الفصل الثاني: المبادئ الأساسية
2.1 تعزيز المقاربة النقدية للذكاء الاصطناعي
التفكير النقدي مهارة جوهرية يحتاجها الطلبة للتعامل الهادف مع الذكاء الاصطناعي بصفتهم متعلمين ومستخدمين ومبتكرين. كما تقع على عاتق الطلبة مسؤولية تحديد أنواع الذكاء الاصطناعي التي ينبغي تطويرها وكيفية استخدامها لدفع المجتمعات البشرية نحو مستقبل مشترك شامل وسليم بيئياً. ولا بد من دعم طلبة المدارس ليصبحوا مشاركين فاعلين في ابتكار الذكاء الاصطناعي، وقادة محتملين يحددون أجياله اللاحقة وتفاعلاته مع المجتمع البشري للأجيال الحاضرة والمقبلة. وتحقيقاً لهذه الرؤية، صُمم الإطار لتعزيز مقاربة نقدية للذكاء الاصطناعي من خلال إشراك الطلبة في أسئلة جوهرية، من قبيل: هل الذكاء الاصطناعي مهيأ للمساعدة في حل التحديات الواقعية التي يواجهها البشر، أم أنه يشكل تهديدات لا يمكن تجاوزها؟ وهل الآثار السلبية لتدريب الذكاء الاصطناعي واستخدامه على المناخ لا تتناسب مع فوائده المتوقعة؟ وما الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والديموغرافية لاستخدام الذكاء الاصطناعي التي ينبغي مراجعتها بعناية؟
وينطوي التحول الذي يقوده الذكاء الاصطناعي في قطاعات التنمية على انعكاسات عميقة على الإرادة البشرية، والتفاعلات الإنسانية، والإنصاف الاجتماعي، والشمول الاقتصادي، والاستدامة البيئية. ولذلك يُنتظر من طلبة المدارس، في المقام الأول، أن يكونوا واعين ومدركين لمزايا الإمكانات الحالية للذكاء الاصطناعي وحدودها. ويتمثل الشرط المسبق للاستخدام المسؤول في قدرة الطلبة على تبيّن مدى جدارة أدوات الذكاء الاصطناعي بالثقة ومدى تناسبها. ويهدف الإطار إلى تزويد الطلبة بالقيم والمعارف والمهارات اللازمة لفحص تناسب الذكاء الاصطناعي فحصاً نقدياً من منظور أخلاقي، يشمل دراسة أثره وفهمه في الإرادة البشرية، والإدماج الاجتماعي والإنصاف، والأمن المؤسسي والفردي، والتنوع الثقافي واللغوي، وتكوين الآراء المتعددة والتعبير عنها، وكذلك في البيئة والنظم البيئية. ويُتوقع من الطلبة أن يتجاوزوا التصور الخاطئ بأن الذكاء الاصطناعي حل لكل شيء، وأن يصبحوا بدلاً من ذلك صانعي قرار واعين يدركون متى ينبغي استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته ومتى لا ينبغي، وما المشكلات التي قد تحلها وما لا تحلها، ومتى وكيف يُصمَّم الذكاء الاصطناعي ويُستخدم بوصفه جزءاً من حل أشمل. ويسعى الإطار إلى تنمية تطلعات الطلبة إلى تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي وتصميمها لخدمة أغراض محددة ذات معنى، أو لمعالجة تحديات واقعية، وتعزيز التنمية المستدامة.
وتدخل المجتمعات عصر الذكاء الاصطناعي بوتائر متفاوتة، لكن الطلبة في كل مكان هم، أو سيصبحون، مواطنين في سياقات يتسم فيها الذكاء الاصطناعي بالانتشار الواسع. ولن يقتصر الأمر على امتثالهم للأنظمة القانونية والمبادئ الأخلاقية، بل سيتعين عليهم بوصفهم مواطنين أن يسهموا في تكييف معايير الذكاء الاصطناعي وتنظيماته. ولذلك يبرز الإطار أهمية دعم الطلبة ليصبحوا مستخدمين مسؤولين وأخلاقيين للذكاء الاصطناعي ومسهمين في تطويره. ويدعوهم إلى التأمل في الجدالات الرئيسية المحيطة بالذكاء الاصطناعي، واستيعاب المبادئ الأخلاقية، والتعرف إلى التنظيمات ذات الصلة.
