تربية الموهوبين دون أطفال موهوبين
لا وجود لمفهوم الموهبة
James H. Borland جيمس هـ بورلاند
إنني على ثقة تامة بأن مفهوم الموهبة الموضح في هذا الفصل يختلف إلى حد كبير عن تلك المفاهيم الواردة في الفصول اللاحقة من هذا الكتاب، من حيث إن المفهوم الذي قدمته لا بعد مفهوما على الإطلاق وهذا لا يعني أنني اخترت أن لا أقدم مفهوما للموهبة، بل على العكس تماما، فأنا أطرح فكرة أنه لا يوجد مفهوم محدد للموهبة مما يمكن أن يحدث تطوراً إيجابياً في حقل تربية الموهوبين.
وحتى أكون واضحاً حول ما أدافع عنه سأقوم بعرض موقفي بوضوح إنني أعتقد أن مفهوم الطفل الموهوب هو مفهوم يتعذر الدفاع عنه منطقيا وعمليا وأخلاقيا إذا أخذنا بالحسبان تبعات تطبيق هذه المفاهيم في التعليم الأمريكي، إضافة إلى أن إمكانية إدراك أهداف حقل تربية الموهوبين يصبح أفضل إذا نحن استغنينا عن هذا المفهوم بالكامل وحيث إنني أدرك أن ما أقدمه هو موقف متطرف ويتناقض مع موقف المساهمين في تأليف هذا الكتاب، فإنني أرغب في توضيح موقفي وما أدافع عنه قبل أن أقوم بمناقشة حجتي إنني أكتب بوصفي تلميذا في حقل تربية الموهوبين، وقد التحقت ببرامج خاصة للطلاب الموهوبين، وحصلت على درجة الدكتوراه في هذا الحقل وبناء عليه، فإنني أعتقد أن هناك فروقا فردية في أداء الطلاب الدراسي في مرحلة التعليم الأساسي والثانوي قد تنتج من تعقيدات العوامل المركبة للقدرة والدافعية.
والعوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تتضمن تضمينات تربوية هامة بعبارة أخرى. فبالرغم من أنني أثق بأن الطلاب جميعهم متساوون في الحقوق والحاجة إلى تعليم مناسب إلا أنني لا أعتقد بأن ما بعد تعليماً مناسباً هو نفسه الجميع الطلاب من الفئة العمرية الواحدة، وعليه، فعلى يكون المعلمون أخلاقيين وفاعلين ومؤثرين، يجب عليهم تزويد الطلاب بالخبرات التعليمية التي تراعي الفروق الفردية بين الطلاب في سرعة تعلم المواضيع الدراسية في فترة زمنية محددة إن وجود منهاج واحد يلائم جميع الطلاب لا يعني لي شيئا إنه مثل حذاء من قياس واحد لجميع الناس.
وعلاوة على ذلك، وانسجاما مع زملائي في حقل تربية الموهوبين، فإنني على ثقة بأن الطلاب ذوي القدرات العالية أو ذوي التحصيل المرتفع هم من بين الأفراد الذين يتلقون خدمات غير فعالة عندما لا يتسم المنهاج وطرق التدريس بالتمايز وأنا أؤمن بالمعتقدات الأساسية التي يرتكز عليها حقل تربية الموهوبين، مثل فكرة أن من الخطأ الاعتقاد أنه يمكن للطلاب الأذكياء النجاح بأنفسهم دون مساعدة إذ ما عوملوا وفق سياسة الإهمال المعتدل وبعبارة أخرى، فإنه بقدر ما أدافع عن ضرورة وجود حاجات تربوية للطلاب الذين تلقوا تاريخيا خدمات في مجال الموهوبين، فإني أعتقد أنني اختلف بالرأي مع أولئك الذين يؤمنون بالفكرة الراسخة التي تقول أننا لا تستطيع الحصول على تربية للموهوبين دون أطفال موهوبين من حيث أن هذا التعليم وسيلة وليس غاية. بمعنى أنه في حين أننا نتفق بأن من المهم أن يتم يتوفر للطلاب الذين درجنا على وصفهم بالموهوبين تعليم ملائم، إلا أننا نختلف معهم بخصوص وجود برامج للموهوبين أو حتى مفهوم للأطفال الموهوبين. وكذلك أود أن أوضح أن اهتمامي بتربية الموهوبين يتركز على البرامج التربوية الهادفة إلى تزويد الطلاب بالتدريس والمناهج المتمايزة، وليس على تطوير الموهبة مبكرة النشوء، وأنا اعترف أن هناك أفرادا موهوبين، وحتى أطفالا موهوبين يتمتعون بقدرات متنوعة تستحق هذه التسمية.
مثال ذلك الطفل ذو العشر سنوات الذي قدم كونشيرتو الكمان لبيتهوفين مع فرق موسيقية كبيرة. فهو بالتأكيد طفل موهوب، وكذلك الطفل الذي يكون أداؤه استثنائيا وغير عادي في لعبة الشطرنج أو كرة السلة أو في أي مجال آخر بالمقابل، فإن هؤلاء الأفراد لا يعدون ممن ينطبق عليهم مصطلح الطفل الموهوب، فعادة ما يستخدم هذا المصطلح لتحديد عدد من الطلاب المتميزين في المدرسة التي تطبق برنامج الموهوبين، الذين اختيروا لملء الحصة (الكوتا) السنوية لهذا البرنامج. وهذا هو السياق - سياق الممارسة والسياسة التربوية - الذي اعتقد انه جعل مفهوم الموهبة يعيش الأطول مما يستحق ويستنفد كل فائدة له.
وقد طلب من كل من ساهم في تأليف هذا الكتاب الإجابة عن سلسلة مؤلفة من خمسة أسئلة. أولها «ما الموهبة.. وكان هذا السؤال هو المحور المهم في فرضيتي، وقد كرست له معظم المساحة المخصصة لي في هذا الكتاب
ما الموهبة؟
إن الإجابة المختصرة عن هذا السؤال هي أن الموهبة، ضمن سياق المدارس، ما هي إلا مجرد وهم. وحلم لا سبيل لتحقيقه ولكن، ولأنني شخص أكاديمي، فإن لدي إجابة مستفيضة، المثل في أنني أعتقد أن مفهوم الطالب الموهوب هو مفهوم مفكك وغير متماسك ولا يمكن الدفاع عنه لعدة أسباب. أولها أن مفهوم الطفل الموهوب في التربية الأمريكية هو منشأ اجتماعي مشكوك في صدقه.
والسبب الثاني يتمثل في أن الممارسات التربوية للتوقع وجود طفل موهوب تعد ممارسات غير فعالة إلى حد كبير، وثالثها، يتمثل في أن تلك الممارسات التربوية تسهم في تفاقم التوزيع غير العادل للمصادر التربوية في هذه البلاد. وخلال هذا الجزء من الفصل سأقوم بمناقشة هذه النقاط الثلاث.
ويركز المكون الرابع الفرضيتي على أن إعداد الطفل الموهوب ليس ضروريا، بل إنه ربما يعيق تحقيق الأهداف المتقدمة التي يسعى حقل تربية الموهوبين إلى تحقيقها، وبعبارة أخرى، أنا أناقش فكرة أننا يمكن، بل يجب علينا أن نوفر برامج للموهوبين دون أطفال موهوبين، وسوف أناقش هذه المسألة في القسم التالي من هذا الفصل ردا على سؤال آخر طرح علينا، وهو: كيف يجب علينا تدريس الأفراد الموهوبين في المدرسة وغيرها من الأماكن?
المصداقية المشكوك فيها لفكرة الطفل الموهوب
لم يكن مفهوم الطفل الموهوب شائعا في القرن التاسع عشر، لأن هذا المفهوم ببساطة لم يدر في خلد أحد، وقد بدأ استخدام هذا المفهوم - حسب علمي في العقد الثاني من القرن العشرين نتيجة الالتقاء العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية الاجتماعية معا. ومع نشر كتاب «المشكلات الصفية في تربية الأطفال الموهوبين، وهو الكتاب السنوي التاسع عشر للجمعية الوطنية للدراسات التربوي (1920 ,Henry) الذي نشر في نهاية ذلك العقد اعترفت المؤسسة التربوية بوجود أطفال موهوبين في مدارسنا.
