حكاية ملابس الإمبراطور الجديدة
عندما نسعى إلى التوافق، فإننا نتبنى أجندة الآخرين
منذ سنوات بعيدة عاش إمبراطور بلغ عشقه لاقتناء الملابس الجديدة الجميلة حداً جعله ينفق كل ماله حتى يكون في أبهى الملابس». بهذه الجملة الافتتاحية تبرز القصة كيف يمكن أن يجعلنا الغرور نبدو بمظهر رائع وسلوك أحمق في آن واحد.
ولا يقصد هـ. ك. أندرسون انتقادنا لأننا اخترنا أن نؤدي دوراً معيناً، أو أن ترسم لأنفسنا صورة معينة فالرجل نفسه شديد التأنق وبارع في رسم صورته في عيون الناس. لم يكن يزعج الرجل إلا المظهر الكاذب. وهذه الحكاية اللاذعة كانت وسيلته في التهكم على الادعاء والنفاق. فهو يتهكم على استعدادنا للتظاهر بالإعجاب بأشياء لا تقبلها أو نفهمها، حتى يقبلنا الناس.
وبينما تقرأ الملخص التالي أو - إن شئت - القصة الكاملة، أدعوك لأن تفكر في الأسئلة التالية: ما الذي يجذبك للحكاية؟ ما الذي يزعجك فيها ؟ هل تذكرك بمواقف تصرفت فيها بحماقة بسبب غرورك أو خوفك؟
ملخص الحكاية
كان بالإمبراطور شغف بالملابس، صرفه عن كل شيء سواها . فإذا قيل عن أي ملك إنه في غرفة المشورة، يقال عنه هو الإمبراطور في غرفة الملابس.
وذات يوم جاء نصابان وادعيا أنهما يستطيعان نسج أعظم وأرقى قماش له صفة غريبة؛ إذ لا يراه كل من ليس بكفء لموقعه» أو «غبي الدرجة غير مسموح بها .. ورأى الإمبراطور في ذلك وسيلة رائعة يعرف بها غير الأكفاء لمناصبهم عنده والعاطلين عن الحكمة، فأمر بصنع ذلك القماش على الفور.
علم الناس جميعاً بقوة القماش الغريبة، وكل منهم يتوق لاكتشاف قدر غباء جاره أو عدم كفاءته، وبعد حين أراد الإمبراطور أن يعرف مدى سرعة سير العمل في صنع القماش، فقد كان يعتريه القلق بشأن ما يتمتع به هذا القماش من قوة غريبة. فأرسل أول الأمر أحد وزرائه الثقات، وبعده أحد موظفيه المحبوبين، ليستطلعا الأمر. ولم ير أي من الرجلين شيئاً، لأنه لم يكن هناك شيء يرى، فسأل كل منهما نفسه هل ممكن أن أكون غبياً». هل أنا غير كفء المنصبي؟ ولكنهما قررا إخفاء الأمر فأخذا يبالغان في مدح القماش وألوانه الزاهية وما عليه من نقوش.
بعدها بأيام وصل الإمبراطور مع حاشيته ليرى بنفسه. وأمام الفراغ، وقف الإمبراطور يتساءل ما هذا؟ أنا لا أرى شيئاً . هل أنا غبي؟ هل لا أصلح لأن أكون إمبراطوراً، لكنه لم يرد لأحد أن يعرف ذلك فصاح قائلاً ما أروع هذا القماش أمعن أفراد الحاشية النظر المرة تلو المرة، لكن ذلك لم يجد شيئاً. إذ انتقلت كلمات الإعجاب كم هو رائع»، «جميل»، «ممتاز» من فم إلى آخر بينهم، حتى نصحوا الإمبراطور بصنع ملابس موكبه القادم من هذا القماش.
وفي الليلة السابقة للموكب تظاهر النصابان بأنهما مشغولان في قص القماش وخياطة الملابس، وفي الصباح طلبا من الإمبراطور أن يخلع ملابسه كلها وألبساه الملابس الجديدة.
وفي طريق الموكب كان الناس يحيونه ويصفقون إعجاباً بأبهى حلة ارتداها الإمبراطور، ولكن فجأة صاح طفل صغير : ولكنه لا يرتدي شيئاً، فأخذ الناس يتهامسون فيما بينهم بما قاله الطفل: ولكنه لا يرتدي شيئاً، وسرعان ما صاح الجميع: «لكنه لا يرتدي شيئاً ...
ارتجف الإمبراطور، لأنه رأى أنهم على صواب، ومع ذلك، كان عليه أن يكمل رحلة موكبه، وقد فعل.
