القائمة الرئيسية

الصندوق : كيف جعلت حاويات الشحن البحري العالم أصغر واقتصاده أكبر(1-2)

الصندوق : كيف جعلت حاويات الشحن البحري العالم أصغر واقتصاده أكبر(1-2)
ملخص الكتاب

يناقش هذا الجزء من الكتاب تأثير التحوّل الثوري الذي أحدثته الحاويات في عالم النقل والشحن، حيث غيّرت الطريقة التقليدية لنقل البضائع، مما أدى إلى تقليل التكاليف بشكل كبير وتسريع العمليات اللوجستية العالمية. ويستعرض الكتاب كيف ساهمت الحاويات في تسهيل التجارة الدولية من خلال تحسين كفاءة الشحن وخفض نفقات النقل والتخزين، مما شجع على إنشاء سلاسل إمداد عالمية موثوقة وقلل الاعتماد على المخزونات الكبيرة. كما يُبرز الكتاب الصعوبات التي واجهتها الحاويات في بداياتها، من مقاومة قادة النقل والعمال إلى التحديات التقنية والتنظيمية، ويؤكد على دورها الحاسم في تكامل الاقتصاد العالمي وزيادة حجم التجارة الدولية للبضائع المصنعة، موضحًا كيف أثّرت هذه التكنولوجيا بشكل غير مسبوق على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية.

العالم الذي صنعه الصندوق 

في 26 نيسان 1955، رفعت رافعة ثمانية وخمسين صندوقاً من الألمنيوم من الشاحنات إلى ظهر سفينة شحن قديمة راسية في نيوارك، بنيوجرسي بعد خمسة أيام، أبحرت سفينة أبديل - إكس إلى هيوستن حيث كانت ثماني وخمسون شاحنة تنتظر تحميل الصناديق المعدنية ونقلها إلى وجهتها كانت هذه بداية ثورة.

بعد عقود حين بدأت شاحنات المقطورات الضخمة تحكم الطرق العامة، والقطارات التي لم تعد تحمل أي شيء سوى أكداس الصناديق تدمدم في الليل، كان من الصعب أن نسبر تماماً كم غيرت الحاوية العالم، ففي العام 1956، لم تكن الصين مشغل العالم. ولم يكن المتسوقون يعثرون بشكل روتيني على أحذية برازيلية ومكانس هوائية مكسيكية في مستودعات وسط كانساس، ولم تكن العائلات اليابانية تأكل لحوم البقر من قطيع ماشية يربى في ويومينغ، ولم يكن لمصممي الثياب الفرنسيين تفصيلتهم الحصرية للملابس الخارجية، ولم تكن هذه الملابس تخاط في تركيا أو فيتنام. قبل الحاوية، كان نقل البضائع مكلفاً جداً بحيث لم يدفع لشحن أشياء كثيرة لمنتصف الطريق عبر البلاد. أو لشحنها منتصف الطريق حول العالم. 

ما هو الشيء المهم المتعلق بالحاوية؟ إنه ليس الشيء نفسه بالتأكيد. كانت صندوقاً من الألمنيوم أو الفولاذ بلا روح مثبتاً إلى بعضه بالوصلات الملحومة والبرشامات وبأرضية خشبية وبابين عملاقين في كل طرف كانت الحاوية العادية تمتلك كل رومانس علبة قصدير. لا تكمن فائدة هذا الموضوع الهادف إلى المنفعة في ما هو، وإنما في كيف يستخدم. ذلك أن الحاوية هي في قلب نظام عالي الأتمتة لنقل البضائع من أي مكان، إلى أي مكان، بحد أدنى من التكلفة والتعقيد على الطريق. 

جعلت الحاوية الشحن رخيصاً، ولكنها بفعلها لهذا غيرت شكل الاقتصاد العالمي إن جيوش العمال الذين لا يدفع لهم جيداً، والذين يعاملون بشكل سيء، والذين كانوا يكسبون رزقهم مرة من تحميل وتفريغ السفن في جميع المرافئ، لم تعد موجودة الآن، وصارت جماعاتهم المتراصة المواجهة للبحر مجرد ذكريات. أما المدن التي كانت مراكز للتجارة البحرية طيلة قرون، كنيويورك وليفربول، فقد شاهدت واجهاتها المائية تتدهور بسرعة مباغتة؛ لأنها لم تعد ملائمة لتجارة الحاوية أو ببساطة لأنه لم تكن هناك حاجة إليها. وانتقل الصناع الذين تحملوا كلفاً كبيرة، تاركين خلفهم مصانع مدينية مهجورة، من أجل أن يكونوا قرب مزوديهم وزبائنهم، منذ زمن طويل. أما شركات النقل البحري المهيبة ذات التواريخ التي تبلغ قرناً فقد سحقتها التكلفة الضخمة للتكيف مع النقل بالحاويات. أما البحارة التجار الذين كانوا يبحرون كي يشاهدوا العالم، فقد تم استبدال مغادرتهم التقليدية للساحل التي تستمر أياماً في مرافئ غرائبية ببضع ساعات على الشاطئ في مكان بعيد الصف الحاويات، وكانت سفينتهم تستعد كي ترفع المرساة للإبحار في اللحظة التي تنهي فيها الرافعات ذات السرعة العالية وضع الصناديق المعدنية الضخمة على ظهر السفينة وإنزالها عنه. 

