القائمة الرئيسية

رواية معسكر الأرامل 

رواية معسكر الأرامل 
ملخص الكتاب

الكتاب يناقش قصة معسكر الأرامل في أفغانستان، حيث يتتبع حياة النساء والأطفال الذين فقدوا أزواجهم وأبناءهم في الحرب ضد الاحتلال السوفيتي. تبدأ الرواية بسرد رحلة كاتبة الرواية وأمها وزوجة خالها وأخيها إلى معسكر ""ناصر باغ"" في باكستان، حيث يعشن آلاف الأرامل والأيتام في ظروف قاسية ومؤلمة. يستعرض الكتاب معاناة هؤلاء النساء اللاتي فقدن أزواجهن في الجهاد، والألم الذي يعشنه بسبب الفقد والظروف الصعبة. كما يسلط الضوء على قصص الأرامل اللواتي يواجهن تحديات الحياة اليومية، ويكشف عن حقيقة استشهاد أزواجهن وأقاربهن في الجبهات، وكيف يتعامل الأطفال مع هذا الفقد. تجسد الرواية صوراً مؤثرة لنساء أفغانيات صامدات في مواجهة الألم، وتستعرض حياتهن في معسكرات اللجوء وكيف يظل الأمل في تحرير بلادهن حياً في قلوبهن.

معسكر الأرامل 

في الساعات الأولى من صباح أحد أيام الجمعة، خَرَجْتُ أنا وأمي وزوجة خالي الكبير، وأخي عبد الرزاق، لنركب السيارات المتجهة إلى معسكر ( ناصر باغ). 

في البداية، ركبنا الحافلات إلى مستشفى ( خيبر) في ها شنا كاري). أخَذْنا أنا وأمي وزوجة خالي أماكننا في القسم المخصص للنساء في الحافلة. تحركت الحافلة متأخرة عن موعدها قليلاً، وذلك في انتظار أن تمتلئ بالركاب. وما إن تحرَّكت؛ حتى ظهر علي الانفعال والفضول الذي كان يعتمل بداخلي. لم أستطع إخماد هذا الشعور في نفسي، أو التخلص منه، رغم ما بذلته من محاولات... ترى هل سيسمحون لنا بدخول معسكر الأرامل؟ 

كنت أتوق حقاً لرؤية هذا المعسكر الذي قررت الذهاب إليه، بعد أن سَمِعْتُ الكثير عنه، فمعسكر الأرامل مختلف عن كل المعسكرات الأخرى حتى اسمه مختلف وغريب. حدثني عنه ذات يوم أحد مهاجرينا، فقال:

- هناك في معسكر الأرامل، لا يعيش إلا النساء والفتيات ومعهن الأولاد الذكور الذين لم يتجاوز عمرهم الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. كما يعيش فيه أيضاً النساء والأطفال الذين فقدوا أهليهم. ومع هؤلاء تعيش أمهات وزوجات الشهداء لا حول لهن ولا قوة، ولا ملجأ لهن سوى الله العلي العظيم. كذلك أولئك اللاتي لم يبق لهن أحد في الدنيا.

وتُقَدِّم إحدى الجماعات الإسلامية في (ناصر باغ) المعونات إلى كل أولئك الموجودات في معسكر الأرامل - منذ عام ١٩٨١م ، وذلك قبل قيام اتحاد الجماعات الإسلامية الأفغانية. كما أن دولة باكستان توليهم - بدوره - اهتماماً خاصاً. تعمل في معسكر الأرامل، طبيبات ومساعدات ذوات خبرة ممن ينتمين إلى شعبة النساء في الجماعات الإسلامية في باكستان. وهؤلاء من اللاتي يمكن أن يُطلق عليهن اسم الشرطة. ولا يمكن لأي رجل - مهما كان - أن يدخل معسكر الأرامل حتى ولو كان من الأقارب المقربين لأي أرملة من أرامل المعسكر. وإذا كانت المقابلة مهمة، فيمكن مقابلة الأرامل في الخيمة الواسعة المنصوبة على باب المعسكر. وهي خيمة معدة لاستقبال الضيوف لمدة محدودة وهي ثلاث أو أربع ساعات في اليوم.

