القائمة الرئيسية

كتاب مدير الأحلام

كتاب مدير الأحلام
ملخص الكتاب

يتناول كتاب ""مدير الأحلام"" أهمية تعزيز التزام الموظفين في المنظمات لتحقيق إمكاناتها الكاملة، حيث يركز على كيفية تحويل بيئة العمل إلى مساحة ملهمة تدعم تطوير المواهب وتحقيق الأهداف الفردية والجماعية. يناقش الكتاب تأثير نقص الالتزام على الإنتاجية والروح المعنوية، ويطرح مفهومًا ثوريًا من خلال ""مدير الأحلام"" الذي يسعى لتفعيل الإمكانات البشرية وتعزيز التوافق بين أهداف الشركة وأهداف العاملين فيها. عبر قصص وأمثلة عملية، يوضح الكتاب كيفية تحويل الفرق العاملة غير الملتزمة إلى فرق مبدعة ومتفانية، مما يوفر ميزة تنافسية كبيرة للشركات في عالم يشهد تنافسًا متزايدًا على استقطاب المواهب والاحتفاظ بها.

المأزق 

إن مستقبل منظمتك وإمكانات موظفيك متداخلة فيما بينها: ثم إن مصائرها مرتبط بعضها ببعض. 

ولا يتسنى لمنظمتك أن تصبح أفضل نظيراتها من المنظمات، إلا إذا كان الناس الذين يديرونها يجهدون ليصبحوا أفضل من نظرائهم في العمل. هذه حقيقة عامة، سواء أكانت المنظمة شركة، أم مدرسة، أم حكومة، أم فريقاً رياضياً. فإذا اكتشف مدير تنفيذي رئيس CEO المنظمة. وفريقها التنفيذي، ومجموعة مديريها وموظفيها، إمكاناتهم الفردية، فإن تلك المنظمة ستكتشف أيضاً إمكاناتها. 

المشكلة هي أن الغالبية العظمى من الناس العاملين في المنظمات في أيامنا هذه، ليسوا ملتزمين التزاماً قوياً بتنفيذ مهماتهم، وهذا هو المأزق الذي يواجهه المديرون المعاصرون، فالناس لا يشعرون بدرجات متفاوتة بارتباطهم بعملهم، أو بالمنظمة التي يعملون فيها، أو بالناس الذين يعملون معهم. وهذا شيء يؤثر سلباً في الروح المعنوية، والفاعلية، والإنتاجية والتنمية المستدامة، والألفة بالزبائن، والربحية، أكثر من عدم الالتزام الذي أشرنا إليه. 

عدم الالتزام: هل صحيح أن الموظف مشغول في عمله بنسبة 85 في المئة؟ أو بنسبة 60 في المئة؟ أو بنسبة 50 بالمئة؟ ثمة سؤال أسوأ، هو: هل قرر الموظفون ترك أعمالهم، ومع ذلك مواصلة دوامهم فيها؟، أجر أنت الحسابات الرياضية ما هو مجموع الدولارات المسجلة في جدول رواتب منظمتك؟ إذا كان موظفوك ملتزمين بنسبة 75 في المئة، فإن الالتزام غيرالكامل يجعلك تهدر 25 في المئة من جدول رواتبك الشهري، مقابل عدم الإنتاجية المترتبة على عدم كمال الالتزام المذكور وبالطبع، فإن التكلفة الحقيقية لعملك تكون أعلى كثيراً عندما تدخل في حسبانك أن الموظفين غير الملتزمين يؤثرون سلباً في زبائنك، وفي أي سمة أخرى من سمات عملك. 

لقد مضى قرابة أربعين سنة على ملاحظة بيتر دروگر Peter Drucker أكبر خطأ وخدعة في نظام المحاسبة الذي نعتمده، ونعني بذلك الناس المسجلين في عمود الالتزامات liability column في الميزانية العمومية . وتصنف الآلات والحواسيب بوصفها موجودات assets، والناس بوصفهم التزامات liabilities، وبالطبع، فإن الناس الملائمين هم أعظم الموجودات في أي منظمة. وقد أقررنا بصحة هذه الحقيقة نظرياً، لكننا لم نسمح بتطبيقها عملياً في الأسلوب الذي نسلكه في إدارتنا المنظماتنا ، بل وفي الأسلوب الذي تتبعه في إدارتنا للناس الذين يقودون تلك المنظمات. 