وكما ساعدت الحاوية على تدمير الاقتصاد القديم، فإنها ساعدت على بناء اقتصاد جديد. واحتلت مرافئ كسولة مثل بوسان وسياتل المراتب الأولى بين مرافئ العالم. وبنيت مرافئ جديدة ضخمة في أمكنة مثل فليكسستو في بريطانية، وتانجونغ بليباس في ماليزية، حيث لم يكن أي منها من قبل. واستطاعت البلدات الصغيرة، البعيدة عن المراكز السكانية الكبيرة، أن تستفيد من أرضها الرخيصة وأجورها المنخفضة كي تغري المعامل المتحررة من الحاجة إلى أن تكون قرب مرفأ كي تتمتع بنقل رخيص، وأفسحت المجمعات الصناعية الزاحفة، حيث جيوش من آلاف المنتجات المصنعة من البداية إلى النهاية، المجال المعامل أصغر أكثر تخصصاً كانت تشحن مكونات وبضائع نصف منتهية إلى بعضها البعض في سلسلة إمداد يزداد طولها. أما البلدان الفقيرة، المتلهفة لتسلق درجات سلم التطور الاقتصادي، فقد استطاعت أن تحلم بشكل واقعي بأن تصبح مزودة للبلدان الغنية البعيدة جداً، وتمت مجمعات صناعية ضخمة كالفطر في أمكنة مثل لوس أنجلوس وهونغ كونغ، فقط لأن تكلفة إحضار مواد خام وإرسال البضائع المنتهية انخفضت كحجر يتهاوى . 

سمحت هذه الجغرافيا الاقتصادية الجديدة للشركات التي كان طموحها محلياً صرفاً بأن تصبح شركات عالمية تصدر منتجاتها دون جهد تقريباً كما تبيعها في الجوار، وبعد أن فعلت هذا اكتشفت حالاً أن الشحن الرخيص أفاد الصناع في تايلاند أو إيطالية كثيراً. أما أولئك الذين لم يكن لديهم الرغبة كي يصبحوا عالميين، الذين نشدوا خدمة زبائنهم المحليين فحسب، فقد عرفوا أنه ليس لديهم خيار سواء أحبوا ذلك أم لا. كانوا يتنافسون عالمياً لأن السوق العالمية كانت تأتي إليهم. ولم تعد كلف الشحن تقدم المأوى للمنتجين ذوي التكاليف العالية التي كانت فائدتهم العظيمة هي القرب المادي من زبائنهم وعلى الرغم من الرسوم الجمركية والتأخيرات الزمنية، فإن المعامل في ماليزية تستطيع أن ترسل البنطلونات إلى محال ميسي في حي هيرالد بشكل أرخص من أي صانعين للبنطلونات في مستودعات مقاطعة الألبسة القريبة في نيويورك. وحولت الشركات الصناعية متعددة القوميات - الشركات التي تمتلك معامل في بلدان مختلفة أنفسها إلى شركات صناعية عالمية، دامجة المعامل التي كانت منعزلة في شبكات بحيث تستطيع اختيار المكان الأرخص الذي تصنع فيه مادة محددة، وكانت تنقل الإنتاج من مكان إلى آخر كما تملي الكلف أو نسب التبادل، وفي عام 1956، كان العالم مليئاً بالصناع الصغار الذين يبيعون محلياً وفي نهاية القرن العشرين، كانت الأسواق المحلية الصرفة البضائع من أي نوع قليلة ومتباعدة. 

كان هذا نعمة مختلطة بالنسبة للعمال، طبعاً، فهم كمستهلكين صاروا يتمتعون بشكل لانهائي بخيارات أكثر بفضل التجارة العالمية التي شجعت عليها الحاوية. - ولكن إحدى الدراسات الحريصة ذكرت أن الولايات المتحدة استوردت من البضائع المتنوعة في 2002 أكثر مما اشترت بأربع مرات في 1972، مقدمة فائدة للمستهلك - غير مذكورة في الإحصائيات الرسمية - تعادل تقريباً 3% من الاقتصاد كله، وأدى التنافس الذي جاء مع التجارة المتزايدة في المنتجات الجديدة إلى سرعة لافتة وخفض الأسعار بحيث إن الأسر العادية يمكن أن تشارك وأدى توفر بضائع المستهلك المستوردة والرخيصة إلى ازدهار مستوى المعيشة في أنحاء العالم. 

إلا أن العمال، ككاسبين للأجر، من ناحية أخرى، فقد كانوا يمتلكون جميع الأسباب كي يكونوا معارضين. ففي العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، أدى دمار زمن الحرب إلى طلب واسع بينما أبقت المستويات المتدنية من التجارة الدولية القوى المتنافسة تحت السيطرة. وفي هذه البيئة الاستثنائية، كان العمال ونقابات العمال في أمريكة الشمالية، وأوربة الغربية واليابان قادرين على أن يفاوضوا من أجل تحسين مستمر في الأجور والفوائد، بينما قدمت برامج الحكومة شبكات أمان متزايدة أكثر قوة، قصر أسبوع العمل، وصار تعويض العجز أكثر كرماً، وصار التقاعد في سن الستين أو الاثنين والستين هو العرف. وساعدت الحاوية على إنهاء ذلك التقدم غير المسبوق، فقد جعلت كلف الشحن المتدنية رأس المال أكثر حركية، وزادت من قوة مساومة أرباب العمل ضد ذلك العامل الأكثر قابلية للانتقال بكثير. وفي هذا العالم من الاقتصاد المتكامل بشكل كبير، صار أجر العمال في شينزن يضع حدوداً للأجور في ساوث كارولاينا ، وحين أمرت الحكومة الفرنسية بأسبوع عمل أقصر دون خفض في الأجر، اكتشفت أن الشحن الذي دون احتكاك تقريباً وبدون تكلفة تقريباً سهل على الشركات الصناعية تجنب التكلفة العالية عبر الانتقال إلى الخارج . 