ويطرح الإطار رؤية استشرافية لنمط المواطنة الذي تتطلبه مجتمعات يتزايد تشكّلها بفعل الذكاء الاصطناعي. فهو يقترح أن يُتحدّى الطلبة ويُمكَّنوا من الاستخدام الهادف للذكاء الاصطناعي في سبيل تحقيق الذات، ومن تقييم آثاره الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، والإسهام، بما يناسب أعمارهم ومراحلهم الدراسية، في تطوير تنظيمات الذكاء الاصطناعي، بما يساعد على تشكيل علاقتنا بالتكنولوجيا في المجتمع عموماً.
2.2 إعطاء الأولوية للتفاعل المتمحور حول الإنسان مع الذكاء الاصطناعي
سيغدو التفاعل بين البشر وأنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في عصر الذكاء الاصطناعي عنصراً مكوّناً أساسياً في الخدمة العامة، والإنتاج والتجارة، والممارسة الاجتماعية، والتعلم، والحياة اليومية. ومن ثم فإن ترسيخ الكفايات اللازمة لفهم التفاعل المتمحور حول الإنسان مع الذكاء الاصطناعي وضمانه في هذه المجالات يمثل أولوية لهذا الإطار.
وتدعو مقاربة اليونسكو المتمحورة حول الإنسان إلى أن يخدم تصميم الذكاء الاصطناعي واستخدامه تنمية القدرات البشرية، وأن يصون كرامة الإنسان وإرادته الفاعلة، وأن يعزز العدالة والاستدامة على امتداد دورة حياة الذكاء الاصطناعي كاملة، وفي جميع حلقات التفاعل الممكنة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. ويجب أن تسترشد هذه المقاربة بمبادئ حقوق الإنسان واحترام التنوع اللغوي والثقافي الذي يميز المشاعات المعرفية. كما تتطلب أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي بطرق تضمن الشفافية وقابلية التفسير، فضلاً عن السيطرة البشرية والمساءلة.
ومع تزايد تطور الذكاء الاصطناعي واتساع استخدامه، يبرز خطر رئيسي يتمثل في قدرته على تقويض الإرادة البشرية والإضرار بتنمية المهارات الفكرية للإنسان. وصحيح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُوظَّف لتحدي الفكر البشري وتوسيع آفاقه، لكن لا ينبغي السماح له بأن يغتصب التفكير النقدي أو يحلّ محله. ولذلك ينبغي أن تظل حماية الإرادة البشرية وتعزيزها مبدأً أساسياً في تصميم مناهج الذكاء الاصطناعي وبرامجه التعليمية. ويسعى الإطار إلى مساعدة الطلبة على فهم أنواع البيانات التي قد يجمعها الذكاء الاصطناعي منهم، والأساليب التي قد تُستخدم بها هذه البيانات في تدريب نماذجه، والأثر الذي قد تخلّفه دورة البيانات في خصوصيتهم وحياتهم بوجه أعم. كما يسعى إلى إثارة الدافعية الذاتية لدى الطلبة للنمو والتعلم بوصفهم أفراداً، وإلى تعزيز استقلاليتهم في سياقات تُدمج فيها أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة على نحو متزايد. ويمكن للكفايات النقدية في مجال الذكاء الاصطناعي، كما يقترحها هذا الإطار، أن توجّه الطلبة أيضاً إلى إدراك القيمة الفريدة للتفاعل الاجتماعي وللأعمال الإبداعية التي ينتجها البشر، والتي لا ينبغي أن تحل محلها مخرجات الذكاء الاصطناعي. ومن خلال تنمية كفايات التعامل المتمحور حول الإنسان مع الذكاء الاصطناعي، يهدف الإطار إلى وقاية الطلبة من الإدمان عليه أو الاعتماد المفرط عليه، وإلى ترسيخ سلوكيات تحافظ على المساءلة البشرية في القرارات عالية المخاطر.
