القائمة الرئيسية

كتاب مرتفعات الجزيرة العربية

كتاب مرتفعات الجزيرة العربية
ملخص الكتاب

يتناول الكتاب تفاصيل رحلة استكشافية عبر الربع الخالي والمناطق المحيطة به، بدءًا من عبور الصحراء وصولًا إلى وادي الدواسر ومكة المكرمة في أوائل القرن العشرين. يسرد المؤلف ملاحظاته حول الجغرافيا، والقبائل، والمزارع، والحياة الاجتماعية للسكان المحليين، مع التركيز على تأثيرات الجفاف والفيضانات، وتحولات الطبيعة والمجتمع. كما يتطرق إلى لقاءاته مع زعماء القرى وتجربته في توثيق مواقع غير معروفة، ويبرز أهمية الرحلة في اكتشاف مناطق كانت مجهولة بالنسبة للأوروبيين.

ما بعد الربع الخالي 

كنا لا نزال بعيدين عن نهاية أعمالنا بعد أن عبرنا الربع الخالي عند مدينة السليل في الرابع عشر من مارس عام ۱۹۳۲م. إنزاح القلق بلا شك حين عدنا مرة أخرى إلى حيث يستوطن الناس. ولكن يفصلنا عن مكة، وهي أقرب موقع نحس عنده بأننا في أوطاننا، مسيرة تقدر بسبع مئة ميل معظمها عبر أرض لم تكتشف وغير موضحة على خريطة. كانت منطقة وادي الدواسر، بالطبع، مألوفة لدى، منذ زيارتي الأولى عام ۱۹۱۸م، عندما تطلعت من فوق أطرافها الغربية عبر مقازة المحمل التي تفصل بين وادي الدواسر ومرتفعات بيشة وعسير. لم ير هذا أي أوروبي غيري على الإطلاق. لقد قدم كل من تاميزيه والكولونيل واخوب إلى بيشة من ناحية الغرب منذ زمن طويل، وقد زارها حديثاً ليوبولد فايس، وهو ألماني مسلم، من ناحية الشمال الشرقي، وهو الرحالة الذي شاهد الأول وآخر مرة واحات رئية وتربة، ولكنه للأسف أهمل فرصة إعداد عمل خرائط جادة. 

لقد كان خط عرض بيشة معروفاً بالتقريب، ولكن بالنسبة للمدينتين الآخريين فقد كان تحديد موقعهما تقريبياً على ما كان متوافراً من خرائط آنذاك، ومن أحاديث الأهالي. وعليه فإن البلاد التي نفكر في اختراقها كانت، في معظم الأحوال مجهولة، كما كان الربع الخالي نفسه، ولن يتسنى لنا دخول المسارات المألوفة نحو حضن وركبة، على خلفيتهما من ناحية الغرب جبال الحجاز، إلا بعد تجاوزنا التربة . 

نحتاج نحن وجمالنا، لفترة راحة قصيرة بعد جهودنا السابقة، وقبل مواجهة محن مثل هذه الرحلة. لم يكن في استطاعتنا أن نهدر الوقت، بسبب الاقتراب السريع الموسم الحج الكبير (١٥) أبريل، والذي نأمل أن نؤديه. وأخيراً وصلنا إلى مكة في الوقت المناسب ويسير معتدل وتجنب كل إغراء للتوقف في مواقع جميلة كنا تود أن تستريح عندها .

ولذا، كان لدينا فقط (٤٨) ساعة كبداية لتتوقف عند السليل. وبمجرد وصولنا تم إرسال الجمال لترعى أفضل نباتات المرعى في المنطقة في وادي العفجة بينما خلدنا إلى الراحة الذهنية والعضلية بالركون إلى عمل لا شيء. ودفعنا إلى ذلك توعك بطني نتج عن التهامنا لطعام غني بالدسم. كما تعرضنا لطقس عاصف وريح باردة، وسماء غائم بالسحب مهدداً لنا باستمرار مثل تلك العاصفة التي واكبتنا أثناء خروجنا من الربع الخالي قدم لنا حاكم السليل زوجاً من الخيام للوقاية، غير أن إنطباعي حول إقامتنا المؤقتة هنا والتي لا تزال حية في ذهني برغم تباعد الزمن كان هو الإحساس بعدم الراحة، تؤكدها دلائل الشقاء المحلي للناس .

 

كان أول قدومي إلى هذه المنطقة في عام ۱۹۱۸م، وبعد أشهر قليلة، من تلك التجربة السارة الوحيدة التي عرفها الناس آنذاك، إلى حين زيارتي الثانية. كانت تلك التجربة هي السيل الكبير الذي دخل ذاكرة التاريخ المحلي تحت اسم «الليلة»، أو «الكابوس» إذا ترجمنا ذلك بلا ذلاقة لسان إن رعب تلك الليلة، والذي أحس به أهل أسفل الوادي في منطقة الدواسر، قد أخذ معه العديد من الأرواح البشرية ونفقت المواشي في أعاليه، غير أنه كان البشير بالمراعي الثرية والمحاصيل الجيدة والآبار الممثلثة الموسم أو موسمين. ولكن امتدت ذراع الجفاف الطويلة المميتة فوقهم منذ ذلك الحين، ولمدة تقارب الاثنتي عشرة سنة. والآن مع عودتي الثانية، فإن السماء المنقضية المنخفضة السحب كانت ممتلئة بالأمل الواعد نحو المستقبل. كان القمح، ممتلئ السنابل يتأرجح في همس تحت ملاطفة الرياح، وبدأ حصاد الشعير. والذين لم تسحقهم سنوات الشدة ملأهم الأمل ولهجوا بالشكر لهذه الرحمة الإلهية. أمكن إعادة بعض الآبار المهجورة للعمل كما أمكن إعادة زراعة مناطق عارية، بعد أن أزيلت جذوعها العارية للاستفادة منها كأخشاب أو وقود بأشجار التخيل الصغيرة، ووجدت الماشية، فوق كل هذا طعاماً كافياً في المراعي المتجددة. كان هنالك حزن غريب في رضاء الناس فطالما عرفوا اليأس، فبالكاد يتطلعون للأمل، كجمالنا التي عافت الماء بعد فترة ظماً طويلة في الربع الخالي. 

