سياسات الخوف
الخوف أقوى أعداء العقل، والخوف والعقل جوهريان الحياة الإنسان لكن العلاقة بينهما غير متوازنة. فقد يبدد العقل الخوف أحيانا، لكن الخوف يغلق العقل دوما. وكما كتب إدموند بيرك في إنكلترة قبل عشرين عاما من الثورة الأمريكية: ليس هناك شعور يسلب العقل كل قوى التصرف والتفكير بصورة مؤثرة مثل الخوف.
كان مؤسسونا يقدرون إلى حد بعيد. التهديد الذي يفرضه الخوف على العقل. وقد عرفوا أن الخوف تحت ظروف مناسبة يمكن أن يثير إغراء التنازل عن الحرية مقابل وعد خطابي أجوف بالقوة والأمن. وكان ما يخشونه أنه عندما يحل الخوف محل العقل تكون النتيجة دوما بعضًا وخلافا يفتقران إلى العقلانية والمنطق. وكما كتب جيتس لويس دي برانديس أخيرا كان الناس يخافون الساحرات فيحرقون النساء».
كان فهم هذه العلاقة غير المتكافئة بين الخوف والعقل أمرا جوهريا لتخطيط الحكم الذاتي الأمريكي.
فقد رفض مؤسسونا الديمقراطية المباشرة، خشية أن يطغى الخوف على التفكير التأملي لكنهم اعتمدوا بشدة على قدرة «جماعة المواطنين الواعية على التفكير معا، بأساليب من شأنها تقليص التأثير المدمر للمخاوف الوهمية المتضخمة المفرطة. كتب توماس باين في كتيبه الأسطوري الذوق العام، محذرا تحديدا - من أنه لم يكن على مؤسسينا المغامرة بالانتظار حتى يستولي بعض الخوف على خيال الشعب، مما قد يشوش عمليات التفكير لديه عندما يفكر المرء بعمق في حياة الإنسان المحفوفة بالمخاطر، سيقتنع بأنه بلا شك من الأحكم والأسلم أن نصوغ دستورا خاصا بنا بأسلوب متأن هادئ، قبل أن يخرج الأمر من أيدينا.
تنجح الأمم في تحديد شخصيتها الجوهرية بتحديها للمجهول والتغلب على الخوف أو قد نخفق، ويتوقف ذلك على كفاءة زعاماتها. فإذا استغل الزعماء مخاوف الشعب كي يسوقوا الناس في اتجاهات ربما لا يختارونها في ظروف أخرى، فسرعان ما يتحول الخوف نفسه إلى قوة ذاتية التولد منطلقة تستنزف الإرادة الوطنية، وتضعف الشخصية الوطنية، وتصرف الانتباه عن التهديدات الحقيقية التي تستحق الخوف الصحي المناسب، وتثير الارتباك فيما يخص الخيارات الأساسية التي يجب على كل أمة تحديدها باستمرار لمستقبلها.
إن الزعامة تعني الإيحاء لنا بالتغلب على مخاوفنا، أما ( الديماجوجية الغوغائية فتعني استغلال مخاوفنا لتحقيق مكاسب سياسية، وهناك فرق شاسع بين الاثنتين.
كان الخوف والقلق دوما جزءًا من الحياة وسيظلان كذلك، فالخوف موجود بصفة دائمة وعامة في كل مجتمع بشري، وهو جزء طبيعي في الحالة الإنسانية، وكان دوما عدوا للعقل. وقد كتب الفيلسوف ومعلم فن الخطابة الروماني لاكتانتيوس: الخوف والحكمة لا يجتمعان في مكان واحد.
كنا نعرف التقدم دوما بنجاحنا في التغلب على مخاوفنا. فكريستوفر كولومبس وميريوذر لويس ووليم كلارك وسوزان بي أنطوني ونيل أرمسترونج جميعا وجدوا النجاح بتحديهم للمجهول وتجاوز مخاوفهم بالشجاعة وبحسن التقدير الذي ساعدهم على التمييز بين مخاوف مشروعة فسيطروا عليها، ومخاوف وهمية محرفة لم تلههم عن أهدافهم.
