القائمة الرئيسية

كتاب اعتقال لا قانوني 

كتاب اعتقال لا قانوني 
ملخص الكتاب

الكتاب يناقش تجربة مؤلفه في الاعتقال التعسفي في باكستان خلال عام 2002، حيث تعرض للاختطاف من قبل مجموعة من الأشخاص الذين لا يرتدون زي الشرطة، والذين قاموا بتكبيله واحتجازه في ظروف قاسية. يروي المؤلف تفاصيل مرعبة عن هذا الاعتقال غير القانوني، حيث كانت السلطات الأمريكية وراء العملية، فيما لم يحظَ المؤلف بأي حقوق قانونية أو فرصة للتواصل مع عائلته أو محاميه. يصف الكتاب أجواء التوتر والصمت التي رافقت التحقيقات، ويبرز الصراع الداخلي للمتورطين في القضية، خاصة بعد أن تبين أن الاعتقال كان بناءً على خطأ.

إسلام آباد، منتصف الليل، 31 كانون الثاني/ يناير 2002 

خيم الصمت على المنزل، بعد أن غط الأطفال وزينب في النوم، عقب يوم طويل بالنسبة لهم كانت إحدى الصديقات من كابول تحل ضيفة علينا مع طفليها، وقد أووا إلى الفراش أيضا بحلول ذلك الوقت كنت ما أزال مستيقظا أكتب رسالة بواسطة جهاز الكمبيوتر خاصتي لألهو فيما بعد بإحدى ألعابه. تفحصت ساعتي عند سماع طنين جرس الباب تمثل أول ما تبادر إلى ذهني في أن أحدهم قد أخطأ العنوان، أو تعرض أحد الجيران لحالة طارئة. 

لم أشعر بالقلق، مع ما يبدو عليه قرع جرس الباب في هذا الوقت المتأخر من غرابة، فتحت الباب، مرتديا ملابس نومي، لأتسمر في مكاني مذهولا، فوجئت بمجموعة من الأشخاص تواجهني، وتمثل أول ما أدركته في مسدس مصوب إلى رأسي. قام أولئك بدفعي إلى الخلف عبر باحة المنزل، مروراً بأحد الأبواب وصولا إلى غرفة المعيشة، حيث انتهت أمسيتي الهادئة للتو بصدمة وخوف شديدين أرغمت فيما بعد على الركوع. كان مظهرهم محيرا بالفعل، ولم يكن لباس الشرطة ما يرتدونه، بل ثياب باكستانية محلية، وأخرى غربية. 

لم ينبسوا ببنت شفة. لم يسألوني حتى عن هويتي، وكأنني غير موجود. لمحت بعضهم بطرف عيني، بينما كنت أجثو على ركبتي، اتجهوا نحو الغرف الخلفية. حيث توجد زوجي وبقية أفراد العائلة خاطبتهم، كردة فعل فورية حماية لعائلتي قائلا: ينام أفراد أسرتي في تلك الغرف، فلا تدخلوها .. لم أستطع رؤية أي شيء عقب ذلك بعد أن غطوا رأسي بكيس من القماش. قام أفراد المجموعة بتكبيل يدي بالأصفاد بعد إجباري على وضعهما خلف ظهري، علاوة على كاحلي باستخدام شريط بلاستيكي، واقتادوني إلى سيارة أوقفوها أمام المنزل، لم يكن أي من الجيران ليرتاب في الأمر لو كان مستيقظا، فمنزلي منفصل عن منازلهم. ناهيك عن ارتفاع ما يفصله عنها من أسوار وبوابات. 

أضجعني أفراد المجموعة في المقعد الخلفي للسيارة بعد اقتيادي إليها، نزع أحدهم الكيس عن رأسي بعيد لحظات، بينما كنا نهم بالتحرك، بما يمكنني من الرؤية أضاء وميض آلة التصوير في وجهي على الفور، ولمحت خلفها أمريكيا ذا تنكر رديء للغاية، كان يرتدي ملابسه، ويلف قطعة قماش حول رأسه ليبدو كالباكستانيين، ولكنني أدركت بوضوح أنه لم يكن واحداً منهم. تمثلت ردة فعلي الأولى بالضحك على الرغم من الوضع المخيف الذي كنت فيه، حيث بدا مظهره سخيفا بالنسبة لي، لم ينبس ببنت شفة، واكتفى بأخذ صورة لي، أخرج الشخص الموجود على الجانب المقابل، وهو أمريكي أيضاً، وإن تهندم بصورة أفضل معتمراً قبعة أفغانية زوجا من الأصفاد آنذاك كنت مكيلا بالفعل، ولكنه لوح بها أمامي قائلا: هل تعلم من أين أحضرت تلك الأصفاد ؟ 

أجبته قائلا: لا فكرة لدي، كيف لي أن أعرف ذلك ؟. 

أجابني قائلا: لقد منحتني إياها زوج إحدى ضحايا هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر.. 

كنت هادئا بما يكفي لإخباره أنه سيبدو غبيا بالفعل في نظرها لاعتقاله الشخص الخطأ، بادر على الفور إلى وضع الأصفاد فوق التي كنت مكبلا بها، لم أصدق ما كان يحدث هل كان حقيقة بالفعل؟. 

حاولت التفاهم مع الباكستانيين، وناشدتهم مساعدتي، متحدثا إليهم الأوردية، باعتباري ابنا للبيئة ذاتها، وشخصا مألوفا بالنسبة لهم، وهو ما لم أكنه للأمريكيين بكل تأكيد حدثتهم قائلا: انظروا إن كنت فعلت ما هو خاطئ فقوموا بإجراءاتكم على الوجه الصحيح، اسمحوا لي بالوصول إلى القنصل البريطاني، أو أمنوا لي محاميا، ودعوني أتصل بعائلتي لأتأكد إن كانت على ما برام تابعت محاولتي تلك طيلة الطريق، ولم أصدق الطريقة التي تجاهلوني بها. وقد توقفنا بكل الأحوال بعد حوالي عشر دقائق. 

لم يقل الباكستانيون شيئا، في بادئ الأمر، أمام الأمريكيين، ولم يستجيبوا لي على الإطلاق، متعمدين رسم ملامح الصرامة والقسوة على وجوههم، خاطبتهم بالأوردية. كما تفعل حين تخاطب من يكبرك سنا، من يمكنك تسميته بالعم» ولكنهم بقوا باردين دون أي استجابة تذكر، لا يمثل ذلك الطريقة التي يتعامل بها الباكستانيون عادة مع بعضهم بعضا، ولكن الأمر يختلف في هذا العالم السري الذي اختطفت عبره برضى الحكومة التام، تبين لي بوضوح أنهم كانوا يرزحون تحت وطأة ضغط شديد بالنظر إلى صمتهم المطبق، والأجواء الغربية المتوترة التي كانت تسود الموقف. 