كان الطريق طويلاً ... طويلاً .. ولم أكن قد رأيت من قبل معسكرات سوى معسكر ناصر باغ ، وهو معسكر من عدة معسكرات موجودة في أنحاء (بيشاور ) . كان لنا أقارب في كل هذه المعسكرات، لكن معسكر الأرامل بالذات، لم يكن لنا فيه أحد. 

كنت مشغولة طوال الطريق أفكر .... ترى ماذا لو منعونا من دخول المعسكر ؟!... كنت أقول لنفسي هذا، وأنا أتلفت حولي وأداوم التفكير. ذات يوم سألت أخي عبد الغفار قائلة: 

- ألا يمكن أن تأخذني يا عبد الغفار إلى معسكر الأرامل؟ فإني أريد أن أكتب قصة الهجرة إليه. 

فقال بدهشة: 

- أمعكسر الأرامل تقولين؟! أنا لا أقول إنهم يمنعون الرجل فقط من الدخول وإنما يمنعون دخول النساء الغريبات أيضاً إلى المعسكر لكني بالتأكيد مستعد للذهاب معك إلى أي معسكر آخر تذهبين إليه. 

أصابني الضيق حقا، ذلك لأني أتوق إلى رؤيتهن عن قرب. رؤية أولئك المسكينات اللاتي يعشن في معسكر الأرامل. وكانت تعتمل في نفسي تساؤلات كثيرة أطرحها على كل من حولي، تدور كلها حول معسكر الأرامل. وبالضرورة، كانت أمي تدرك رغبتي في زيارة هذا المعسكر: ألم أقل إنني كنت أتوق، وبدرجة كبيرة، إلى أن أذهب إلى هناك، وألتقي بمن يعشن فيه. كنت مشتاقة إلى التعرف على أمهات شهدائنا وزوجاتهم العفيفات، وأطفالهن الأبرياء المساكين، الأيتام الذين يفتقدون عوائلهم... كيف هاجروا ؟ ... ولماذا تركوا قراهم ؟... وكيف دَمَّرَت القنابل مدنهم؟... أو بمعنى أصح كنت أرغب في معرفة كل شيء عنهم، كَبُرَ هذا الشيء أم صفر. 

ترى كيف استشهد أقاربهن؟ ... هؤلاء الذين أحبوهن حبهن لأرواحهن - بل وأكثر من أرواحهن - وكيف لقي الأخ والأخت والزوج، والطفل، والعم، والأم - كيف لقوا حتفهم شهداء في سبيل الله؟ وكيف ظلم هؤلاء؟. وكيف عُذِّبوا ؟ . ثم كيف استشهدوا ؟ .... 

من بين ما سمعت عن هذا المعسكر، أن كثيراً من الأطفال ممن بلغوا الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، يذهبون إلى الجبهة. وعندما يرجعون لرؤية أمهاتهم، وأخواتهم اللاتي يعشن في معسكر الأرامل، يُجبرون على الإقامة في معسكر آخر منفصل عنهن. لكن يتاح لهم أن يلتقوا بأمهاتهم لمدة تتراوح بين ثلاث وأربع ساعات في اليوم الواحد. كما أن بعض أولاد تلك النساء ممن بلغوا الخامسة عشرة، يتركون المعسكر، ليقيموا في معسكر آخر، وتقول أمهاتهم ( لقد بلغ الأولاد مرحلة القدرة على رعايتنا ). 

ذات يوم كانت أمي في زيارة أسرة من أسر مجاهدينا الأفغان، ممن هاجروا حديثاً من أفغانستان إلى باكستان. وتصادف أن كان في زيارة هذه الأسرة أخت صيدلانية مهاجرة، وتعرفت أمي عليها هناك. وكانت هذه الأخت الصيدلانية، تمتاز بدأبها في العمل. فهي تنتقل من معسكر إلى آخر، في كل وقت ليلاً كان أو نهاراً ، صيفاً أو شتاء، تقوم بخدمة مهاجرينا المرضى والجرحى. 

أثناء هذه الزيارة، دار الحديث بين أمي وبين الأخت الصيدلانية، حول معسكر الأرامل. فقالت الصيدلانية الأمي: 

- إن المسؤولين عن معسكر الأرامل، لا يعترضون على دخول النساء، إلا إذا أثَرْنَ شكوكهم. وإذا كانت أختنا (مرال) ترغب في دخول هذا المعسكر فإنني أكتب رسالة إلى إحدى أخواتنا الطبيبات هناك لتساعدها، حتى لا تواجه صعوبة ما. وإن شاء الله، ستلقى منها العون اللازم.