وفي صباح يوم مغادرتنا، تجمع الفقراء، ومعظمهم من النسوة في ملابسهن القرمزية الفضفاضة، وأقنعتهن السوداء، وعباءاتهن النجدية، حول المعسكر طلباً للصدقات. يقدر عددهن بالمئتين على الأقل. كنت قد استبدلت بعض ريالات الماريا تريزاء بالعملة التركية المحلية التي لا تزال حية من فئة النصف والربع .

وكانت كل امرأة سعيدة بما تلفته من مبلغ زهيد وقع في يدها. وعاد البعض منهن مرة أخرى على أمل أنهن أن يعرفن، ولم يتضجرن عند نقاد النقود. كما استطعت أن أتنبه إلى خدمات بعض الصبية الذين دعوتهم لصيد الطيور لي بوساطة شراكهم. لقد أحضروا لي الطيور حية، ولكن أحد الأجنحة كان مشوها جدا ليمنع طيرانها. 

احتفى بنا أمير قرية آل محمد أثناء إقامتنا، واسمه فرحان الروية، الذي يتمتع بسلطة رسمية متساهلة على كل الواحة. كما قمنا أيضاً بزيارة سالم بن عبدالله بن نادر بقرية آل حنيش والذي كان أخوه «نادر» حينها في مكة في خدمة الأمير فيصل. لقد تجولت في مزارع النخيل البائعة وحديقة يملكها عيسى الخبيزي، وزرت أيضاً أجزاء أخرى من الواحة مثل قرية آل سويلم التابعة المقابل، وقرية آل ضويان كان الحديث في كل مكان هو نفسه : لقد أصابت مصايد اللؤلؤ في الخليج العربي ظروف صعبة، وتدنت دخول ممثلي السليل لدى الحكومة من متوسط مئة ريال للرجل إلى ستين ريالاً. ومع ذلك، فإن كل الذكور يذهبون للبحر كل عام، تاركين العدد الضروري فقط من الأيدي العاملة التي تشرف على ري مزارع النخيل تحتوي مزارع النخيل صنفين ممتازين من البلح : المقفزي الذي يجنى خلال أشهر الصيف والسري ذي الثمار اللذيذة ، الذي يظل على أشجار النخيل عبر أشهر الشتاء، ويقتطف متى أريد. كان السكان، بالطبع من البدو، أو أشباه البدو يزيد عددهم عن ألفي نسمة، ولا تزيد قوة حامية الواحة عن عشرين جملاً براكبيها وذلك في حالة الاستنفار العام، وكان بعض رجال الحامية في هذا الوقت غائبين في خدمة فعلية في حملة خالد بن لؤي الاستطلاعية، في منطقة نجران، حيث وصلت أخبار إلى السليل بانتصار باهر على عناصر السلوم والهندي وغيرهما في ذلك الجزء استسلم المتمردون الذين كانت إصاباتهم كثيفة نسبياً، بعد المعركة، وتم توقيع الاتفاقية. ربع قمنا بوداع مضيفنا صباح اليوم السادس عشر من مارس، وامتطينا ظهور مركبنا التواصل رحلتنا استغرق عبورنا المزارع النخيل على زاوية مائلة، حوالي الساعة عبر ممر ملتو يمر من أمام قلعة قصر البيئة بجوار حديقة تسمى الصفية. 

تطلعنا إلى حوض وادي الدواسر الطويل الضحل، وذلك من حافة مزارع النخيل ناحية الأفق الغربي، حيث تقع المرتفعات الحارسة لكل من خشم العمور، وخشم أشقر ، على جانبي المدخل الذي يؤدي إلى جبال طويق. كان السهل العريض، المملوء بنبات الحرمل من أمامنا، هو دلتا قناة المجامع حيث تبدأ دخولها بالوادي الذي يسمى هنا بـ «الفرشه» وهو ممر ثقيل تتناثر فيه شجيرات الشنان، واقفة على قواعدها الرملية. كان اتجاهنا العام هو ناحية الجنوب الغربي بميل عبر الوادي. عبرنا عمر المفرش، ودخلنا الخط الرئيس للمجرى، وهو قاع طيني كثيف الأشجار عليه أشجار الأئل، أو السواد، ويعرف باسم العفجة، ضربنا مسيرتنا على هذا الطريق، لنصل إلى السفوح الجنوبية الطويق على الجانب الأيمن للوادي، ثم عبرنا من هنا على أحد ضفتي رافد مهم هو شعيب القبر، فوق مساحة كبيرة من الخرائب جدران حصون دائرية، وحطام منازل التي يبدو أنها غير جديرة بأن نقف عندها لفحصها. ومع هذا فقد توقفنا لمدة قصيرة بسبب حائط من الصخور في الرافد الثاني غرباً، وهو شعيب جراف، حيث كوفي البحث بالعثور على حفريات تعود إلى العصر الجوراسي، شبيهة بتلك التي عشرت عليها في هضبة طويق على بعد حوالي (٤٠٠) كيلومتر إلى الشمال. 