وعندما أضع مفهوم الموهبة ضمن سياق مكاني وزماني، فإني أشير إلى المصادفة التاريخية. ذلك أن الموهبة لم تكتشف إلا في العقد الثاني من القرن العشرين، وقد طرأ تقدم تدريجي وازدهار في فهم الموهبة خلال العقد الثالث وبالأخرى فإن الاهتمام الذي شهده ميدان الموهوبين في تلك الفترة، يعكس قوى معينة خدمت المصالح السياسية الاجتماعية التي كانت تتحكم بالنظام التربوي. وإذا كانت فكرة الأطفال الموهوبين ضرورية، فقد انبثقت من حاجة تاريخية وليس نتيجة للأبحاث التجريبية. وفي الحقيقة أن مفهوم الموهبة والتمسك به قد استمر لأنه خدم، وما يزال، مصالح الذين يسيطرون على المدارس، والأنظمة التي كانت توجه التعليم الأمريكي في ذلك الوقت.
ومن العوامل التي اعتقد أنها قادت إلى اختراع مفهوم الطفل الموهوب، هي حركة الاختبارات العقلية التي بدأت في بداية القرن العشرين وبعد لويس تيرمان Lewis Terman الأب الروحي التربية الموهوبين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الذي طور مقياس ستانفورد - بينية للذكاء وبعد كذلك واحدًا من أكثر المسئولين عن ،Stanford-Binet Intelligence Scale انتشار الاختبارات العقلية في المدارس الأمريكية. وعليه، فليس من الصعب فهم الحماس الكبير الاستخدام الاختبارات العقلية، وخاصة اختبارات نسبة الذكاء IQ في هذه الفترة، وكانت هذه الأدوات تعد طرائق علمية في الوقت الذي كان يتمتع فيه هذا المصطلح بالاستحسان والقبول. لقد كان الاعتقاد السائد في تلك الفترة أن الذكاء مجرد قدرات عامة وكمية، ويوجد عند جميع الأفراد بدرجة أو بأخرى.
كما يؤكد سبيرمان 1927 ,Spearman وباحثون آخرون وكان ينظر إلى الاختبارات العقلية على أنها أدوات حديثة تسمح للمختصين بتقويم مقدار الذكاء العام الذي يمتلكه الفرد بغض النظر عن حالته وظروفه وقد تبدو لنا اليوم هذه النظرة الحداثية للاختبارات العقلية غريبة وبسيطة، مثلما تبدو أشياء كثيرة من خلال عدسة التاريخ، ولكن تقبل هذه الاختبارات على أنها أدوات علمية موضوعية قيمة، أدى إلى الاستخدام الواسع لها في المدارس وذلك لتصنيف الأطفال، وتوجيههم وتجميعهم، وكذلك لضبطهم.
كما يقول باحثون آخرون، وكان الانضباط بعد أمنية في ذلك الوقت نظرا لزيادة التنوع والاختلاف في المجتمع المدرسي، وهذا هو العامل الثاني من بين العوامل الرئيسة التي أرى أنها أوجدت الظروف التي أدت إلى تطور مفهوم الطفل الموهوب.
وقد شهدت الولايات المتحدة في العقد السابق للحرب العالمية الأولى، ومرة أخرى في مطلع العشرينيات من القرن الماضي - تدفق موجة من المهاجرين الذين قدموا إليها من مناطق مختلفة من استراليا وهنغاريا وايطاليا وروسيا، حيث استقروا وأطفالهم القادمون معهم أو المولودون بعد وصولهم في مناطق عيشهم الجديدة. ونتيجة لاختلاف اللغة واللباس والمعتقدات الدينية وعدد من العوامل الثقافية الأخرى التي لا يتشابه بها هؤلاء الأطفال مع الأطفال الذين اعتاد المعلمون على التعامل معهم في الولايات المتحدة، فقد واجه النظام التعليمي مجموعة من التحديات غير المسبوقة. وقد رد النظام على هذا التحدي بأمركة Americanization هؤلاء الأطفال أي مجانسة الأطفال من من دخول المدرسة من خلال مجموعة من الخبرات المدرسية المشتركة الهادفة إلى تلقين هؤلاء الأطفال المعايير المستمدة من تراث أوروبا الغربية التي يؤمن بها من يمسكون بالسلطة في الولايات المتحدة وهذا هو الهدف المعلن للنظام التربوي الأمريكي العام.
وقد ساهمت العديد من العوامل الأخرى في زيادة التنوع والاختلاف في المجتمع المدرسي، فعلى سبيل المثال، لوحظ الاختلاف في الأداء داخل غرفة الصف بصورة أكبر نتيجة لقوانين الزامية التعليم حيث أصبح الطلاب الذين كانوا سابقا يتجنبون المدرسة ويفضلون العمل في مصنع أو مزرعة، يقضون في المدرسة وقتا أطول، بالرغم من قلة اهتمامهم بالتعليم الرسمي أو استعدادهم له وكانت هناك أيضا فروق كثيرة في الأداء في الاختبارات العقلية المذكورة سابقا، وهذا أمر لا يدعو للاستغراب، في ضوء عدم التجانس اللغوي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي الطلاب المدرسة الخاضعين لاختبارات القدرات ونتيجة الشيوع استخدام اختبارات الفاء وبيتاء للجنود في الحرب العالمية الأولى، وكذلك التنظيم درجة الذكاء ضمن منحنى التوزيع الطبيعي، فقد وقع عدد ملحوظ ومتوقع من الأطفال فوق أو أدنى من معدل درجة ذكاء 100 درجة بانحراف معياري مقداره واحد أو اثنان، أو ثلاثة، أو أكثر
وبناء على ما سبق، نجد أن انتشار استخدام اختبارات القدرات العقلية في المدارس والتنوع الكبير بين مجتمع الطلاب يعدان من العوامل المهمة التي غذت بعضها البعض بطريقة تكافلية. وكلما ازداد التنوع والاختلاف في المجتمع المدرسي، زادت الحاجة إلى الأدوات مثل الاختبارات، لتحديد عدد الطلاب والسيطرة عليهم وضبطهم وكلما زاد عدد الطلاب الذين يخضعون للاختبار، زاد انعكاس الفروق اللغوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية بينهم في صورة درجاتهم في الاختبارات، أي في التنوع الكبير في مجتمع المدرسة.