وقد واجه مؤسسو بلادنا تهديدات رهيبة، فلو أنهم أخفقوا في مساعيهم الشنقوا بوصفهم خونة فقد تعرض وجود دولتنا نفسه للخطر، لكنهم - برغم وطأة هذه المخاطر - صمموا على إقرار الحريات التي تحولت إلى إعلان الحقوق. فهل يتعرض أعضاء الكونجرس اليوم الأخطار أكبر، من تلك التي تعرض لها أجدادهم، حينما كان الجيش الإنكليزي يزحف إلى مبنى الكونجرس الأمريكي ( الكابيتول).
هل الأخطار التي نواجهها الآن أشد مما أدت بفرانكلين ديلانو روزفلت إلى تذكيرنا بعبارته الشهيرة، وهي أن الشيء الوحيد الذي ينبغي الخوف منه هو الخوف ذاته؟ هل تتعرض أمريكة حاليا لخطر أكبر مما تعرضت له، حين واجهنا الفاشية المنتشرة والمتنامية في أرجاء العالم، وعندما حارب آباؤنا وانتصروا في حرب عالمية على جبهتين في آن واحد ؟
هل العالم أشد خطورة مما كان حين واجهنا عدوا عقائدياً (أيديولوجيا) يوجه آلافاً من رؤوس الصواريخ التي يمكنها تدمير بلادنا في لحظة؟ قبل خمسين عاما، عندما تسبب سباق التسلح النووي مع الاتحاد السوفيتي في تصعيد حدة التوتر في العالم، وكان المذهب الماكارثي يهدد حرياتنا في الوطن، قال الرئيس دوايت أيزنهاور لاحقا كل من يتصرف على أساس أن الدفاع عن الحرية يتحقق بالقمع والريبة والخوف، فهو يقر مبداً غريباً على أمريكة.
وقد أعلن إدوارد أر مور الذي هاجم السيناتور جوزيف ما كارثي صحافته الشجاعة أننا لن يدفعنا الخوف إلى عصر الجنون. إنها في الواقع إهانة لمن عاشوا قبلنا، وضحوا بكثير من أجلنا، أن نلمح إلى أن لدينا أمورًا أكثر مما كانت لديهم نخاف منها . فعلى الرغم مما واجهوه من أخطاء، فقد دافعوا عن حرياتنا بإخلاص، والأمر عائد إلينا إذا أردنا أن نفعل مثلهم.
مع ذلك فإن هناك شيئًا يختلف اختلافا بينا اليوم. إذا لماذا نتسم بقدر أكبر من التأثر بسياسات الخوف؟ في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين كان هناك دوما زعماء يرغبون في إثارة قلق الناس بغية تقديم أنفسهم بوصفهم حماة الخائفين، فالزعماء الغوغائيون يعدون دوما بالأمن مقابل التنازل عن الحرية، فلماذا يبدو أننا نستجيب على نحو مختلف اليوم؟
إن العنصر الجديد الأشد إثارة للدهشة في الحوار القومي الأمريكي هو بروز الخوف الدائم وحدته. إضافة إلى ذلك، فإن هناك ارتباكا مستمرا وغريبا بشأن مصادر ذلك الخوف. ويبدو أن لدينا صعوبة غير عادية في التمييز بين التهديدات الوهمية والتهديدات الحقيقية.
إنه اتهام خطر لطبيعة خطابنا السياسي الحالي، الذي جعل ثلاثة أرباع الأمريكيين من كل الفئات يصدقون بمنتهى السهولة، أن صدام حسين كان مسؤولاً بصفة شخصية عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وجعل عددا كبيرا من الأمريكيين لا يزالون يصدقون أن معظم مختطفي الطائرات في الحادي عشر من سبتمبر كانوا عراقيين. كما أنه اتهام للأسلوب الذي تتبعه ديمقراطيتنا حاليا، الذي جعل أكثر من 40% يقتنعون بمنتهى السهولة بأن العراق لديه بحق أسلحة نووية، حتى بعدما تم الكشف عن زيف أهم دليل وهو وثائق سرية تصف محاولة نظام صدام حسين شراء خام اليورانيوم من دولة النيجر.