تم إخراجي من السيارة، وافترضت أن الأمريكيين قد غادروا بعد أن أخذوا أصفادهم). لم أرهم مطلقا بعد ذلك، وجدتني فيما تخيلت أنه مقر للاستخبارات، وتوقعت أن أوضع في الزنزانة، أدخلني الباكستانيون في الواقع إلى ما يمكن اعتباره غرفة لائقة تحوي أريكة، ومقعدا، وحصيرة على أرضيتها، ولحافا، ووسادة، بل وحتى نافذة، ولكنهم غطوها، بعد مضي وقت قصير، كيلا أتمكن من النظر إلى الخارج عبرها . جلس من كنت أناديه بالعم، مدة خمس وأربعين دقيقة تقريبا بمحاذاتي، وكنا وحدنا في الغرفة، حيث وجه لي بعض الأسئلة الروتينية عن اسمي، وعنواني، وما زرته من أماكن، وما كنت أفعله في باكستان. لم تتجاوز الأسئلة العشرة، وسجل الرجل كل أجوبتي على ورقة بيضاء بالرغم من أنها لم تكن تمثل أكثر من شكليات تخلو مما يمكن اعتباره أمورا استثنائية، استطعت مع ذلك رؤية التوتر باديا على ملامحه، والصراع الداخلي الذي كان واقعا فيه بسبب اعتقالي من منزلي، وإبعادي عن عائلتي بتلك الطريقة، لم يكن الرجل مرتاحا على الإطلاق.

تمثل أول ما قاله لي بالتالي: انظر بني، لا أعلم ما فعلت أو السبب الذي يجعل الأمريكيين راغبين في اعتقالك بشدة، ولكنك ترى بوضوح أنني وضعتك في غرفة هنا لا زنزانة، فلم ترتكب إثما في باكستان على حد علمي، ويتملكني شعور سيئ حيال مجيئي إلى بيتك في منتصف الليل، فقد رأيت ما كان بيتك وعائلتك عليه، فلا تبدو ذلك الشخص الذي يمكن أن يسبب أي نوع من المتاعب ولا نقوم بذلك إلا من أجل الأمريكيين فحسب. 

سالته قائلا : لم تقوم بذلك من أجلهم إن كنت تظن أنني لم أرتكب أي إثم وهو ما يمثل الحقيقة بالفعل، لم تفعل هذا لي، لم تبذل كل ما في وسعك لمجرد إرضاء الأمريكيين ؟. 

أجابني قائلا : إن لم تفعل، فسنضرب بكل قوة من قبلهم، من قبل جيش الرئيس بوش ألم تسمع بعبارتهم الشهيرة ، إما أن تكونوا معنا أو ضدنا، حسنا، كان علينا اختيار موقعنا افترضت في تلك اللحظة أن أولئك الرجال يتبعون للاستخبارات الباكستانية (أي إس أي)، فمن يملك القدرة غيرهم على اختطافي بتلك الطريقة، وبدعم أمريكي كامل ؟. 

كان أحد الحراس قد قام بالفعل بنزع الأصفاد عن يدي، وقص الشريط البلاستيكي المكبل لكاحلي ما استغرق بعض الوقت لاستعانته بمقص رديء للغاية، كانت بعض الترميمات تجري في الغرفة، علاوة على وجود حفرة في أحد جدرانها حيث افتقدت بعض قطع الأجر، وذلك ما مكنني من اختلاس النظر إلى الخارج عبرها، وقد كبل الحارس يدي عند انتهائنا من الحديث، إلى مقعد طيلة الليل، وكان سبب ذلك واضحا للغاية بالرغم من أنه لم يقل شيئا لتبريره، وكان القيد بكل الأحوال كبيرا بما يمكنني من التملص منه، وقد فعلت بمجرد مغادرة الحارس لبقية الليل، حيث كنت أدخل يدي فيه مجددا عند إحساسي بقدوم أحدهم إلى الغرفة، توقعت بالفعل أن تنتهي هذه المحنة في غضون ساعات، إن لم نقل أياما، باعتبارها ناتجة عن خطأ ما، وهو ما لم يدفعني للتفكير في القرار على الأقل في حينه.

تمددت في المقعد متحسسا جيبي، فشعرت بهاتفي النقال الذي كان موجودا بداخله، كالعادة، حين كنت جالسا أمام جهاز الكمبيوتر خاصتي، حيث لم أخضع لأي تفتيش جسدي من قبلهم كنت قد نسيت أمر الهاتف، ولكنني شعرت في تلك اللحظة أنه يشكل وسيلة تواصلي الوحيدة مع العالم الخارجي، تمثل أول ما فعلته في الاتصال بصديق يقطن قرب منزلي، إذ كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا على وجه التقريب، وقد بدا النعاس جليا على صوته حين التقط سماعة الهاتف ليجيبني همست عبر الهاتف، وفعل ذلك بدوره، بصورة لا تخلو من الغرابة، فأخبرته بما حدث، وسألته عما إذا كان بمقدوره الذهاب إلى منزلي أولا للتأكد من أن جميع قاطنيه على ما يرام، ثم الاتصال بأحد أعمامي أو بقية أفراد العائلة الموجودين في باكستان، وقمت بعد ذلك بالاتصال بوالدي في بيرمنغهام، ولم أصدق أن حظي الطيب خولني إجراء مكالمة دولية من غرفة السجن هذه، همست مجددا عبر الهاتف أثناء حديثي معه، وأخبرته بما حدث وأن كل ما علمته يتمثل في وجود الأمريكيين عند اعتقالي، وأن ذلك تم بناء على أوامرهم، وسألته إخبار محاميتي، غاريث بيرس، والاتصال ببعض أفراد العائلة الموجودين هنا في باكستان، وتوفير ملاذ آمن لزينب والأطفال آنذاك تملكني شعور رهيب حول ما سيعيشه من قلق، لعلمي، على نحو خاص، أنه كان قد أجرى للتو عملية جراحية لشرايين قلبه، لم يكن لدي خيار آخر، مع ذلك، سوى الاتصال به. 