تنتشر أمامنا الآن منطقة الخشيقان المبعثرة التي تتكون من أربع أو خمس قرى صغيرة، إلى جانب قصور قليلة منعزلة، ومزارع نخيل متوزعة بين صخرة طويق على يسارنا وغابات العفجة الداكنة الاخضرار إلى اليمين. توقفنا هنيهة السقي الجمال من بركة تحيط بشجرة نخيل واحدة، في إحدى المزارع، حيث كان يعمل عدد من الرجال ينتمي أهل هذا الجزء من الوادي إلى مجموعة آيات دواسر، تدعى بني تغلب، والتي تضم الاقسام التالية: العمور، والخيلات والحقبان، والمشاوية والمصارير. لقد تضرروا، كما تضرر أهل السليل، من فترة جفاف طويلة، وكانت بعض مزارع نخيلهم في حالة سيئة، ولكن يبدو أنهم يتطلعون إلى محصول ذرة أصفر واعد نتيجة للأمطار الحديثة. تنتهي الواحة بالقرب من الجانب الأيمن لشعيب العمور، الذي يدخل هنا عبر خليج عميق يمتد إلى الوراء داخل جدار جبل طويق لم تهتم بزيارة المنطقتين المهمتين الأخريين: تمرة وشراء فقد زرتهما من قبل في رحلتي السابقة توقفنا، بالفعل، عند البئر الجميل المسمى عين المليحة ذي الصهريج مربع الأبعاد، حيث يمتد كل ضلع إلى عشرين قدماً، وهو مبطن بمواد البناء إلى حدود خمسة أقدام من مستوى الماء، الذي كان عند عمق (۳۰) قدماً. يبدو ولسبب ما أن هذا البئر كان معطلاً. برغم أن كتلة صخور زرقاء، تم كشفها عن طريق الحفر، من أعماقه، قد أوضحت أن بعض الجهود قد بذلت لإعادته للعمل كان هنالك على أية حال، صهريج آخر ليس بالبعيد، يستخدم لري أرض زراعية معقولة الحجم، لنبات الذرة الأصفر. 

قررنا، بعد عشر دقائق أن نعسكر الليلة تحت صخرة خشم العمور في فجوة طويق، بعد أن قطعنا مسافة (۱۳) ميلاً من السليل وتسلقت بسرعة إلى القمة، لأرى منظراً شاملاً للريف المجاور، ويقف تحت أقدامي، في الفجوة، امتداد النخيل الضخم التابع للقبابنة بأجزائه اللامعة البيضاء بسبب تربته الملحية. اندمجت أشجار النخيل على الجانب الغربي مع غابات الأثل، وفيما عدا وجود عدد قليل من القرى المتهدمة تبدو الواحة كأنها بلا سكان. تمتد قمم طويق الجامدة باتجاه الشمال الغربي والجنوب الغربي إلى ناحية الأفق البعيد المظلم، مكونة قوساً ضحلاً، ويوجد منفذ القبابنة في وسطه. تقع منطقة الخليقان إلى الشرق، وتقع منطقة العمور شيئاً ما نحو الجنوب الشرقي. وعلى سطح المنحدر من أعلاه إلى أسفله، تنتشر البقايا الأحفورية بقايا العصور الجيولوجية القديمة). 

هطل مطر غزير، وخلال وقت قصير مباشرة بعد عودتي للمعسكر، سرعان ما صفا الجو، وحوالي الساعة التاسعة مساء استطعت أن أقوم بملاحظة النجوم، قبل أن تتجمع السحب مرة أخرى من جديد، وعند منتصف الليل، غطت سحب كثيفة السماء ولمع برق بعيد من جهة الشرق، ولكننا لم تمطر، وكان الليل لطيفاً، جذبت نار معسكرنا مسافراً قادماً من وادي الدواسر متجهاً للسليل - أخبرنا هذا المسافر أنه منذ ثلاثة أو أربعة أيام خلت وصلت تعليمات للأمير من الملك، مفادها أن يتوقع وصولنا خلالها، علماً بأن الأمير نفسه، لم يؤكد هذه الشائعة حينما وصلنا إليه بعد يومين. لقد أفادنا في السليل بعض صائدي اللولو الذين عبروا منطقة الهفوف قبل حوالي ثلاثة أسابيع في رحلة عودتهم؛ أن هواجس نذر الشر حول مصيرنا كانت دائرة هناك. 