وبصورة واضحة أساءت الإدارة الحالية استخدام الخوف في التعامل مع العملية السياسية، وسأعود إلى هذه القضية لاحقا في هذا الفصل. لكنني أظن أن هناك سؤالاً آخر أشد أهمية، وهو: كيف صارت بلادنا على هذا القدر من الحساسية - وهي ليست من صفاتها المميزة تجاه هذا الاستخدام المؤثر للخوف في تسيير سياستنا ؟
يفترض أن تعمل الصحافة الحرة بوصفها الجهاز المناعي الديمقراطيتنا، ضد هذه الأخطاء الفادحة في الحقائق والإدراك، وكما قال توماس جيفرسون ذات مرة يمكن التسامح في خطأ في الرأي حين يترك العقل حرا ليصارعه. إذاً ماذا حدث؟ لماذا لم يعد جهازنا المناعي يعمل كما كان من قبل؟ لسبب واحد كان هناك تحول حاد في طبيعة ما وصفه الفيلسوف يورجن هابرماس بأنه بنية الساحة العامة. وكما وصفت في المقدمة، لم يعد المجال العام في الواقع مفتوحا للتبادل النشيط الحر لأفكار الأفراد، مثلما كان عند تأسيس أمريكة.
عندما لا يتم إدراك أخطاء الحقائق والأحكام، ولا يقوم الجهاز المناعي للدولة بتحييدها ، يكون الوقت قد حان لدراسة المشكلة، والعمل على استرداد صحة خطابنا السياسي. ولكي يتم ذلك؛ فإننا نحتاج إلى مزيد من الانتباه إلى الاكتشافات الجديدة الخاصة بالطريقة التي يؤثر بها الخوف على عملية التفكير. وفي الواقع تتيح التطورات الحديثة في علم الأعصاب آراء جديدة ومهمة عن طبيعة الخوف.
وقد تمت في معظم سنوات القرن الماضي دراسة المخ البشري على نحو حصري تقريبا في سياق الحوادث والإصابات الدماغية غير المعتادة، وكان على الأطباء لحظ المنطقة المصابة في المخ، ثم بعد تأمل دقيق للسلوكيات الغربية قد يتمكنون تدريجيا من تحديد الوظائف التي يتحكم بها الجزء المصاب. أما الآن فقد أصبح العلماء قادرين على لحظ المخ السليم في العمليات العادية بقياس سريان الدم وتدفقه والنشاط الكيميائي الذي يحدد أي أجزاء المخ هي الأكثر نشاطا في وقت معين.
يمكن للتقنيات الجديدة في أي مجال أن تحدث تأثيرا ثوريا. فعندما استخدم جاليليو نوعًا جديدًا وأشد قوة من التليسكوب الدراسة السماء بتفصيل أكبر، واستطاع أن يرى حركة الكواكب حول الشمس وحركة أقمار المشتري من حوله لكي يصف بتفاصيل غاية في الإثارة نموذجا جديدا للنظام الشمسي الذي طرحه كوبرنيكوس من قبل. إن التقنية الجديدة نفسها هي التي مكنت جاليليو من وصف واقع كان من المستحيل إدراكه بهذا الوضوح قبلها .
وبالطريقة نفسها تقريبا، أحدثت التقنية الجديدة المسماة تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي (FMRI) ثورة في قدرة علماء الأعصاب على مشاهدة العمليات التي تتم داخل من الشخص الحي، ولحظ مناطق المخ التي تستخدم في كل وقت من الأوقات استجابة لأي مثير. وكما استطاع جاليليو أن يرى فجأة أقمار المشتري، يمكن الأطباء الأعصاب الآن أن يروا للمرة الأولى العلاقات الصحيحة بين مناطق في المخ مثل الجسم اللوزي وقرين آمون ومراكز الحواس ، على سبيل المثال لا الحصر.
وثمة فهم جديد بالكامل للمخ قادم في الطريق، وأحد المجالات التي كانت أشد ثراء من حيث الاكتشافات تتعلق بكيفية تصرفنا كوننا بشر عند الخوف. وسيكون لذلك نتائج بالغة التأثير على الديمقراطية.