لم أحتج الكثير لأدرك مدى الصدمة التي تعرض لها والدي، بالرغم من أنه كان هامسا أيضا في أثناء حديثه معي، وذلك ما جعل من الصعوبة بمكان تبيان حقيقة حاله استنادا إلى نبرة صوته، ولكن بدأت بطارية الهاتف بعد ذلك تنفد ورن جرسه مرة واحدة، وكنت واثقا من أنها مكالمة دولية بالرغم من عدم ظهور أي رقم على شاشته، ولكن بطاريته نفدت تماما حين هممت بالرد ، كانت بعض المقابس الكهربائية موجودة في الغرفة بادرت برفع الحصيرة لأجد عددا من الأسلاك الكهربائية أسفلها، حاولت بيأس تام، ومع توقي الشديد إلى التواصل مع معارفي في الخارج، حاولت وصل الأسلاك بأحد المقابس، ومن ثم بهاتفي النقال، ولكنني لم أفلح بالطبع لعدم وجود محول لتغيير تردد التيار (شاحن) ناهيك عن تعطل الهاتف بالنتيجة، على الأرجح. 

حاولت النوم فيما بعد، إذ استلقيت على الحصيرة بعد أن وضعت اللحاف فوقها، ولكنني عجزت عن ذلك، حيث كان بالي مشغولا، وكنت خائفا بالفعل مما يمكن أن يحدث، ولكنني تمسكت في الوقت ذاته بالمنطق، وأخبرت نفسي أن الحق لا ريب منتصر في النهاية: تعلم أنك لم تقترف أي إثم، يجدر بك ألا تقلق من مقاضاتك، أو محاسبتك على ما لم ترتكبه ... 

استيقظت من غفوتي، مع ما تخللها من كل تلك الأفكار، حين دخل الغرفة رجل آخر. كان الصباح قد حل. قدم لي الشاي مع الباراثا (خبز مقلي)، بالإضافة إلى خف بال لارتدائه، أخبرني أن بإمكاني قرع الباب كلما أردت شيئا كي يستجيب الحارس، وقد أتى بعض الحراس فيما بعد، ولكنني أدركت بحلول وقت قصير أنهم لا يعلمون شيئا عن وضعي ما انفككت بالتالي، أطلب مجيء أي من الضباط. 

تم إخراجي، في اليوم الثاني من الغرفة، ولكنهم غطوا رأسي، وكيلوني أولا وذلك ما أكد لي أنها لم تكن مجرد رحلة إلى دورة المياه، عندئذ لمحت حارسا مسلحا ببندقية كلاشينكوف ينتظر عند الباب، حين هموا بوضع الغطاء على رأسي، واكيني ذلك الحارس، وتمت مساعدتي على ركوب المقعد الخلفي لإحدى السيارات، وتحركنا ما يمكن اعتباره مسافة طويلة، ليتضح لي من أصوات السيارات، وحقيقة عدم سيرنا في طريق سريعة، أننا ما زلنا في إسلام آباد. استطعت تمييز بعض الأشياء بصعوبة بالغة عبر نوافذ السيارة المظللة، بالنظر إلى أن الغطاء الموضوع على رأسي كان يتألف من القماش. 

تمكنت من استراق السمع إلى أحد الضباط الباكستانيين، وهو يتحدث إلى أحدهم بالإنجليزية، وقد افترضت أنه كان يتحدث إلى أمريكي، أو بريطاني بالنظر إلى أن الباكستانيين لا يتحدثون بتلك اللغة عادة فيما بينهم، سمعته يذكر كلمة «جي 10- اسم منطقة في إسلام آباد، حيث يقطن أحد أصدقائي، وقد كان المنزل الذي اقتدت إليه كبيرا مميزا لنمط المنازل الواقعة في تلك المنطقة.

خضعت للاستجواب أربع مرات في ذلك المنزل، وإن لم يكن في الغرفة ذاتها . كان من الواضح أنه يستخدم كبيت عادي، وأنه يعود لأحد المقتدرين نوعا ما - أرائك كبيرة شاشات تلفزيونية كبيرة، رأيت الكثير من أرجائه، في الحقيقة بينما وضعوني فيها انتظارا للاستجواب، بما في ذلك غرفة النوم لمرة واحدة وغرفة المعيشة الرئيسة الضخمة، احتجت الذهاب إلى حماماته أحيانا، ما مكنني من رؤيتها على حد سواء، وتمثل ما يدعو للحزن في الطريقة المذلة التي يعامل بها الباكستانيون هناك، والتي غالبا ما تفسر سبب عقدة النقص التي يحملها الكثير من سكان شبه القارة الهندية تجاه الغربيين، وقد تفننوا في محاولة توفير الراحة بأكبر قدر ممكن لأصدقائهم، مقدمين ما لذ وطاب من الأطباق والمشروبات الغربية، والمناشف تتدلى من سواعدهم، كالنادلين في بعض المطاعم فكتورية الطابع. 

كان هنالك أمريكيان في اللقاء الأول، يرتدي كلاهما ملابس عادية، كبيران في السن، ربما في أواخر الخمسينيات من عمرهما . لم يعرفا عن نفسيهما أو الجهة التي يتبعان لها ، كنا جالسين في غرفة الطعام إلى مائدتها ، كنت أجلس قبالتهما مكبل اليدين، عندئذ كان هنالك حارس باكستاني مسلح خارج الغرفة، شعرت بحيرة شديدة، ما كان القصد من وراء كل ذلك؟، لم أسمع من قبل عن حدوث مثل عمليات الاختطاف تلك في باكستان، وإن كنت قد سمعت أثناء وجودي في إسلام آباد، عن العديد من عمليات الاعتقال الجماعي في أفغانستان منذ احتلال الأمريكيين لها . سمعت لاحقا من العديد من المعتقلين عن الكيفية التي اعتقلوا بها في غارات مماثلة في باكستان، أو بصورة أسوا من الشوارع. 

مضى حتى الآن أكثر من أربع وعشرين ساعة على احتجازي، منذ تم اختطافي أبرز أحد الأمريكيين حقيبة زوجي اليدوية مع رخصة قيادتها، وهاتفها النقال، فشعرت بخوف حقيقي عندما بدؤوا في إبراز أغراضها الشخصية، لم يستولون على أغراضها؟ اين كانت موجودة؟، هل ألم بها أي مكروه؟، لقد وضعوا يدهم بالفعل على نقطة ضعفي قلق شديد ينتابني، كلما فكرت بزوجي والأطفال، ولا أستطيع الإخفائه سبيلا . كنت أتسلح بالمنطق في حينه، ولكنني أدركت لاحقا أن كل تلك الأسئلة كانت جزءا من رحلة صيد كبيرة.. اكتشفت أيضا أنهم أخذوا أشياء أخرى من المنزل، بما في ذلك جهاز الكمبيوتر خاصتي، وحوالي ثمانية آلاف من الجنيهات - حصيلة مدخراتنا، والمال الذي أرسلته عائلتي وأصدقائي من إنجلترا. 