فشكرتها أمي وأخَذَت منها الرسالة. وغمرتني الفرحة حقاً عندما سلمتني أمي هذه الرسالة. كانت زوجة خالي الكبير قد هاجَرَتْ حديثاً من أفغانستان، فأبدت رغبتها في الذهاب معنا، بقولها: 

- كم أنا مشتاقة لرؤية شعبي. 

عقب هذا قررنا الذهاب إلى معسكر الأرامل وعقدنا العزم على ذلك يوم الجمعة التالي بإذن الله تعالى. 

بدأت الحافلة تخلو من ركابها كلما اقتَرَبَتْ من الموقف الرئيسي للحافلات وهو محطتها الأخيرة، ونظرت إلى مفكرتي بما فيها من رسالة الصيدلانية إلى السيدة الطبيبة (أَسْفَر) ، وأنا أمَنِّي نفسي، بأنهم إن شاء الله سيسمحون بدخولنا. 

وقفت الحافلة أمام مستشفى (خَيبر) ، وهي محطتها الأخيرة نزلنا من الحافلة، ووقفنا فوق الرصيف ننتظر العربات التي ستحملنا إلى (ناصر باغ). كان أطفال المهاجرين يشتغلون باعة متجولين وقد وقفوا على الرصيف، ينادون بأعلى أصواتهم على الفاكهة التي جلبوها من أماكن بعيدة مثل البرتقال والموز والبطيخ والكمثرى والبرقوق. وكانت الشمس تلهب الجو بحرارتها، ونحن لا نكاد نلتقط أنفاسنا من وراء النقاب. ثم انتقلنا إلى الجانب الأيمن من الطريق لنستمتع بظلال الأشجار أثناء انتظارنا. 

كان الزحام قد بلغ من الشدة مبلغه. كل المهاجرين تقريباً أفغان. كذلك كانت الحافلة المتجهة إلى معسكر ( كاشاكاري) ، تسلك هذا الطريق. كان الماء أكثر شيء يباع في هذه المحطة فالناس من شدة الحر ، يكاد يغشى عليهم. لهذا ؛ كانوا يتزاحمون حول باعة الماء المنتشرين في كل مكان.... السيارات نصف النقل والعربات والشاحنات الكبيرة والصغيرة تمر أمامنا بسرعة، فتثير التراب والضوضاء وراءها. 

كدت أفقد صبري من شدة الحر والانتظار، إذ بأخي عبد الرزاق، يُشير إلينا - وهو جالس في عربة نصف نقل - بأن نركب في العربة، فركبنا جلسنا بجوار السيدات في مؤخرة العربة. وفي دقائق معدودة، كانت العربة قد امتلات بالركاب، وما أن تحركت حتى بدأنا نتلفت فيما حولنا ونتطلع إلى الطريق الذي خلفته العربة وراءها النهر يتدفق عن يمين الطريق، والأشجار الخضراء والحقول، تمتد على مرمى البصر عن يساره. 

سارت العربة بنا مسافة طويلة في هذا الطريق، ثم وصلت إلى مكان دمره فيضان النهر، فاجتازته بصعوبة. وابتعدت العربة بعد ذلك عن طريق النهر، وسلكت طريقاً آخر وسط الصحراء الشاسعة، المترامية الأطراف بعد ذلك لاحت أمامنا الخيام المتقدمة من معسكر ناصر باغ). 

كنا نتطلع حولنا بعيون دامعة، والألم والقهر يعتصرنا أجدني عاجزة عن وصف حقيقة ما رأيته من النافذة الخلفية للعربة التي نركبها الأطفال المهاجرون يحملون أباريق الماء في أيديهم، ويركضون وراء العربة وأهلنا الذين يحملون فوق رؤوسهم علب الزيت الفارغة، وقد ملؤوها من ماء النهر. 

كل الخيام متشابهة، لا تختلف عن بعضها بعضاً في شيء خيام... خيام لا نهاية لها ... وبيوت متواضعة مبنية من الطين، كلها تتكون من غرفة واحدة ... وأطفال مثل الزهور الأفغانية، لا يعرفون شيئاً عن أي شيء. أقدامهم حافية وملابسهم ووجوههم ملطخة بالطين.