فالافتراض الشائع في أي ديمقراطية ( وإن لم يذكر عادة هو أن المواطنين يتصرفون بوصفهم بشرا عقلاء، ويستخدمون عقولهم في حل المشكلات المعروضة عليهم، بافتراض أن كل مسألة يمكن حلها بأسلوب منطقي ومناقشتها دون هوى، حتى يتم الوصول إلى استنتاج جماعي قوي الحجة. لكن الأبحاث الجديدة تثبت - بطبيعة الحال أن الأمور لا تسير هكذا على الإطلاق.
كتب أحد رواد علم الأعصاب في العالم الطبيب فيلا يانور إس. راماتشاندران يقول: إن حياتنا العقلية يحكمها في الأساس وعاء ضخم من الانفعالات والدوافع والرغبات التي نادرا ما تكون على وعي بها، وإن ما نطلق عليه «حياتنا الواعية هي عملية تبرير عقلي محكم لاحق لأمور نفعلها لأسباب أخرى في الحقيقة.
وهناك بني عقلية أخرى تحكم المشاعر والانفعالات، ولها تأثير على صنع القرار أكبر من تأثير العقل والمنطق، إضافة إلى ذلك، فإن قوة تأثير الانفعالات على العقل أشد من تأثير العقل على الانفعالات، ولا سيما انفعال الخوف.
وقد بلغ تشارلز تابر، أحد علماء جامعة ستوني بروك، حد القول إن "" نموذج العقل المتجرد من العواطف - الذي وضع في عصر التنوير الأوروبي بوصفه واجبا من واجبات المواطنة هو نموذج مفلس من الناحية التجريبية.
وحسبما قال جوزيف لودو عالم الأعصاب بجامعة نيويورك ومؤلف كتاب المخ الانفعالي إن الوصلات المتجهة من الأجهزة الانفعالية إلى الأجهزة المعرفية أقوى من الوصلات المتجهة من الأجهزة المعرفية إلى الأجهزة الانفعالية، وقدرتنا على الخوف هي جزء من تصميم المخ بوصفها إستراتيجية قديمة تمنحنا القدرة على الاستجابة بسرعة عندما تتعرض حياتنا لأي خطر، لكن ليس الخوف هو الانفعال اليقظ الوحيد المصمم لتفعيل الاستجابات السريعة فالجسم اللوزي على سبيل المثال، يشارك بالتأكيد في التعجيل بالاستجابات الأخرى المهمة لبقاء جنسنا البشري مثل الرغبة في التناسل وربما لهذا السبب جزئيا كان هنالك تلازم بين الإثارة الجنسية والخوف في البرمجة التلفازية الحديثة. وعلى العكس من ذلك، يتركز النشاط العقلي في أجزاء المخ التي شهدت أحدث مراحل تطور، ويعتمد على عمليات أشد دقة تمنحنا القدرة على إدراك وجود التهديدات قبل أن تقترب منا وعلى التمييز بين التهديدات الحقيقية والتهديدات الوهمية.
ويصف أطباء الأعصاب والباحثون في المخ كيف أن الصور المزعجة تذهب مباشرة إلى أحد أجزاء المخ دون استخدام اللغة ولا التحليل المنطقي وسيطا، وهناك في الواقع مساران متوازيان من مراكز الإبصار إلى بقية أجزاء المخ، ويعمل أحد هذين المسارين بمثابة جهاز إنذار بسيط لكنه فوري ( التطور يفرض دوما اختيارا بين السرعة والدقة). إضافة إلى ذلك، فإنه مهما كان سبب الخوف، يصعب إيقاف الظاهرة نفسها بعد بدئها.
قام علماء النفس بدراسة الطريقة التي تتخذ بها قراراتنا مع وجود قدر كبير من الشك والريبة فوجدوا أننا ننشئ طرقا مختصرة تسمى الموجهات - لتساعدنا على تحديد الخيارات المهمة. وأحد أهم هذه الطرق المختصرة التي نستخدمها تسمى موجهات التأثر». إننا عادة نطلق أحكاما فجائية قائمة في الأساس على ردود أفعالنا الانفعالية، بدلاً من التفكير في كل الخيارات بأسلوب منطقي وتحديد الخيارات بدقة.