ليست المشكلة هي أننا لا نستطيع تشغيل الناس الذين يعملون معنا ولنا، بالطريقة المثلى. وفي معظم الحالات يبدو ببساطة أننا لم نتوصل إلى طريقة عملية وفاعلة وغير مكلفة لعمل ذلك. 

ويوفر مفهوم مدير الأحلام Dream Manager طريقة ثورية لعكس اتجاه هذه النزعة السيئة إلى عدم الالتزام، ثم إنه يبين كيف يمكن للمنظمات، كبيرها وصغيرها، أن تعيد العاملين فيها ثانية إلى الالتزام الصادق، وهذا يولد ميزة تنافسية ضخمة للمنظمة التي يؤدي العاملون مهماتهم فيها. 

في الماضي، كانت الشركات تتصارع في مجالات السعر، والجودة، وحجم الإنتاج، وخدمة الزبائن والتميز العملياتي، وتفوق المنتج في الأسواق، أما في العقود القادمة، فستشهد المعركة العظيمة الآتية لا محالة، وهي معركة الحصول على المواهب، قد يبدو أن المعركة قد حمي وطيسها لدى بعضهم. لكن الحقيقة أنها ما زالت في مهدها. 

وقد أوردت مجلة Business Week تقريراً ورد فيه أنه خلال السنوات العشر القادمة، سيشعر 21 في المئة من الإدارات العليا، و 24 في المئة من جميع المهن الإدارية في جميع الوظائف والمناطق والصناعات، يضاف إلى هذه النزعة سكان معمرون، وقوة عاملة متقلصة، وعدم تحمل المهاجرين غير الشرعيين، وهذا يزيد كثيراً من العمالة غير الماهرة الموجودة هذه الأيام في البلاد الغربية، ثم إن هناك أزمة في المواهب والعمالة لها نتائج غير حميدة تصيب العمالة الماهرة جداً، وتلك التي لا تملك أي قدر من المهارة. 

لكن استئجار الناس الملائمين لا يكفي، فالقدرة على جذب المواهب وتوظيفها والاحتفاظ بها ستكون أهم هدف إستراتيجي لكل قيادة أو منظمة حديثة ناجحة. 

إن أولوية أي مدرب لكرة القدم، هو تطوير مواهب أعضاء فريقه. ورعايتها ، وتنظيمها، وتحريضها، فمدربو فريق وأصحابه، يعون تماماً أن النجاح المستقبلي لمنظمتهم يتوقف على المواهب التي يجذبونها ، ويدربونها ويحتفظون بها العثور على موهبة ورعايتها يتصدر قائمة أولويات مدربي الفرق وأصحابها. فلماذا يجب أن تكون أولويات أي مدير تنفيذي رئيس CEO، أو أي مدير آخر، مختلفة؟ 

إن أهداف أي شركة أن تكون هي الفضلي بين كل نظيراتها من الشركات.

السؤال الآتي هو: ما هدف الموظف في شركة ما ؟ قد تكون إجابة معظمنا هي مساعدة الشركة على تحقيق أهدافها، لكن هذه إجابة خاطئة قطعاً. صحيح أن تحقيق أهداف منظمة جزء من دور الموظف، لكن هدفه الرئيس هو أن يصبح أفضل موظف بين نظرائه، وعلى نقيض النظرية غير المكتوبة للإدارة والممارسة الواقعية، فالناس لا يوجدون لخدمة الشركات، بل إن الشركات توجد لخدمة الناس، وعندما تنسى شركة أنها موجودة لخدمة زبائنها، فهي سرعان ما تخرج من مجال عملها. هذا وإن عاملينا هم زبائننا الأول، وأكثر زبائننا تأثيراً. 