2.3 تشجيع الذكاء الاصطناعي المستدام بيئياً
بوصف الطلبة مشاركين في ابتكار الأجيال القادمة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وقادة محتملين لها، فإنهم بحاجة إلى فهم نقدي للأثر البيئي السلبي للمقاربات التي يحركها الربح في تصميم نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها ونشرها. وتتحمل النظم التعليمية مسؤولية ضمان أن يفهم الطلبة انبعاثات الكربون، وأن يحللوا الأسباب الجذرية لتغير المناخ، وأن يتصرفوا بحكمة لحماية المناخ والبيئة.
وفي خضم السباق نحو إنتاج نماذج ذكاء اصطناعي تزداد قوة، كثيراً ما تُعدّ الاستدامة البيئية مسألة ثانوية، بل جرى أحياناً حجبها عمداً بادعاءات أن الذكاء الاصطناعي يحمل وعداً بحل مشكلة تغير المناخ. وبينما يعمل القادة العالميون وصانعو السياسات على دراسة تنظيمات تتعلق باستهلاك الطاقة وحماية البيئة، يغدو من الضروري أن يفهم الطلبة كيف يسهم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في تدمير البيئة الطبيعية. وينبغي أن يمكّنهم التعلم عن الذكاء الاصطناعي من البحث العاجل عن مقاربات أكثر ملاءمة للمناخ في تصميم نماذجه وتدريبها واستخدامها. ويعالج الإطار هذه المسألة بتوجيه الطلبة إلى تصميم أنشطة تعلم قائمة على المشروعات وتنفيذها حول الآثار البيئية لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتدريبه، وحثّهم على البحث عن حلول ممكنة للتخفيف من هذه الآثار.
2.4 تعزيز الشمول في تنمية كفايات الذكاء الاصطناعي
يمثل النفاذ إلى الذكاء الاصطناعي وامتلاك كفاياته وجهين لحقوق المواطنين الأساسية في عالم اليوم. وينبغي أن يحظى جميع الطلبة بنفاذ شامل إلى البيئات اللازمة لتعلم الذكاء الاصطناعي على المستوى الأساسي، وأن يُدعموا لتعلم كيفية تضمين مبدأ الشمول في تصميم الذكاء الاصطناعي، وأن يُهيَّؤوا للإسهام في بناء مجتمع ذكاء اصطناعي شامل.
وعند تحديد كفايات الذكاء الاصطناعي، ينبغي إتاحة الفرص لطلبة المدارس لفهم مبدأ الشمول وتطبيقه على امتداد دورة حياة الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك اختيار بيانات ممثِّلة، واختيار خوارزميات محايدة إزاء التحيز وأساليب تدريب مناهضة للتمييز، وتصميم وظائف يسهل النفاذ إليها، واختبار شمولية مخرجات الذكاء الاصطناعي، وتقييم أثر استخدامه في الإدماج الاجتماعي. وفيما يتعلق بتصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي، يمكن للطلبة تعميق فهمهم ومهاراتهم التطبيقية في تقييم احتياجات المستخدمين ذوي القدرات المختلفة، وكذلك المنتمين إلى خلفيات لغوية وثقافية متنوعة.
وعند اختيار النماذج وفئات التقنيات التي تحمل تعليم الذكاء الاصطناعي وتعلّمه، لا بد من الحرص على عدم تفضيل فئات سكانية على أخرى. وعند التوصية بأدوات ذكاء اصطناعي بعينها لأغراض تعليمية، يجب تطبيق آليات تحقق عامة صارمة لتجنب الخوارزميات المنطوية على تحيزات تتعلق بالنوع الاجتماعي أو القدرة أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو اللغة أو الانتماء العرقي أو الثقافة. كما ينبغي إعطاء الأولوية لأدوات الذكاء الاصطناعي المصممة لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز التنوع اللغوي والثقافي. وحيثما تغيب آليات التحقق هذه، ينبغي تجنب التوصية باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي محددة على نطاق واسع.