سألوني عما كنت أفعله في باكستان، وعما إذا كنت قد ذهبت إلى أفغانستان من قبل، لأرفض الإجابة عن أسئلتهم، مطالبا بالتحدث إلى محام أو القنصل البريطاني، فعقبوا قائلين: لا يمكننا مساعدتك بذلك على الإطلاق.. أطلقوا فيما بعد بعض التهديدات المقنعة، قائلين: قد يتم إرسالك إلى مكان أسوا.. 

أحضروني في اليوم التالي مجددا، ولكن بوجود أشخاص آخرين في الغرفة هذه المرة، سألتني امرأة عن مكان وجود جوازات سفرنا البريطانية، وكنت قد تركتها في منزل شخص آخر، حيث مكثت بضعة أيام حتى حصولي على منزلي كانت بعض ممتلكاتي الشخصية ما تزال هناك، وكانت تلك المرأة الأمريكية حريصة للغاية على معرفة مكان وجود الجوازات، فأخبرتها قائلا : لا تشغلي بالك مطلقا، هي في حرز أمين. 

كانوا قد أخذوا جواز سفري الباكستاني الذي كنت أحتفظ به في منزلي وأبرزوه أثناء الاستجواب الأول، في اليوم السابق، قائلين: لاحظنا أنك تحمل جنسيتين. حاولت أن أفهم مغزى إشارتهم لهذا الأمر، ولكنني لم أفلح في ذلك. ولم يكن مفعول الجواز الباكستاني ساريا أكثر من عام واحد، وكنت قد حصلت عليه في بيرمنغهام، لاعتقادي أنه سيسهل علي السفر من أفغانستان إلى باكستان، وبالعكس، بشكل يفوق نظيره البريطاني. 

كان أحد الأمريكيين اللذين قابلاني في اليوم السابق موجودا في ذلك اليوم أيضا، بالإضافة إلى ضابطين من الاستخبارات البريطانية، واللذين عرفا عن نفسيهما بأنهما ينتميان إلى جهاز الإم أي فايف كان أحدهما امرأة شابة بينما أخبرني الآخر أن اسمه إيان، وكنت قد سمعت عنه قبلا، في الواقع، عندما تحدثت إلى صديقي في بيرمنغهام، شاكييل، قبل بضعة أيام من اختطافي، حيث أخبرني الأخير أن شخصا يدعى إيان من جهاز الإم أي فايف قد قدم الزيارة مكتبتنا الإسلامية هناك، وقال: إنه مهتم للغاية بالتحدث إلي، وإنه سيأتي إلى باكستان للقائي، أوصيت شاكييل في حينه بإعطائه رقم هاتفي، وإخباره بإمكانية الاتصال بي حين يصل إلى باكستان كي تلتقي، كان شاكييل قد وصفه بأنه رجل بدين يرتدي نظارات. أعتبر ذلك وصفا كاملا بنظري، وقد تعرفت على الرجل حتى قبل أن ينطق باسمه. 

مثلت تلك المرة الثالثة التي يرغب فيها جهاز الإم أي فايف، بالتحدث إلي وهو ما لم يشعرني بالذعر على نحو خاص، ربما كنت ساذجا لاعتقادي أنه سيزورني لمجرد احتساء الشاي، كما فعل زميله في المرة السابقة، والتعبير عن بعض مخاوفه، على أمل أن أقوم بتبديدها، لم أقم بما هو غير قانوني، أو أختبى من أي أحد، وتغير الأمر كثيراً حين رأيته على خلاف ما شعرت به من كراهية وتوتر تجاه الأمريكيين، بل يمكنني القول: إنني شعرت ببعض الارتياح في الحقيقة الرؤياه العلمي أنه بريطاني ينتمي إلى إنجلترا ، بدأت حديثي معه بقول التالي: «انظر، هل يمكنني التحدث إليك على انفراد، بعيدا عن هؤلاء الأشخاص ؟. 

أجابني قائلا: لا. لا يمكنك ذلك. مثلت تلك أولى الإشارات إلى أن الأمريكيين والبريطانيين كانوا مشتركين بالكامل في تلك المسألة. 

عقبت قائلا: حسنا، هل يمكنك السماح لي بإيصال الأمر إلى القنصلية البريطانية، إن لم تقم أنت بالأساس بفعل ذلك نظراً لكوني مواطنا بريطانيا .... إن لم يمثل ذلك عملك هنا ؟. 

أجابني قائلا: لا أستطيع مساعدتك في ذلك. لست مشرفا اجتماعيا.. 

عقبت قائلا: «حسنا، من بريطاني إلى آخر، هل يمكنك إخباري، أو التأكيد لي أن عائلتي على ما يرام، أطلعني على ذلك فحسب..

أجابني مجددا قائلا: «أسف لست في وضع يخولني القيام بذلك، لست هنا من أجل ذلك.. 

فوجئت كثيرا من تبلد مشاعره تجاهي، باعتباري مواطنا بريطانيا مثله، وبخاصة بعد إطلاعه على قصة جلائي المؤلمة عن كابول، والطريقة المحزنة التي التقيت بها عائلتي مجددا. سألته قائلا: حسنا، ما الذي تريد مني فعله، لم أنت هنا. 

أجابني قائلا: حسنا، يبدو أن لديك فرصة أخرى. كم مرة يمكن للمرء أن يحظى بفرصة ثانية، يتمثل كل ما ينبغي عليك فعله في التعاون مع الأمريكيين وسيصب ذلك في مصلحتك». 

سألني إيان بعض الأسئلة، حيث أراد بادئ ذي بدء أن أخبره عن سبب ذهابي إلى أفغانستان، وما كنت أفعله هناك، ومن التقيت في ذلك البلد، وسألني فيما بعد عن البوسنة وزياراتي إليها، ورحلتي إلى تركيا في عام 1999، فأخبرته بالتفصيل عن سبب ذهابي إلى أفغانستان، وما فعلته هناك، وما أجبرني على الذهاب إلى ذلك البلد، وأجبت فيما بعد عن جميع الأسئلة الأخرى التي طرحها علي، وكنت ما أزال أعتقد بعدم وجود ما أخفيه، وبالتالي ما أخاف منه. 