هدف أي شخص هو أن يصبح الأفضل بين جميع نظرائه في العمل. العثور على طريقة لإيجاد بيئة تساعد العاملين فيها على أن يكونوا الأفضل بين نظرائهم في الشركات الأخرى - وهذا يؤدي، في الوقت نفسه. إلى أن تغدو الشركة هي الفضلى بين نظيراتها - قد يبدو للكثيرين أمراً مستحيلاً، وربما يبدو لآخرين أن هذين الهدفين قد يكونان متعارضين تماماً، لكن الحقيقة هي أن كلا منهما يكمل الآخر. 

القصة التي سنحكيها هنا هي كيف أنه يمكن لقيادي وفريقه التنفيذي الانطلاق لتحويل شركتهم إلى شركة ريادية، وذلك بجعل القوة العاملة غير الملتزمة تماماً، ملتزمة بعملها التزاماً مخلصاً وصادقاً. 

ومن الممكن إماطة اللثام عن سر هذه العملية عندما تعرف العامل الجوهري الذي يدفعنا بصفتنا كائنات بشرية، لا في العمل فحسب، بل في جميع نشاطاتنا الحياتية. وهكذا، فسواء كنت مديراً تنفيذياً رئيساً الشركة كبيرة، أو رئيساً لدائرة صغيرة، أو مديراً لمدرسة، أو مدرباً لفريق لكرة القدم، أو أباً لعائلة تلهث وراء كسب عيشها، أو موظفاً تسعى ليكون عملك الذي تمارسه كل يوم مفيداً .... فإنك ستكتشف شيئاً سيغير حياتك إلى الأبد.

مجرد يوم آخر 

ثمة شيء ما كان خاطئاً، وكان سايمون روبرتس Simon Roberts يعرف ذلك. فحين كان يتسكع في سيارته ببطء في يوم غائم آخر، بدأ يفكر في الاتجاه الذي تسير فيه حياته، وسرعان ما ذهبت أفكاره إلى وظيفته. لم يكن سايمون شخصاً كسولاً، إذ إنه يحب التحدي. بيد أنه القى نفسه في وقت متأخر، أنه ضعيف الالتزام بعمله، وهذا شعور ولد فيه بعض الضيق. ثمة شيء ما بحاجة إلى تغيير، لكنه لم يكن يعرف هذا الشيء، ولا من أين يبدأ. 

كان سايمون قد التحق بشركة أدميرال لخدمات البوابين (الحجاب) * Admiral Janitorial Services قبل أربع سنوات، وهذا عمل يحبه، ذلك أن حل المشكلات والعمل مع الناس كانا أقرب شيئين إلى قلب سايمون. 

كانت وظيفته المسجلة على بطاقة عمله هي مدير عام»، لكن عندما بدأ سايمون يتأمل في سنواته الأربع السابقة، بدا أنه أمضى معظم وقته يتعامل مع قضايا التوظيف في الشركة. لقد بدا أن مصطلح المستوظف الرئيس، Lead Recruiter وصف أدق لعمله، لأن الحقيقة هي أن 75 في المئة من وقته كان يمضيه في التعامل مع موضوعات تتعلق مباشرة بمشكلة التسرب «Turnover» - الذي يعني معدل العاملين الذين يتركون العمل في الشركة ليحل محلهم آخرون من خارجها - لكن في شركة أدميرال، لا يجري الكلام عن هذا الموضوع. 

وبالطبع، فهناك كثير من الشركات في هذه الأيام تعاني مشكلات تتعلق بالتسرب، لأن استقرار فريق العمل مسألة صعبة جداً، وقد أمضى سايمون معظم وقته خلال السنوات الأربع الماضية في التعامل مع هذه المسألة. كان يعمل في شركة أدميرال أكثر - قليلاً - من أربعمئة موظف وعامل، وكان المعدل السنوي للتسرب قرابة 400 في المئة، وهذا أعلى - قليلاً - من المعدل العام الموجود في المؤسسات الصناعية الأمريكية، لذا كانت روح الفريق ومعنويات العاملين في أدميرال منخفضة. 