صحونا في اليوم التالي والسماء صافية من فوقنا، عدا سحب قليلة خفيفة. كان الصبح دافئاً مع بعض الحرارة والرطوبة، برغم النسيم الرقيق الذي يهب من جهة الشرق امتطينا الدواب عند تمام الساعة الثامنة صباحاً، مسافرين في اتجاه يقع قليلاً تجاه الجنوب الغربي على امتداد منحدرات طويق، والتي كانت قواعدها من الحجر الرملي ذي اللون البني الغامق، وتعلوها شرائط باهتة من طبقات الصخور الجيرية على يميننا، ومن خلف نخيل القبابنة ملأت غابات الأئل حوض الوادي، بينما واصلنا مسيرتنا غير سهل غني بنباتات الشنان، يقع بين المنحدرات الصخرية والوادي، ثم مررنا بعد مسافة قصيرة بالقرب من كتلتين صخريتين منفصلتين نحتتهما الرياح على هيئة أسود مستريحة. وفيما يلي هذه وعندما بدأت الصخور تتجه نحو الجنوب، بدأنا بالتدريج نسلك طريقنا باتجاه الغرب، فوق السهل الملحي المنقط بلطخات من الرمل الخشن.

ظهر نخيل كمدة حوالي الساعة العاشرة صباحاً حينما توقفنا لتناول الإفطار. كان مقرراً علي أن أقضي ليلة أخرى هنا كما فعلت قبل أربع عشرة سنة، ولكننا واصلنا مسيرتنا على عجل واختلطت أشجار الشنان والأئل بالغضى فوق كثبان الرمال. وما هي إلا مدة زمنية محدودة حتى تحول كل ذلك إلى غابة، وأصبحت أمواج الرمال أكثر وضوحاً. وعند الظهر، ومع عودة التوعكات المعوية التي أعلنت عن نفسها في السليل، كنت مستعداً للتوقف مرة أخرى. تمت سريعاً تحت الظل الوافر لشجرة غضى، وصحوت عند الساعة الثانية ظهراً لهطول مطر مفاجئ. وظل كل شيء لطيفاً بعد ذلك مع أمطار متقطعة، وعند الساعة الخامسة أحست بأنني قد استعدت نشاطي بما فيه الكفاية لأواصل المسيرة. 

رحفنا بعد ساعة إلى مجموعة من أشجار أثل كمدة؛ لنعسكر بالقرب من القرية. قد أدينا عملاً أفضل قليلاً من عملنا في اليوم السابق، ولكن الظروف كانت كلها ضدنا، احتفى بنا الأمير المحلي فارس بن راجس، والذي يناديه أبناؤه ب الرجل المسن ، برغم أنه في منتصف العمر وقد بالغ في إكرامنا، وكنت سعيداً مدة بقائي تحت حمايته. إن أعظم إنتاج لكمدة هو نبات الكرمع أو توت الأثل إذ يكثر الطلب عليه كمادة صابغة. ولكنه أصبح لعدد من السنوات المتتالية، فاشلاً كلياً أو جزئياً، ربما بسبب الجفاف، كما يزرع هنا الشعير والشوفان معاً، ويصنع الخبز المحلي من خليط منهما معاً. القرية نفسها صغيرة، ولكنها مدمرة ومحاطة بسور، مع وجود برج مراقبة على الجانب الجنوبي الغربي. ولا يزيد عدد السكان عن مئة نسمة ولديهم عدد كبير من الآبار التي يكون الماء فيها غزيراً على عمق عشرين قدماً، وهي أكثر ما تكون حفراً واسعة الفوهات أكثر منها آباراً مع غياب أية دلائل بناء في هذه الحفر توجد ميان قليلة إلى جانب القرية في مزارع الأثل المبعثرة، والتي تغطي مساحة واسعة. أما مزارع النخيل التي كانت واسعة الانتشار نسبياً في السابق؛ فهي في حالة يرثى لها. ويؤرخ برج مراقبة محطم على الجانب البعيد من الواحة لفترة مجاعة طويلة، لم تترك شيئاً يأخذه الأعداء. وخلف هذا البرج يقع مستنقع مياه أمطار يبدو كأنه يحيي الأمل لحدوث أشياء أفضل في المستقبل . 

بيننا الآن وبين طريق وادي المنطقة الحقيقي سهل رملي عظيم، كأنه بحر متلاطم الأمواج، مطرز بأشجار الغضى، وتعترضه على مسافات متباعدة منخفضات ضحلة من الصخر الرملي وتندمج تخوم طويق عند الجنوب البعيد في الأفق، مع آبار القرية تختفي خلف أحد المرتفعات على مسافة رحلة يوم. يبرز أمامنا شريط نحيل طويل أسود من النخيل وأشجار الأراك الذي تستخدم أغصانه الحادة المذاق سواكاً لنظافة الأسنان عبر شبه الجزيرة العربية .

اقتربنا, في بطء، من ضواحي الواحة، وعبرنا مزارع محطمة ذات نخيل وائل غير متناسق، ووصلنا إلى أولى القرى، وهي قرية الشرافاء التي سبق لي أن تحاشيتها في رحلتي الأولى ، حيث تجمع مواطنو الوادي آنذاك لمنع تدنيها بواسطة كافر ، غير أننا عبرنا الواحة المعوجة للقرية هذه المرة، لأن خبر حضورنا لم يكن معلناً، وكانت القرية محطمة تنتشر فيها قطع صغيرة من مزارع الشوفان. واصلنا السير بعدها، وسط القرى، مع وجود الزخم الرئيس المزارع النخيل على يميتنا بعيداً قليلاً من الطريق تحت كثبان الرمال التي كانت تنتظم على الجانب الأيسر للوادي. تبلغ المسافة من قرية الشرافاء إلى قرية القدام، المستوطنة الرئيسة حوالي سنة أميال. وقد قطعناها بلا حوادث تذكر لتتوقف عند قلعة برزان، حيث يقيم الحاكم. 