هل تعلم...؟
هل كنت تعلم ... أن هـ. ك. أندرسون نشر ثالث مجموعة من حكاياته في العام 1837 . وقد تضمنت حكايته الخيالية المأساوية عروس البحر الصغيرة وقصته اللاذعة ملابس الإمبراطور الجديدة.
وقد لاقت المجموعتان الأوليتان استقبالاً فاتراً. فكتب في مقدمة المجموعة الثالثة أن الناس لم يجدوا في القصص شيئاً ذا بال، ونصحوه ألا يستمر في كتابتها، وقال: «إن الأديب لا يجد التقدير دائماً في وطنه الصغير، وهذا يجعل الشهرة طائراً ذهبياً يحاول المرء جاهداً الإمساك به، وسيقرر الزمن فيما لو استطعت الإمساك بطائر الشهرة عن طريق قص الحكايات الخيالية أم لا.. ولقد قال الزمن كلمته فلم يتوقف أندرسون عند ابتداع جنس أدبي جديد، وإنما أحدث تحولاً واضحاً في اللغة الدنماركية المكتوبة، وفوق هذا وذاك، حقق الرجل ما كان يتوق إليه طوال عمره من الشهرة والخلود .
وقصة ملابس الإمبراطور الجديدة مستوحاة من قصة إسبانية ظهرت في القرن الرابع عشر، كتبها إنفانتي دون خوان El Conde Lucanor )1735( مانويل ونشرها في مجموعته وهي عبارة عن حكايات تعليمية أصلها قصص يهودية وعربية. ففي القرون الوسطى كان ما يقرر مصير الإنسان هو نسبه وليس فضائله، ومن هنا كانت خدعة النصابين هي أن من لا يرى القماش فإنه يكون ابناً غير شرعي لمن يعتقد أنه أبوه، ومن يعتبره الناس ابناً غير شرعي فسيفقد اسمه ومركزه وميراثه وتؤول ثروته إلى الخاصة الملكية. ولنا أن نتصور فزع الملك الذي يتوقع المكاسب عندما وجد أنه نفسه لا يرى القماش. أليس هو الوريث الشرعي للعرش؟
وفي النهاية، قام رجل إفريقي لا يعرف - أو لا يهتم - بمسألة نسبه، وقال للملك إنه عار كما ولدته أمه. وبعد أن اعترف الملك بحماقته، سعى الجميع للإمساك بالنصابين لكنهما كانا قد رحلا بعيداً .
الحكاية الكلاسيكية
منذ سنوات بعيدة، عاش إمبراطور بلغ عشقه للملابس الجديدة الجميلة حداً جعله ينفق كل ماله حتى يكون في أبهى الملابس. لم يكن يهتم بجنوده، ولم تكن تمتعه المسرحيات أو النزهات في الغابة، إلا لأنه يستعرض فيها ملابسه الجديدة، كان عنده ثوب لكل ساعة من ساعات اليوم. فإذا قيل عن ملك غيره إنه في غرفة المشورة قيل عن هذا الإمبراطور إنه في غرفة الملابس.
كانت المدينة الكبيرة التي يعيش فيها مدينة رائعة، يأتيها الزائرون كل يوم، وذات يوم جاء نصابان وادعيا أنهما نساجان، وقالا إنهما يستطيعان نسج أرقى قماش يمكن أن يتخيله إنسان. ليس ذلك بسبب جمال ألوانه ونقوشه التي لا مثيل لها بل لأن تلك الملابس مصنوعة من نسيج له صفة غريبة إذ لا يراه من كان غير كفء لمنصبه، ولا من كان غبياً لدرجة غير مسموح بها .
قال الإمبراطور في نفسه: لابد أن هذه الملابس مدهشة، فإذا ارتديتها فسأعرف أي رجالي لا يصلح لمنصبه، و بها يمكنني تمييز الحكيم من البليد، لابد إذن من نسج هذا القماش فوراً .. وسلّم الدجالين أموالاً كثيرة حتى يبدأ في العمل.
وضع الرجلان تولين وتظاهرا بأنهما يعملان، لكنهما لم يضعا أي شيء في النولين مطلقاً ، وكانا - بكل جرأة - يأمران بأرقى أنواع الحرير وأنفس سبائك الذهب، ثم يضعان ذلك كله في حافظتيهما، ويستمران في العمل بالنولين الفارغين حتى ساعات متأخرة من الليل.