وخلال توجه سايمون إلى موقف سيارته في المبنى الرئيس الشركة أدميرال انتابه إحساس بأن طاقته أخذة في التدهور، وبدأ يفكر كيف يمكنه مواجهة يوم آخر. وكل ما استطاع عمله هو الاستماع إلى شريط موسيقي كان يحب ابنه سماعه، ثم خاطب نفسه قائلاً: «إذا فعلت ما كنتُ دوماً أفعله، فإنني سأصل إلى النتيجة التي كنت دوماً أصل إليها.

 

ما هي تكلفة التسرب ؟ 

قال كريك Greg وهو يتجاوز باب مكتب سايمون: هذا سيكلفنا كثيراً... لم يكن من عادته أن يقرع الباب استئذاناً بالدخول، لكن هذا مفهوم، فهو صاحب الشركة! 

أسس كريك شركة أدميرال عندما كان ما يزال في السابعة عشرة من عمره، وخلال السنوات الخمس والعشرين المنصرمة، توسع مشروع العمل ليحوي جيشاً صغيراً من العاملين، عددهم قرابة 400 بعد أن كان يعمل فيها شخص واحد عند إقلاعها. 

كريك اليوم رجل أعمال ناجح وثري، لكن عندما يسأله الناس عما يعمله، يجيب دوماً بقوله: أنا بواب. ومن وقت إلى آخر، يشتغل مع العمال. وعندما يتذكر الناس جوابه يظنون أنه يمزح، لكن عندما يكتشفون أنه جاد في جوابه، فإن ضحكهم سرعان ما يتحول إلى دهشة يشوبها إعجاب وإكبار كريك مقاول، إذ يمكنه أن يبيع أي شيء لأي كان، ولديه قدرة عالية على رؤية الفرص قبل أن يراها أي شخص آخر، لكنه يمكن أن يكون عجولاً إلى حد ما، أحياناً، وهذا يفسر استئجار سايمون وتعيينه مديراً عاماً قبل أربع سنوات. 

وقد طرح سايمون على كريك السؤال الآتي: ترى، ما الشيء الذي يكلفك خسارة مبلغ كبير من المال، ومع أن سايمون كان يعرف بالضبط الجواب، فقد أجاب كريك والغضب باد على وجهه بوضوح التسرب».

وبعد ظهر أحد أيام الجمعة، ترك سايمون تقارير نهاية الشهر على مكتب كريك ، كان بينها تقرير عن التسرب خلال ربع العام المنصرم. 

لقد كانت نسبة المتنقلين خلال تلك المدة 107 في المئة. وهذا صحيح. لأن الذين تركوا العمل في أدميرال خلال الأيام التسعين الأخيرة 428 موظفاً. 

قال سايمون من الصعب أن تعرف مقدار ما يكلفنا التسرب من خسارة علينا استئجار عاملين لملء بعض المراكز التي تشعر ثلاث مرات كل ثلاثة أشهر. وهذه ليست مجرد تكاليف تعيين موظفين جدد. فالتسرب يؤثر في المعنويات والفاعلية والعلاقات بالزبائن. لقد كنت أكرر هذا الكلام طوال اثني عشر شهراً، إنها لمشكلة كبيرة. 

عندئذ صمت كريك قليلاً ثم قال: أنا أعرف، أنا أعرف. لقد بدأنا الآن نفقد الزبائن، لقد تلقيت مكالمة من تشارلي من شركة P& G اليوم وذكر لي أنهم سيوجهون إلينا إنذاراً مدته 90 يوماً. وقال إن تعاملنا معهم في الآونة الأخيرة كان سيئاً. وإنهم لاحظوا تدفقاً دائماً لوجوه جديدة في شركتنا، وإنهم يشعرون كما لو أن التعامل مع شركتنا أخذ في التراجع. أرجو منك الاهتمام بهذا الموضوع يا سايمون. امنحهم زيادات في رواتبهم. لكن هل تظن أن ذلك سيمنعهم من مغادرة العمل؟ 

أجاب سايمون قائلاً: أتمنى ذلك، لكنني لست واثقاً بأن هذا سيحل المشكلة. أنا لا أريد أن أقوم بحجب المشكلة بالنقود لتحاول معرفة أسباب التسرب لتحاول تقصي أسباب ترك العمل. وإذ ذاك سأل كريك سايمون عن طريقة معرفة الأسباب، فأجابه إن الطريقة تنفذ عن طريق استطلاع آراء العاملين، وهنا اعترف كريك بأن هذا لم يخطر بباله.