كان اليوم يوم جمعة وقد انتهت صلاة الجمعة قبل قليل. وكان سعد بن ناصر ابن معمر - وهو سليل بيت إمارة جاء منه ذات يوم العديد من أمراء المناطق تحت قيادة ابن سعود - يشرف على مجلس محكمته الأسبوعي العادي. جلس وبجواره كبير العلماء: سعد بن عتيق وانتظم من حول المجلس كل الأعيان في قريتي القدام ومشرف، لقد استقبلنا الحاكم الذي تولى مهام الوظيفة منذ حوالي ستة أشهر بكرم كاف. لا نعرف إن كان يعلم أولاً بوصولنا إلى السليل، فقد تركنا نحس بأن ظهورنا في المنطقة، لم يكن متوقعاً. فقد سألنا أثناء ما كانت فناجين القهوة والشاي تدور عن كيفية تمكننا من النجاة من مخاطر الربع الخالي التي أدى فيها خاله إبراهيم بن معمر دوراً رئيساً في تنظيم رحلتنا من البداية في الهفوف وكان معنا تابعه الأمين سعدان الذي يعرفه الأمير؛ ولذلك كان من الضروري أن يكون صديقاً لنا، ولكنه كان رجلاً ذا شخصية متفجرة يبدو لنا وكأن سحابة باردة قد حلقت فوق سماء المجلس، والحقيقة السائدة تبدو واضحة في حبل الصمت من جانب كبير المشايخ لقد تقلد سعد بن عتيق الوظيفة نفسها هنا عام ١٩١٨م حينها لم أقابله شخصياً ولكني أحست بالقوة الكاملة لعدم قبوله التي من الممكن العفو عنها. ومن ذلك الحين يبدو وكأنه لم يتعلم شيئاً ولم ينس شيئاً. لقد زال الضغط الذي جثم علينا لحظة انسحابه، ثم تبع بقية الأعيان المحليون خطاه. وبعدها أمر الأمير بطعام وافر لضيوفه فقد أحضروا لنا التمر مع تحفة الحاء، لوقف ضربات الجوع، إلى حين إعداد العشاء الذي دعينا إليه عند الساعة (٤,٣٠) لقد تم إحضار طبقين كبيرين من لحم الضأن والأرز ووضعا على الأرض كان أحدهما الفريقي وكان الآخر للأمير وتابعيه . 

شاورتي الأمير، في هذه الأثناء في الخيار بين السكنى داخل القلعة، أو في خیام خارج الباب الرئيس. وقد اخترت الخيام للحرية الكبيرة التي سأنعم بها وسرعان ما أقيم معسكرنا هناك. تمكنا من الإحساس بالراحة نسبياً، برغم تتابع الأمطار من حين لآخر وهبوب العاصفة الرملية الحادة السريعة في فترة ما بعد الظهر. وقد أثرت التحفظ وتأجيل متابعة ملاحظاتي للنجوم إلى ما بعد منتصف الليل حتى لا يكون هنالك من يتشكك في أفعالي . 

تجولت بحرية في اليوم التالي بمفردي بلا مضايقات من أحد. لقد جذبت انتباهي هضبة صغيرة منعزلة، في وسط الوادي، مقابل مشرف. كان ارتفاعها حوالي خمسين قدماً، مكونة من طبقات من صخر رملي أحمر مصفر تخفيها طبقة طمي (سلت) وحصى تساقطت من الأعلى كان سمكها حوالي (٢٥) قدماً وتضطجع في استرخاء فوق الحجر الرملي إلى جانب حجارة خشنة وضعت في قالب طموي وردي طري، مع وجود كتل كبيرة من الصخر في حجم ضعف رأس الإنسان. لقد سقط العديد من الحجارة، بفعل الرياح والأمطار، من الواجهة الخارجية لهذا الطابق العلوي مخلفة سجل وجودها فيما خلفته من قالب كلسي. كما توجد مياه في بئر قرب ناحية الزاوية الشمالية لقرية مشرف، وذلك عند عمق أربعين قدماً، والبتر مبطنة ببناء من حجارة رملية حتى عمق خمسة عشر قدماً، وبعدها يخترق البئر الصخر الرملي الوردي الصلد تقع إلى الجنوب من مشرف بركة المياه الأمطار، بينما إلى الغرب من قرية اللدام التي ليس لها سور ولا بوابة من هذه الناحية توجد بحيرة منتظمة. كما تحتل المقبرة المسافة الواقعة بين المدينتين التي تخترقها عدد من مسائل المياه تنتهي كلها عند هذه البحيرة التي لا يستعمل ماؤها للشرب.

لقد قمت بزيارة سوق مشرف قبل فقولي عائداً للمعسكر، والسوق عبارة عن مكان واسع نسبياً ومكشوف وتحيط به المتاجر المألوفة الشكل في القرى النجدية. لا يبدو أنها تعرض شيئاً يثير الاهتمام، غير أن النظرات الصامتة العابة والنظرات المتجهمة للتجار والمتسوقين تفيد برفضهم وجود غريب في وسطهم. ظهر السر من جراء هذا حين عودتي للمعسكر، فقد أمضى القاضي سعد ليلته يرسم طرقاً ووسائل ليجعل من نفسه شخصاً غير موافق ودعا أتباعه إلى مقاطعة معسكرنا. كان لهذا التصرف النتيجة السعيدة غير المتوقعة ألا وهي حجز الجمهور الفقير بعيداً عنا، ولكن ذلك أصبح أمراً أكثر خطورة حينما أبلغني الكشافون التابعون لي بأن محاولاتهم للحصول على دليل كفء للمسيرة إلى بيشة قد تم تثبيطها بوساطة المنطقة نفسها. ذهبت إلى الحاكم الذي حمل على عاتقه فوراً تأمين أحد رجاله الخاصين لمرافقتنا، وحين عودتي إلى خيمتي سررت عند ما عرفت أن ابن معدي قد وجد وأحضر لي معه أحد رجال قبيلة قحطان ويدعى حسن، يزعم أن لديه الخبرة الضرورية عن البلاد التي ستقابلنا ... 