هذا الطريق المختصر في الواقع سمة نافعة فهو يتيح لنا اتخاذ القرارات على نحو أسرع، ويساعدنا على تجنب المواقف الخطرة. ولكن استخدامنا للعواطف في اتخاذ القرار يمكن أيضًا أن يعتم على أحكامنا، فعندما يكون رد فعل انفعالي مثل الخوف قويا بدرجة كبيرة. يمكن أن يسيطر تماما على عملية تفكيرنا.
إضافة إلى ذلك، فإنه كما يمكن للخوف أن يتداخل مع العقل عند وجود تهديد وشيك، فإنه يمكنه استخدام القدرة نفسها على العقل في ما يتصل بالذاكرة، فإننا نفترض خطأ أن الذاكرة هي فرع يتبع النشاط العقلي وحده، لكن في الحقيقة تلك المناطق المخية التي تعطينا القدرة على الخوف لديها دوائر ذاكرة خاصة بها، فعبر مسار حياتنا نقوم بتخزين خبرات الفعالية مؤلمة كذكريات يمكن استدعاؤها بسهولة - إما بوعي أو بغير وعي ويمكن إعادة تذكرها مرارا لتوجهنا في المواقف الجديدة، ولا سيما عندما يتطلب الأمر استجابة سريعة.
يعرف معظمنا ظاهرة اضطراب ما بعد الخبرة المؤلمة، الشائع لدى ضحايا الاغتصاب وضحايا التحرش الجنسي من الأطفال، والمقاتلين في الحروب، وغيرهم. فعادة عندما تتحول خبرة ما إلى ذكرى، فإنها تعطي نوعا من التحديد الزمني، وهي آلية تمنحنا - عند تذكر تلك الخبرات القدرة على الإحساس بقدر ما مضى من زمن على وقوع هذه الأحداث التي تتذكرها وإدراكا تقريبياً لتتابعها الزمني. فيمكنك الإحساس بأن الخبرة المستدعاة كانت قبل كذا وبعد كذا، أو أنها كانت قبل عشرة أسابيع أو أحد عشر أسبوعا.
لكن عندما يتم تخزين الأحداث المؤلمة - تلك التي تتضمن شعورا بالقلق أو الألم في الذاكرة، يختلف الأمر وتكون العواقب غير مؤكدة فينشط الجسم اللوزي، ويتم تشفير تلك الذكرى وحفظها على نحو مختلف. ونتيجة لذلك، يختفي التحديد الزمني لدرجة أننا نشعر بأن الخبرات المؤلمة التي استدعيناها من الذاكرة لاحقا خبرات حاضرة. وتكون للذاكرة القدرة على تنشيط استجابة الخوف في اللحظة الحالية حتى لو كانت الصدمة التي تتذكرها قد حدثت منذ عهد بعيد - لأن قوة الذكرى تتسبب في أن يتصرف الجزء المختص في المخ كما لو كانت الصدمة تحدث مرة أخرى في التو واللحظة وظاهرة اضطراب ما بعد الخبرة المؤلمة هي اقتحام فوري لركن الذكريات المؤلمة، ومعايشة الأحداث نفسها مرة أخرى، كأن الواقعة قد حدثت لتوها. وكما أشار الطبيب راماتشاندران، إن هذا الانشغال بالتجربة المؤلمة هو ما يمكن أن يسبب عجزا تاما.
وحتى لو أدركنا على المستوى العقلي أن تلك الأحداث قد مر عليها وقت طويل تستعيد دوائر الذاكرة النشيطة المتخصصة الموجودة في مراكز الخوف في المخ خبرة الأحداث المؤلمة عند تذكرها، وتستثير أنواع الاستجابات نفسها - مثل تسارع دقات القلب وتنامي مشاعر الخوف التي كان سيتم استثارتها لو كانت تلك الأحداث تحدث فعلاً في هذا الوقت.