استفت عامليك ( عمالك وموظفيك ) : 

في الصباح الثاني، اجتمع سايمون وكريك في مطعم صغير لتناول طعام الإفطار، ليتحدثا أكثر عن مشكلة التسرب في عملهما. لقد كانت الظروف مريحة، والطعام والخدمات رائعة، وهذا جعل من هذا المطعم مكاناً أثيراً لسايمون عندما يريد إجراء اجتماع عمل مع شخص آخر. 

وفي المطعم، قال كريك السايمون كلاماً يحتمل الجد والهزل ، وهكذا فأنت ذاهب إلى الشركة لتسأل العاملين عن الأسباب التي تدفعهم إلى ترك عملهم، أجاب سايمون قائلاً : لنتذكر ، ياكريك، أنهم يعرفون أشياء عن عملنا لا نعرفها نحن. لقد ورد في مقالة اطلعت عليها الشهر الماضي. تتحدث عن رئيس شركة أميريكان إيرلاينز American Airlines لقد ذكر أن تكاليف إعادة تزويد طائرات الشركة بالوقود كانت مرهقة للشركة، وبخاصة في المطارات التي وقعت عقوداً مع شركات طيران أخرى الإعادة تزويد طائراتها بالوقود. وعندما كان الرئيس يفكر في هذه المشكلة في أحد الأيام، وذلك بعد اجتماع عقده مع فريقه التنفيذي لم يوصل إلى حل، توجه من مكتبه إلى قسم صيانة الشركة في دالاس، واستدعى اثنين من طياري الشركة، وأخبرهما بالمشكلة، وسألهما عما إذا كان لديهما حل لها. نظر كل منهما إلى الآخر، وتبسما قليلاً، وهذا رأسيهما، فقد كانا يعرفان الجواب، وهو أن تزود الطائرات خلال وجودها في دالاس بما يكفي من الوقود للطيران إلى لوس أنجلس والعودة إلى دالاس، صحيح أن الطائرة ستستعمل قدراً أكبر قليلاً من الوقود - وإن تأخرت، فقد تكون بحاجة إلى ملء خزانها كله في لوس أنجلس - لكن ذلك يظل أرخص من التعاقد مع طرف ثالث لإعادة تزويد الطائرات في لوس أنجلس، وفي الأشهر الاثني عشر الآتية، اقتصدت شركة أميريكان إيرلاينز ملايين الدولارات من هذه الفكرة البسيطة الوحيدة .... حتى مع ارتفاع أسعار الوقود. 

وفيما كان كريك غارقاً في التفكير تابع سايمون كلامه قائلاً: إن العاملين يعرفون أشياء عن العمل لا نعرفها نحن علينا إجراء عملية استطلاع آراء عاملينا، وسؤالهم عن سبب مجيء وذهاب هذا العدد الكبير من العاملين. لكن كريك سأل عن تكلفة هذا الاستطلاع، إذ إنه كان يهتم كثيراً بالحصيلة الأخيرة. 

أجاب سايمون: لا أعرف بعد، لكن ما أعرفه أنه يستحق الاهتمام وسيذهلك ما سيقولونه لك. لا أحد يعرف العمل مثل أولئك الذين يعملون فيه يومياً. اسأل عامليك. إنهم يعرفون أكثر مما يخطر ببالك..

 

الاستطلاع الأولي للآراء 

أمضى سايمون الأسبوع الثاني في تحضير بضعة أسئلة بسيطة لاستطلاع الآراء. لقد كان في ذهنه هدف واحد فقط هو أن يكتشف السبب في دخول عدد كبير من العاملين إلى أدميرال ثم الخروج منها. 