عرض الأمير وفي كرم أن يمدنا بكل احتياجاتنا التي ترغب، غير أننا كنا قد حصلنا على ما نريد من التجار المحليين الذين عند امتناع أولي للتعامل معنا تأسفوا على نكران الذات هذا؛ وتقدموا بلا قليل من الطمع المساعدة الزوار غير المرغوب فيهم؛ للتخلص من بعض نقودهم كنا قد أمنا لأنفسنا ما يكفي من البن وقشور البن الذي يصنع منه شراب شبيه بالشاي في كل أنحاء جنوب البلاد، من قرية السليل السوق النجدي الرئيس التجارة البن اليمني، ولكننا الآن وضعنا ضمن بنود حسابنا وفي مقدرة على مستوى متحرر جداً بعد حرماننا الأخير، أرزاً ودقيقاً وسمنا، وتمراً وشاياً وتوابل مختلفة - قرنفل، وقرفة وزنجبيل -. كما قمنا أيضاً بشراء أدوات المطبخ بدلاً عن تلك التي أرسلناها مع مجموعة الرياض من نايفة، كما استطعت حتى استبدال زجاج الساعة، وأن اشتري صندوقاً خشبيا لحفظ الأجهزة الجيولوجية وحفظ عينات أخرى يمكن جمعها أثناء الطريق. 

لقد كان من حظنا بحق، أننا شغلنا أنفسنا تقريباً منذ قدومنا في جمع كل ما نحتاج إليه، ذلك لأنه في صباح يوم (۲۰) مارس حينما كنا على أهبة مواصلة مسيرتنا، أعلن التجار المحليون بعد بيعهم لنا مسبقاً كل ما نحتاجه للرحلة، أنهم ويتفاخر لا ضرورة له لن يبيعوا لنا بعد الآن. لقد فكروا بلا شك، ملاطفة الضمائر غير المرتاحة التي أمضت الليل تتأمل في إعجاب أداء يوم طيب، أو لعله لا أكثر، ربما إشارة استرضاء المحرض دعا لمقاطعة غير ناجحة. على أية حال كانت لدينا رغبة ضئيلة للبقاء بينهم مثلما كانت لهم الرغبة، لتعطيلنا. دعانا رجال الأمير إلى إفطار ممتاز من الرز والتمر، وبعدها قمنا بوداع مضيفينا الكرماء وامتطينا دوابنا للمرحلة التالية من رحلتنا . 

مررنا بأطلال حويل أثناء سقينا للجمال في طريقنا عند بتر مغيرة، حيث كما يقول دليلنا إن مجموعة من الباحثين قد اكتشفت كنزاً مخبئاً من النقود في السنة السابقة توقفنا لبرهة عند بركة مياه أمطار تقع بين بلدتي آل معني وآل عويمر لملء قرب الماء وسرعان ما أحاط بنا جمهور من أناس مسالمين فضوليين من بينهم عدد من السيدات الجميلات الجريئات إلى جانب مجموعة أطفال مزعجين صعد إلى وسط هذا المسرح سريعاً جندي سابق في الجيش النجدي، عاد لتوه من فترة خدمة في جدة، حيث لم يكن فقط معتاداً على رؤية الأوروبيين بل سبق له معرفتي شخصياً. كان من الواضح أنه فرح باللقاء الثاني بيننا وقام زملاؤه القرويون لتخفيف فظاظة المدن الكبيرة، بتوديعنا وداعاً عاطفياً من أطراف الوادي. كانت آخر مستوطناتها الفرعة إلى يميننا، حين دخلنا سهل حزم الطيني الحصوي، الواسع، متجهين ناحية الروابي المبعثرة التابعة لبني مصيقرة وبني سران . 

تسمى الصحراء من هنا، وإلى وادي بيشة، المهمل تمتد طريقنا فوق أرضية حجرية من فتات صخر رملي تتخلله على مراحل خطوط أو تجمعات رملية، تنمو عليها بعض من شجيرات وحشائش صحراوية مثل النصي والعلقاء خاصة في الدروب الرملية، كما ينمو الرمث والعرار في ترب أخرى مع مشاهدة الضب مستلقية في حرارة شمس ما بعد الظهر، وانطلاقة أرنبة برية من شجرة، يلاحقها بلا فائدة كلبان من كلابنا السلوقية، أحد هذين الكلبين «عقفاء» جاء معنا من الربع الخالي، بينما المجذب الآخر، وهي كلبة بيضاء جميلة، في بلدة اللدام، وصل كلاهما إلى مكة معنا، ولكن الظروف المتغيرة هناك لم تناسب أيا منهما . مات قطنة» العام التالي خلال غيابي في انجلترا لقضاء الصيف، بينما جذبت عقفاء زوجاً جميلاً من جنسها لتكون إقامته معي، ووضعت سنة جراء جميلة، أطلقت عليها أسماء مختلفة لآبار الربع الخالي، قبل توزيعها على أصدقاء مختلفين في جدة ماتت عقفاء عام ١٩٣٥م، أثناء غيابي بعد إجهاض بدا أنه مفاجئ وحطم صحتها تماماً. وحاول زوجها ضبيان عزاء نفسه، بعد أن سلبه الموت زوجه بالخروج في استكشافات ليلية ذات طبيعة كريهة إلى أن التقط عن قصد قطعة من لحم معالجة بمادة الاسترخنين ومات، وبعد سلسلة من التشنجات العنيفة في وجودي إنه ليس من الأشياء الحسنة الاحتفاظ بكلاب الصيد في المناطق الحضرية، لأنها لن تكون أبدأ سعيدة وستعتاد على اكتساب عادات سيئة مثل البحث عن الطعام. 