إن أوجه التشابه في بنية الخبرات السابقة والخبرات اللاحقة يمكن أن تتسبب في أن تطلق مراكز الخوف في المخ الذكريات وتقحمها في اللحظة الحالية. وحتى لو كانت الخبرة الحالية تشبه الذكرى المؤلمة شبها سطحيا، فإنها يمكن أن تسيطر على المشاعر بقوة هائلة، ويمكنها استثارة استجابات الخوف نفسها التي أثارتها الصدمة الأصلية.
إضافة إلى ذلك، فإن إدراك مدى سطحية التشابه في بنية الخبرة بالتحليل العقلاني لا يكاد يؤثر على مركز الخوف في المخ، ونادرا ما يبدد قوة الذكرى المخيفة. لكن مركز الخوف له تأثير عظيم على عملية التفكير، وعلى طريقة صياغة الذكريات أيضًا. ويصف الطبيب مايكل فانسيلو عالم أبحاث النفس في جامعة كاليفورنيا الأمر بقوله: إن الدليل المتاح يوحي بأن الجسم اللوزي يعرف معلومات عن الأحداث التي تثير الخوف ويختزنها ، لكنه يقوم أيضًا بتعديل عملية تخزين أنواع المعلومات الأخرى في مناطق أخرى في المخ. [التوكيد مضاف].
عندما اكتسب البشر تدريجيا مستوى أعلى من التفكير، فإننا اكتسبنا ميزة القدرة على توقع التهديدات الناشئة، واكتسبنا القدرة على تصور التهديدات بدلاً من إدراكها فقط. لكننا أيضًا اكتسبنا القدرة على تصور التهديدات المتخيلة وعندما تقتنع مجموعة من الناس بتصور هذه التهديدات المتخيلة، يمكنهم تنشيط استجابة الخوف لتصير بقوة الاستجابة نفسها للتهديدات الحقيقية.
هذه القدرة على تصور شيء ما يقوم بتنشيط الجسم اللوزي وبدء استجابة الخوف لها أهمية خاصة بسبب ظاهرة أخرى مهمة ذات صلة وثيقة تسمى «التألم بالنيابة. فإذا مر شخص ما، أحد أفراد الأسرة أو شخص تربطنا به صلة قوية، بخبرة مؤلمة، فإن مشاعر هذا الشخص يمكن أن تنتقل إلينا حتى لو لم نمر بخبرة الحدث المؤلم مباشرة.
وتثبت الدراسات الحديثة، أن سرد القصص المؤلمة لمن يشعرون بهوية تربطهم بضحايا الصدمة سواء كانت الهوية المشتركة عرقية أو دينية أو تاريخية أو ثقافية أو لغوية أو قبلية أو قومية - يمكن أن ينتج عنها فعلاً استجابات انفعالية وبدنية لدى السامع تماثل استجابات الضحايا.
وفعلا، اكتشف علماء النفس حديثاً طائفة جديدة من الخلايا العصبية تسمى الخلايا العصبية العاكسة، وهي تخلق قدرة بدنية قوية على التقمص الوجداني. وقد شرح لي الدكتور راماتشاندران الأهمية الفائقة لهذا الاكتشاف الجديد:
ظل معروفا لزمن طويل أن الخلايا العصبية في هذه المنطقة ( جزء في المخ يسمى الفص الأمامي، وهو الذي يتلقى قدرا كبيرا من المدخلات من الجسم اللوزي) تستثار عند وخز المريض بغرض إيلامه لذلك يطلق عليها خلايا الإحساس بالألم بافتراض أنها تنبه العضو إلى خطر محتمل - حتى يتجنبه. لكن باحثين في تورونتو وجدوا أن بعض هذه الخلايا في مرضى من البشر لا تستجيب فقط عند وخز المريض بإبرة - كما هو متوقع بل إنها كانت تستثار بالقدر نفسه أيضا عندما يشاهد المريض مريضًا آخر، يتم وخزه. هذه الخلايا العصبية الخلايا العصبية العاكسة تزيل الحدود بين الذات والآخرين وتبين أن مخنا فعلاً مصمم للتعاطف الوجداني والشفقة، ولحظ أننا لا تستخدم المجاز في هذا القول، فهذه الخلايا العصبية التي تتكلم عنها لا يمكنها في الحقيقة أن تخبرنا إذا ما كان الشخص ينخز أم لا. فكأن الخلايا العصبية العاكسة تقوم بمحاكاة فعلية لحقيقة ما يجري في عقل الشخص الآخر، وبذلك تقريبا ينشأ «الشعور بألم الآخر ( وأنا أسميها خلايا الدلاي لاما ) .