وفي صباح يوم الإثنين الثاني، وزعت الاستطلاعات على جميع العاملين في أدميرال الذين كان عددهم أنذاك 407 في البداية، كان العاملون رافضين لهذه العملية. كان بعضهم يسخر من الاستطلاع، وكان آخرون يشككون فيه، لكن معظمهم كان حذراً. من يحق له لومهم؟ لقد كان هذا الإجراء مختلفاً كلياً عما تعودوه. وقد سمع سايمون أحدهم يقول في مطعم الشركة لماذا يسألونني عن سبب مغادرة الناس ؟ لماذا لا يسألون الناس الذين غادروا ؟ 

وقد توجه بضعة أفراد من المديرين الشجعان إلى مكتب سايمون ليسألوه بصراحة عما كان يحاول معرفته عن طريق الاستطلاع، فما كان منه إلا أن هذا من روعهم، وطلب منهم أن يكونوا صادقين في أجاباتهم. وأن يشجعوا الذين يعملون معهم ليكونوا كذلك. وأضاف إلى ذلك قوله: ليس لزاماً على أي من المستطلعين أن يكتب اسمه على ورقة الاستطلاع. إذ يكفي ملؤها وإعادتها. وكما ذكرت في رسالتي في الصفحة الأولى من الاستطلاع، لا يمكننا أن نستمر على الحال الذي نحن فيه شهراً بعد آخر، فتستأجر عشرات وعشرات من الناس، ما نريده هو العثور على طريقة جديدة نستخلصها من آرائكم، إذ ما من أحد يعرف أسباب ترك الناس لعملهم مثل العاملين أنفسهم. 

وبعد وقت غير طويل بدأت الاستطلاعات تعود إلى الإدارة. وفي الأسبوعين اللاحقين لتوزيعها أعاد 187 من العاملين في أدميرال استطلاعاتهم. وكان الجواب أبلغ مما كان يظنه أي كان. ترى ما الذي قاله عاملو سايمون؟ 

بدأ سايمون بقراءة الاستطلاعات واحداً تلو الآخر الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر يوم الخميس، وبعد ساعة توقف وعلى محياه ابتسامة، وقال لنفسه الأمر واضح جداً، لكننا لم نكن نراه. 

المبادرة 

كان أهم سبب في عدم بقاء الناس في أدميرال هو عدم توافر وسائل النقل. لم يكن السبب المال، ولا الميزات بل الانتقال. فقد أظهر الاستطلاع أن السبب كان يكمن في الصعوبات الناشئة عن الافتقار إلى وسائل النقل. 

علق سايمون على ذلك بقوله لكريك : لا يسكن العاملون قريباً من مقر عملهم، وكثير منهم لا يقتني سيارة، بل وحتى شهادة سوق، ثم إنهم غالباً ما يعملون في الساعات التي تكون فيها وسائل النقل العام غير متاحة أو خطرة جداً. هل تتحمل أن تقف منتظراً حافلة الركاب في بعض مناطق البلدة؟، كان كريك يبدو وكأنه غير مصدق لما يسمع، ثم قال بصوت عال: لم أفكر قط أن يكون هذا أحد الأسباب، كنت أظن أنهم سيقولون إن السبب هو المال.

ابتسم سايمون وقال: «لا تفهمني خطأ يا كريك، إنهم يحبون أن يكسبوا مزيداً من المال أيضاً، لكن عدد المرات التي ورد فيها ذكر مأزق النقل في الاستطلاعات كان ضعف المرات التي ذكر فيها المال. 

عندئذ طرح كريك السؤال الآتي : حسناً، وماذا نحن فاعلون الآن؟ أنت. يا سايمون، لن تقترح بالطبع أن نشتري لهم جميعاً سيارات، أليس كذلك؟ 

تجاهل سايمون تهكم كريك، وقال: «قدم فريقي بضع أفكار، من ضمنها ما يتعلق بحل أزمة الانتقال. ما نحن بحاجة إليه هو توفير نظام لنقل العاملين بالحافلات من مناطقهم إلى مواقع العمل، وإذ ذاك رمق كريك سايمون بنظرة خاطفة، وقال: لقد ذهبت بعيداً جداً في أفكارك يا سايمون، فإما أنك واقع تحت تأثير مخدر، أو أنك بحاجة إلى مخدر فعلا... 