كانت العربة تشق طريقها بين الخيام بصعوبة وبطء. عشرات الآلاف من الخيام. خيام لا تعد ولا تحصى... خيام لا أول لها ولا آخر. ثم توقفت العربة، ونادى علينا أخي عبد الرزاق لكي نغادرها، فنزلنا منها. 

مشينا وراء عبد الرزاق، إلى أن وصلنا إلى مجموعة من المجاهدين، كانوا يجلسون مطرقين برؤوسهم، أمام إحدى الخيام، فألقى عليهم أخي السلام، ثم سألهم عن مكان معسكر الأرامل. وصف لنا واحد أو اثنان منهم مكان المعسكر وقالا : إنكم ستصلون إليه بصعوبة. ثم تفضلا مشكورين بمرافقتنا لتوصيلنا إلى مكان المعسكر. 

سار عبد الرزاق أمامنا، ومعه اثنان من المجاهدين ونحن من ورائهم ببضع خطوات. كنا في حالة إعياء من شدة الحر. وأثناء مرورنا أمام الخيام، كنا نرد التحية على نساء وطننا المهاجرات اللاتي كن يرحبن بنا وهن جالسات أمام الخيام. 

كان الحر شديداً... وقاهراً. وبينما الرجال يسرعون الخطا أمامنا تأخرنا نحن النساء وراءهم، فقد كنا نتبادل كلمات خاطفة مع السيدات المهاجرات اللاتي يدعوننا إلى خيامهن. وغاب عبد الرزاق والرجلان عن نظرنا فحثثنا الخطى لتلحق بهم. وأخذنا نسأل عن الطريق المؤدي إلى معسكر الأرامل. 

مشينا على مقربة من مجموعة نساء، حوالي عشرين امرأة، كُنَّ في انتظار دورهن عند بئر ماء، بينما انتحت بعضهن جانباً في مجموعات صغيرة مكونة من ثلاث أو خمس سيدات، أخذن يتجاذ بن أطراف الحديث. كن جميعاً يُرحبن بنا مردِّدات: أهلاً وسهلاً بكن. 

قطعنا جزءاً من الطريق، ثم رغبت أمي أن تقف قليلاً : فوقفنا. كانت أمي أثناء الطريق ترد على تحية النساء في كلا الجانبين، وتهز رأسها بالتحية لهن، والألم يعتصرها. وغصة ألم تملأ حلقها ، فتأوهت رغماً عنها. 

انفضت النساء عن البئر، واحدة تلو الأخرى، وبدأن في الالتفاف حول أمي. لم تستطع أمي أن تتمالك نفسها فأجهشت بالبكاء، وشاركتها كل الموجودات البكاء.... نعم... كلهن شاركنها البكاء. كنا كلنا أبناء أفغانستان.... نبكي كلنا معاً. كان من بين النساء، امرأة طاعنة في السن، تجلس على الأرض، وقد احتوت بين ذراعيها طفلاً في الخامسة من عمره، تضمه إلى صدرها، وتبكي في حزن وألم دفينين وتردد:

- آه ... آه يا بلادي، آه... وألف آه. الشوق إليك لا ينتهي، والغربة والفراق أيضاً لا ينتهيان. آه يا رفيقات بلادي الحبيبات، آه لو تطاوعنا مآقينا الآن، لعل دمع عيوننا يطرد الروس من بلادنا ويبعدهم عنا ... ربما ينسينا دمع عيوننا ما نحن فيه من ألم.

 

أرملة الشهيد عماد الدين 

كانت سيدة في مقتبل العمر، تنتحي جانباً، وتحاول أن تجفف بطرف طرحتها دموع عينيها التي تسيل فوق وجنتيها. وبهذه العيون الدامعة ، وبكلمات يملؤها الشوق، تتوجه بالسؤال إلى أمي: 

- من أين أنتن يا بنات بلادي؟ 

قالت أمي: 

- من (لاغمان). 

فتقول السيدة وهي تبكي: 

-وأنا أيضاً من (لاغمان). أنا زوجة الشهيد عماد الدين. ربما تكونين قد سمعت باسمه من قبل - ثم تستطرد وهي تشير إلى ابنها ذي عشر السنوات، الذي ينظر إلينا بعينين حائرتين - وهذا ابني صلاح الدين، إنه أكبر أبنائي، تقول هذا وهي تحاول جاهدة أن تسيطر على نحيبها ، وكأنها وجدت من يستمع إلى آلامها. كانت تحكي كل ما يجول بخاطرها. 