إن مرفأ الحاويات الحديث هو معمل بوزن يوتر حدود الخيال، ففي كل مرسى للسفن - إن أكبر المرافئ في العالم تمتلك دزينات - ترسو سفينة عملاقة تمخر المحيط طولها 1100 قدم وارتفاعها 140 قدماً ، لا تحمل سوى الحاويات المعدنية، ويغص رصيف المرفأ بصفوفها المتلاحقة الحمراء والزرقاء والخضراء والقضية، وتتكدس من 15 إلى 20 حاوية جنباً إلى جنب أو يوضع 6 أو 7 منها فوق بعضها. وتحت الرصيف هناك المزيد من الحاويات، وتوضع كل 6 أو 8 منها فوق بعضها عميقاً في العنابر. أما الجانب الذي يشمل مساكن الطاقم، ويتوضع في قمته جسر الملاحة، فهو نحو الكوثل، لا يكاد يرى من فوق أكداس الصناديق، وكانت رواتب الطاقم قليلة، وكذلك كان عدد الطاقم قليلاً. إن سفينة تنقل 3000 حاوية ارتفاع كل منها 40 قدماً، تحمل مائة ألف طن من الأحذية والألبسة والإلكترونيات، يمكن أن تعبر في ثلاثة أسابيع من هونغ كونغ حول رأس الرجاء الصالح إلى ألمانية فقط بعشرين شخصاً على متنها. 

وعلى رصيف التحميل، يعمل صف من الرافعات الضخمة حالما ترسو السفينة. إن الرافعات بنى فولاذية ضخمة ترتفع 200 قدم في الجو وتزن أكثر من مليوني رطل، وتمتد سيقانها بشكل منفصل 50 قدماً، متسع بما يكفي لعدة طرق للشاحنات أو حتى لسكك القطارات كي تمر تحتها، تستقر الرافعات على سكك تجري بشكل مواز لجانب السفينة. وهكذا تستطيع أن تتحرك إلى الأمام بقدر ما هو مطلوب. وتمد كل رافعة ذراعاً على ارتفاع 115 قدماً فوق رصيف التحميل طويلاً بما يكفي كي يشمل سفينة أعرض من قناة بنما. 

وعالياً في كل رافعة، ثمة عامل يتحكم بعربة قادرة على التحرك على طول الذراع، ومن كل عربة تتدلى فارجة، إطار من الفولاذ مصمم كي يمسك الزوايا الأربع العليا لصندوق وزنه أربعون طناً. وحين يبدأ تفريغ الحمولة، يحرك كل عامل عربته إلى موقع دقيق فوق السفينة، يخفض الفارجة كي تمسك الحاوية ترفع الحاوية نحو العربة، وتدفع الحاوية والعربة بسرعة نحو الرصيف. تقف العربة فوق ناقل مؤطر بالمطاط ينتظر بين ساقي الرافعة، تخفض الحاوية إلى الناقل، وتفلت الفارجة قبضتها. ثم ينقل الناقل الحاوية إلى ساحة الخزن المجاورة، بينما تعود العربة إلى فوق السفينة كي تحضر صندوقاً آخر. وتتكرر العملية كل دقيقتين، أو حتى كل تسعين ثانية، وتنقل كل رافعة من 30 إلى 40 صندوقاً في الساعة من السفينة إلى الرصيف، وحين يتم تفريغ أجزاء من السفينة من الحاويات الوافدة، يبدأ التحميل، ويصبح نشاط جانب المرفأ مسعوراً أكثر. وفي كل مرة تضع الرافعة حاوية قادمة في شاحنة، تمسك حاوية مسافرة من أخرى، وبنحو متزامن تفرغ السفينة وتملأها.

وفي الساحة، والتي هي قطعة أرض بطول ميل معبدة بالإسفلت، تدفع الحاوية القادمة تحت رافعة تكديس وتمتلك هذه الرافعة عجلات مؤطرة بالمطاط منفصلة عن بعضها مسافة 50 قدماً، وهذا اتساع يكفي المرور شاحنة وأربع أكداس متجاورة من الحاويات تتصل العجلات بينية معدنية ترتفع 70 قدماً في الجو، بحيث إن الآلة كلها تستطيع أن تتحرك جيئة وذهاباً فوق صفوف الحاويات المكدسة كل ستة فوق بعضها، تمسك الرافعة بالحاوية ترفعها من الناقل، وتحركها عبر أكداس الحاويات الأخرى إلى مكان خزنها. بعد بضع ساعات، يتم عكس العملية، حين ترفع رافعة التكديس الحاوية إلى هيكل فولاذي تجره شاحنة على الطريق. يمكن أن تنقل الشاحنة الحمولة مئات الأميال إلى وجهتها أو يمكن أن تنقلها إلى فناء سكة حديدية، حيث تنتظر العربات المنخفضة المصممة خصيصاً للحاويات التحميل. 