لقد اكتشف المعالجون هذه الظاهرة القوية - أي التألم بالنيابة أولاً وقبل وقت طويل من اكتشاف الخلايا العصبية العاكسة التي تفسر كيفية عملها. وتقدم الطبيبتان أي. ليزا ما كان ولوري أن بيرلمان التعريف الأصلي للتألم بالنيابة وهو النتائج النفسية المستمرة التي يشعر بها المعالجون بسبب تعرضهم لخبرة مرضاهم المؤلمة: فالأشخاص الذين يعملون مع الضحايا قد يتعرضون لمؤثرات نفسية عميقة، وهي مؤثرات قد تكون ممزقة ومعذبة للمعالج، ويظل أثرها طوال شهور وربما طوال سنوات بعد عملهم مع الأشخاص أصحاب الخبرة المؤلمة».
تنتقل قصص الخبرات المؤلمة والمآسي في العالم كله من جيل إلى جيل وقبل أن يضيف التلفاز بعدا جديدا وقوة لقدرة الحكاة على استثارة الاستجابات الانفعالية بزمن طويل، كان الوصف اللفظي الحي للخبرات المؤلمة التي عاناها آخرون تثير ردود أفعال قوية - ولو بعد قرون من وقوع الحوادث الأصلية.
في أوائل صيف عام 2001، ذهبت مع تيبر إلى اليونان، وفي أثناء وجودنا هناك قام البابا بزيارة تاريخية إلى اليونان، فاستقبله آلاف المتظاهرين الغاضبين يحملون لافتات ويرددون هتافات نظرت إلى ما يجري، لقد كانوا غاضبين بسبب واقعة جرت قبل ثمان مئة سنة:
إذ كانت الحملة الصليبية الرابعة قد توقفت في القسطنطينية، ونهبت المدينة وأضعفتها فلم تستطع مقاومة اجتياح الأتراك لها بعد ذلك. وهم غاضبون اليوم بعد مرور ثمان مئة عام على هذا الحدث.
ولنأخذ مثالاً آخر، ذهب سلوبودان ميلوسوفيتش، أوائل صيف عام 1989 إلى سهول كوسوفو، في الذكرى الست مئة للمعركة التي هزمت فيها الإمبراطورية الصربية في أوج مجدها. وقال المتحدث الرسمي للحكومة إن مليونا ونصف المليون شخص ذهبوا إلى هناك. أما التقديرات الغربية فذكرت أنهم كانوا مليون شخص، غطوا جوانب التلال ومنحدراتها للاستماع إلى خطابه. وقد أحيا ميلوسوفيتش المعركة التي دارت قبل ست مئة عام في خطابه، وفي أعقاب هذه الاستعادة الجماعية للخبرة المؤلمة مباشرة بدأت حملة شرسة من الترحيل العنيف للكروات والبوستيين وسكان كوسوفو - على الأقل جزئيا بسبب وجود خبرة بالنيابة لحدث مؤلم جرى قبل ستة قرون نشطت في أجساد الأفراد الموجودين حاليا في هذا الجيل - استجابة وكأنهم قد أحيوا ذلك الخوف الذي مر عليه هذا الزمن الطويل.