وكانت هي والمرأة العجوز تحكيان وهما تجففان دموعهما بطرف طرحتيهما، ثم واصلت السيدة حديثها قائلة:

- يسألني - ابني هذا - كل يوم عن أبيه، ولماذا لا يأتي عندنا، فأجيبه وبقية إخوته بقولي: 

-الآن أبوكم لا يستطيع زيارتنا، لأنه في الجبهة. إنه لا يستطيع المجيء إلى هنا. وإذا افترضنا مجيئه، فمن إذن سيقاتل الروس في الجبهة !!. لكن عندما تتحرر بلادنا - إن شاء الله - سنعود نحن إلى أفغانستان، فيُعقب الأولاد على هذا بسؤالهم: 

- لكن يا أمنا آباء أصدقائنا أيضاً في الجبهة مثل أبينا ، فلماذا إذن يأتي آباؤهم دائماً لرؤيتهم؟. إنهم يأتون ثم يرجعون إلى الجبهة ثانية. 

فأجيبهم: 

-إن والدكم قائد، ومن الصعب على القادة ترك الجبهة لأن كل شيء هناك بأيديهم. 

أقول لهم هذا، فيقتنعون. 

وهكذا كنت أتحايل على تساؤلاتهم هذه، وتمضي بنا الأيام. لكن حدث ذات يوم أن دخل ابني صلاح الدين هذا خيمتنا وهو يبكي فسألته: 

-لم البكاء يا ولدي؟.

قال: لا شيء يا أمي. 

ثم انزوى في ناحية واستمر في بكائه. وبالرغم من كل أسئلتي، لم يجبني. فتوقفت عن الإلحاح عليه، وتصورت أنه تشاجر مع بعض الأولاد في الخارج، لذا تركته وشأنه. وفي المساء، أخلد إخوته إلى النوم، وأوى هو أيضاً إلى فراشه وسحب الغطاء فوق رأسه، وسمعت نحيبه تحت الغطاء ففهمت أنه ما زال يبكي، ولم أستطع أن أفهم سبب بكائه فرفعت الغطاء عن رأسه وسألته باهتمام: 

- تكلم يا صغيري... كلمني يا طفلي الرقيق، لماذا البكاء؟ أتشاجرت ؟؟. 

فألقى بالغطاء وهو يبكي، وقال: 

- صارحيني يا أمي... أحقاً مات أبي؟! 

لحظتها شعرت كأن الدنيا قد تهدمت فوق رأسي. فجلست إلى جواره حتى لا يستغرق في همومه. وبدأت أنظر إليه والحيرة تملؤني، ترى... كيف عرف بالأمر ؟... نظرت إليه فإذا هو في انتظار إجابة مني على سؤاله. وتملكته الدهشة أمام نظراتي الحائرة، ورأى الأمر وكأني أتلقى هذا الخبر لأول مرة. وسألته وأنا أستجمع شتات نفسي:

- لا ... إنه لم يمت يا ولدي... من قال لك هذه الأكذوبة الكبيرة ؟! 

فوضع رأسه فوق ركبتيه، وقال وهو مستمر في بكائه: 

- لا يا أمي.... أنت لا تعلمين شيئاً. لقد مات أبي. هذا ما عرفته من الأطفال، كنت اليوم ألعب معهم لعبة الحرب في الجبهة. وقلت إنني سأقوم بدور القائد. فرفض بعض الأطفال، وقالوا لن أقوم أنا هذه المرة بدور المجاهد الذي يستشهد في الجبهة. فقلت لهم إن والدي قائد، ولذا سأقوم أنا أيضاً بدور القائد. فقال عبد الأحد. 

- لقد استشهد والدك منذ فترة طويلة، وأنت ما زلت لا تعلم بهذا. 

فقلت لهم: 

- إنكم تكذبون. 

وأخذت أتشاجر مع عبد الأحد. فقال لي: 

-إذا كنت لا تصدق، فتعال عندنا في خيمتنا، فقد أحضر والدي مجلة فيها صور الشهداء. لقد رأيت صورة والدك فيها. وعندما أطلع والدي أمي على الصورة، بكت أمي. هيا، تعال لأريك المجلة، فذهبت معه.