لحظت أن الأمريكيين كانوا يسجلون بعض الملاحظات، وأن أحدهم نهض عن مقعده بعد ذلك، واتجه إلى زاوية الغرفة ليجري مكالمة هاتفية، لم أسمع كل ما ورد فيها، بل جزءاً علق في ذهني منها : لدينا آخر لأجل قندهار.. نظرت إلى الضابطة، وانتابني شعور مفاجئ من اليأس المطبق ونظرت إلى بدورها، قبل أن تشيح بوجهها، نهض إيان وضابطة جهاز الإم أي فايف الأخرى عن مقعديهما، وغادرا الغرفة بالفجائية التي دخلاها بها ذاتها، وقد مثل ذلك جزءاً من بريطانيا لم أعهده من قبل، ليس بهذه الطريقة على الأقل، فربما كانا قد فكرا بالشكل التالي: إنه مجرد باكستاني. كان هذا ما فكرت به أيضاً : لم يجدر بهما الاكتراث لأمري؟ لست بأكثر من باكستاني بالنسبة لهماء. لم أر أيا منهما مجدداً .

شعرت بالكثير من الذنب بعد عودتي إلى غرفتي وحيدا مع أفكاري، نتيجة ما عرضت عائلتي له عبر سوء تقديري لجدية الموقف، وعدم إدراكي في السابق لما كانت ستعنيه هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر بالنسبة لأفغانستان، وتوقفت عن التفكير بما يمكن أن يحدث في المستقبل، وألمت نفسي عبر العودة إلى الماضي، مغرقا نفسي في الشعور بالذنب أكثر فأكثر، ناهيك عن أنني لم أكن قد تجاوزت بعد التجارب المروعة التي مررت بها خلال الشهرين الماضيين، عندما أجبرنا القصف الأمريكي على ترك منزلنا وعملنا الجديدين الرائعين في كابول. 

لم يجر الاستجواب التالي سوى مع الأمريكيين، فقد بدا أحدهم، بول، مستاء لتحدثي مع البريطانيين بدلا منه، خاطبني قائلا: أظهرت بوضوح أنك لا تتحدث إلا لبني جلدتك، ولكن البريطانيين نفضوا أيديهم عنك، لن تراهم بعد اليوم، ولن تتمثل فرصتك الوحيدة إلا في التعاون معنا، لقد أخلينا سبيل بعضهم في السابق ..... توقف بول عن الحديث مدة ليست بالقصيرة، ثم تابع قائلا: قادرون على جعل حياتك أكثر سهولة، أو تعقيدها لأبعد الحدود، ولكن يمكنك الإجابة عن أسئلتنا هنا، أو فعل ذلك في قندهار، وغوانتانامو. 

سألته مجددا أن يطمئنني على وضع عائلتي، فقد كان من الواضح أن البريطانيين لن يقوموا بذلك، لذا لم يكن أمامي من خيار إلا سؤاله، لم يكترث الأمريكيون أيضا، ولم يعقب الرجل على طلبي إلا يقول التالي: «أه - هه لا يمكننا فعل شيء حيال ذلك، غادرنا فيما بعد المنزل الواقع في منطقة جي 10.. 

ناشدت الحراس الباكستانيين مساعدتي، بعد أن تمت إعادتي إلى غرفة مقر الاستخبارات بالرغم من أن العم، وهو من أقمت نوعا من العلاقة معه، لم يكن موجودا في ذلك اليوم، إذ توسلت إليهم قائلا: أرجوكم أرجوكم، اذهبوا على الأقل إلى منزلي، وتفقدوا حالهم، وما يفعلون، وسلوا زوجي عما إذا كان بمقدورها كتابة رسالة لي».

وافق أحد الحراس الباكستانيين على القيام بذلك، قائلا: سأذهب إلى منزلك لأتأكد من أن كل شيء على ما يرام، وسأحاول أن أحضر لك بعض الملابس والحاجيات الأخرى من هناك أخبرني الرجل لاحقا بما يلي: ذهبت إلى المنزل بالفعل، ووجدت قفلا على الباب، وقد أخبرني الجيران أن العائلة غادرته بعد يومين أو ثلاثة من اعتقالك .. 

وقعت في حيرة كبيرة لم أعهدها من قبل، ولم أستطع التوقف عن التفكير بما يمكن أن يكون قد حل بزينب والأطفال، والمكان الذي ذهبوا إليه. 

مرت الأيام تباعا، في غضون ذلك، مع خلو بعضها مما يمكن ذكره من الأحداث، حيث كان الغداء والعشاء يتألفان دائما من الشاباتي (خبز هندي) والكاري، وقد التزمت الصوم الاختياري يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع وهي سنة يتبعها الكثير من المسلمين، وكان ضباط الاستخبارات الباكستانية يشرون ما أفطر عليه من طعام، وقد كثفت من عبادتي في الواقع خلال تلك الفترة، والتمست الرحمة الإلهية أكثر من أي وقت مضى، ولم يقتصر الأمر على الصوم، وتلاوة القرآن فحسب بل ترافق ذلك مع أداء الصلاة، والتضرع إلى الله عز وجل. 

لم أكن أتحدث إلا إلى الحراس في العادة، ولم يكن أولئك على علم بأي شيء في الحقيقة، طالبت مرارا بالتحدث إلى أحد الضباط المسؤولين، وكنت ألح على الحارس كل عشر دقائق، أو خمس عشرة دقيقة بصورة لا تخلو من المضايقة قارعا الباب، قائلا التالي: «انظر أحتاج معرفة ما يجري، أحتاج الاتصال بعائلتي عبر الحراس بوضوح عن أسفهم وتعاطفهم، وأكدوا لي باستمرار أنهم يجهلون سبب اعتقالي لقد اعتادوا التعامل مع القتلة، والمغتصبين، والسارقين بل وحتى مرتكبي الأعمال الإرهابية، ولكنهم جهلوا - بحق - سبب وجودي هناك. تحدثت أخيرا إلى ضابط برتبة أعلى، يتحدث الإنجليزية بطلاقة، ويبدو بوضوح أنه أرفع شأنا ممن حوله، فخاطبني، بمنطق العم نفسه في الليلة الأولى قائلا: أنت هنا بسبب الأمريكيين. لم يخبرني أي ممن وفقت في التحدث إليهم من الضباط بأسمائهم، وكانوا يجيبونني حين أسألهم بقول التالي: من الأفضل الا تعرف.. لم يخبروني حتى بما إذا كانوا يتبعون الاستخبارات الباكستانية. 