)Gallagher, 1995( المذكور في )Foucault( ويمكننا العودة إلى أعمال فوكو لفهم كيف أدت العوامل سابقة الذكر إلى بناء وإنشاء هذه المفاهيم مثل مفهوم الموهبة، حيث يعتقد فوكو، أن النظام والضبط في المجتمعات المعاصرة لا يمارس من خلال الاستعراض الفظ لقوة الدولة الإعدامات في الساحات والمواكب الضخمة وغيرها، ولكنه يمارس من خلال نظم إنتاج المعرفة وهو يرى أن القوة والمعرفة عنصران متلازمان لا ينفصلان، ومما جاء في كتاباته القوة والمعرفة تتضمن إحداهما الأخرى بشكل مباشر... فلا توجد علاقة دون أن يكون لها ارتباط بحقل ما من حقول المعرفة، كما لا توجد أي معرفة لا تشكل في الوقت ذاته علاقات قوة (199527) ويعتقد فوكو، أن القوة تتطور من خلال عدد من العمليات أو ما وصفها بأعمال شطارة صغيرة مع القدرة كبيرة على الانتشار تلبي الحاجة إلى المعرفة التي يعتمد عليها النظام ومما قاله : « إن نجاح قوة الضبط مستمد بدون شك من استخدام أدوات بسيطة تتضمن الملاحظة الهرمية Hierarchical ودمج هاتين .Normalizing Judgment والحكم التطبيعي Observation )1995, p.170) Examination الأداتين في إجراءات محددة لها تدعى الاختبار وتعرف هذه الأدوات به تقنيات القوة Technologies of Power
وبالعودة إلى نقاشنا السابق حول الاختبار ونمو التنوع في مجتمع المدرسة في بداية القرن العشرين يمكننا ربط وسيلة فوكو الأولى في تكنولوجيا القوة وهي الملاحظة الهرمية. باختبارات القدرات العقلية. وقد ناقش فوكو الملاحظة الهرمية من منظور هندسة السجن النموذجي Panopticon وهو السجن الذي صممه الفيلسوف وعالم الاجتماع البريطاني جيرمي بنظام Jeremy Bentham في عام 1785 بحيث يرى داخل السجن من نقطة واحدة، وهناك يدرك كل نزيل أنه يعيش تحت مراقبة دائمة ومتواصلة من قبل حارس مجهول بالنسبة إليه، والدفع النزيل إلى الاقتناع بوجود مراقبة دائمة وبذلك تتأكد الوظيفة الآلية للسلطة (1995,201)، ويناقش فوكو، أن المعلمين يقومون بالشيء نفسه من خلال اختبار الطلاب حيث يذكرون الطلاب بأنهم تابعون للبالغين الذين يستطيعون مراقبتهم من موقع قوة إضافة إلى أن الطلاب يستدخلون» معرفة أنهم يخضعون للمراقبة الدائمة، أي إجراء الاختبارات، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة، حيث تصبح هذه المعرفة جزءا من ذواتهم وعليه، فإن إدراك الأفراد بأنهم خاضعون للمراقبة والملاحظة تعد وسيلة قوية للضبط والتنظيم.
وتتجلى تقنية القوة الثانية وهي الحكم التطبيعي. كما أعتقد في الطريقة التي استخدمها المعلمون في الاستجابة إلى عدم التجانس المتنامي ضمن المجتمع المدرسي في بداية القرن العشرين. وبالتحديد لعدم التجانس في علامات الامتحانات ويعنى الحكم التطبيعي العملية التي تقيس كميا وهرميا قيمة قدرات الأفراد، ومستواهم، وطبيعتهم. وكذلك اقتفاء أثر المحددات التي تحدد الاختلاف )Foucault, 1995, p.183( وعلاقتها بجميع المتغيرات ويظهر الحكم التطبيعي، وهو أداة استخدمت أصلاً لوظيفة تصحيحية في السجون من خلال إخضاع النزلاء جميعهم المنظور واحد، في عدة أمور، يتمثل أولها في تقليص الأبعاد المتعددة للتنوع البشري إلى متصل ثنائي القطب، وثانيها، في تسمية نقاط محددة على هذا المتصل بالمدى الطبيعي. والباقي غير الطبيعي أو الشاذ وهكذا، فإن الطلاب الذين يكون حاصل درجات ذكائهم أدنى من الدرجة المحددة يعدون أفراداً دون المستوى الطبيعي، وأطلق عليهم جودارد (1919,Goddard) عدة مسميات منها البلهاء، والحمقى والمعتوهون والأغبياء، وبالمقابل، فإن الطلاب الذين تجاوزت درجة ذكائهم عتبة محددة أي 140 كما في دراسة تيرمان 1959/1925) يستون بـ الخارقين للطبيعة ... ثم سنوا لاحقاء بالموهوبين بعد نشر كتاب «مشكلات غرفة الصف في تربية الأطفال الموهوبين (1920,Henry)
ومن المهم التأكيد على أن المفهوم الرئيس في هذه العملية وهو الطبيعي Normal كما وضحه فوكو لا يعد اكتشافا بل ابتكارا وهو يطبق على أساس أنه قوة ضبط (حسب كلا المعنيين)، أي للسيطرة والتحكم والتهذيب والعقاب وعن الاختبار Examination التقنية الثالثة للقوة التي تتضمن دمج الملاحظة الهرمية وتطبيع الحكم)، كتب فوكو يقول يجري من خلاله اعتماد نظم الضبط التي يمكن أن توصف بكلمة مختصرة أنها مظهر للقوة التي يقاس عليها الاختلاف الفردي. وبعبارة أخرى، لقد حضرت النظم التربوية ونظريات علم النفس الطلاب ضمن فئات ثلاث هي «طبیعی» و أقل من الطبيعي .. وخارق للطبيعة، أو موهوب).
ومن المفيد التفكير بجذور نشوء مفهوم الموهبة، وفي ما إذا كان دخوله إلى الحقل التربوي كان حتميا أو ضروريا (بالمعنى التربوي، والفلسفي، أو النفسي قد يجادل أحد المنظرين الناقدين أن ابتداع الموهبة كان حاجة تاريخية نشأت من علاقات السلطة المهيمنة في مجتمع غير منصف). والحقيقة أن مفهوم الموهبة لم ينشأ من لا شيء. فمن الواضح أنه كان هناك، وما يزال، وضع في التربية العامة لا يمكن تجاهله، حيث ينمو الأطفال بمعدلات وطرق مختلفة، وهذا بدوره يؤثر في كيفية تعاملهم مع المنهاج الرسمي التقليدي وفهمهم له. ولهذا، إذا كنا معنيين حقيقة بجعل التعليم أكثر عدالة وفعالية. فعلينا أن نجري تعديلات ملائمة على المناهج وأساليب التدريس لتلبية الحاجات الفردية للطلاب والسؤال هنا هو كيف يمكننا أن تفعل ذلك؟
إن إحدى الإجابات المحتملة عن هذا السؤال هي أن نجعل المنهاج والتدريس مرتين بما يكفي الاستيعاب حاجات الطلاب جمعيهم متخلين عن التصنيف والتسمية والاختبارات وفق رؤية فوكوه ويعني هذا أن نفترض أن الاختلاف بين البشر متعدد الأوجه، ومتعدد الأبعاد، وطبيعي .. وأن الأطفال العاديين يختلفون في العديد من النواحي، فبعضهم له قيمة في المجال التربوي مقارنة بالأطفال الآخرين. بيد أن الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في الفترة التي ابتدع فيها حقل تربية الموهوبين، والحركة الشعبية المتصاعدة المطالبة بتحسين كفاءة التعليم الرسمي الأمريكي (1995,Kliebard) أكدت أن تقنيات السلطة، وليس القوى الديمقراطية، هي القادرة على تشكيل صورة الميدان التربوي.
وهكذا، فإن استجابة الأخصائيين الحقيقة أن الأطفال يختلفون في طرق تفاعلهم مع المنهاج المدرسي أو المناهج، بما فيها المنهاج غير الرسمي)، تمثلت في الاقتناع أن جزءا من هذه الفروق. على الأقل، يعود إلى وجود مجموعات متمايزة من الأطفال بمن فيهم الأطفال الموهوبون، الذين يمتلكون خصائص تميزهم عن الأطفال العاديين وعندما يتقبل المرء حقيقة وجود مجموعات منفصلة ومختلفة نوعياً، فإن الخطوات الحتمية اللاحقة في محاولة صياغة تعريف عملي للمجموعات الطلابية المفترضة، وتطوير إجراءات التحديد وتطبيقها لاكتشاف هؤلاء الطلاب، وأخيرا اتخاذ الإجراءات اللازمة لتطوير خدمات تربوية منفصلة وتنفيذها لتلبية حاجاتهم. وقد كان هذا هو المسار المتبع، ويمكنني القول أنه كان السبب في أن لدينا اليوم أطفالاً موهوبين.