قال ولدي صلاح الدين هذه العبارة، ثم سكت عن الكلام. كان يخشى أن يقول ما رأه، فسألته وأنا مترددة 

- هل رأيت الصورة؟ هل رأيت صورة والدك في المجلة؟. فرفع رأسه وقال: 

- لا تحزني يا أمي. أعلم أني فاجأتك بالخبر، نعم رأيتها. الصورة الموجودة في المجلة، هي نفس صورته الموجودة عندنا، وقد رأيتها. وعندما رأيتها وبدأت في البكاء، دخلت علينا أم عبد الأحد، واستفسرت عن الأمر، فأدركته وأخذت تضرب عبد الأحد، ثم ضمتني إلى صدرها وقالت: 

-لا تبك يا صلاح الدين، فابني يكذب. احذر أن تصدق هذا الخبيث. إنه يغار منك. فوالدك قائد، وهذه المجلة تنشر صور القادة. 

ثم استطردت السيدة صغيرة السن في حكايتها قائلة: 

-قال لي ابني، إن أم عبد الأحد لا تعرف القراءة. لكنه قرأ المكتوب في المجلة أسفل الصورة مكتوب ( الشهيد القائد عماد الدين) . قال ابني هذا ، ثم سكت.. عندئذ لم أستطع أن أخفي الأمر عنه.. فقلت له: 

- نعم، لقد استشهد والدك استشهد في السنة الماضية يا ولدي، ويجب عليك أن تفخر بهذا بدلاً من أن تحزن.

فقال:

- كيف يا أمي !! إنك لا تعلمين بالخبر !! أين قولك منذ قليل إن والدي لم يمت ؟! أحقاً لم يمت؟. 

فقلت له أواسيه حتى ينام: 

-بالطبع هو لم يمت. فالشهداء أحياء لا يموتون ألم يقل لك معلمك هذا ؟، ألم تقل لي هذا؟ وهو الآن بإذن الله في مكان مريح، ليتنا نحظى بمثله، وإذا بكيت فإنه حتماً سيحزن لبكائك، وزيادة على ذلك فإنك ترتكب ببكائك هذا ذنباً. 

فقال بانفعال: 

- أصحيح يا أمي أن أبي حي؟ لقد شرح لنا معلمنا أن الشهداء يستقرون في حوصلة الطيور ... كما أن والدي مرتاح الآن. عندما أكبر سأذهب أنا أيضاً يا أمي إلى الجهاد. وسوف أقتل الروس والبرشميين الذين قتلوا أبي، وربما أستشهد أنا أيضاً يا أمي. أيمكن أن يحدث هذا يا أمي؟. 

فغرس بقوله هذا سكاكين في قلبي. واستمر يتكلم بدون توقف حتى أشرق الصباح.

توقفت المرأة الشابة عن الكلام، وغشينا جميعاً الصمت واستغرقنا في التفكير. قالت امرأة عجوز أخرى، وهي تشير بيدها إلى الجبال التي أمامنا: 

-أبنائي الثلاثة يقاتلون في الجبهة. ووالدهم شيخ كبير يقطع الخشب في هذا الجبل الذي أمامك، ثم ينزل إلى المدينة ليبيعه. 

واستطردت وهي تنهي حديثها: 

-وماذا عسانا أن نفعل يا ابنتي !! علينا بالصبر بعد أن عقدنا العزم على أن نتحمل عبء كل ما يحدث لنا، إلى أن تنقشع الغمة، ويرحل الروس عن بلادنا.

كانت كل واحدة من النساء اللاتي في المعسكر تحكي أشياء كثيرة. فهذه امرأة عجوز أخرى - شعرها مخضب بالحناء - قالت تواسينا : 

- يقولون إنهم بصدد مساعدتنا. كلهم كاذبون. يا لحظ من يحصل على كيس من القمح مرة واحدة في السنة. إن الله العلي العظيم وحده هو المعين، فلم يساعدنا أحد حتى اليوم. هناك من يريدون قهرنا وإذلالنا. لكنهم مخطئون. لأننا أولاً قبل كل شيء نسير على النهج الذي بينه الله لنا. وما دام الله في عوننا، فلن نحيد عن هذا النهج أبداً إن شاء الله. لقد مرت الأيام الصعبة منذ زمن بعيد، فماذا بقي وراءها لا إن شاء الله ستتحرر بلادنا أفغانستان في أقرب وقت. فقط علينا أن تصمد. 