كنت أقرع الباب كلما احتجت شيئا، ليستجيب أحدهم في النهاية. لم يكن ذلك يحدث على الفور، الأواصل القرع بقوة أكبر، حتى يأتي أحد الحراس ويسألني عن مبتغاي، إن كان الماء ما أطلبه، فقد كانوا يتركون لي زجاجة مليئة به، وإن كان الذهاب إلى المرحاض، فقد كانوا يغطون رأسي بمنشفة، ويقودونني عبر الممر إلى قسم آخر من المبنى حيث تقع الزنازين كان الحمام مظلما وقذراً للغاية، لم تعوزه المياه الجارية مع ذلك، وإن افتقد إلى الصابون، كان المرحاض عبارة عن حفرة في الأرض على النمط الشرق أوسطي، وكانت هنالك فتحة صغيرة قرب السقف تسمح بإمرار القليل من ضوء النهار، تمكنت في إحدى المرات من رؤية ما يحويه المبنى من زنازين. 

كنت أسمع أصواتا تتحدث بالعربية مع اقترابي من الحمام، فسألت الحارس قائلا: «أرجوك، هل تسمح لي بالتحدث إلى أولئك الأشخاص؟... 

أجابني قائلا : سأغلق الباب، وعليك التحدث إليهم بسرعة، فقد منحني الرجل خمس دقائق للقيام بذلك، فذهبت إلى كل الزنازين، وتقطع قلبي عندما وقفت على حالتها، لم يكن ضوء الشمس يدخلها على الإطلاق، ناهيك عن الرطوبة التي تعم أرجاءها، إذ كان قد مضى على بعض السجناء ثلاثة أو أربعة أشهر فيها، وكان جميعهم عربا، ثلاثة منهم طلاب ليبيون يدرسون في جامعة إسلام آباد، ولأن جميع محاولاتهم للوصول إلى شخص من سفارتهم، كي يتحدث مع السلطات الباكستانية بشأنهم، كانت قد باءت بالفشل، أن ينجحوا على أقل تقدير في التحدث إلى بعضهم بعضا، والصلاة جماعة. 

بدأت التفكير في الهرب بعد لقاءاتي مع الأمريكيين، والحديث عن نقلي إلى قندهار وغوانتانامو، وحرماني من توكيل أي محام، ومنعي من الوصول إلى عائلتي، ونفض البريطانيين أيديهم عني، وقد فكرت في الكثير من الأشياء، بدءاً من محاولة مهاجمة أحد الحراس، وانتزاع سلاحه والقتال بواسطته، حتى أنال حريتي، وصولا إلى التسلل خلسة، أو تسلق جدران المبنى، ولكن وصلت كل تلك الأفكار إلى طريق مسدود عندما فكرت بما يمكن أن يحدث لعائلتي، مصمما على تحميل أمريكا المسؤولية طيلة حياتي، إن حدث مكروه لها . 

تركت نافذة غرفتي، التي كانوا قد غطوها من قبل، مكشوفة لعدة إنشات عند قمتها، حيث كان يتعين علي، إن أردت النظر إلى الخارج عبرها، أن أقف على قمة الأريكة لأتمكن من رؤية القليل فوق الجدار، والسيارات المارة في الطرف المقابل للشارع، وقد نظرت في إحدى المرات إلى القضبان المعدنية المثبتة على النافذة، ولم يبد لي ما يثبتها من براغ بتلك الصلابة، إن لم نقل إنها كانت مهلهلة، فاستعنت بإبزيم نطاقي (القطعة المعدنية المثبتة له) لانتزاعها، كان الأخير يحتوي على قطعة ناتئة استخدمتها كمفك لتلك البراغي، وتمكنت من فكها جميعا، بمرور بضعة أيام حتى أصبحت القضبان قابلة للتحريك، وكنت ألقي البراغي في المرحاض كلما ذهبت إلى الحمام، ولم تكن تلك القضبان بحاجة إلى الكثير لانتزاعها، وقد قمت بذلك على أكمل وجه. 

تمثلت خطتي في التحرك ليلا بعد حلول الحادية عشرة تقريبا، عندما يتوقف الحراس عن القدوم إلى الغرفة، وتطفأ الأنوار، وكان هنالك حارس في الخارج، عند كوخ الحراسة الواقع قرب المدخل حيث تلج السيارات، وقد كنت قادراً على رؤية الكوخ، والحارس حين يغط في النوم، وتمثل الجزء الأكثر خطورة في الخروج من النافذة، وعبور الجدار، ولكنني اعتقدت بقدرتي على القيام بذلك إن قفزت بقوة، ولم تكن هنالك أسلاك شائكة أو ما شابه على قمة الجدار، وكان بمقدوري، كما أسلفت رؤية الجانب المقابل للطريق الرئيس. 

تمثلت مشكلتي الوحيدة في افتقاري إلى المال، وما يمكنني انتقاله، لأخذهم خفي في المساء، فقد تعين علي بالنتيجة الجري في الشارع، والصعود إلى سيارة للأجرة حافي القدمين، دون معرفة المكان الذي سأتوجه إليه فيما بعد.

كان المنزل المكان الوحيد الذي أعرفه جيداً لم نكن قد أقمنا في باكستان إلا منذ شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، ولكن هل كان ذلك سيجلب المزيد من المتاعب إلى عائلتي؟. لم يعد لهم وجود في المنزل بكل الأحوال، كان من الممكن أن أتعرف على منزل صديقي الذي هاتفته في الليلة الأولى، ولكنني كنت عاجزا عن تحديد مكانه على الوجه الأمثل، وقد تنازعتني الكثير من الأفكار، كالصعود في سيارة للأجرة كي تقلني إلى مكان قريب من منزله، والهرب حين أصل هناك، ويحين موعد الدفع، جريا على قدمي الحافيتين. 

تم تخليصي من عناء التفكير في اليوم التالي، حين دخل حارس الغرفة، وقام يتفقد نافذتها، والنظر حولها، ليتم أخذي بعد ذلك بوقت قصير إلى غرفة أخرى، ولم ينيس أحد بينت شفة، فربما كانوا سيستخدمون الغرفة لأمر آخر بكل الأحوال، أو أن ذلك الحارس اكتشف ما حدث للنافذة، وتكتم على الأمر كيلا يورطني في المزيد من المشكلات، مثل ذلك التطور، بكل الأحوال، نهاية خطة هربي. 

