسد بطريقة فريدة وغريبة الصورة الذاتية للأمة، ويمثل الثبات البطولي والاعتقاد بأن أمريكا مطوقة من أعداء لا قيمة لهم .
هذا أمر جيد، أليس كذلك؟ أم أنه ليس جيدا كثيرا؟ لربما أبالغ في الشك والارتياب بسبب خلفيتي الألمانية، لكن سؤالي يبقى كما هو متى يتحول الرمز الإيجابي إلى رمز سلبي؟ بعد هجمات سبتمبر الإرهابية عام 2001، غرقت الولايات المتحدة تقريبا في بحر من الأعلام. أعتقد أن ذلك استعراض يستهدف إلى حد ما إعادة الاطمئنان والالتزام في مواجهة تلك الهجمات الصادمة، لكن، من ناحية أخرى، مثل الاحتشاد حول العلم طريقة لكبت الانتقادات غير المستساغة ووسيلة لإعداد وتهيئة الشعب الأمريكي وجدانيا وعاطفيا للحرب على الإرهابيين.
وفي حين أن العلم هو رمز أمريكا المرئي باستمرار، إلا أن الأعياد والعطلات الوطنية طقوس تتكرر كل سنة. فعيد الشكر يعود إلى أول احتفال للحجاج، الذين قدموا الشكر الله على نجاتهم من أخطار البرية سرعان ما سيتجاهلون حقيقة أن بقاءهم يعود غالبا إلى المساعدة الفاعلة التي قدمتها القبائل الهندية المحلية المحيطة بهم). وأصبح عيد الشكر التعبير الرامز عن أمة تدرك الدعوة الإلهية الموجهة إليها وتلتزم مقاومة الضغوط المهددة من البراري المتوحشة. ومن المؤكد أن معظم الأمريكيين يحتفلون بعيد الشكر بوصفه مناسبة عائلية. وبذلك فهو لحظة لتقدير قيمة الشبكات الداعمة من الأسر والأصدقاء. لكن الرسالة القديمة ما زالت جزءا منه على الأقل في العناصر الريفية المميزة العشاء عيد الشكر.
لعيد الشهداء طبيعة مختلفة، فقد استمد إلهامه، جزئيا، من المراسم التي أقيمت عام 1863 تخليدا لأولئك الذين سقطوا في معركة غيتز برغ وخطبة ابراهام لينكولن الشهيرة ( خطبة غيتز برغ) محاولة لإعطاء معنى المقتل الضحايا في الحرب الأهلية: نحن هنا مصممون على أن هؤلاء الموتى لم يقضوا عبثا، وأن هذه الأمة، رعاها الله، سوف تبعث الحرية من جديد وأن هذه الحكومة التي تحكم باسم الشعب ومن أجل الشعب لن تزول من الأرض مرة أخرى، تكشف هذه الكلمات التقليدية المسيحانية السياسية له التجربة الأمريكية انبعاث الحرية ستحققه تضحية من ماتوا ويموتون - في ميدان المعركة يستحضر هذا التفسير تضحية المسيح في سبيل خلاص العالم. فضلا على ذلك، حين اغتيل ابراهام لينكولن في الجمعة العظيمة من عام 1865 اكتسب موته أيضا معنى التضحية والفداء الذي جعلته قصائد ومحاضرات والت ويتمان شعبيا ومنتشرا بعد الحرب. وبدا لويتمان والكثيرين غيره أن لينكولن قدم حياته أيضا في سبيل رفاهية وسعادة - وخلود - الأمة. أما الروابط الجامعة بين تضحية المسيح في سبيل خلاص البشر وموت الجنود الأمريكيين من أجل إنقاذ العالم فواضحة لا لبس فيها. فالأمة التي هي تحت رعاية الله، تعد نفسها أداة التضحية الربانية من أجل الأمم الأخرى على الأرض والذين سقطوا في هذا النضال هم شهداء ضحوا في سبيل عالم أفضل سيأتي.
في حين أصبح عيد الشكر رمزا لقيم العائلة، التي يعتمد عليها كل أمريكي - وكل إنسان - فإن عيد الشهداء تعبير رامز لدين أمريكا المدني الذي يستحضر فيه الدور المسيحاني لهذه الأمة التي هي تحت رعاية الله مرارا وتكرارا الرئيس جورج بوش قال ما يلي في خطبة ذكرى القتلى الأمريكيين في مقبرة ارلنغتون عام 2005 عندما تنظر عبر هذا الميدان نرى حجم البطولة والتضحية.. كلهم وقفوا لحماية أمريكا.. وبسبب تضحية رجالنا ونسائنا في القوات المسلحة، سقط إلى الأبد نظامان إرهابيان، وتقدمت الحرية، وأصبحت أمريكا أكثر أمانا.