ليس هناك دليل على وجود الفوضى الملونة الرصيف المرفأ في الأزمنة القديمة في أي مكان في محطة رئيسة للحاويات، أما عمال المرفأ ذوو العضلات المفتولة الذين يحملون أكياس البن على أكتافهم فلا يشاهدون في أي مكان. ولا مكان هنا لتيري مالوي، البطل المفتول العضلات الذي مثل دوره مارلون براندو في فيلم على الواجهة المائية، أو لن يكون مرحباً به. ويصمم الكمبيوتر جميع الحركات المعقدة المطلوبة لخدمة سفينة قبل وقت طويل من وصولها. فالكمبيوترات ومخططو السفينة الذين يستخدمونها، يحددون الترتيب الذي يتم تنزيل الحاويات بموجبه، من أجل تسريع العملية دون الإخلال بتوازن السفينة، وتبرمج أفعال رافعات الحاوية والأجهزة التي في الساحة كلها مسبقاً، وأمام السائق شاشة تخبره أي حاوية يجب تعالج في التالي وإلى أين يجب أن تنتقل إلا إذا تخلصت المحطة من عمال المرفاً واستخدمت ناقلات دون سائقين خاضعة للتحكم المركزي لالتقاط الحاويات في المرفاً وخزنها. تحدد الكمبيوترات أن الشاحنة التي تحمل الحاوية إي بي إل كيو 998435 يجب أن تستدعى إلى المحطة في الحادية عشرة إلا ربعاً صباحاً، وتلك الحاوية المغادرة جي كي إف سي 119395، وهي صندوق بطول أربعين قدماً متجه إلى نيوارك، يحمل 56,800 رطل من الآلات ومتوضع حالياً في موضع في الفناء إي -52 وجي - 6 ستكون الثالثة التي ستحمل من القاع في الموضع الرابع في الصف الثاني من العنبر الأمامي، ويتأكدون من أن الحاويات المبردة موضوعة في أحواز بمقرنات (دارات كهربائية) ، وأن الحاويات التي تحتوي على مواد خطيرة معزولة عن الحاويات التي يمكن أن تزيد من خطر الانفجار وتجري العملية كلها كالية الساعة، دون سماح بارتكاب خطأ أو أخطاء في السلوك البشري، وفي غضون 24 ساعة، تفرغ السفينة آلاف الحاويات وتحمل الآلاف ثم تبحر. 

يومياً، في جميع المرافئ الرئيسة، تصل آلاف الحاويات وتغادر على متن الشاحنات أو القطارات تتدفق الشاحنات المحملة عبر البوابات، حيث نقرأ الفاحصات العدد الفريد. على كل حاوية وتقارنه الكمبيوترات مع بيانات السفن قبل أن يقال لسائق الشاحنة أين يجب أن ينزل حمولته، وتصل وحدات الجرارات كي تربط الهيكل وترفع الحاويات التي أنزلت لتوها عن السفينة وتدخل القطارات التي لا تحمل أي شيء سوى الحاويات المحزومة بشكل مزدوج إلى محطة التبادل قرب الرصيف حيث الرافعات العملاقة تفرشخ فوق القطار كله شاقة طريقها وهي تنزل حاوية بعد أخرى، أما قطارات الحاويات المغادرة، المتجهة إلى فناء سكك حديدية على بعد ألفي ميل ولا تتوقف إلا وقفات قصيرة في الطريق، فتجمع في المسارات نفسها وتفرغ حمولتها الرافعات نفسها . 

إن نتيجة كل هذا النشاط المحموم هي نظام متواصل دون استراحة لشحن الحمولة في أنحاء العالم. ذلك أن حاوية تحمل 25 طناً . من ركوات القهوة يمكن أن تغادر معملاً في ماليزية، وتحمل على ظهر سفينة، وتقطع تسع آلاف ميل إلى لوس أنجلوس في 16 يوماً. وبعد يوم، تكون الحاوية على قطار وحدة متجة إلى شيكاغو، حيث تنقل على الفور إلى شاحنة متجهة إلى سنسناتي إن رحلة الأحد عشر ألف ميل من بوابة المصنع إلى مستودع في أوهايو يمكن أن تستغرق اثنين وعشرين يوماً تقريباً، ما يعادل 500 ميل في اليوم، بكلفة أقل من بطاقة سفر بالطائرة من الدرجة الأولى، ومن المرجح أكثر، أن لا يلمس أحد المحتويات، أو يفتح الحاوية على طول الطريق.

إن آلة النقل هذه الفعالة جداً ، نعمة للمصدرين والمستوردين، ولكنها لعنة على مفتشي الجمارك ومسؤولي الأمن يرافق كل حاوية بيان يسجل محتوياتها، ولكن لا خطوط السفن ولا المرافئ تستطيع أن تكفل أن ما في القائمة يتطابق مع ما في الحاوية. وليس هناك أي طريقة سهلة للفحص إن فتح الأبواب في نهاية الصندوق لا يكشف إلا حائطاً من الصناديق الكرتونية. وبوجود سفينة واحدة قادرة على إفراغ ثلاثة آلاف حاوية بطول 40 قدماً في غضون ساعات وبوجود مرفاً على غرار لونغ بيتش أو طوكيو يعالجان على الأرجح عشرة آلاف حاوية محملة في يوم العمل العادي، وبوجود كل حاوية تحمل صفاً بعد آخر من الصناديق المكدسة من الأرضية إلى السقف، لا تمتلك الفاحصات الأكثر دقة أبعد احتمال لتفتيشها كلها. يمكن أن تكون الحاويات فعالة لتهريب المواد التجارية غير المعلنة، والمخدرات والمهاجرين غير الشرعيين والقنابل الإرهابية كما هي فعالة لشحن الحمولة القانونية. 