لقد قلت إنك ترغب في حل مشكلة التسرب يا كريك. يمكنك منحهم مزيداً من الأموال، لكن لن يكون لها تأثير حقيقي، فإذا كنت جاداً في التعامل مع موضوع التسرب، فإن حل مشكلة النقل هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون له أكبر تأثير في الوضع. لقد أخبرنا العاملون بذلك. ويمكننا الآن أن نعمل شيئاً ما، وستكون النتيجة كسب ثقتهم، ورفع معنوياتهم. وهذا يؤثر بدوره، في فاعليتهم وإنتاجيتهم. وإذا تجاهلنا ما أخبرونا به. فإن المشكلة ستواصل تكرير ذاتها. 

بعد ذلك علق كريك بقوله: «أنا خائف من طرح السؤال الآتي. لكن سايمون قاطعه قائلاً: لذا لا تطرحه، لأنه سيكون السؤال الخاطئ على أي حال، لن يكون السؤال عن مقدار ما سيكلفنا المشروع، بل عما إذا كان هذا المشروع سينقذنا من المأزق يكلف التسرب مبلغاً يقع بين 25 و 150 في المئة من التعويض السنوي للعامل. وفي حال مدير أو تنفيذي.

فالتقدير يقع بين 100 و 225 في المئة، وهذا يعني - استناداً إلى جدول رواتبنا الحالي - أن التسرب يكلفنا بكل تحفظ مليوني دولار سنوياً. أي قرابة 170000 دولار شهرياً، أو 40,000 دولار أسبوعياً ؛ لذا طلبت من فريقي إعداد اثنين من السيناريوهات، ووضع سعر لكل منهما، وأنا أعتقد أن بمقدورنا وضع برنامج لتسيير حافلات مكوكية يكلف بين اثني عشر وخمسة عشر ألف دولار شهرياً، وإنني أظن أن هذا سيخفض تكاليف التسرب بنسبة 20 بالمئة على الأقل. لذا أجر الحسابات اللازمة يا كريك، وامنح هذه العملية ثلاثة أشهر بعد ذلك، ستعرف كل شيء. بل يحتمل أن تعرف ما تريده قبل ذلك بزمن طويل. 

وافق كريك، لكن على مضض، وقال: لكن ماذا لو كنت على خطأ. عندئذ قاطعه سايمون ثانية قائلاً: «كفى تهديدات يا كريك، لأن الحقيقة أنني تعيس لسير الأمور على هذا النحو. إذا لم تحاول فعل شيء في موضوع التسرب هذا ، فلست مضطراً لفصلي من العمل، لأنني أنا الذي سأستقيل.. 

وفي الأسبوع اللاحق، أعلن عن قرار الشركة بتطبيق نظام الحافلات المكوكية، وبعد ثلاثة أسابيع جرى العمل به فخلال النهار، كانت أدميرال تأخذ عامليها من أربعة مواقع معينة في المناطق الرئيسة من البلدة، ثم تعيدهم إليها، أما في الليل، فكانت الحافلات تقلهم من بيوتهم وتعيدهم إليها. 

لقد كانت النتائج مباشرة تقريباً.



تغير المواقف 

كان أول تغير بروز موقف جديد في أوساط العاملين. وقد أشار المديرون إلى هذا في اجتماعهم الأسبوعي، الذي كان يحضره كريك وسايمون. وقد عبر عن ذلك براد Brad، أحد المديرين الإقليميين الأربعة، إذ قال لهما : لا أستطيع أن أنقل لكما الشكر الذي أزجاه للشركة بعض هؤلاء الناس، صار كل يوم هو يوم كفاح صادق لهم. إنهم يريدون أن يعملوا أكثر، إنهم يحاولون تحسين أدائهم، وهم يتمنون أن يعملوا طويلاً، بعد أن كانوا يعتقدون سابقاً أن كل واحد عدو لهم، ومن ضمنهم نحن.. 

وإذ ذاك تدخل جوان Juan ، وهو مدير إقليمي آخر، قائلاً: علي الموافقة على ذلك. هذا شيء بسيط، لكنه حول حياتهم الصعبة إلى أخرى أسهل قليلاً، وهم يقدرون ذلك.. 