واصلت المطالبة بالتحدث إلى أي من الضباط أحضروا بالفعل أحد الأشخاص إلى الغرفة في نهاية المطاف، ولكنه لم يكن ضابطا، بل لاجئا أفغانيا يتقن الأوردية إلى حد ما، كي تتواصل مع بعضنا بعضا، تجاذبنا أطراف الحديث وأخبرني عن الأوقات التي كان يمضيها في القتال ضد السوفييت حيث كنت قد كونت انطباعا جيداً عنه، ولكنني اكتشفت لاحقا أنه كان محتجزاً لسبب مختلف عن ذلك المتعلق بي، إذ كان من المفترض أن يجمع الأموال من الراغبين في أداء فريضة الحج، ويستخرج لهم التأشيرات من السفارة السعودية في باكستان بالنظر إلى أن سفارتها في كابول كانت قد أغلقت أخبرني أنه عقد اتفاقا مع بعض المسؤولين في السفارة لإصدار التأشيرات للأفغان، ولكن أحدهم لاذ بالقرار، مغادرا البلاد مع تسعين ألفا من الدولارات المدفوعة سلفا، واتهم ذلك السجين بالمشاركة في الأمر، ولكنه أكد على الدوام بأنه لم يفعل، وأن المبلغ بكل الأحوال لم يكن يتجاوز الخمسة والأربعين ألف دولار.

يمثل ما سأرويه الآن المرة الأولى التي أعلم فيها بصورة مباشرة، ما يمكن الضباط الأمن الباكستانيين فعله حقيقة، وقد خلصني ذلك، في الواقع، من بعض ما كنت أتصف به من سذاجة، وكنت استمع في المساء إلى أصوات ضرب بعيدة. اعتقدت في البداية أنها أصوات عمال أو ما شابه، وقد جاء بعض الحراس، فيما بعد إلى الزنزانة ليأخذوا شريكي الأفغاني منها، وما لبثت أن سمعت الأصوات ذاتها ثانية فأدركت ما حدث حين أعادوه، ولم تكن الأصوات صادرة عن العمال بل عن المعذبين، كان ذلك يحدث كل ليلة، إذ كانوا يستخدمون أنابيب مطاطية طويلة غليظة لضربه، كما أخبرني، فقد كانت الكدمات والجروح تملأ ظهره ناهيك عن حرمانه من النوم عبر دخول الحراس وخروجهم باستمرار لإبقائه مستيقظا . منعوه من الجلوس أيضاً، حيث كان يتعين عليه الوقوف طيلة الوقت وقد كانوا يتأكدون من ذلك باستمرار، كان مجبرا على الوقوف طيلة الليل: كي يعترف لهم أن المبلغ المسروق يعادل تسعين ألفا من الدولارات، وهو ما لم يفعله وأحضروا له في اليوم التالي طبيبا لمعالجة جروحه، وبلسمتها، ولكنه أخذ مجددا في الليلة التالية: ليعذب بالطريقة ذاتها على أيديهم، وقد أعادوه ثانية، فيما بعد، وأجبر على البقاء مستيقظا كما في المرات السابقة. 

امتلكت الشجاعة في إحدى المرات لأشتكي إلى أحد الحراس، قائلا: «انظر. يمثل ما تقومون به أمرا خاطئا، لم تفعلون ذلك به... 

رد الحارس قائلا : إن لم تحفظ لسانك، فستحظى بالمعاملة ذاتها.

ندر أن يخاطبني الحراس بتلك اللهجة، نظرا لأن أن تحدثك الإنجليزية بطلاقة في باكستان يعني أنك تحظى بمستوى تعليمي جيد، وتنتمي إلى أسرة ثرية أو نافذة إلى حد ما، حيث كنت اتحدث الإنجليزية بطلاقة واضحة كلما أظهروا شيئا من الوقاحة معي، بالرغم من عجزهم التام عن فهم أي مما أقوله. تمثل بعض ما كان يعزيني في الواقع بثقتي في عدم امتلاكهم الجرأة على فعل أي شيء لي.

قدم أحد مستجوبي شريكي الأفغاني، وهو ضابط في الاستخبارات الباكستانية، إلى الزنزانة فيما بعد، فصافح الرجل يدي، قائلا : كيف حالك؟ اعتقد أن الأمور ستتحسن بالنسبة لك، أعتقد أننا سنبت في أمرك قريباء. 

شعرت بسعادة حقيقية لسماع ذلك، ولكن نبرة الرجل تغيرت تماما حين استدار ليواجه الأفغاني، الذي كان لا يزال ممنوعا من النوم، اقترب منه بحيث كاد أنفاهها يتلامسان، وخاطبه بالأوردية قائلا : ألم تستعد لسانك بعد؟.. 

توسل إليه الأفغاني، قائلا: «أرجوك، يبدو أنك لا تفهمني، لقد أخبرتك الحقيقة، ولم أفعل سوى ذلك طيلة الوقت. لا أعلم ما يدفعكم إلى ...... 

قطع الضابط حديث الأفغاني بلكمة على وجهه، وأتبعها بثانية، فثالثة فتسمرت في مكاني لهول ما رأيت نظر الضابط إلي بعد أن استدار، ولسان حاله يقول: إياك أن تفكر حتى في الدفاع عنه.. 

أمسك الضابط الأفغاني من كتفه فيما بعد، وجذبه نحو الأسفل، مرغما إياه على الركوع، ثم خاطبه، فيما اعتبر آخر كلماته قبل أن يغادر، قائلا: اسمع، إن لم تستعد لسانك مع عودتي، فسأعلمك التحدث بما لم تسمع به من اللغات... 

يمكنني القول: إن معرفة الحقيقة كانت آخر هم الضابط، حيث لا ينبغي على السجين إلا الاعتراف بما يلقن له، فقد أعلمني ذلك الموقف، لأول مرة، بما يمكن للتعذيب الجسدي أن يرغم الإنسان على فعله، فلا يكترث السجين لأي شيء بعد التعرض المقدار معين من التعذيب عذب الأفغاني كثيرا قبل الاعتراف بأن المبلغ كان يعادل في الحقيقة تسعين ألفا من الدولارات، فعل ذلك أخيرا، وقد رأيته حين وقع على اعترافاته، وتعاقب سجناء آخرون في المجيء إلى الزنزانة، ولم ينج أي منهم من الضرب كذلك.