وهناك سارق لا مفر منه في الاستنتاج هنا، وخاصة ما يتعلق بالموهبة. فقد كتب سابون - شيفين (Sapon-Shevin) يقول يتفق المشاركون - أحيانا علنيا وأحيانا ضمنيا - على تعريف عام ومن لم يتصرفون وكأن ذلك التعريف يمثل فئة موجودة قابلة للقياس، وبهذه الطريقة تسمح لهذه الفئة لتستقل بحياتها، ويتعلم أفراد المدرسة التعريفات والقوانين الشائعة والعامة لإضفائها على هذه الفئة غير المحددة (1994.121)
ويتعارض هذا التقسيم الساذج والبسيط الجنس البشري إلى مجموعتين خاصتين منفصلتين، وهما مجموعة الموهوبين والبقية (غير الموهوبين؟)، مع خبرتنا في عدة مجالات من النشاط الإنساني. مما يجعلنا نتساءل كيف استمر هذا التقسيم حتى الآن فهل يوجد أي شيء في حياة البشر بتلك البساطة يمكن تقسيمه بسهولة. وهل تتضمن هاتان المجموعتان - مجموعة الموهوبين والبقية (غير الموهوبين) - غير المترابطين والمنفصلين، ما يعنيه هذا التصنيف؟ أي هل الموهبة من صنع ذاتها، وهل تختلف نوعيا عن الوضع الطبيعي، وهل تجعل من يمتلكها مختلفا بوضوح من حيث النوع عن بقية الجنس البشري وهل هناك من يصدق فكرة التقسيم هذه على الأقل بالمعاني التي وردت بها؟ وبالرغم من عدم معقوليتها، فإن هذه المعتقدات تنعكس في الطريقة التي تستخدم فيها كلمة «موهوب» في حديث العامة والمختصين، فنحن نتحدث بعفوية عن تعريف الموهوبين وعن كون الشخص الفلاني موهوباً حقا وعن الموهبة البسيطة.. أو المعتدلة، وحتى الشديدة». وبعبارة أخرى، فإننا نتعامل مع الموهبة كما لو أنها شيء أو حقيقة أو أمر ما يمتلكه الناس، وبخاصة الأطفال.
أو لا يمتلكونه، إنه شيء قائم بذاته لا علاقة له بفهمنا أو تسميتنا له ولو ألقينا نظرة سريعة على حقل تربية الموهوبين، فسوف نجد أن من الصعب تطبيق هذا التقسيم على أرض الواقع بطريقة يمكن الدفاع عنها، وعادة ما أتحدث مع طلابي حول شيء أدعوه بشكل مازح ب الموهوبين جغرافيا وهي الظاهرة الشائعة التي يجد فيها الطفل المصنف موهوبا في مدرسة المقاطعة نفسه في حال انتقاله إلى نظام مدرسي آخر في مقاطعة أخرى أنه لم يعد موهوبا وبالتالي. إذا ما استمررنا في تبني فكرة تصنيف البشر إلى قسمين، بناء على سمات قابلة للقياس يجري على أساسها تصنيف الأطفال من خلال تقويم تربوي صحيح، فيمكننا توضيح أزمة هذا الطفل الوجودية بناء على خطأ القياس أو بتقيد نظام مدرسة معينة بتعريف غير صحيح، للموهبة ولكن ما التعريف الصحيح للموهبة إن إخفاقنا، كمختصين في هذا الحقل، في الإجابة عن هذا السؤال يتعكس في العدد الوافر من التعريفات المقترحة خلال السنوات السابقة فلا توجد إحصائية حسب علمي، توضح عدد هذه التعريفات، فهي غير قليلة، كما أن الاختلاف كبير أيضاً، حد مثلا. التعريفات السيكومترية التقليدية للموهبة الأكاديمية التي تؤدي إلى تسمية الطلاب ذوي درجات الذكاء العالية وذوي التحصيل العالي في القراءة والرياضيات طلابا موهوبين ثم قارن ذلك مع تعريف الحلقات الثلاث ترنزولي (1978,Renzulli) الذي يشترط وجود قدرة فوق المتوسط مترافقة مع الالتزام بالمهمات والإبداع فإذا تحولت مدرسة المقاطعة التي درجت على استخدام التعريف التقليدي للموهبة المعتمد على اختبار الذكاء والتحصيل، إلى اعتماد تعريف ونزولي، وإذا كان الأسلوبان القديم والجديد قائمين حقيقة على التعريفات المختلفة فسوف يحدث تغير واضح في تشكيل مجموعة الأطفال الموصوفين موهوبين وبناء عليه، سيصبح بعض الأطفال الذين كانوا يدعون بالأطفال الموهوبين غير موهوبين، وبالمقابل سيجد بعض الطلاب غير الموهوبين أنفسهم فجأة من فئة الموهوبين.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فإضافة إلى أن هذين التعريفين الموهبة يختلفان إلى حد بعيد عن بعضهما البعض، فإنه لا يوجد أساس تجريبي يمكن الاعتماد عليه لاختيار أحدها على أنه الأفضل. فأنا على قناعة أن عملية تعريف الموهبة هي مسألة تعتمد على القيم والسياسة، وليس على أساس البحث التجريبي فالتعريفات التي تعتمدها العديد من الولايات الأمريكية.. إن لم يكن معظمها، هي تعريفات غير رسمية أو غير شرعية وقد أعطت هذه الممارسات للمعلمين المحليين حرية اختيار، أو كتابة، أو تعريف الموهبة لبرنامجهم للطلبة الموهوبين، حيث يمكنهم والدرجة كبيرة تحديد من هو الموهوب ومن هو غير الموهوب وبعبارة أخرى، فإن الموهبة في المدارس في عبارة عن شيء يمنح.
وليس شيئا يكتشف فهي مسألة سياسة تربوية، وليست مسألة تعتمد على التشخيص العلمي إنها بناء اجتماعي، وليست حقيقة طبيعية. ونستنتج مما سبق أن الموهوب» و «العادي، مجرد تسميات تطلق على مجموعات اجتماعية. وهي تتألف نظريا وعمليا من طرائق متباينة، وغير منطقية وغير نظامية وغير علمية، في العديد من الحالات، فقد أصبحت الموهبة وربما كانت هكذا دائما ما اسماء ستوارت هال وهو مصطلح أشارت ،Floating Signifier بالعلامة العائمة Stuart Hull, 1997 له تعريفات متعددة تعنى أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين إنها كلمة عالمة وغامضة لا معنى لها.
وهذه الإشارات ربما ترمز إلى العديد من الدلالات وربما لأي دلالة، وهي تعني ما يريد من يفسرها أن تعنيه (33.Chandler, 2001, p). وهكذا، فإن عملية التفكير بالأطفال الموهوبين في المدارس، لا تعكس اهتماما طبيعيا بهم، ولكنها طريقة مبتدعة لتصنيف الأطفال الذين يجب أن يحكم عليهم على أساس نفعي أو ذرائعي. وهكذا، فإن السؤال الأساس الذي يجب أن يسأل عن الموهبة، ليس ما إذا كانت موجودة أم لا، ولكن ما إذا كانت مخرجات تطبيق المفهوم، وخاصة في حقل التعليم، هي نتائج مفيدة، وغير مؤذية أو ضارة.