لم يكن الانتقال من سفينة أيديل - إكس إلى نظام ينقل عشرات الملايين من الصناديق كل عام رحلة سهلة وشعر كل من مؤيدي الحاوية ومعارضيها من البداية بأنها ابتكار يمكن أن يغير الطريقة التي يعمل بها العالم. إن رحلة الحاوية الأولى في العام 1956، الفكرة التي تحولت إلى واقع من قبل الدفع الذي لا يتوقف المقاول لم يكن يعرف أي شيء عن السفن، أطلقت معركة استمرت أكثر من عقد في أنحاء العالم، فقد حاول الكثير من عمالقة صناعة النقل أن يخنقوا الحاوية. وبذل قادة العمل الأقوياء قصارى جهدهم كي يعرقلوا صعودها ، محرضين على الإضرابات في دزينات من المرافئ. وأنفقت بعض المرافئ كثيراً على تعزيز الحاوية، بينما أنفقت أخرى مبالغ هائلة على الأرصفة والمستودعات التقليدية في أمل لا طائل منه كي تبرهن أن الحاوية موضة عابرة. ردت الحكومات بتشوش، محاولة أن تعرف كيف تقبض على فوائد الحاوية دون أن تزعج الأرباح، والوظائف والترتيبات الاجتماعية التي كانت مرتبطة بالوضع القائم. وحتى الأشياء البسيطة ظاهرياً، كمثل تصميم اللوازم الفولاذية التي تسمح تقريباً لأية رافعة في أي مرفاً بأن ترفع تقريباً أي حاوية، لم تستقر إلا بعد عام من الكفاح. وفي النهاية اقتضى الأمر حرباً رئيسة، حملة الولايات المتحدة المؤلمة في فيتنام، للبرهنة على جدارة هذه المقاربة الثورية لنقل الشحن.

من المستحيل أن تحدد كم الحاوية مهمة العالم الاقتصاد، ففي العالم النظري، نود أن تعرف كم كان يكلف إرسال ألف قميص رجالي من بانكوك إلى جنيف في 1955. وأن نرصد كيف تغيرت الكلفة حين وضعت التحوية قيد الاستخدام. لا توجد معطيات كهذه، ولكن يبدو من الجلي أن الحاوية أحدثت خفضاً كبيراً في كلفة نقل البضائع، فمن سفينة صغيرة محملة ببضع دزينات من الحاويات التي لا تحمل على أي سفينة أخرى. صار النقل بالحاويات صناعة عالية الأتمتة والتقييس على ميزان عالمي: إذ يمكن لسفينة حاويات ضخمة أن تحمل بجزء صغير من العمل والوقت اللذين كانا مطلوبين لتحميل سفينة تقليدية منذ نصف قرن. ويستطيع بعض أعضاء الطاقم أن يديروا سفينة مبحرة في المحيط أطول من ثلاثة ملاعب لكرة القدم. ويستطيع سائق الشاحنة أن يودع قاطرة على رصيف تفريغ الزبون، ويعلق قاطرة أخرى، ويقود على الفور بدلا من أن يراقب عربته المكلفة تقف عاطلة عن العمل بانتظار تفريغ الحمولة إن جميع هذه التغييرات هي نتائج ثورة الحاوية. ولقد صار النقل فعالاً بحيث لا تؤثر نفقات الشحن بالقرارات الاقتصادية كثيراً وذلك لأهداف كثيرة، وكما يقول عالما الاقتصاد إدوارد إل جلايسر وجانيت إي كوهلهاس: من الأفضل أن نفترض أن نقل البضائع هو جوهرياً دون كلفة بدلاً من أن نفترض أن نقل البضائع عنصر مهم من عملية الإنتاج.. فقبل أن تستخدم الحاوية على نطاق عالمي، لم يكن تخيل مقولة كهذه ممكناً.

وفي العام 1961، قبل أن تدخل الحاوية في الاستخدام العالمي، وصلت كلف الشحن البحري وحدها إلى 12% من قيمة الصادرات الأمريكية و 10% من قيمة الواردات. إن هذه الكلف أكثر أهمية في حالات كثيرة من حواجز التجارة الحكومية.. كما قال موظفو اللجنة الاقتصادية المشتركة للكونغرس، منوهين أن تعرفة الاستيراد الأمريكية العادية كانت 7%. ولم يشكل الشحن البحري، الذي كان عزيزاً كما كان، إلا جزءاً من الكلفة الكلية لنقل البضائع من بلاد إلى أخرى، كانت شركة صناعة أدوية تدفع ألفين وأربعمائة دولار تقريباً كي تشحن حمولة شاحنة من الأدوية من الغرب الأوسط الأمريكي إلى المدينة الداخلية في أوربة في 1960. يمكن أن يشمل هذا مدفوعات الدزينة من البائعين المختلفين سائق شاحنة محلي في شيكاغو سكة الحديد التي حملت قاطرة الشاحنة على شاحنة مسطحة إلى نيويورك أو بالتيمور، سائق شاحنة محلي في مدينة المرفأ، مستودع في المرفأ شركة بواخر مستودع وشركة شاحنات في أوربة، مؤمن خدمة جمارك أوروبية، ومرسل الشحن الذي يجمع كل قطع هذه الرحلة المعقدة. إن نصف النفقات الكلية يذهب ككلف مرقاً . 