قال الإمبراطور في نفسه: ترى كم أنجزا من العمل في القماش ولكنه شعر بقلق بالغ عندما تذكر أن كل غبي وكل غير كفء لمنصبه سيعجز عن رؤية القماش. لم يكن يظن أن لديه سبباً شخصياً للخوف. ومع ذلك قرر أن يرسل شخصاً غيره ليستطلع الأمر. كان أهل المدينة بأسرها قد علموا بأمر القوة الغريبة التي تكمن في القماش، وكان كل واحد منهم ينتظر أن يرى في جاره الغباء وعدم الكفاءة.
قال الإمبراطور في نفسه: سأرسل وزيري العجوز الأمين إلى النساجين، فهو خير حكم على شكل القماش لأنه ذكي ولا يفوقه أحد في القيام بمهام منصبه.
وهكذا ذهب الوزير العجوز الطيب إلى القاعة التي يقيم بها النصابان ويعملان على توليهما الفارغين، قال الوزير العجوز في نفسه، وهو يفتح عينيه ويحملق فيما أمامه، يا ربي، أنا لا أرى شيئاً .. لكنه لم يعلن ذلك.
دعاه كلا النصابين لأن يقترب وسألاه، وهما يشيران إلى النول الفارغ، أن يشاركهما الرأي بأن تصميم القماش جميل وألوانه بديعة. أخذ الوزير العجوز المسكين يفتح عينيه ويحملق في الفراغ، ولا يرى شيئاً؛ لأنه لم يكن هناك شيء يرى، فقال في نفسه : «ياربي هل من الممكن أن أكون غبياً؟، ما كنت لأظن ذلك في نفسي قبل الآن، ولا ينبغي أن يدري بهذا أحد، هل أنا غير كفء المنصبي؟ لن أقول أبداً إنني لا أرى القماش.
قال له النصاب الذي ينسج: ما لك لا تقول شيئاً يا سيدي ؟!
فرد عليه الوزير العجوز وهو ينظر من خلال عدسات نظارته: « إنه جميل رائع يا له من تصميم ويا لها من ألوان جميلة سأخير الإمبراطور بأنها أعجبتني كثيراً ..
قال النصابان كلاهما : «جميل، يسعدنا أن نسمع ذلك.. ثم أخذا في وصف التصميم الغريب وتحديد كل لون باسمه، وكان الوزير العجوز ينصت لهما كل الإنصات حتى يحفظ ما قالا وينقله حرفياً إلى الإمبراطور عندما يعود إليه. وهذا ما فعله تماماً .
بعد ذلك طلب النصابان مزيداً من المال والحرير والذهب ليستمرا في نسج القماش، وكانا يضعان ذلك كله في جيوبهما بينما لا يوجد خيط واحد على التولين. لكنهما استمرا ، كسابق عهدهما، في النسج على النولين الفارغين وما لبث الإمبراطور أن أرسل مسؤولاً طيباً آخر، ليرى كيف تتقدم عملية النسج، وهل سينتهي العمل في القماش قريباً .
وكما حدث مع الوزير، أطال المسؤول النظر وحدق، ولأنه لم يكن هناك شيء سوى النولين الفارغين لم ير الرجل شيئاً .
بادرة النصابان بالقول: «أليست قطعة قماش جميلة ؟!، وشرعا بريانه التصميم، الذي لم يكن له وجود على الإطلاق، ويشرحانه.
قال الرجل في نفسه: أعلم أنني لست غبياً، فلابد إذن أنني غير كفء لمنصبي الرفيع. وهذا أيضاً أمر غريب، ولكن ينبغي ألا يلاحظ أحد». ثم امتدح القماش الذي لم يكن يراه، وأكد لهما أنه سعيد بالألوان الجميلة والتصميم الرائع وقال للإمبراطور: إنه حقاً قماش فاتن». وكان كل من في المدينة يتحدث عن القماش الرائع وسرعان ما أراد الإمبراطور أن يرى القماش بنفسه، وهو ما يزال على النولين، فاصطحب حاشية من رجاله المخلصين - وكان من بينهم المسؤولان العجوزان الطيبان اللذان ذهبا إلى هناك من قبل - الزيارة الدجالين الخبيثين، وكانا أنذاك ينسجان بأقصى سرعة دون خيط أو غزل.
قال المسؤولان الطيبان أليس رائعاً ؟! انظر يا سمو الإمبراطور إلى التصميم والألوان. وأشار كلاهما إلى النولين الخاليين، ظناً منهما أن الجميع يرون القماش.