من الواضح أن الاحتفالات الرمزية تؤدي وظيفة إعادة توكيد وترسيخ التزام مواطني أي بلد الأهداف التي وضعها لهم زعماؤهم وقادتهم. ومراسم وضع إكليل الزهور على ضريح المجهول في مقبرة ارلنغتون في عيد الشهداء ضرورية لتعميق التواصل الرمزي بين الأمريكيين وتأكيد قبولهم بالحرب في العراق التي فقدت شعبيتها بصورة مطردة.
لكنني لا أرغب في تجاهل حقيقة أن عيد الشهداء أقل شعبية بكثير من عيد الشكر، فضلا على أن من المهم تذكر أن هذين العيدين الوطنيين ليسا الوحيدين في الولايات المتحدة، فهنالك عيد يستحق انتباها خاصا هو إحياء ذكرى مارتن لوثر كينغ الذي أقره الكونغرس وجعله الرئيس ريغان قانونا عام 1986. فقد أصبح إحياء هذه الذكرى الذي سيقه كفاح من أجل اعتبارها عيدا وطنيا، تعبيرا رمزيا عن نضال أمريكا المستمر في سبيل الحريات المدنية لكل مواطن. وبذلك، فهو مثال معبر عن التنوع الخلاق داخل المجتمع الأمريكي ويضيف مظاهر جديدة ونقدية للخطاب الرمزي الذي يجمع الأمة معا، في الوقت ذاته، يجب ألا تتجاهل حقيقة أن عيد ذكرى مارتن لوثر كينغ لم يحظ حتى الآن بأهمية وانتشار العيدين الآخرين المذكورين أنفا، ومع أنه أصبح عطلة اتحادية رسمية، إلا أن بعض الولايات تباطأت وترددت في قبوله.
شعب مختار ونصر مختار
ما الذي يحدث حين تعد أمريكا نفسها أداة مختارة من رب التاريخ؟ وما هي عاقبة منح الذين يموتون من أجل هذه المهمة الرسالة، مكانة الشهداء؟ لا بد لمثل هذه الأمة أن تزعم أنها على جادة الصواب دوما، أمة خيرة وعادلة، ومن ثم بريئة من أي دم يسفك يستشهد مولتمان بجون ادامز، الذي كتب رسالة إلى توماس جيفرسون قال فيها: لابد أن تمضي مئات السنين قبل أن يصيبنا الفساد، فجمهوريتنا النقية الفاضلة الاتحادية التي تهتم بسعادة ورفاهية عامة الناس سوف تبقى إلى أبد الآبدين وتحكم العالم وتعرفه كمال الإنسان تحدث توماس جيفرسون بدوره عن الجمهورية الفتية بوصفها أمة بريئة في عالم شرير، في تلك الأيام، بدا صائبا بالتأكيد، خصوصا عند مقارنة مجتمعات المستوطنين الفتية في العالم الجديد مع الدول الإقطاعية في أوروبا وسياستها المخادعة القائمة على القوة. في تلك السنوات المبكرة، كان يبدو من السهل لأولئك الذين أفلتوا من قبضة التعجرف والتيه والفساد في أوروبا القديمة، أن يعدوا أنفسهم شعبا فتيا ونقيا، شعبا مختارا ومدعوا لتنفيذ إرادة الرب والتمهيد للمرحلة الأخيرة من التاريخ وكمال الإنسان.
طالما ظلت الولايات المتحدة الوليدة، وفقا لبنود الاتحاد ضعيفة وعاجزة، فإن هذه المزاعم التي تدعي البراءة والطهر لا تسبب أي ضرر.
لكن ذلك تغير بصورة درامية حين بدأت الولايات المتحدة احتلال وفتح المناطق الواقعة إلى الغرب من المستوطنات الأصلية. فمنذ عام 1817. طالب مبدأ مونرو بضرورة أن تمتنع البلدان الأخرى عن استعمار القارة الأمريكية، الشمالية والجنوبية التي أعلنت مجالا حيويا لنفوذ الولايات المتحدة، ولأنها لن تتدخل في شؤون الدول الأوروبية، فهي تنتظر من القوى الأوروبية الابتعاد عن القارة الأمريكية. كان مبدأ مونرو تعبيرا عما أدعوه اكتشاف العظمة. فالمتطهرون ( البيوريتان الذين غامروا في البرية كشفوا في نهاية المطاف الإمكانات الهائلة والمغرية للعالم الجديد (والأوسع). فهنا تمتد فضاءات مفتوحة للتقدم المسيحاني للشعب المختار.