كانت هذه العملية مكلفة جداً بحيث إن البيع عالمياً لم يكن مربحاً في حالات كثيرة، و بالنسبة لبعض السلع، يمكن أن يستهلك الشحن 25% من كلفة المنتج. كما قال مهندسان بعد دراسة دقيقة للمعطيات في 1959 كان شحن كل طن من الأنابيب الفولاذية من نيويورك إلى البرازيل يكلف 57 دولاراً في 1962 ، أو 13% من معدل كلفة الأنبوب المصدر - وهذا رقم لم يتضمن كلفة إحضار الأنبوب من معمل الفولاذ إلى المرفأ، وكان شحن البرادات من لندن إلى كيبتاون يكلف ما يعادل 68 سنتاً أمريكياً لكل قدم مكعب، بالإضافة إلى 20 دولاراً لسعر الجملة لوحدة متوسطة الحجم، ولا عجب أن التجارة الدولية الأمريكية بالنسبة لحجم الاقتصاد ، كانت في العام 1960 أصغر مما كانت في العام 1950، أو حتى في عام الركود 1930. لقد صارت كلفة القيام بالتجارة عالية جداً بحيث إنه لم يكن هناك فائدة للتجارة في كثير من الحالات.

كانت التكلفة الأكبر حتى الآن في العملية هي نقل البضاعة من البر إلى السفينة في ميناء المغادرة ثم إعادة نقلها في الشاحنة أو القطار في الطرف الآخر من رحلة المحيط. وكما شرح أحد الخبراء: إن رحلة أربعة آلاف ميل للشحنة يمكن أن تستهلك 50% من كلفة تغطية عمليتي النقل اللتين تقطعان عشرة أميال عبر المرفأين فحسب. كانت هذه هي الكلف التي أثرت بها الحاوية في البداية، حين أدت إزالة معالجة الشحن قطعة قطعة إلى خفض تكاليف التفريغ والتحميل في المرفأ، وتكاليف الضمان واستئجار الرصيف. وما شابه ذلك، وتم تبني الحاويات بسرعة من أجل النقل البري، وخفض اختصار وقت التحميل والنقل إلى السفينة وكلفتهما من كلفة البضائع التي تنقل براً بشكل كامل، وحين بنت خطوط النقل البحري سفناً ضخمة مصممة بشكل خاص لنقل الحاويات، تهاوت نسب كلف الشحن البحري، وحين صار النقل بالحاويات تبادلياً، بحيث لا يتوقف نقل الحاويات عبر السفن والشاحنات والقطارات صار بالإمكان نقل البضائع في دفق لا ينتهي أبداً من المعامل الآسيوية مباشرة إلى حجرات العرض في مخازن البيع بالتجزئة في أمريكة الشمالية أو أوربة، وصارت الكلفة الإجمالية لنقل البضائع أكثر بقليل من حاشية في تحليل الشركة للكلفة. 

إلا أن فعاليات النقل، لم تكن بالكاد قد بدأت تعبر عن التأثير الاقتصادي للتحوية، لم تخفض الحاوية فواتير الشحن فحسب، وإنما ادخرت الوقت فالمعالجة السريعة والوقت الأقل في التخزين ترجما إلى ترانزيت أكثر سرعة من المصنع إلى المستهلك، مما خفض كلفة تمويل المخزونات التي تجلس دون إنتاج على جوانب سكك الحديد أو في مستودعات على جانب المرفأ تنتظر سفينة. إن الحاوية، والكمبيوتر مكنا شركات مثل تويوتا وهوندا من تطوير صناعة في الوقت المناسب تماماً ، يقوم فيها المزود بصناعة البضائع التي يريدها زبونه فقط وكما يريدها ثم يشحنها، في حاويات كي تصل في الوقت المحدد. إن دقة كهذه، والتي لم تكن قابلة للتصور قبل الحاوية، قادت إلى خفضاً كبيراً في مخزونات الصناع وبالتالي أدت إلى توفير كبير في الكلفة. ولقد طبق بائعو التجزئة تلك الدروس نفسها، مستخدمين إدارة سوقيات حريصة لإنقاذ بلايين الدولارات من الكلف.

إن هذا التوفير في تكاليف الشحن، وفي تكاليف المخزونات، وفي وقت التسويق شجع على سلاسل إمداد طويلة، مما سمح للمشترين في أحد البلدان بأن يشتروا من بائعين في نصف الطريق حول الكوكب بخوف قليل من أن الحشيات لن تصل حين تكون هناك حاجة إليها أو أن الدمى لن تكون على رفوف المستودع قبل عيد الميلاد. وكلما صارت سلاسل الإمداد هذه أكثر موثوقية، صار بائعو التجزئة، وبائعو الجملة، والصناع راغبين بالبحث عن كلف إنتاج أقل، وصار من المرجح أكثر أن يشعر العمال بلسعة الاضطراب بما أن أرباب عملهم يعثرون على مصادر إمداد بعيدة. 

قال بعض الباحثين إن خفض كلف النقل هي في شكلها الأفضل تحسينات هامشية لها تأثيرات تافهة على تدفق التجارة، يدحض هذا الكتاب هذه الفكرة، ففي العقد الذي تلا دخول الحاوية في الاستخدام العالمي، في العام 1966، نما حجم التجارة العالمية في البضائع المصنعة أكثر بمرتين من سرعة نمو حجم الإنتاج الصناعي العالمي، وأكثر بمرتين ونصف من المردود الاقتصادي العالمي. كان هناك شيء ما يسرع نمو التجارة بالرغم من أن التوسع الاقتصادي الذي يحفز التجارة عادة كان ضعيفاً، كان هناك شيء يقود إلى ازدياد كبير في التجارة الدولية في البضائع المصنعة رغم أن صدمات النفط كانت تجعل الاقتصاد العالمي راكداً. وبما أن عزو التغيرات الكبيرة في الاقتصاد العالمي إلى علة واحدة كان طائشاً، يجب ألا نطرد حالاً احتمال أن الانخفاض الحاد في كلف الشحن لعب دوراً رئيساً في زيادة تكامل الاقتصاد العالمي. 