المجرف مجرى الوادي تدريجياً، عن مسار طريقنا ناحية الغرب، ومن خلفه رمال نقود الدحي، المرصع بالقمم وأحياناً بالمرتفعات والسلاسل الجبلية، ويمكن رؤية جبال الهضب خاصة، والتي قد رأيتها في عام ۱۹۱۷م، من ناحية الشمال وعلى فترات ومن على بعد ربما تكون من حجارة رملية حمراء، كما قال دليلناء الذي يعرفها جيداً، لأنه خدم خلال الحرب العظمى في العلاء على خط سكك حديد الحجاز، فهي في مظهرها العام شبيهة جداً بالصخور، أو الجروف في ذلك المكان، ومثلها، فإنها ممتلئة بالكهوف ولم يقترح أن هذه الكهوف قد أقيمت يفعل إنساني. كان المنظر الهندسي متموجاً قليلاً على اليسار، وهو عبارة عن خلاء صخري، مع وجود مرتفعات منخفضة من حين لآخر وهضيات مرتفعة. كان وقت ما بعد الظهر ساخناً كما يتمناه المرء، وكانت العلامة الوحيدة الأخرى، في ذلك الخلاء لوجود إنسان خلال مسيرتنا هي رؤية مجموعة من تسع جمال أمامنا، جاهدة نحو الغرب يظن حسن أنهم قد يكونون أصدقاءه العائدين إلى تثليث، ولكننا لم نتحقق من تعريفه لهم لأننا توقفنا عند الساعة الخامسة مساءً في حمى شجرات سمر على مسافة أقصر قليلاً من موقع العلامة المميزة لبلدة أبرق المقاريب. ، بينما تكون الفرقة الأخرى قد واصلت سيرها خلال الليل البارد.

تتبع قبيلة قحطان جنوب بيشة، أميرها مترك بن عشق بن شفلوت الذي تتمركز رئاسته في منطقة تثليث كان فيصل بن حشر من أشجع الفرسان القدماء في شمال قحطان في هذا الوقت، وقد كان لمدة طويلة من المساندين الأساسين والأصدقاء الشخصين للملك والذي مات الأسف الملك الشديد أثناء قيامنا بهذه الرحلة. ورث ابنه خالد وهو شاب لطيف، وعلى وجهه ندوب الجدري وله أنف معتدل بارز كل الألقاب التي كانت لأبيه وانضم إلى رجالات الحاشية .. بدأ النفوذ لرؤساء القبيلة المؤثرين يتضاءل بسرعة خلال هذه الأيام كلما امتدت إدارات الحكومة المركزية لتغطي كل الدولة . 

صحونا مبكراً قبل فوات الأوان بعد قضاء ليلة باردة بالمعسكر، انخفضت فيها درجة الحرارة إلى (٥٥) درجة فهرنهايت، وتحركنا قبل الساعة السادسة صباحاً ونحن نسير على مسافة قصيرة وقمت راجلاً بقطع المسافة القصيرة التي تفصلنا عن سلسلة أبرق المقاريب المنخفضة شاهدنا على الطريق آثار ذئب كان يدور حول المعسكر أثناء نومنا جلست على ركام من الحجارة على القمة الجنوبية أطيل النظر المنظر الخلاء الصخري وإلى الكثبان الرملية للصحراء، وإلى الجبال المحترقة حولنا في باكورة صباح أول يوم بارد صاف من أيام الربيع (۲۱) مارس)، تهب خلاله نسائم شرقية يبعدنا هذا الموقع حوالي (۱۹) ميلاً من منطقة وادي الدواسر التي بالطبع لا نرى منها شيئاً برزت على البعد من ناحية الشمال الغربي كتلة جبال الهضيب، معلمة الموقع الأول الحوض حجلة المختمية العظيم الذي تصب فيه أودية عظيمة مثل تثليث وبيشة ورنية كل مياه سيولها متى وجد فيها ما تصبه من الماء. يمتد من ذلك الموقع ناحية الشرق نفود الدحي الواسع، إلى الشمال من وادي الدواسر. وتشمخ من هنالك إلى نقطة الشمال، كأنها ناهضة من خلاء رملي، كل من السلسلة الضخمة للسوادة، وهضبة الدواسر الجمية. وإلى الخلف وشمال الجمبة برزت كتلة العبيد السوداء وعلى يمينها جبل صبيحاء بينما شمخت هضينا مريكيز السوداوان كحارسين في وسط كثبان برسع الرملية في خلاء الدحي . 

