5. إعادة التفكير في التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي
يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً متسارعاً في الاقتصادات والمجتمعات، ويعيد تبعاً لذلك تشكيل الاحتياجات من المهارات. وتواجه المنظومات التعليمية ضغوطاً متزايدة لإعادة النظر في أولوياتها المنهجية، وعلى نحو أوسع في الأهداف التي تسعى المجتمعات إلى تحقيقها عبر التعليم المدرسي. ومن الأسئلة الجوهرية في هذا الصدد ما إذا كانت المدارس والمنظومات المدرسية تراجع ترتيباتها المنهجية وتعدلها بما يضمن إعداد الطلبة إعداداً كافياً لمجتمع تنتشر فيه أدوات الذكاء الاصطناعي ووكلاؤه على نطاق واسع، ولسوق عمل تتطور فيه الوظائف والمهارات التي تتطلبها، وكيف تفعل ذلك. فمع تغيير الذكاء الاصطناعي للطريقة التي يعيش بها البشر ويعملون، كيف تتغير المنظومات التعليمية، وكيف ينبغي لها أن تتغير، لإعداد الطلبة لهذا السياق الجديد؟ إن الأمر يتطلب تركيزاً متجدداً على القدرات الإنسانية المتفردة التي تكمل الذكاء الاصطناعي، وتؤكد أن المهارات الإنسانية لا يمكن الاستعاضة عنها. ومن الانعكاسات الرئيسية الأخرى لصعود الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى بناء الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي لدى جميع الطلبة، إذ يُنظر بصورة متزايدة إلى ضمان بلوغ كل طالب حداً أدنى من هذه الثقافة، يشمل فهم قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده والقدرة على التفاعل مع أدواته بفاعلية، بوصفه أمراً أساسياً. فمن دون هذه الثقافة، يتعرض الطلبة لخطر أن يكونوا مستهلكين سلبيين لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكونوا مستخدمين مستنيرين ناقدين أو شركاء في صنعها.
آثار تبني الذكاء الاصطناعي في سوق العمل
تتباين التقديرات التجريبية لأثر التقنيات الرقمية في التوظيف خلال القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين. فبينما تكشف بعض الدراسات التجريبية أن التطورات التكنولوجية أدت إلى نمو فرص العمل، تشير دراسات أخرى إلى أنها قلصت إمكانات التوظيف أمام العمال. وبوجه عام، تشير الشواهد التجريبية حتى الآن إلى أن الموجات السابقة من التطورات التكنولوجية لم تفض على المدى البعيد إلى تراجع إجمالي في فرص العمل أو إلى فقدان صافٍ للوظائف. بل إن نسبة العاملين إلى السكان ارتفعت طوال القرن العشرين، ولم يتغير معدل البطالة على المدى البعيد. ومع ذلك، فقد أدت الأتمتة الحاسوبية في الماضي إلى فقدان وظائف، ولا سيما في المهن منخفضة الأجر في قطاع الصناعات التحويلية، وبين العمال الذين يؤدون أعمالاً روتينية بوجه عام. ونتيجة للموجات السابقة من التقدم التكنولوجي، باتت بيئات العمل الحالية تتطلب أشخاصاً قادرين على حل المشكلات غير الروتينية. فمع إدخال التقنيات القادرة على أداء المهام القائمة على القواعد، تزايدت أهمية قدرة الناس على حل المشكلات المعقدة التي لا يمكن حلها بمجرد تطبيق قواعد محددة سلفاً. وعلى خلاف الاقتصار على اتباع قواعد محددة بدقة وضيق، تتيح خوارزميات تعلم الآلة للأنظمة الآلية أداء مجموعة أوسع بكثير من المهام التي تفتقر إلى حلول قائمة على القواعد. ومن الممكن أن يغير ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي الطلب على المهارات تغييراً جذرياً في المستقبل، مع دخول المهام غير الروتينية ضمن نطاق ما تستطيع الأنظمة الآلية أداءه بموثوقية، فقد تختفي بعض المهام، في حين سيُطلب من بعض العمال تعلم العمل بفاعلية مع التقنيات الجديدة.
وتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 80% من القوة العاملة في الولايات المتحدة قد تتأثر مهمة واحدة على الأقل من كل عشر مهام يؤدونها باستخدام النماذج اللغوية الكبيرة، وأن نحو اثنين من كل خمسة موظفين قد يشهدون تأثراً في نصف مهامهم على الأقل. وتشير التحليلات الحديثة لإعلانات الوظائف عبر الإنترنت في المملكة المتحدة والولايات المتحدة إلى أن متطلبات المهارات للوظيفة المتوسطة تغيرت بنحو الثلث بين عامي 2021 و2024، وشهدت وظيفة من كل أربع وظائف تحولات طالت ما يصل إلى ثلاثة أرباع المهارات المطلوبة. وفضلاً عن ذلك، فقد ضاهت وتيرة التغير في الولايات المتحدة بين عامي 2021 و2024، أي خلال ثلاث سنوات، الوتيرة التي لوحظت بين عامي 2016 و2021، أي خلال خمس سنوات. وتتطلب المهن الأكثر تأثراً عموماً تدريباً مكثفاً أو مؤهلات جامعية، فالنماذج اللغوية الكبيرة مثلاً قادرة على أن تحل محل العمل البشري في مهام كالكتابة والترجمة.