شكوك حول قيمة تربية الموهوبين وفعاليتها
لقد رد بعض الباحثين على الإدعاء القائل أن الموهبة عبارة عن مفهوم أو بناء اجتماعي. وقالوا إن معظم الأشياء يمكن تصنيفها على هذا النحو بدقة وفي هذا الصدد كتب جيمس جالاجر الآتي James Gallagher, 1996(
يجب أن تسلم أن الموهبة في مفهوم بنائي مبتدع ولكن مغنى الأوبرا، هو مفهوم بنائي ولاعب البيسبول أيضاً مفهوم بنائي، وكذلك الرئيس مفهوم بنائي، وكل مفهوم تستخدمه لوصف الجنس البشري هو عبارة عن مفهوم بنائي والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو هل تعد الموهبة مفهوماً تربوياً مفيدا (P.235)
وأعتقد هنا أن جالاجر على صواب عندما ناقش بأننا يجب أن تطبق معيار المنفعة والبراغماتية على المفهوم بدلاً من المعايير الوجودية، ولكنني أود أن أناقش بأن تطبيق هذه المعايير على المفاهيم التي يساويها بالموهبة، يظهر بأنها، خلافا للموهبة، فئات وظيفية لحاجة يمكن إلباتها، وبناء على هذا الأمر، فإن الأوبرا موجودة ولكن لا توجد أوبرا دون وجود مغنيي أوبرا، وكذلك الحال مع لعبة البيسبول، فهي موجودة، ولكن دون وجود لاعب بيسبول لا يوجد فريق بيسبول، وأيضا المدارس موجودة، ولكن هل يمكن لأحد أن يحاجج أن المدارس لا توجد دون أطفال موهوبين
إن إحدى القضايا المتعلقة بفائدة بناء الطفل الموهوب في فعالية برامج الموهوبين وفي هذا الصدد. أعتقد أن هناك أدلة قليلة على أن مثل هذه البرامج فعالة فمعظم برامج الطلاب الموهوبين في هذه البلاد هي السحب المؤقت حيث يقضي الطلاب معظم وقتهم في صفوف عادية تضم طلابا يتميزون بخصائص مختلفة، ويتركون الصف لوقت معين كل أسبوع للالتقاء بمعلم خاص وطلبة موهوبين ومع ،)Shore, Cornell, Robinson & Ward, 1991( آخرين ولتلقي دروس إثرائية ذلك، وحسب سليفن (1999 ,Slavin) وجدت الدراسات المعنية ببرامج الموهوبين أن فعالية هذه البرامج المعتمدة على صفوف خاصة بالطلاب ذوي التحصيل المرتفع يكاد لا يذكر، إلا إذا تضمنت التسريع (P486) وبعبارة أخرى، هناك ما يكفي من الأدلة التي تثبت أن التسريع المستخدم لتمايز المنهاج للطلاب ذوي القدرات العالية، يؤدي الغرض الذي وضع من أجله أي مطابقة محتوى هذه البرامج للحاجات التعلمية للطلاب ذوي القدرات العالية وهناك أدلة مماثلة تبين أن أثر الإثراء في تحقيق الأهداف، عدا هدف تقديم الإثراء بحد ذاته هو أثر خليل في أفضل حالاته (Horowitz & O'brien, 1986)
وقد ذكر بروس شور وآخرون Shore et al) قبل أكثر من عشر سنوات في كتاب أساليب مقترحة في تربية الموهوبين (1991)، أن الوضع تغير قليلا منذ علق باسو على ندرة البحوث في مجال الإدراء خلال العقود الثلاثة الماضية، واستنتج الباحثون أن الدراسات لم تثبت جزئيا أو كليا، أن الإثراء كان من مكونات برنامج الموهوبين الرئيسة، وإنما كان يقدم للأطفال جميعهم بلا استثناء )Passow, 1958(
وهكذا فإن الأدلة التي تدعم فعالية برامج الإثراء المعتمدة على السحب ليست كافية فحسب، ولكن النتائج المتوافرة غير مقنعة أيضاً، وهناك دراستان تميزنا بنتائج جدية تستدعيان الاهتمام ومنهما الدراسة التحليلية التي قام بها كل من فوجن، وقلد هوزن، وأشير & Vaughn, Feldhusen 1991 ,Asher التي ركزت على التعرف على فعالية برامج السحب، حيث استنتج الباحثون أن النماذج السحب في تربية الموهوبين أثراً إيجابياً مهماً (92.p). ومع ذلك، فقد حللت هذه الدراسة تسع دراسات سابقة فقط، وتناولت النتاجات المرتبطة بأربعة متغيرات تابعة وحيث إن ثلاث دراسات منها فقط استخدمت الحساب حجم الأثر، فهناك ما يدعونا للتشكيك في صدق هذه الاستنتاجات. وقوتها، وقابليتها للتكرار.
وكانت هناك محاولة رائعة هدفت إلى سد النقص في دراسات الفعالية في دراسة مخرجات التعلم حيث تكونت عينة الدراسة ،)Delcourt, Loyd, Cornell, & Goldberg, 1994( من 1010 طلاب من 10 ولايات، كان بعضهم إما ملتحقا ببرامج الموهوبين، ومن ضمنها برامج السحب، وإما أنهم لم يلتحقوا بأي برامج للموهوبين على الإطلاق، وكان من بين طلاب المجموعة الأخيرة طلاب معرفون ضمن فئة الموهوبين، بصورة رسمية أو غير رسمية، وآخرون رشحهم المعلمون للمجموعة المقارنة وقد توصل الباحثون الاستنتاج مفاده أن أداء الطلاب في عينة الدراسة الذين يلتحقون ببرامج للموهوبين كان أفضل من الطلاب الذين يتلقون خدمات خاصة في غرف صفية غير متجانسة والطلاب الذين لا يتلقون خدمات على الإطلاق والمشكلة في هذا الاستنتاج هي أن الطلاب ذوي الانجاز الأكاديمي المرتفع قد سبق لهم وأن صنفوا ضمن فئة الموهوبين والحقوا ببرامج خاصة.
أما الطلاب الذين قورنوا بهم فكانوا إما ممن صنفوا سابقا ضمن فئة الموهوبين، ولكن لم يلتحقوا ببرامج أو أنهم لم يعرفوا على الإطلاق الهذا فهم لم يلحقوا ببرامج الموهوبين)، وما أسماء كاميل وستانلي Campbell & Stanley) (1963) بالانتقاء Selection هو للأسف مثال جيد لتفسير الفروق في التحصيل، كما أنه مثال على نوع البرامج أو وجودها بمعنى أن هناك سببا للشك في أن المجموعات لا يمكن مقارنتها مع بعضها البعض، فالطلاب المحددون رسميا موهوبين والحقوا ببرامج للموهوبين، يختلفون كثيرا عن الطلاب الآخرين غير الملتحقين بالبرامج وعن الطلاب غير المعرفين موهوبين، وهذه الفروق بين الطلاب، ربما تؤثر على النتاجات
باختصار، يوجد القليل من الأدلة والبراهين، وعلى نحو ملفت للنظر، بأن معظم الأنواع الشائعة للبرامج المطورة للطلبة الموهوبين في برامج فعالة، ومع ذلك، وكما ناقش روبرت سليفن (1990 ,Slavin) ووافقه شور وآخرون (1991 .Shore et al)، فإن البحوث الخاصة ببرامج الطلاب الموهوبين تؤيد فعالية التسريع والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ألا يؤكد هذا أن بعض برامج الموهوبين فعالة، أعتقد أن الإجابة بالنفي، فالقليل من البرامج المخصصة للموهوبين تستخدم التسريع وسيلة أساسية لتلبية حاجات الطلاب الموهوبين، فمع أن البيانات البحثية تقدم دعماً قوياً. البرامج التسريع، إلا أنه مثير للجدل، ويساء فهمه، وحتى يخشى منه أحياناً & Coleman) Cross, 2001; Southern & Jones, 1991)
وإضافة إلى ذلك، يمكن للمدارس استخدام برامج التسريع دون الحاجة إلى وجود برامج للموهوبين بحد ذاتها. فالتسريع لا يتطلب تحديد الطلاب ضمن الموهوبين، أو معلمين خاصين، أو برامج السحب أو أي من برامج الموهوبين التقليدية. فإذا كان لدى الطالب القدرة على الأداء المتقدم مقارنة بزملائه في الرياضيات، مثلا، فيمكن السماح له بالتسريع، لذا لا يوجد هذا سبب وحجة التعريف الطالب على أنه موهوب وهنا أشير إلى الموضوع الذي سوف أعود إليه لاحقا، وهو أن التسريع بعد مثالا على كيفية تقديم تربية الموهوبين دون برامج للموهوبين أو طلاب موهوبين
تربية الموهوبين وعدم المساواة التربوية والاجتماعية
منذ البداية، واجهت تربية الموهوبين انتقاداً شديدا لتعارضها مع التعليم في دولة ديمقراطية. ولأنها تمثل انتهاكا لمبادئ المساواة التي تعد بل يجب أن تكون في قمة الأهمية في مجتمعنا.