قال الإمبراطور في نفسه: ما هذا؟ إنني لا أرى شيئاً هذا أمر فظيع، هل أنا غبي؟ هل لا أصلح لأن أكون إمبراطوراً؟ هذا أفظع شيء حدث لي. ولكنه قال لمن حوله: ياه إنه غاية في الجمال. وقد راقني تماماً.. ثم أوماً برأسه ليعبر عن رضاه وهو ينظر إلى النولين الخاليين. لم يشأ الإمبراطور أن يقول إنه لم يكن يرى شيئاً، نظر أفراد الحاشية مرة بعد مرة، فلم يروا شيئاً يختلف عما رآه غيرهم. ولكنهم جميعاً قالوا مثلما قال الإمبراطور: ياه! إنه غاية في الجمال».
ونصحوه بأن يبادر بارتداء هذه الملابس الرائعة في موكبه الكبير القادم. « إنها رائعة!»، «بديعة»، «ممتازة»، انتقلت هذه الكلمات من فم إلى فم، وكان الجميع سعداء بالقماش. حتى إن الإمبراطور منح كلاً من النصابين وساماً يعلقه على صدره، ولقب «فارس نساج».
سهر النصابان طوال ليلة الموكب تضيء غرفتهما نحو ست عشرة شمعة. وكان الناس يرون أنهما منهمكان في العمل للانتهاء من ملابس الإمبراطور، تظاهر الرجلان بأنهما يرفعان القماش عن النول، وشرعا يقصان في الهواء بمقص كبير، ويحيكان بمخيط وراء آخر كلها بلا خيط، وفي النهاية قالا : انظر الملابس جاهزة الآن.
جاء الإمبراطور بنفسه بصحبة أرفع مرافقيه، ورفع النصابان ذراعيهما كأنهما يحملان شيئاً، ثم قالا : ها هو السروال وها هو المعطف وها هي العباءة. وهكذا حتى قالا: إنها خفيفة كنسيج العنكبوت حتى لتظن أنك لا ترتدي شيئاً، ولكن ذلك في حد ذاته هو سر جمال هذه الملابس.
قال المرافقون : «نعم». لكنهم لم يكونوا قد رأوا شيئاً : إذ لم يكن هناك شيء يرى.
قال النصابان: هلا تفضلتم جلالتكم بنزع ملابسكم هذه حتى نتمكن من الباسكم الملابس الجديدة هنا أمام المرأة الكبيرة!
خلع الإمبراطور كل ملابسه، وتظاهر النصابان بأنهما يناولانه الملابس التي يفترض أنهما قد صنعاها قطعة قطعة. لف الرجلان أيديهما حول وسطه كأنهما يربطان شيئاً - كان ذلك ذيل الرداء - وكان الإمبراطور ينثني ويدور بجسده أمام المرأة.
قال الجميع: يا سلام إنه مقاسك تماماً، إنه رداء ثمين».
وقال كبير رجال المراسم الإمبراطورية: «إنهم ينتظرونك خارج القصر ومعهم المظلة الإمبراطورية التي ستظلل جلالتكم في الموكب.
رد الإمبراطور: نعم. أنا جاهز الآن أليست ملابسي تناسبني تماماً؟، ثم استدار مرة أخرى أمام المرأة حتى يبدو كأنه ينظر إلى الرداء الرائع فيها .
أما خدم الإمبراطور، ومهمتهم حمل ذيل ردائه، فتحسسوا الأرض بأيديهم وتظاهروا بأنهم يحملون ذيل الرداء، ومشوا وهم يحملون الهواء. ولم يكن من بينهم من يجرؤ على القول بأنه لا يرى شيئاً.
مشى الإمبراطور في الموكب تحت مظلته الجميلة. وكان الناس جميعاً في الشوارع ونوافذ البيوت يقولون: يا سلام ما أروع ملابس الإمبراطور الجديدة ما أجمل ذيل الرداء المتدلي من معطفه كم تبدو هذه الملابس متناسقة لم يرتد الإمبراطور رداء بهذا الجمال من قبل. لم يشأ أي منهم أن يعرف أحد أنه لا يرى شيئاً وإلا سيعرفون أنه غير كفء الموقعه، أو أنه شديد الغباء.
قال طفل صغير لكنه لا يرتدي شيئاً، عندها قال أبوه: «يا إلهي استمعوا إلى صوت هذا الطفل البريء. فهمس أحدهم لمن بجواره بما قاله الطفل: إنه لا يرتدي شيئاً ثمة طفل يقول إنه لا يرتدي أي شيء».
وفي النهاية صاح الجميع: إنه لا يرتدي شيئاً، ارتجف الإمبراطور لأنه أدرك أنهم على صواب. لكنه قال في نفسه: لابد أن أتم مسيرة الموكب». ثم تصرف على نحو أشد تكبراً، ومن ورائه خدمه يحملون ذيل الرداء الذي لم يكن موجوداً على الإطلاق.