لم يستعمل جميع عاملي أدميرال نظام الحافلات، وكانت نسب ما حدث هو توجيه رسالة قوية إلى الجميع. 

ومن الناحية العملية، كان تأثير هذا الإجراء، في كثير من عاملي أدميرال إيجابياً، إذ بدأ كريك وسايمون يلاحظان تغيراً في مواقف العاملين، عندما كان يطلب منهم عمل أي شيء. لقد أذكى هذا الموقف روحاً جديدة من التعاون في الشركة ... لقد صار بالإمكان رؤية مواقف المعارضة تتلاشى.

 

بعد سنة واحدة 

خلال السنة الآتية، انخفض التسرب من 400 في المئة إلى 224 في المئة. لقد كانت سنة عسيرة، إذ إن التسرب كان ما يزال مشكلة خطيرة تتصدر قائمة أولويات أدميرال ، لكن تقدماً حقيقياً حصل بالفعل، فعندما أعلن سجل الأرباح، تحقق سايمون وكريك أن التسرب المخفض كان أكبر عامل أسهم في زيادة الأرباح. أما العوامل الأخرى، فكانت مشتقة جميعاً من معالجة أزمة التسرب. 

كان من المثير للاهتمام أن نلاحظ أيضاً أن عدد أيام الإجازات المرضية انخفض بنسبة 31 في المئة، وأن عدد أيام التأخر انخفض بنسبة 65 في المئة. ثم إن المديرين ذكروا في تقاريرهم ربع السنوية، أنهم وفرقاءَهُمْ تخلصوا من قدر كبير من الضغوط التي كانوا يرزحون تحتها . 

وقد ترك سايمون على مكتب كريك تقريراً لخص فيه هذه النتائج. وعندما كان في طريق عودته إلى بيته تلك الليلة، انتابه إحساس غامر بالرضا عن الذات. لقد كان يعي أنه لم يحل المسألة كلياً، وأنه ما يزال مضطراً إلى استئجار عدد كبير من الناس، لكنه عرف أنه بدأ عملاً ثورياً. وهذا أصابه بإحساس عميق بأنه أنجز شيئاً مهماً. 

وفي اليوم الثاني دخل كريك مكتب سايمون حاملاً معه مكافأة، له وقال: «إنني أعترف لك بأنني كنت أشك في نجاحك في كل المراحل، لكن فكرتي استطلاع الرأي ونظام الحافلات كانتا عظيمتين. أنا أرى في الواقع التوتر المنخفض بين العاملين. لقد صار المجيء إلى العمل مدعاة للسرور الأحلام أكثر مما كان عليه الحال في الماضي. ومع ذلك، فمن الممكن، من وقت إلى آخر، أن أكون وقحاً ونافد الصبر. إنني أريد أن تعرف أنني شاكر لك على كل ما فعلته.. لم يصدق سايمون ما سمعه إلا بصعوبة، وتطلب لحظات كي يستوعب ما قاله كريك، وما إن حصل ذلك، حتى طلب منه كريك إعداد استطلاع آخر للرأي، وإذ ذاك شعر سايمون بأنه يكاد يهوي عن الكرسي حيث كان يجلس، وذكر كريك أنه لا يحب استطلاعاته، لكن كريك علق قائلاً: «أعْرِفُ. أعرف. لكن ذلك كان في الماضي. لقد كنت أكره استطلاعاتك عندما كانت تتطلب مني دفع تكاليفها، أما الآن فهي تمدني بالمال، فكر الآن فيما ستورده في قائمة الاستطلاع الجديد.. وعندما سأله سايمون عن تلك القائمة أجاب: يجب أن تستفسر عن أسباب ترك الناس شركة أدميرال. ثم إن عليك استئجار مساعد آخر لك، لأنك بحاجة إلى شخص لمساعدتك. نحن في طريقنا إلى تعرف الموضوعات الجوهرية المتعلقة بالتسرب، وهذا يسمح لنا بإنشاء فريق عمل استثنائي.

كتب ذات صلة