وقد وصفت برامج الموهوبين والمناصرين لها بالنخبوية، والأسوأ من ذلك أن المدافعين عن تربية الموهوبين عوملوا على أنهم مقاتلو الخندق الأخير المدافعون عن التسريع والممارسات التربوية )Oakes, 1985( الضارة الأخرى
وقد رد التربويون في هذا الحقل على هذه الاتهامات ونقوا أن تكون أهدافهم معارضة للمساواة بين الناس أو للمبادئ الديمقراطية وأعتقد أن المدافعين عن حقل تربية الموهوبين، الذين كنت واحدا منهم (1989) Borland)، هم أشخاص مخلصون في دفاعهم عن برامج الموهوبين لأنها وسيلة للمساعدة في تحقيق هدف توفير التعليم الملائم للأطفال جميعهم، فهم يرون أن تربية الموهوبين تصحح خطأ تربويا، وهي طريقة تجعل النظام التربوي لا يلبي الحاجات المنطقية والشرعية الأقلية. غير مخدومة وعلاوة على ذلك، فإن المختصين في تربية الموهوبين يعتقدون بأنه يمكن انجاز البرامج التربوية الملائمة للطلاب الموهوبين دون أن تكون برامج نخبوية، أو عرقية، أو جندرية (تميز على أساس النوع الاجتماعي أو دور الجنسين، أو أنها مشوبة بعدم الإنصاف الاجتماعي الاقتصادي. وإذا كانت نوايا التربويين في حقل تربية الموهوبين، كما اعتقد في نوايا رائعة لا غبار عليها. فأنا أعتقد أيضا أن نتائج جهودنا في كثير من الأحيان تضلل نقاء نوايانا وصدقها. فهناك أدلة كافية تشير إلى أن ممارسة تربية الموهوبين تميل إلى عدم الإنصاف الذي تصعب إزالته والتخلص منه ومن خلال الإطلاع على تاريخنا نجد أن عدم الإنصاف عند تحديد الطلاب الموهوبين هو أمر راسخ و ثابت )Borland&Wright, 1994; Ford: وما زالت هذه الممارسات مستمرة إلى يومنا هذا 1996; Ford & Harris, 1999; Passow, 1989)
وفي ما يتعلق بعدم الإنصاف الاجتماعي الاقتصادي، الذي يرتبط في مجتمعنا بعدم الإنصاف والظلم العرقي والعنصري، فإن الدراسة الطولية للتربية الوطنية لبرامج الطلاب الموهوبين الملتحقين بالصف الثامن التي أجريت من قبل وزارة التربية الأمريكية (1991)، كشفت بوضوح حجم المشكلة الكبير. فقد أشارت بيانات هذه الدراسة إلى أن الطلاب الذين ينتمون من الناحية الاقتصادية والاجتماعية للربع الأعلى من مجتمع الدراسة هم الأوفر نصيباً بخمس مرات مقارنة بالطلاب المنتسبين للربع الأدنى في الالتحاق ببرامج مخصصة للطلاب الموهوبين وبالرغم من الجهود المبذولة في العقود الماضية للتخلص من الاختلالات الاجتماعية الاقتصادية والعنصرية في كيفية تحديد الطلاب الموهوبين وتعليمهم، إلا أن برامج الموهوبين استمرت في تقديم الخدمات للأطفال البيض المنتسبين للطبقة الوسطى والعليا لدرجة لا تتناسب مع أعدادهم في المجتمع، بينما يحرم الأطفال الفقراء والأطفال الملونين من هذه الخدمة.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الممارسات في هذا الميدان كانت دائما تعد ممارسات خاطئة وقابلة للعلاج، وعليه فإن استمرار هذه المشكلة يدفع المرء للتساؤل حول كيفية تتبع هذه المشكلة المتجذرة )Borland & Wright, 2001 نظر
وإضافة إلى ذلك، هناك شواهد على أن برامج الموهوبين قد خدمت أهدافا يؤيدها عدد قليل من الناس في الميدان التربوي وحسب ما يقول سابون - شيفين Sapon - Shevin) :
ضمن نطاق المقاطعات الحضرية الكبيرة، وخاصة تلك التي تتميز بوجود مدارس فقيرة وبمجتمعات متنوعة عرقياً، فقد ساعدت برامج الموهوبين (بما فيها البرامج الجاذبة للموهوبين) على وقف هجرة البيض من خلال تقديم خدمات متمايزة للطلاب الموهوبين. ولهذا فإن الأهالي البيض ممن لديهم أطفال في برامج الموهوبين سيبقون في منطقتهم .. (1994.35)
وأعتقد أن هناك حقيقتين لا جدال فيهما، أولهما، أن المختصين في حقل تربية الموهوبين، يعدون من أكثر المعارضين للتمييز العرفي وغيره من صور عدم المساواة، كما أنهم من أكثر التربويين التزاما بتحقيق العدل في التعليم وفي الواقع، فإن معظمهم يجادلون بأن العدل والإنصاف التربوي هو الدافع الأساس لا تجذابهم الحقل تربية الموهوبين وثانيهما، أنه وبالرغم من النوايا الحسنة، فإن تربية الموهوبين، مثلما مورست تاريخيا، وكما تمارس حاليا، تعكس، وربما تعمق، عدم الإنصاف في مجتمعنا.
كيف يجب تدريس الأطفال الموهوبين؟
تربية الموهوبين دون أطفال موهوبين
إذا كان وحسب ما ناقشت سابقاً، أن (1) منشأ الطفل الموهوب، كما هو مفهوم على نطاق واسع في التربية الأمريكية غير مطلوب وغير مدعوم تجريبيا أو منطقيا، و(ب) قبول هذا المفهوم قاد إلى ممارسة فشلت في إقناع كل من العمليين والنفعيين، و(ج) الممارسات السائدة في تربية الموهوبين. تتناقض مع أهداف المدافعين عنها وقيمهم، وتؤدي عادة إلى نتائج وعواقب أخلاقية واجتماعية غير ملائمة وغير سارة، فيجب أن يدفعنا هذا إلى دراسة وتطوير بدائل الممارساتنا السائدة، وكذلك للأسس البديهية التي يبنى عليها في مجال تربية الموهوبين.
والبدائل التي اقترحها هنا تتمثل في ضرورة محاولتنا تصور تربية الموهوبين دون أطفال موهوبين، وبعبارة أخرى، أقترح أنه يمكننا الاستغناء عن مفهوم الموهوب - والأشياء المرافقة، مثل تعريفات وإجراءات التحديد، وبرامج السحب واستبداله بالتركيز على هدف المنهاج وطرق التدريس المتمايزة لجميع الطلاب في مدارسنا.
إن المناهج، أولاً وأخيراً، هي سبب وجود حقل تربية الموهوبين، ويتمثل المبرر الأساس لتطوير برامج الموهوبين في التربية الخاصة التي بنيت على أساس الإيمان والثقة بأن المنهاج العادي والنظامي الذي صمم لتلبية حاجات معظم الطلاب هو منهاج غير ملائم لبعض الطلاب الذين بموجب الإعاقة أو القدرة العالية هم أفراد غير عاديين واستثنائيين ولن يتلقوا التعلم الذي يحتاجونه إلا إذا كيفنا المنهاج، وفي الواقع أن المنهاج المتمايز هو الهدف والمشروع الأعظم التربية الموهوبين وطريقة لجعل عملية التعلم أكثر عدلا وفعالية.