وفي إيطاليا، تشير الدراسات إلى أن 15 مليون عامل من أصل 22 مليوناً معرضون للذكاء الاصطناعي، منهم 9 ملايين يعملون في وظائف يُتوقع أن يكمل فيها الذكاء الاصطناعي مهامهم، و6 ملايين في وظائف معرضة لخطر الإحلال. وعلى خلاف الموجات السابقة من الأتمتة التي طالت في معظمها العمال منخفضي المهارة، يهدد الذكاء الاصطناعي الفئات الأعلى تعليماً، إذ يحل محل الإجراءات المتخصصة لكن المعيارية، بينما يكمل عمليات صنع القرار المعقدة. وتنذر هذه الضغوط بتعميق الفوارق الإقليمية والاجتماعية القائمة، ولا سيما في جنوب إيطاليا، حيث تحد البنية التحتية الرقمية الأضعف، والتحصيل التعليمي الأدنى، والتفاوت في الوصول إلى التدريب المهني، من فرص إعادة تأهيل المهارات.
وتشير الدراسات الاستشرافية إلى زيادة الحراك المهني والطلب على ما يُعرف بمهارات EPOCH، وهي مهارات التعاطف والحضور والرأي والإبداع والأمل، في حين تحذر من أن العمال منخفضي المهارة قد يواجهون تحديات كبيرة. وقد تعيق مواطن الضعف البنيوية في سوق العمل الإيطالية، كعدم التوافق القائم بين المهارات المعروضة والمطلوبة والتراجع الديموغرافي، القدرة على الصمود أمام تبني الذكاء الاصطناعي أو على تنفيذ سياسات للحد من المخاطر التي يتعرض لها العمال. كما يشير تشتت منظومات التدريب والفوارق الإقليمية إلى الحاجة إلى استراتيجيات وطنية أكثر تنسيقاً، وهو ما يتناوله القسم السادس الذي يستعرض العناصر الرئيسية للاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى تحقيق الإمكانات المرتبطة بانتشار الذكاء الاصطناعي والحد من مخاطره.
ويتوقف ما إذا كانت النماذج اللغوية الكبيرة ستزيح العمل القائم في نهاية المطاف أم ستولد أشكالاً جديدة من التوظيف على الأرجح على تطور هذه التقنيات، وعلى ممارسات التبني التنظيمي، والأطر التنظيمية، والحوافز المؤسسية. وتتباين الشواهد حول أثر النماذج اللغوية الكبيرة في أسواق العمل، إذ تشير البحوث المبكرة إلى آثار إحلالية وتكاملية في آن واحد. ومن السبل الممكنة للتوفيق بين النتائج القائمة التمييز بحسب درجة تعقيد المهام، ومن ثم بحسب الخبرة المطلوبة. ففي أسواق الاستشارات عبر الإنترنت، يبرز تراجع الطلب بصورة خاصة في الوظائف قصيرة الأجل، وفي الوظائف التي تتطلب من العاملين المبتدئين أداء مهام تكمل قدرات النماذج اللغوية الكبيرة الحالية. وتعني هذه النتائج أن ارتفاع إنتاجية العاملين المبتدئين داخل الشركات قد يقلل الحاجة إلى العاملين المستقلين المبتدئين. وفي الوقت ذاته، يبدو أن القدرات المتنامية للنماذج اللغوية الكبيرة تزيد الحاجة إلى العمال ذوي الخبرة في أداء المهام المعقدة.
ولما كانت قدرات أدوات الذكاء الاصطناعي تواصل التوسع بطرق يصعب التنبؤ بها، فإن المهارات المطلوبة اليوم، كهندسة الأوامر النصية، قد تفقد أهميتها إذا أصبحت مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي أقل تأثراً بجودة الأوامر. ومع تطور قدرات أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، يظل أداؤها متفاوتاً، فالمهام الواقعة ضمن حدود قدراتها الحالية يمكن إنجازها بسرعة وبتكلفة منخفضة، لكن الأداء يتدهور تدهوراً حاداً في المهام الواقعة خارج هذه الحدود. ومعرفة موضع هذه الحدود مهارة حاسمة من مهارات ما وراء المعرفة، وهي في جوهرها شكل من أشكال إدارة المخاطر الرقمية، إذ يتعين على المتعلمين الموازنة بين موثوقية تفويض مهمة ما إلى الذكاء الاصطناعي وشفافيته وعواقبه اللاحقة من جهة، والمزايا النسبية للإدراك البشري من جهة أخرى. وستكون هذه الكفاءة التقييمية أعلى قيمة من مهارات البرمجة الروتينية، التي بدأ الطلب عليها يستقر بالفعل مع التحسن السريع لأنظمة الذكاء الاصطناعي في حل مسائل البرمجة، وهو ما يزيح العاملين في بداية مسيرتهم المهنية في قطاع التكنولوجيا وغيره من القطاعات.