يقع ناحية الشرق ذلك السهل المنبسط الذي عبرناه بالأمس، بينما اكتظ الوتر الممتد من الجنوب الشرقي إلى الجنوب الغربي بخليط من تلال صخرية وهضاب بني مصيقرة مرتبة في خطوط ثلاثة من جهة الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، تبدأ على بعد حوالي ميل واحد وتتجه نحو السعيد مع أرض مرتفعة بعض الشيء ناحية الجنوب الغربي من موقعنا، كما ظهرت أجزاء من جبل جويل بعيداً إلى الخلف، ناحية الجنوب، وتقع إلى الخلف من بني مصيقرة، ويلي ذلك، إلى الجنوب والجنوب الغربي تل المسماة المزدوج مع وجود ركام من حجارة على قمته تتجه إلى أسفل، حيث السهل الرملي العريض الذي يحمل الاسم نفسه. والذي يصرف كل مياه هذا الجزء من ممر المحمل ناحية الجنوب الشرقي، حيث ممر الفاو الذي يخترق جبال جنوب طويق وتخترق سلسلة بني سنامة من هذه النقطة إلى الجنوب الغربي، مع وجود جبل أم خرق الذي يمتد في وسطها من جانب إلى آخر، بواسطة سمة كهفية مدهشة، اشتق منها اسمها، وأخيراً يعترض طريق تقدمنا، وفي اتجاه غربي توأم جبل الجزلاء الذي يسمى أحدهما البيضاء»، والآخر السوداء .

امتطينا، أنا وحسن دوابنا مع بقية الفرقة، بعد هبوطنا من الركام إلى السهل على الجانب البعيد لأبرق المقاريب تواصل مسيرتنا فوق سهل رملي من صخور رملية حمراء إلى جانب مساحات رملية مبعثرة، ينمو فوقها قليل من عشب الثمام وبعض شجيرات من الرمث وتحلق فوقها أعداد كبيرة من فراشات الكبريت وفراشة السيدة الملونة وامتد أمامنا بعد فترة شريط كوارتزي، من مجموعات من الحجارة الرملية الصعبة، ثم اخترقنا على بعد ستة أميال من أبرق المقاريب مجرى الموسامه الواسع الرملي لتدخل المنحدرات السهلة ولكنها وغرة بالنسبة الأرض الجزلاء. 

سرعان ما توقفنا بعد ذلك عند مجموعة من أشجار الطلح لتناول الطعام. تكونت وجبتنا من تمر وخبز، تم طبخها بغير عناية في رمل ورماد)، مع قهوة وشاي ومشروب القشر اللذيذ الذي يعمل من قشور البن، مع نكهة الزنجيل أو القرفة. خلدنا للراحة لفترة وجيزة تحت ظلال شجرة السمر كان الجزلاء منطقة منخفضة، متموجة ذات قمم سود من صخور تشبه الإردواز، مترتبة على حافاتها إلى أعلى، مع منخفضات متكررة. يوجد بشر غزالة - كما أشار حسن بعيداً ناحية الجنوب الغربي حفره منذ القديم رجال قبيلة الدواسر، وذلك عند الحدود الجنوبية لسلسلة الجزلاء ولكن تعرض للتخريب بعد ذلك بواسطة السلوم. ونضب هذا البشر منذ ذلك الحين بمياهه المالحة التي كانت في أحسن الظروف توجد عند عمق أربع إلى خمس قامات مثل بئر جرير الجنوبية الواقعة خلف مرتفعات جيجب التي تقع مياهه المالحة على عمق ثماني أو تسع أقدام. لا توجد بشر أخرى في ممر المهمل الذي لا يوجد فيه ماء الآن، فهي أرض لا يملكها أحد من البشر تقع داخل حدود الدواسر، ولكنها مكشوفة دوماً للسلوم الذين يمتد نطاقهم من خلفها إلى نجران البعيدة. 

يقال إن سلسلة جبال بني سنامة كما أشرنا من قبل تشكل كتلة واسعة تبدو ظاهرياً كأنها من حجارة رملية، وتمتد جهة الجنوب الغربي إلى جبل الكلاب ووادي شهمة أو الشهمة المرتة حيث يوجد مرعى الحمض الجيد للبدو. توجد بئر مريغان قريباً من هذا الجبل، وعلى بعد مسيرة يوم واحد (حوالي ٣٠ ميلاً ) إلى ناحية الجنوب الغربي، وتعد هي وشهمة نفسها، وجبال الكلاب، وما يحيط بهما، جزءاً من سلسلة جنوب قحطان تعد بالمثل كل من سنامة وجويل وجزلاء، تابعة للدواسر، وتجرى الحدود بين القبيلتين من جبال الكلاب عبر وادي شحمة وعلى امتداد سلسلة جيجب التي نتوقع أن نصل إلى أجزائها الشمالية هذا اليوم. 

اتجهت الرياح ناحية الجنوب، وكانت دائماً لطيفة مع زخات عنيفة من حين الآخر، بينما كنا تواصل مسيرتنا فوق هضاب واضحة المعالم من جلاميد سوداء تقود إلى سهل تنمو عليه أشجار السمر مع تلال بارزة على جانبنا الأيمن إلى مسافة معقولة. حل الحصى الناعم المشوب بكوارتز سريعاً محل الصخر والرمل.

كتب ذات صلة