يكمن موضوع هذا الكتاب في النقاء جداول متعددة رئيسة من البحث، يغوص أحدها في تأثير التغيرات في تكنولوجيا النقل، وهو موضوع مبجل لكل من المؤرخين وعلماء الاقتصاد. إن الباخرة التي اخترعت في ثمانينيات القرن الثامن عشر، والتي وضعت قيد الاستخدام المنتظم في 1807، قوت من شهرة نيويورك كمرفاً، وكان لقناة إريك. المشروع الذي يحجم لا سابق له تأثير أكبر، وشجع الخفض الجدري في نسب الشحن البحري في القرن التاسع عشر، نتيجة التغير التكنولوجي وتقنيات الملاحة المحسنة، على الزيادة الضخمة في التجارة العالمية وأضاف إلى تلهف أوربة للعثور على المستعمرات.

لقد نوقشت الصلة بين تطور السكك الحديدية والنمو الاقتصادي الأمريكي بقوة، ولكن هناك القليل من الجدل بأن أجور شحن السكك الحديدية المنخفضة زادت من الإنتاج الزراعي، ووصلت الشمال مع بعضه بعضاً قبل الحرب الأهلية، وأخيراً جعلت شيكاغو محور إقليم يمتد ألف ميل إلى الغرب. إن إبداع النقل في ثمانينيات القرن التاسع عشر، والذي هو العربة القضبائية المبردة، وفر اللحوم لأسر متوسطة عبر السماح لشركات اللحوم بأن تنقل الذبائح بدلاً من الحيوانات الحية عبر البلاد. لقد صاغت الشاحنة وسيارة المسافرين التطور المديني الذي بدأ في العشرينيات، ومؤخراً قام الطيران التجاري بإعادة رسم الخريطة الاقتصادية عبر إحضار الجماعات المعزولة سابقاً إلى بعد بضع ساعات من المدن الرئيسة سيجادل هذا الكتاب بأن الشحن بالحاوية كان له تأثير ضخم مشابه في تحفيز التجارة والتطور الاقتصادي، وأن تدخل الحكومة، كما في شركات النقل البحري، وخطوط السكك الحديدية، والطائرات، شجع على نموه وأعاقه . 

تجلت أهمية الإبداع في هيئة أبحاث ثانية كانت تنمو بسرعة. ذلك أن رأس المال. والعمالة، والأرض، والتي تعد عوامل الإنتاج الأساسية، فقدت الكثير من سحرها بالنسبة لأولئك الذين يبحثون كي يفهموا لماذا تنمو الاقتصادات وتزدهر، فالسؤال الأساسي الذي يطرح اليوم لم يعد كم يستطيع اقتصاد ما أن يوظف من رأس المال والعمالة، وإنما كم يساعد الإبداع على توظيف تلك المصادر بشكل أكثر فعالية لإنتاج المزيد من الخدمات والبضائع. يوضح خط البحث هذا أن التكنولوجيا الجديدة، في ذاتها ، لها فائدة اقتصادية قليلة، وكما قال عالم الاقتصاد ناثان روزنبرغ إن الابتكارات في مراحلها الأولى هي عادة سيئة التكيف بشكل مفرط مع المدى الكامل من الاستخدامات الأكثر تخصصاً التي وضعت من أجلها في النهاية إن مقاومة الطرق الجديدة يمكن أن تعيق تبنيها. فالمستخدمون المحتملون يمكن أن يتجنبوا الالتزامات إلى أن يصبح المستقبل مؤكداً أكثر وكما يمكن أن يشهد الشراء الأوائل الفيديو بيتا ماكس، كان من الخطير المراهنة على التكنولوجيا التي يتبين أنها غير مصقولة، حتى بعد أن يبرهن على تكنولوجيا جديدة، فإن انتشارها يجب أن ينتظر في الغالب إلى أن يتم تعويض الاستثمارات السابقة وبالرغم من أن توماس إديسون اخترع المصباح الكهربائي الساطع في 1879، فإن 3% من المنازل الأمريكية فحسب حصل على الإنارة الكهربائية بعد ثلاثين سنة. لا تنشأ الفوائد الاقتصادية من الاختراع نفسه، وإنما من المقاولين الذين يكتشفون في النهاية طرقاً لوضع الاختراعات في الاستخدام العملي، وتنشأ الفوائد الاقتصادية، على نحو أكثر أهمية. كما أشار عالما الاقتصاد إريك براينجولفسون ولورين إم. هيت من التغيرات التنظيمية التي عبرها تعيد الأعمال صياغة نفسها كي تستفيد من التكنولوجيا الجديدة. 

يجادل هذا الكتاب أنه، كما انقضت عقود بين ترويض الكهرباء في سبعينيات القرن التاسع عشر والاستخدام الواسع للطاقة الكهربائية، هكذا أيضاً استغرق تبني التحوية وقتاً. فالمدخرات الكبيرة من التكلفة في معالجة الشحن على رصيف المرفأ لم تترجم على الفور إلى مدخرات كبيرة في الكلفة الكلية للنقل. فقد كانت شركات النقل بعامة سيئة التجهيز بحيث لم تتمكن من استغلال فوائد الحاوية، وصمم زبائنها عملياتهم حول فرضيات مختلفة حيال الكلف. ومع مرور الوقت فحسب، حين تطور الشحن بالحاوية إلى نظام جديد كامل لنقل البضائع براً وبحراً، بدأ تأثيره بنماذج التجارة ومكان الصناعة. ولم يتغير العالم إلى أن تعلمت الشركات أن تحصل على الفائدة من الفرص التي قدمتها الحاوية، وحالما بدأ العالم بالتغير، تغير بسرعة كبيرة وكلما زاد عدد الشركات التي تبنت الحاوية، نقصت الكلفة، وصار النقل بالحاوية أقل كلفة وأكثر شمولاً. 