وإذا كانت عملية تمايز المنهاج للطلاب المعروفين تقليديا بـ «الموهوبين تمثل الهدف والمشروع الحقل تربية الموهوبين، فإن الأمور الأخرى، مثل تعريف الموهوبين وتحديد الموهوب وإعداد المعلمين للعمل في برامج الموهوبين، هي مجرد وسائل لهذه الغاية الكبرى ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه على الأخصائيين في حقل تربية الموهوبين هو ما إذا كانوا مستعدين للمساعدة في تحقيق هذا الهدف. إذن ما الطريقة المثلى لتحقيق هدفنا الذي لا يتمثل فقط في توفير منهاج متمايز يمكن الدفاع عنه للطلاب الذين تمثل حاجاتهم هدفنا الأساس في هذا الحقل؟ وهل من المنطقي البدء بإيجاد صف للأفراد الذين يدعون بالأطفال الموهوبين ومن ثم مواجهة مشكلة وضع تعريف للموهبة، وهو أمر لم تتفق عليه، ثم نقوم بعدها بعملية تحديد الأطفال الموهوبين، لتحاول فصل الموهوبين عن أقرانهم. وأخيرا نشرع في تطوير مناهج متمايزة مخصصة حصريا لهؤلاء المعروفين بالموهوبين؟
وهل من المنطقي أكثر البدء بالمنهاج نفسه الذي يعد برغم كل شيء، الهدف المرجو من جهودنا؟ وعندما اقترح اعتماد تربية الموهوبين دون أطفال موهوبين، فإنني أدعو إلى توجيه جهودنا نحو تمايز المنهاج، وإلى تجاوز المشكلات الخلافية في تعريف الموهبة وتحديدها وإذا ما وضعنا نصب أعيننا إيجاد مدارس تعكس مناهجها وأساليب تدريسها تنوع الطلاب في غرفة الصف، وإذا ما حققنا هذا الهدف، فسوف تكون قد حققنا الهدف الشرعي الحقيقي الوحيد لتربية الموهوبين
وفي مثل هذه المدارس، فإننا قد تتخلى عن فكرة الأطفال العاديين و غير العاديين، في كثير من الأحوال، وعن إعداد مناهج محورية تنطبق على الطلاب الذين يستحقون تسمية موهوبين عند لك سوف تصبح المناهج وطرق التدريس ملبية لحاجات الطلاب التربوية الحالية، وسوف تتحدد توقعاتنا لتعليم الطلاب للرياضيات مثلا، بناء على ما لدى الطلاب من معرفة وبناء على التدريس الذين يحتاجونه، وليس بناء على ما يحدده المنهاج وفق المرحلة العمرية للطلاب، مثل منهاج الصف الثالث، أو منهاج الصف الرابع، أو غيرهما، وبالنسبة للطلاب الذين يعدون من ذوي النضج المبكر في الرياضيات، فإن المنهاج المتمايز لا يكون كما دعاء ستانلي (1986,Benbow)
بالعمل المزدحم، والإثراء الثقافي، أو الإثراء الأكاديمي غير المتصل بالموضوع، ولكنه سيكون منهاج رياضيات ملائما لهؤلاء الطلاب في ما يتعلق بسرعة تقديمها ومستويات التحدي.
إضافة إلى ذلك، فإننا سوف لن نجد أنفسها في الوضع غير المنطقي الذي نحن فيه الآن.. في نظام تربوي يؤكد على المعتقدات الآتية
ا معظم الطلاب في مدارسنا عاديون أو غير استثنائيين، وتتحدد حاجاتهم التعلمية في أي وقت بناء على سنة ولادتهم.
ب بعض الطلاب لديهم صعوبات، وتحدد حاجاتهم التعلمية بناء على طبيعة صعوبتهم.
ت بعض الطلاب موهوبون، وحاجاتهم التدريسية وحاجاتهم للمنهاج تحدد بناء على أي واحد من المسوغات المفاهيمية المتعددة، وبناء على واحد من النماذج والبرامج التربوية والتعليمية المختلفة
ت. يحدد وجود المجموعات المذكورة وشرعيتها أيضاً، وإلى حد كبير، بناء على الحالة الاجتماعية والاقتصادية، والجنس والعرق
وهكذا، فإن توحيد المناهج وطرق التدريس المتمايز الجميع الطلاب سوف لن يقطع شوطا طويلا التلبية حاجات الذين يعرفون تقليديا بـ «الموهوبين فحسب، بل إنه سوف يجعل التعليم أكثر فعالية وإنسانية لكثير من الطلاب الذين يستون ذوي الصعوبات، وكذلك لجميع الطلاب المصنفين في فئة العاديين، أو الطبيعيين الذين هم عمليا مجموعة غير متمايزة تربويا، ولكنهم في الواقع مجموعة متنوعة إلى حد كبير.
لقد سبق الفكرة المدارس الشاملة التي تتضمن صفوفاً غير متجانسة، دون تصنيف أو تسمية للطلاب ضمن هذه الصفوف، وبمناهج وطرق تدريس سريعة الاستجابة لحاجات الطلاب، وأن كانت محط اهتمام المدافعين عن الدمج الشامل في حقل التربية الخاصة، وكذلك منتقدي تربية الموهوبين ومع ذلك، فقد ووجهت هذه الفكرة من قبل ،Stainbuck & Stainback, )1990( العاملين في حقل تربية الموهوبين إما بالعداء والشك، أو بالإصرار على أنها فكرة مثالية وغير عملية. مستشهدين على ذلك بواقع التربية الأمريكية المعاصرة وقد رد كثيرون، وكنت واحدا منهم، منذ زمن غير بعيد انظر (1996.5,Borland) على الانتقادات الموجهة لبرامج الموهوبين كما لو أنها كانت هجوما على الفكرة المنادية بتقديم مناهج وطرق تدريس متمايزة للطلاب من ذوي التحصيل العالي، ومدافعين عن الوسيلة وليس الغاية ومبددين طاقتنا في محاولة لحماية برامج الموهوبين بدلاً من التفكير في ما إذا كانت هناك طريقة أفضل لتحقيق أهدافنا (1996 ,Borland) ولا أعتقد فقط أننا يمكن أن نظل أوفياء لالتزامنا تجاه الطلاب التابعين من خلال تطوير بدائل البرامج الموهوبين وتبنيها، ولكنني أعتقد أيضا في ضوء ندرة الأدلة حول فعالية ممارستنا التقليدية في هذا الحقل، أننا يمكن أن ندافع عن هؤلاء الطلاب بفعالية أكبر من خلال العمل على تبني هذه البدائل.
أما بخصوص الذين يقولون أن المناداة والمطالبة أسهل من تطوير مدارس شاملة تتضمن مناهج وتدريساً يلبي حاجات الطلاب المتنوعة والمختلفة - وهي مدارس يتوقف فيها استخدام تسميات العاديين وذوي الصعوبات والموهوبين - فإنني أتفق معهم في كل ما يقولون، ومع ذلك، فإذا اقتنعنا أن الوضع الراهن يسمح بنظام تربوي يكون أكثر فعالية وإنصافا، فإن علينا، على الأقل.. محاولة تخيل ما المطلوب لجعل مثل هذا النظام حقيقة والقلعة انظر (2003 ,Borland)
ومن الضروري التأكيد على الترابط المتبادل بين الصفوف غير المتجانسة، التي تتعلم فيها مجموعات مختلفة من الأطفال معا بسعادة وفعالية دون إطلاق تسميات وبين طرق التدريس والمناهج المتمايزة. إن التنوع التربوي الشامل يتطلب التمايز. ولا يعني البديل احترام الاختلاف والخصائص الفريدة لكل طفل، وأن تجبر الأطفال على الالتزام بمنهاج واحد ملائم للجميع، مما يقودنا بشكل محتوم، كما اعتقد إلى مفاهيم مثل «طبيعي» و «غير طبيعي وإخضاع التعددية والتنوع الذي لا مفر منه ، أي الإنسانية ، إلى الحكم التطبيعي الذي نادى به فوكو.