وفيما يخص تقديم المنهج، يمكن تحديد تدابير بعينها لتوفير الظروف الأساسية الممكّنة لتطبيق منهج قائم على هذا الإطار. وعلى الرغم من ضرورة تصميم أطر الذكاء الاصطناعي وبرامجه التعليمية بحيث تلائم جميع الطلبة، بمن فيهم من يعيشون في بيئات محدودة التقنية، فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي دون نفاذ إلى الإنترنت وأدواته سيحدّ من نطاق كفاياته ومستوى إتقانها. وينبغي للحكومات أن تلتزم بتعزيز النفاذ الشامل إلى الاتصال الأساسي بالإنترنت، والأجهزة الرقمية الحديثة، وبرامج الذكاء الاصطناعي وبرمجياته مفتوحة المصدر أو ميسورة التكلفة، وأجهزة الذكاء الاصطناعي الأساسية، بدعم من الأوساط الأكاديمية أو القطاع الخاص حيثما كان ذلك مناسباً. ومرة أخرى، يجب أن تولي هذه الجهود اهتماماً خاصاً بالطلبة ذوي الإعاقة أو المنتمين إلى أقليات لغوية أو ثقافية.
2.5 بناء الكفايات الأساسية للذكاء الاصطناعي من أجل التعلم مدى الحياة
ينبغي أن يخدم تعليم الذكاء الاصطناعي وتعلّمه بناء كفايات أساسية تتيح للطلبة استيعاب المعارف الجديدة، والتكيف لحل المشكلات في سياقات جديدة باستخدام تقنيات ذكاء اصطناعي مستحدثة. ويجب أن تشمل هذه الكفايات الأساسية، أولاً وقبل كل شيء، القيم المرتبطة بعقلية أخلاقية متمحورة حول الإنسان. ويحتاج الطلبة إلى توجيه يمكّنهم من تعميق فهمهم تدريجياً لحقوق إنسانية بعينها، مثل الحق في المساواة وعدم التمييز والخصوصية وتعدد التعبير، ولانعكاساتها على مختلف أشكال التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. كما تعكس هذه الكفايات الحاجة إلى فهم الجدالات المحيطة بالذكاء الاصطناعي والمبادئ الأخلاقية الرئيسية التي توجّه تنظيمه، وإلى تنمية المهارات العملية لمكافحة التحيز، وحماية الخصوصية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، واعتماد مقاربة الأخلاقيات المضمّنة في التصميم عند المشاركة في ابتكار الذكاء الاصطناعي.
وتتسم هذه الكفايات الأساسية بالحياد إزاء العلامات التجارية والمنتجات، بما يضمن قدرة الطلبة على التعامل الملائم مع طائفة من الأدوات ومع الأجيال المقبلة من تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهي تمكّنهم من بناء فهم يناسب أعمارهم ويتعمق تدريجياً لبيانات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته ونماذجه وتصميم أنظمته. ويجب دعم الطلبة في بناء هذا الفهم من خلال ربط مفاهيم الذكاء الاصطناعي بالتحديات الواقعية لتنمية مهارات حل المشكلات النقدية. كما ينبغي تشجيعهم على استثمار إبداعهم في سبيل تحسين نماذج الذكاء الاصطناعي القائمة أو المشاركة في ابتكار ذكاء اصطناعي أكثر جدوى. وتشكّل هذه الكفايات الأساسية القاعدة لمزيد من التعلم وللاستخدام الأكثر تخصصاً للذكاء الاصطناعي في مراحل التعليم اللاحقة وفي العمل والحياة.