إن الجدول الفكري الثالث الذي يغذي هذا الكتاب هو الصلة بين كلف النقل والجغرافيا الاقتصادية. يمكن أن تبدو هذه الصلة بديهية، ولكنها ليست كذلك، حين بين ديفد ريكاردو في العام 1817 أن كلا من البرتغال وإنكلترة يمكن أن تكسبا عبر التخصص في صناعة المنتجات اللتين حصلنا منها على فائدة نسبية، افترض أن ما كان يهم هو كلف الإنتاج فحسب؛ إلا أن كلف شحن النبيذ البرتغالي إلى إنكلترا، والقماش الإنكليزي إلى البرتغال لم تدخل في تحليله، ودمج افتراض ريكاردو بأن كلف النقل كانت صفراً في نماذج علماء الاقتصاد منذ ذلك الوقت، رغم الدليل الحقيقي المتوافر بأن كلف النقل تهم كثيراً .

كرس علماء الاقتصاد جهداً حقيقياً لدراسة المعاني الضمنية الجغرافية لكلف النقل منذ بداية التسعينات، ويظهر جدول العمل الجديد هذا رسمياً ما يقترحه الحس العام. حين تكون كلف النقل مرتفعة، يكون الهاجس الرئيس للشركات الصناعية هو التمركز قرب زبائن قريبين، حتى ولو تطلب هذا مصانع صغيرة غير مرغوبة أو كلف تشغيل عالية. ولأن كلف النقل تتراجع بشكل يتناسب مع كلف أخرى تستطيع الشركات الصناعية أن تعيد تمركزها محلياً في البداية ثم عالمياً، كي تخفض كلفاً أخرى، التي تبدو كأنها أكبر. إن العولمة، انتشار النشاط الاقتصادي دونما اعتبار للحدود القومية، هي نقطة النهاية المنطقية لهذه العملية، وحين تنخفض كلف النقل إلى مستويات متدنية جداً، ينتقل المنتجون من بلدان الأجر المرتفع إلى بلدان الأجر المنخفض، مسببين في النهاية النقاء مستويات الأجور في جميع البلدان. يمكن أن تحصل هذه الانتقالات الجغرافية بسرعة وفجأة، تاركة البنية التحتية الصناعية القديمة دون استخدام أو مهجورة فيما يتواصل النشاط الاقتصادي. 

هل سبب الانحدار في كلف الشحن تبدلات اقتصادية مهمة كهذه؟ يشك بعض الباحثين بأن كلف الشحن البحري انحدرت كثيراً منذ منتصف القرن العشرين آخرون، يشيرون إلى الحقيقة غير القابلة للإنكار وهي أن البلدان تتاجر مع الجيران أكثر مما تتاجر مع الأراضي البعيدة، يرون بأن كلف النقل لا تزال مهمة كثيراً. يتبنى الكتاب قصدياً مقاربة غير كمية في معالجة هذه المسائل فالمعطيات حول كلف الشحن من منتصف الخمسينيات إلى السبعينيات ناقصة بحدة بحيث لا تقدم أبداً دليلاً قاطعاً، ولكن الحقيقة غير القابلة للجدل بأن عالم النقل البحري اندفع إلى تبني التحوية دليل قوي جداً على أن تكنولوجيا الشحن هذه خفضت الكلف بشكل مهم. لا يوظف هذا الكتاب النماذج الاقتصادية للبرهنة على تأثير الحاوية. وإذا ما افترضنا التغيرات الكبيرة في الاقتصاد العالمي في مدة شهدت تقوض نظام سعر الصرف، وأزمات النفط المتكررة ونهاية الاستعمار وابتكار السفر الجوي، وانتشار الكمبيوترات، وشق مئات الآلاف من أميال الطرق السريعة، وتطورات أخرى كثيرة، فإنه لن يكون هناك نموذج حاسم في تمييز تأثير التحوية عن تأثير قوى أخرى كثيرة. مع ذلك، إن التبدلات الدراماتيكية في نماذج التجارة وفي موقع النشاط الاقتصادي في نصف القرن الماضي توحي بأن الصلة بين التحوية والتغيرات في الجغرافيا الاقتصادية قوية جداً. 

لقد هربت الحاوية من ميادين البحث الثلاثة الحيوية هذه على نحو غامض، ليس لها محرك ولا عجلات ولا أشرعة وهي لا تسحر أولئك الذين تأسرهم السفن والقطارات والطائرات أو البحارة والطيارون تفتقر إلى بريق يشد انتباه الذين يدرسون الإبداع التكنولوجي، وهكذا فقد امتزجت قوى عديدة كي تغير الجغرافيا الاقتصادية منذ منتصف القرن العشرين بحيث إن الحاوية أهملت بسهولة، وبعد نصف قرن من وصولها ، ليس هناك تاريخ عام للحاوية. 

يمثل هذا الكتاب، في روايته للقصة المهمة للتحوية، محاولة لملء ذلك الفراغ التاريخي. يعالج التحوية لا كأنباء شحن، وإنما كتطور كانت له نتائج ساحقة بالنسبة للعمال والمستهلكين في كل أنحاء العالم. لولا الحاوية، لكان العالم مكاناً مختلفاً جداً.

كتب ذات صلة