بحلول عام 1850، أصبح من المعتاد القول إن قدر أمريكا المحتوم يفرض حيازة وامتلاك الأرض، وسيصبح الغرب الضاري، جنات عدن. ها هم قساوسة الكنيسة المنهجية يتجولون على ظهور الخيل لترسيخ الطرائق الربانية بين الخارجين على القانون والوثنيين، في حين فتحت السكك الحديدية البلاد وجعلت من الأسهل على المسافرين إلى الغرب البحث عن الأرض والذهب وبدا أن شهية الذين كانوا جزءا من هذه الموجة الكاسحة التي اجتاحت القارة الأمريكية، للفتح والتوسع، لا تهدأ ولا تشبع، وأنهم - على الصعيد الديني - خاضعون لقدر العناية الإلهية وراتعون في بركاتها. ولذلك أصبح من الطبيعي ألا يعدوا من يعترض هذه الحركة الكبرى عدوهم الدنيوي فقط بل عدو الله ومعارض القدر الإلهي أيضا. ولم يكن السكان المحليون الهنود مجرد شعب وثني يجب هدايته ثم دمجه في الجسد السياسي تحت مظلة الحكم المنظم فقط وهذا ما حدث غالبا في أمريكا اللاتينية بل هم حجر عثرة في سبيل الله، ومن ثم كان من المحتم إبعادهم عنه.
أصبح القدر المحتوم مفهوما ذرائعيا يبرر تجاوزات وانتهاكات عمليات فتح الأراضي واحتلالها وساعد على تبرير الحروب الهندية، إضافة إلى الحرب الإسبانية - الأمريكية عام 1898 ، وأخيرا وليس آخر، شراء الفيليبين واحتلالها ردحا من الزمن .
القدر المحتوم ذريعة تبريرية خطرة لأنها تساعد على ترسيخ ازدواجية فهم التاريخ وتضع الشعب المختار في مواجهة الشعوب غير المختارة، وتسمح بتمييز سطحي وسهل بين الصواب والخطأ. و الأخيار» و«الأشرار»، و«الخير» و«الشر». وما أجده محفوفا بالخطر على وجه الخصوص الزعم الضمني بالبراءة، فهذا يجعل من الصعب على المنتصرين رؤية معاناة وآلام العدو، ويسهل عليهم إنكار ذنبهم .
أستطيع تسليط الضوء على ما يمكن للزعم المسيحاني أن يفعله في هوية الأمة عبر الإشارة إلى ملاحظات المختص الأمريكي في العلاج النفسي فاميك فولكان (18). فهو يظهر أن التجارب والصور التاريخية الحاسمة يمكن أن تمارس تأثيرا تكوينيا في الفهم الذاتي للشعوب. فبالنسبة للشعب الصربي مثلا خدمت هزيمته أمام جيوش الإمبراطورية العثمانية الزاحفة عام 1389 كمفتاح تأويلي يقرر دعوته ورسالته التاريخيتين. ومن المؤكد أن معركة كوسوفو (1389) كانت بالنسبة له تجربة صادمة لأنها رسخت موقعه الخاضع داخل الإمبراطورية العثمانية المسلمة. لكنها أصبحت أكثر من مجرد حادث مأساوي في تاريخ الصرب فقد حولوها إلى الصدمة الواحدة والوحيدة التي يفسرون بواسطتها ذواتهم وأمتهم - عليهم الوجودية، يسمي فولكان هذه العملية التأويلية الصدمة المختارة . وهو لا ينكر وقوع حدث صادم لكنه يشير إلى أنه حين تعد عملية اختيار مثل هذا الحدث المفتاح التفسيري الوحيد للصورة الذاتية لأمة بأسرها، تصبح النقطة الحصرية لتوجه هوية الأمة، وهذا يقتضي ضمنا استحالة دمج التجارب التاريخية الأخرى بصورة كافية، لتقرر الصدمة المختارة السرد التاريخي الرسمي للأمة ومن ثم خياراتها السياسية. في حالة صربيا، زود هذا النزوع زعماءها بالذريعة التبريرية لشن الحرب الأهلية للسيطرة على كوسوفو عام 1989: فقد أشاروا صراحة إلى الذكرى الستمئة المعركة كوسوفو.
يتابع فولكان ليبين أن هناك أمما أخرى تؤسس هويتها لا على الصدمة المختارة بل على النصر المختاره فهي تختار تجربة أصلية إيجابية توظف كمفتاح تأويلي مهيمن لفهمها الذاتي ومن ثم الخياراتها السياسية. يقول فولكان إن الأساطير المؤسسة للولايات المتحدة غدت شيئا يشبه نصرا مختارا. ونظرا لأن الأمة قد تأسست برعاية العناية الإلهية. وتحققت نجاحاتها بفضل الهداية الربانية، فلا يمكنها تصور سيرورتها الآتية إلا بطرائق انتصارية.