وإذا نظرنا إلى الصراعات في شبه القارة الهندية وفي سريلانكة وإفريقية وأيرلندة الشمالية والشرق الأوسط وفي الحقيقة، في كل منطقة صراع في العالم بأسره سنجد عنصرا من عناصر سياسات الجسم اللوزي القائمة على التألم بالنيابة، والذكريات التي تتغذى على المآسي القديمة، وفي كل حالة من هذه الحالات، كانت هناك عملية سياسية تحاول حل هذه الصراعات عبر خطاب متعقل لكن هذه الاستجابة لا تكفي لتفتيت القوة الثابتة للذكريات المؤلمة التي يتم إحياؤها وإيقاظها. إننا بحاجة لآليات جديدة، مثل لجنة الصدق والمصالحة في جنوب إفريقية - أو آليات لم تخترع بعد - للتعامل مع دور الذكرى المؤلمة الجماعية بالنيابة في توجيه الصراعات الطويلة.
إننا نحكي القصص في ثقافتنا الحالية عبر التلفاز أساسًا، وكما ذكرت، مر أربعون عاما منذ أن اتخذ أغلب الأمريكيين التلفاز مصدرا أساسيا للمعلومات لهم. وكما رأينا، أصبحت هيمنته شاملة وواسعة النطاق، لدرجة أن المواطن الأمريكي العادي - رجلاً كان أو امرأة - يقضي ثلثي وقته الحرء ( ما تبقى من وقت بعد العمل والنوم والانتقالات في مشاهدة التلفاز. وفعلاً تحدث كل الاتصالات السياسية المهمة حاليا داخل حدود إعلانات التلفاز الخاطفة التي تستغرق ثلاثين ثانية.
وتبرهن الأبحاث على أن التلفاز يمكن أن يسبب تألما بالنيابة. الملايين الناس. وقد أظهرت نتائج مسح ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر أن من كانوا يشاهدون التلفاز بصفة متكررة، أظهروا أعراضا للتألم أكثر ممن يشاهدون التلفاز بقدر أقل. وقد قال أحد المحللين في هذه الدراسة عمن أجري عليهم المسح واصفا ردود أفعالهم على أحداث 9/11: إن من كانوا يشاهدون التلفاز أكثر عبروا عن قدر أكبر من الضغط النفسي.
إن الآثار البدنية الناتجة عن مشاهدة أحداث مؤلمة على شاشة التلفاز كارتفاع ضغط الدم وزيادة معدل ضربات القلب هي نفسها ما يشعر به الذي مر بخبرة الحدث المؤلم مباشرة، إضافة إلى ذلك.
فقد ثبت أن التلفاز يمكنه خلق ذكريات زائفة، لها قوة الذكريات العادية نفسها، وعند استعادتها يكون للذكريات التي خلقها التلفاز سيطرة الذكريات الحقيقية نفسها على المنظومة الانفعالية.
ويمكن توقع نتائج ذلك، فمن يشاهدون أخبار التلفاز بصورة منتظمة لديهم انطباع أن المدن التي يعيشون فيها أشد خطورة مما هي عليه إلى حد بعيد، وقد وجد الباحثون أيضًا أنه حتى عندما تظهر الإحصائيات أن معدلات جرائم معينة تظهر انخفاضا ثابتا فعلاً. فإن قياس معدل الخوف من تلك الجرائم نفسها يرتفع كلما زاد عرض التلفاز لتلك الجرائم. وعادة ما يزداد عرض الجريمة؛ لأن مستشاري أصحاب المحطة التلفازية ينصحون عملاءهم بأن معدلات المشاهدة تزداد حينما تتصدر الجرائم العنيفة نشرات الأخبار. وقد أعادت هذه الظاهرة صياغة النشرات الإخبارية المحلية.
إن كثيراً من برامج الصباح القومية حاليا تتصدرها مشاهد الجريمة والقتل، ونظل نشاهدها طوال ساعات، لأنها بالغة الإثارة فالصورة على شاشة التلفاز يمكن أن تنشط أجزاء المخ ذات الصلة بالانفعالات، بطريقة لا يمكن أن تقوم بها القراءة في الموضوع نفسه.
ولقدرة التلفاز على إثارة استجابة الخوف أهمية خاصة، لأن الأمريكيين يقضون جزءا كبيرا من حياتهم في مشاهدة التلفاز، وثمة تفسير مهم لسبب قضائنا وقتا طويلاً بلا حراك أمام الشاشة، وهو أن التلفاز يثير استجابة التوجيه في مخاخنا.