تكلمت النساء تكلمن كثيراً، تكلمن، واستمعنا نحن النروي اشتياقنا إليهن... نسينا كل شيء بينهن، وكأننا وجدنا ضالتنا المنشودة... وجدنا أفغانستان الحبيبة التي أجبرنا على مغادرتها وفراقها. 

كنا بين كلام واستماع، والحديث كله منصب على المعاناة التي عانيناها، وفجأة تذكرنا عبد الرزاق ومن معه... ترى ماذا حدث؟. 

نهَضْنا من مكاننا والحيرة تلفنا. وأخذنا نتلفت فيما حولنا، لم نلمح عبد الرزاق وصحبه من قريب أو بعيد. كانت النساء ترمقنا في دهشة ونحن نتلفت عن اليمين والشمال أخبرنا هن أننا فقدنا أثر من كانوا برفقتنا، وأننا نود الذهاب إلى معسكر الأرامل. وودعناهن رغماً عنا، ونحن نردد: 

-لعل عبد الرزاق وصحبه في انتظارنا هنا أو هناك. نستودعكن الله، ولا تنسونا من الدعاء. 

لقد استرحنا قليلاً ، فقد كنا مرهقات من شدة الحر. أخذنا نحت الخطى ونتلفت حولنا بحثاً عن عبد الرزاق ومن معه، وإذ بنا نراهم أمامنا، يجلسون في انتظارنا في ظل خيمة الإسعاف، فانفرجت أساريرنا لرؤيتهم، لكن أخي كان غاضباً لتأخرنا، فقال: 

- يبدو أنكن لم تتركن امرأة إلا واستغرقتن معها في الكلام !! تُرى، ماذا عسانا أن نفعل إذا وصلنا إلى المعسكر في الليل!!!! 

قال هذا، ثم تقدمنا مع الرجلين ونحن خلفهم، وقد أدركنا خطأنا. وبعد أن اجتزنا ربوة أو ربوتين، اقترب منا عبد الرزاق، وأشار إلى الربوة التي أمامنا قائلاً: 

-اصعدن هذه الربوة، تجدن أمامكن الخيام المخصصة للأسر الشهداء، وهذا يعني أنكن بلغتن معسكر الأرامل. وسأكون هنا في انتظاركن حذار أن تتأخرن إلى الليل، فقد ضايقتموني أثناء الطريق. وهذا كل ما أريد أن أقوله.... 

توكلنا على الله، وبدأنا صعود الربوة، كانت أعلى ربوة في منطقة معسكر ناصر باغ). ومع صعودنا كانت مشاعري تتأجج، حتى أصبحت من شدة الانفعال، كأني لا أستطيع أن أخطو خطوة أخرى. وبلغنا نهاية الربوة، وهذا يعني أنني وصلت إلى معسكر الأرامل. 

الربوة مكتظة بالخيام.... الصمت مطبق حولنا، والشمس في كبد السماء. تأملنا الخيام البيض المصفوفة... بعضها جديد، وبعضها قديم ممزق... المكان حول الخيام نظيف للغاية... والسكون تام. كاد أن يغشى علينا من شدة الحر. رفعنا النقاب عن وجوهنا بعد أن تأكدنا من عدم وجود رجال. كان المكان من حولنا ينطق بالمعاناة. 

سواتر كل الخيام - وهي بمثابة الأبواب - مُسْدَلة. أزيخ سائر الخيمة التي أمامنا وخرجت منها فتاة سمراء، في حوالي الثانية عشرة من عمرها، تحمل في يدها طبقاً للغسيل. وبمجرد أن المحتنا، تركت الطبق على الأرض، وعادت ثانية إلى الخيمة. منظر الفتاة أثار أحزاننا لكنها هي تخرج من الخيمة مرة أخرى، وفي يدها بضع قطع من غسيل متسخ ... كنا نقف أمام الخيمة، ونتابع كل تحركات الفتاة رغما عنا، والأمر الذي حيرنا، أن الفتاة ربما لم تلحظ وجودنا، أو ربما أيضاً لم تكترث بوجودنا، ألقت الفتاة بقطع الغسيل في الطبق، وبدأت تغسلها .

كتب ذات صلة