كان السجانون بالرغم مما سبق يعرضون عليهم جميعا فرصة الذهاب إلى منازلهم خلال عطلة العيد، وكأن شيئا لم يحدث، حيث كان العيد سيحل خلال بضعة الأيام التالية، وقد منحني ذلك شيئا من الأمل، وقد غادر السجناء الآخرون بالفعل لقضاء عطلة العيد في بيوتهم، بينما بقيت في زنزانتي، حيث سألت قائلا: الن أذهب إلى منزلي خلال عطلة العيد.. 

أجابني الضابط، ذو النبرة المتفائلة حيالي، قائلا: لا، لن تذهب خلال العيد في أغلب الأحوال، بل ربما بعد ذلك بفترة بسيطة، فلا تقلق، سيكون كل شيء على ما يرام. 

كان ذلك ديدن الباكستانيين في حديثهم معي على الدوام: سيكون كل شيء على ما يرام، تجري الأمور في صالحك، لا مشكلة لديك، لا يتعدى الأمر استكمال بعض الإجراءات الروتينية كل شيء على ما يرام. 

لم يتوقف الباكستانيون، في الواقع، عن طمأنتي حتى تم تسليمي إلى الأمريكيين، إذ تعرضت مع ذلك إلى نوبة شديدة من القلق، وحيداً في زنزانتي قبل يومين من التسليم، فقد كانت تلك المرة الأولى التي أتعرض فيها إلى شيء من هذا القبيل، بالنظر إلى تمتعي بشخصية هادئة للغاية، وقدرتي على التعامل مع المواقف الصعبة بمهارة عالية، ولكن شكل الخوف على عائلتي الباعث الأكبر لقلقي، حيث كان جهلي التام بمصيرهم، والتفكير بما يمكن أن يسببه اختفائي لهم، بعد كل ما عانوه نتيجة القصف الأمريكي لأفغانستان، كان يقض مضجعي بكل معنى الكلمة، فلم أستطع السيطرة على نفسي، وكدت أصاب بالجنون وبدأت تمزيق اللحاف، ورمي الأشياء في كل مكان، إلى أن أتى الحارس في نهاية المطاف محاولا تهدئتي، صفعت الأخير على وجهه، ولكنه امتنع عن الرد، أو فعل أي شيء لدمائة خلقه، فقد خاطبت فيه روح الإنسانية قائلا: «أرجوك، كيف يمكنكم فعل هذا بي مع علمكم انني أجهل مصير عائلتي، ناهيك عن احتجازي دون آية تهمة أو مسوغ قانوني.

حضر الطبيب بعد ذلك بساعتين لمعاينتي، وفحصني بصورة شاملة، فوجئت فيما بعد بقدوم من اعتدت مناداته بالعم»، حيث خاطبني قائلا: «أه، يتوجب عليك الذهاب يريدون رؤيتك. 

تساءلت عما إذا كان ما فعلته وراء ذلك، ربما أدركوا أخيراً أن وضعي أصبح لا يطاق، فقد ذهبت تساؤلاتي أدراج الرياح حين أعادوني إلى المنزل الواقع في منطقة «جي 10. كان الضابط المسؤول هناك شخصا عرفته فيما بعد لالتقائي به في غوانتانامو مايك، عميل الإف بي آي مكتب التحقيقات الفيدرالي). 

جلسنا ذلك اليوم إلى مائدة غرفة الطعام كالمعتاد، كنت أجلس في جهة ويداي مكبلتان بالأصفاد، بينما كان مايك يجلس في الجهة المقابلة، إذ كان هنالك ضابط باكستاني للمرة الأولى، ولكنه لم يقل الكثير، حيث كان مايك يحمل رسالة قصيرة للغاية، وأعطاني الانطباع بأنه لم يكن راضيا عما كان يجري، وأنه كان يؤدي واجبه لا أكثر. 

تحدث قائلا: جئت لإعلامك أننا قررنا إرسالك إلى قندهار، ومن ثم إلى كوبا، وستوضع في سجن عسكري يفوق الذي كنت فيه قسوة، وإن استمررت في عدم التعاون معنا، فستمضي وقتا طويلا للغاية هناك، وإن لم تقل الحقيقة بغض النظر عن تعاونك من عدمه، فسيحدث لك الأمر ذاته. 

كنت قد شاهدت صورا لخليج غوانتانامو من قبل، واكتفيت بالنظر إلى مايك والدموع تترقرق في عيني، قائلا: هل ستطول المدة... سنوات؟... 

أجابني قائلا: «أه، لا ، بضعة أشهر فحسب. 

كان وقع المفاجأة شديداً علي، ولكنه لم يمنعني من طلب كتابة رسالة إلى زوجي قبل مغادرتي، فقد وافق الرجل على طلبي، وأعطاني بعض الأوراق وقلما للكتابة، فكانت تلك أصعب رسالة يمكن أن أكتبها، محاولا قول التالي فيها : لا أعلم إن كنا سنلتقي مجدداً، أو متى سيتم ذلك. أردتها أن تسامحني إن كنت قد قمت بما يمكن أن يؤذي مشاعرها ، ووددت تقديم النصح لها، وللأطفال، وتحدث مايك قائلا: «لسنا مؤسسة خيرية، ولكنني سأوصل رسالتك إليهم، أجابني الرجل، حين سألته عما إذا كان بمقدوره العثور عليهم، قائلا: حسنا، لقد عثرنا عليك، أليس كذلك؟.. لم تصل الرسالة إلى زينب أبداً. 

انتهى اللقاء بمناشدتي الضابط الباكستاني مساعدتي، متحدثا الأوردية وسألته العودة إلى ضميره، وحسه الوطني، فلم يكن ذلك بتسليم قانوني، فكيف أمكنه السماح بحدوثه، ومال الضابط بجسده إلى الأمام، وسكب بعض الماء في كأس قدمه إلي، ثم خاطبني، قائلا: يتمثل كل ما يمكنني تقديمه إليك في هذا الكأس. وددت التقاطها، ورمي الماء في وجهه. 

خاطبني أحد الضباط الباكستانيين في الطريق إلى ما اكتشفت أنه المطار. قائلا: «معظم، يا صديقي، لقد بعت دنياي وآخرتي مقابل ما سأقوم به الآن». ثم أورد الآية التالية من القرآن الكريم ..... وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حية في ظلمات الأرض ...). 

لم أنيس ببنت شفة. 

عقب الضابط قائلا: سأدفع ثمن ذلك يوما ما... 

تحدث الرجل، بينما أوشكت السيارة أن تتوقف، قائلا: «سيكون كل شيء على ما يرام، فلا تقلقن، تنتهي رحلتي هنا بينما توشك رحلتك أن تبدأ ..

كتب ذات صلة