التغير الجذري في تربية الموهوبين
مما لا شك فيه أن تغيير الممارسات ضمن مجال واسع بعد أمراً صعباً. كما أن إقناع المختصين في ذلك المجال بالتخلي عما يراه معظمهم التصور المحدد لذلك المجال، بعد أكثر صعوبة أيضا. وقد قدمت اقتراحاً بأن تحاول تصور تربية الموهوبين دون أطفال موهوبين وفي هذا المجال، أمل أن تكون المناقشات السابقة قد ساعدت بعض القراء على تصور حقل تربية الموهوبين بتلك الطريقة قدر الإمكان، فربما تكون تلك المناقشات مقدمة لإحداث تغيير حقيقي وكما كتبت سوزان جالاجر Susan Gallagher) أنه لكي يحدث التغيير، فإننا نحتاج إلى الاعتراف بأن طريقتنا في التفكير المسلم بها من داخل نظام تشكيل المعنى تؤثر في العمليات التربوية، ربما بطرق غير مقصودة (1999, p.69)
وفي الحقيقة أن التخلي عن مفهوم الطفل الموهوب والمضي قدما على هذه الأساس، يتطلب بناء نماذج بديلة، أو تحولا جذريا، وهو المصطلح الذي يساء استخدامه بصورة متكررة، والمستمد من کتاب توماس كوهن بنية الثورة العلمية Thomas Kuhn (1996-1962). وقد حاول کوهن في هذا الكتاب حول التاريخ الفكري توضيح كيف أن العلم العادي الذي عرفه بأنه البحث الذي يستند بقوة إلى واحدة أو أكثر من الانجازات العملية السابقة، وهي الانجازات التي تعترف بها بعض المجتمعات العلمية كأساس لممارسات إضافية (10.p)، تتغير مع الوقت وقد تساءل الكاتب هل يؤمن العلماء الذين يتعاملون اليوم مع أشياء مختلفة، ويطرحون أسئلة مختلفة، ويستخدمون منهجيات مختلفة عن زملائهم في بداية القرن التاسع عشر، مثلا؟
ويعتمد تفسير كوهن على مفهوم النموذج الذي عرفه فيليبس بالإطار النظري الذي يحدد المشكلات التي تعد مشكلات حاسمة والطرق التي تدرك فيها هذه المشكلات وأساليب الاستقصاء المناسبة، والمعايير ذات العلاقة بالحكم، وغيرها (1987205) والنموذج هو مجموعة مركبة من النظريات والممارسات التي تشكل النظرة العالمية السائدة وقواعد العمل المعتمدة من العلماء، التي تكون الخلاصة التي ترد في الكتب على صورة حقيقة علمية وأسلوب علمي فهذا النموذج يتيح الفرص لتقدم العلم الطبيعي لأنه ضروري للبحث العلمي، لكن النتيجة المحتومة هي أن البيانات التجريبية الناتجة عن الاستقصاء تكون غير مطابقة للنموذج السائد، وغالبا ما يقودنا هذا إلى تعديل النظريات والمبادئ التي تغير النموذج ولا تلغيه.
ومع ذلك، فإن النموذج السائد، عاجلا أم أجلاء لن يستطيع استيعاب الزيادة المتراكمة من البيانات غير المتوقعة والمتضاربة مع القواعد الأساسية لهذا النموذج، وهنا يجب أن يفسح النموذج الطريق أمام نموذج جديد يستوعب المعرفة الجديدة ويوضحها. وإذا تطور ما اقترحته أي فكرة تربية الموهوبين دون أطفال موهوبين، إلى أبعد من مستوى التجارب الفكرية، فإن ذلك يتطلب تحولا جذريا في تربية الموهوبين وهذا لا يعني أنني استهين بالصعوبات التي ستنتج عن إحداث مثل هذا التغيير أو المقاومة التي سيواجهها هذا النموذج البديل أما بديلنا المكافئ للعلم الطبيعي الذي يمكن أن نسميه الممارسة الطبيعية.. فهو حسب ما أشار إليه كوهن الذي يستند بقوة إلى الانجازات الماضية التي توفر الأساس لمزيد من الممارسة (1962/1996.0.10 وهذه الإنجازات في انجازات الرواد مثل تيرمان اللذين دشنا حقل تربية ،)Hollingworth( 1959-1925) وهو لتجوورث( Terman الموهوبين ومتحاه الاحترام الذي يستحقه في النصف الأول من القرن العشرين كما أنها أيضاً انجازات مجموعة من القادة الذين أعادوا تأسيس تربية الموهوبين لتصبح جزءا لا يتجزأ من النظام التربوي الأمريكي في الربع الأخير من ذلك القرن. وإذا بدا أن حدوث تحول جذري في تربية الموهوبين أمر مستبعد، فإن الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الحفاظ على الوضع الراهن. لقد أخذت الممارسة العادية والمألوفة في حقل تربية الموهوبين تقسيم الطلاب على أنهم موهوبون أو غير موهوبين وبعد ذلك، سحب هؤلاء الموهوبين لبعض الوقت من الصف غير المتجانس لتلقي مناهج الرائية، ومن ثم عودتهم للانضمام إلى أقرانهم العاديين تترنح منذ نشر تقرير مارلاند (1972 ,Marland) منذ 30 سنة تقريبا، وقد تعرض النموذج للنقد من قبل العديد من المهتمين من خارج هذا المجال وداخله وفضلا عن ذلك، فإن النتاجات المتحققة من هذا النموذج تعد قليلة جدا في المجال التربوي. Margolin, 1994, 1996; Oakes, 1985; Sapon-Shevin, 1994,) (1996
ويبدو أن هناك ثلاثة مسارات أمام ميدان تربية الموهوبين بخصوص النموذج التقليدي، أحدها التشبت بالنموذج بقوة، وتجاهل الانتقادات وترقب عودة روح العصر الأكثر ملاءمة. وأعتقد أن هذا غير منطقي لأنه يتجاهل التغيرات الجوهرية التي طرأت على تفكير المعلمين حول العديد من القضايا المرتبطة بالتعليم كالتنوع والتجميع والاستثنائية والقضايا المرتبطة بها، فمثلاً، تتعرض فكرة الاستثنائية، مثل الموهبة التي تعود جذورها إلى حاجات طبية، أو للقياس النفسي، بدلاً من أن تعكس صورة القوى التاريخية والثقافية الاجتماعية إلى الهجوم بشكل متزايد : 1987 ,Franklin) (1987 ,Sleeter. وهذا يتطلب منا موقفا غير مألوف للاعتقاد أن كل هذا سيذهب ببساطة وأننا ستعود إلى أيام الصفاء التي انتشرت فيها برامج السحب
أما الاحتمال الثاني فهو تكييف النموذج، وليس إلغاؤه عندما يواجه التهديد بسبب النتائج المتناقضة، ليستطيع استيعاب البيانات التي لا تناسبه ويمكن رؤية هذه الإستراتيجية في الكتابات الحديثة في هذا المجال، ومنها كتابات هذا المؤلف (1994 ,Borland & Wright). التي تقدم اقتراحات العلاج بعض العيوب المزمنة المستمرة الحدوث في هذا المجال، مثل، التمثيل المتدني للأطفال الفقراء والأطفال الملونين في برامج الموهوبين مقارنة بأعدادهم الحقيقية، ومع ذلك، فإن المشكلات ما زالت مستمرة، ولهذا فقد طرحنا في دراسة لنا مؤخرا فكرة إشعيا برلين (Isaiah Berlin) عن تعددية القيمة Value Pluralism - التي تشير إلى أنه لا يوجد أي واقع ممكن تستطيع من خلاله تسوية قضايا لا تقبل الجدل، مثل المساواة في التعليم، وقضايا متعارف عليها، مثل البرامج المتمايزة للطلاب الذين يسمون موهوبين وبعبارة أخرى، ربما لا توجد طريقة لترميم النموذج والممارسة الطبيعية المستمدة منه ليتسنى الأمور مثل التربية الفاعلة والتربية المنصفة أن تتعايش مع تربية الموهوبين ويظل الاحتمال الثالث وهو إحداث التغيير الجوهري الذي طالبت به طوال هذا الفصل.
وبالرغم من أن هذا الاقتراح يبدو متطرفا لبعض الأطراف، إلا أنه ربما يكون الخيار الوحيد أمام ميدان تربية الموهوبين إذا ما يقينا ننظر إلى النموذج المطبق على أنه شيء تتمسك به عصبة صغيرة من المدافعين الأشداء عن تربية الموهوبين المتراجعة، أو أنه إطار عمل لا يمكن أن تتعايش فيه أشياء تربوية واجتماعية وأخلاقية لا يمكن الاستغناء عنها.
وإذا ما وصلنا إلى هذا الحال، فربما تكون تربية الموهوبين دون أطفال موهوبين، مع ما في ذلك من تناقض في المخرج الوحيد لضمان ديمومة هذا الميدان.