ومن ثم فإن التجربة المسيحانية تحمل علامات النصر المختار مرة أخرى نقول إن من المتعذر إنكار الانتصارات العظيمة التي حققتها الولايات المتحدة النقطة هي أن الأمة حين ترى انتصاراتها العظيمة في صورة نصر مقدر من السماء، فإنها تمنع نفسها من إدراك تأثير هذه الانتصارات على الآخرين، وهذا يساعد في تفسير الدافع الذي جعل العديد من المواطنين الأمريكيين ومنهم الرئيس نفسه يعجزون في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر عن فهم السبب وراء هذا القدر من الكراهية للولايات المتحدة في العالم، ويساعدنا أيضا في فهم الباعث وراء قبول مواطنيها بهذه اللامبالاة المهمة الجديدة التي سميت رسميا الحرب على الإرهاب .
كنيسة الدولة والدين المدني
في آذار/ مارس 2003 نشرت المجلة الكاثوليكية البريطانية ذي تابلیت مقالة لكليفورد لا نغلي يقارن فيها العلاقة بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء توني بلير فيما يتعلق بكنائس كل من البلدين. إذ يقول الزعيمان كلاهما إنهما مسيحيان ملتزمان الرئيس بوش يستخدم صراحة اللغة الدينية ويختتم خطبه بانتظام بالدعاء إلى الله كي يمنح بركاته إلى الولايات المتحدة (مع أن التعديل الأول من الدستور ينص على الفصل الصارم بين الكنيسة والدولة)، يجد العديد من المراقبين الأوروبيين هذا التعبير الرئاسي عن التقوى والورع الديني ملغزا ومحيرا، ولم ينسوا حقيقة أن العديد من الكنائس الرئيسة في الولايات المتحدة انتقدت علنا - وباسم الله أيضا - الرئيس بسبب شن الحرب على العراق، في حين أن كنائس أخرى، ومعظمها من طبيعة أكثر محافظة امتدحت بوش بوصفه عبد الله المطيع ومنفذ إرادته لأنه يشن الحرب على الإرهابيين. وفي الحقيقة، فإن الكنيسة المنهجية ( الميثودية ) المتحدة، كنيسة الطائفة البروتستانتية التي ينتمي إليها الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني رفضت سياستهما الحربية في العراق . إذن، أي مرب، يتحدث عنه الرئيس ومختلف الكنائس المسيحية؟ يبدو للمراقب البعيد وكأنما هنالك علاقة حميمة بين الدولة والكنيسة، بل أكثر حميمية مما أجازه وبرره الدستور.
يغاير لانغلي هذه المشاهدة مع الوضع في إنكلترا، حيث الكنيسة الانكليكانية راسخة الجذور، ويجب أن يكون رئيس الوزراء عضوا فيها. في الوقت ذاته، يجب أن يوافق رئيس الوزراء على انتخاب أسقف كانتربري وأن يكون الأسقف نفسه عضوا في مجلس اللوردات، لكن على الرغم من هذه الرابطة الوثيقة بين الدولة والكنيسة، هنالك بالطبع عدد من الكنائس الحرة في بريطانيا. الأسقف روان وليامز عرف بانتقاده الحاد الانضمام بلير إلى الولايات المتحدة في الحرب على العراق، ولذلك، استنتج لانغلي أنه لو راقب شخص من كوكب آخر بوش وبلير لتوصل إلى نتيجة مفادها أن بوش أقحم الدين في شؤون الدولة، في حين كان المطلوب من بلير إبقاء الدين والسياسة منفصلين تماما .
ليس شرطا أن تأتي من كوكب آخر لكي تخطئ في تفسير ما تراه. فكثيرا ما تجاهل المراقبون الأجانب حقيقة أن الثقافة السياسية للولايات المتحدة ترتكز على ما دعاه روبرت بيلاه الدين المدني أكثر من ارتكازها على الكنائس المسيحية، ومن المؤكد أن الدين المدني في أمريكا يعتمد اعتمادا شديدا على الصور والرموز المسيحية، لكن يمكن أن يشمل بكل سهولة إشارات إلى اليهودية والإسلام والتقاليد التراثية الدينية الأخرى. والمثال المعبر على ذلك قداس العبادة، الذي أقامته الكاتدرائية الوطنية في واشنطن دي سي (16) أيلول / سبتمبر (2001). فقد صمم ليكون الرد الأمريكي الرسمي على هجمات سبتمبر الإرهابية على البرجين التوأمين في نيويورك ومبنى البنتاغون ( إضافة إلى الهجوم الفاشل الذي كان يستهدف البيت الأبيض على ما يبدو. شارك في اللقاء ممثلون عن مختلف الديانات وتحدث الرئيس من فوق المنبر وأنشد الحضور «ترتيلة معركة الجمهورية - ولم يغب أي من مكونات الطقوس الدينية.