وتبعاً لذلك، يتعين على المنظومات التعليمية أن توازن بين الاستجابة لإشارات سوق العمل والالتزام بالتعلم العميق الذي يؤهل الشباب للتكيف مع التغيرات غير المتوقعة وللمشاركة الكاملة في الحياة المدنية والديمقراطية. ويستلزم ذلك تزويد الشباب بالقدرة على الإفادة القصوى من أدوات الذكاء الاصطناعي، مع تنمية المهارات التي تتجاوز قدراته.
دعم إدماج الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي
تبرز الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي بوصفها مكوناً حاسماً من مكونات التعليم العام، وكثيراً ما تُعرَّف بأنها المعارف والمهارات والاتجاهات اللازمة لفهم الذكاء الاصطناعي واستخدامه بفاعلية وعلى نحو أخلاقي. وفي عام 2024، نشرت منظمة اليونسكو إطارين لكفاءات الذكاء الاصطناعي، أحدهما للطلبة والآخر للمعلمين. ويمثل هذان الإطاران دليلاً للمنظومات التعليمية في بناء الكفاءات المطلوبة من جميع الطلبة والمواطنين للتنفيذ الفعال للاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي، ولصنع مستقبل شامل وعادل ومستدام في عصر الذكاء الاصطناعي. وفي عام 2025، نشرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بالشراكة مع المفوضية الأوروبية، إطاراً أولياً للثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي للتعليمين الابتدائي والثانوي بعنوان "تمكين المتعلمين لعصر الذكاء الاصطناعي". ويحدد هذا الإطار الكفاءات الأساسية التي يحتاج إليها الطلبة للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعاون معها والإسهام في تشكيلها. ولا تقتصر الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي على الدراية التقنية، بل تشمل أيضاً فهم آثاره المجتمعية وانعكاساته الأخلاقية. وجوهر الأمر أن الطالب "المثقف في مجال الذكاء الاصطناعي" ينبغي أن يدرك ماهية الذكاء الاصطناعي، وكيفية عمله، ومجالات تطبيقه، وحدوده ومخاطره، وأن يكون قادراً على التعامل مع أدواته بمسؤولية.
وينظم مشروع إطار الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذه الثقافة في أربعة مجالات رئيسية من الكفاءة، هي: التفاعل مع الذكاء الاصطناعي، والإبداع باستخدامه، وإدارته، وتصميمه. وتدعم هذه المجالات الأربعة 22 كفاءة محددة، تتراوح بين المهارات التقنية، كفهم البيانات والخوارزميات، والمهارات الاجتماعية والعاطفية، كتقييم أثر الذكاء الاصطناعي في المجتمع. ومما له أهمية خاصة أن الإطار يؤكد أن الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي ليست مجالاً تقنياً خالصاً، فهو يبرز مثلاً التفكير الأخلاقي، والعقلية النقدية، والوعي بالتحيز، بوصفها أجزاء جوهرية منها. ومن السمات الأخرى لهذا الإطار المشترك بين المنظمة والمفوضية الأوروبية إقراره بأهمية إدماج موضوعات الذكاء الاصطناعي في مختلف مكونات المنهج، فبدلاً من التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مادة منعزلة، يشجع على إدماج الثقافة المتعلقة به في الرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية والفنون وغيرها. ولما كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي احتمالية الطابع وغامضة في كثير من الأحيان، فإن تقييم مدى ملاءمتها للغرض المنشود لا يمكن أن يستند إلى الخبرة التقنية الضيقة وحدها، بل يستدعي أيضاً عادات البحث النقدي التي طالما رعتها العلوم الإنسانية والاجتماعية. وفي حين لن يحتاج سوى عدد قليل من الطلبة إلى أن يصبحوا متخصصين في تعلم الآلة، فإن معظمهم سيتعين عليهم أن يكونوا قادرين على أن يقرروا لا كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي فحسب، بل ما إذا كان ينبغي لهم استخدامه أصلاً في سياقات وظروف بعينها.
وتقر الأطر الدولية بحاجة المعلمين إلى رعاية المستقبل الرقمي لطلبتهم، الذين يحتاجون بدورهم إلى بناء كفاءات أساسية في مجال الذكاء الاصطناعي تلزمهم للتعلم مدى الحياة في جميع المواد الدراسية. فإذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على رسم خريطة لمناهج الأدب الوطني بأكملها، فإنه يتعين على الطلبة أن يتعلموا صياغة الأسئلة على مستوى المدونات النصية الكاملة، وتفسير التمثيلات البصرية الإحصائية، وإدراك كيف تحدد بيانات التدريب ما تأخذه النماذج الكبيرة في الحسبان وما لا تأخذه. ويعني ذلك عملياً المزج بين القراءة المتأنية وثقافة البيانات، فالشباب ما يزالون بحاجة إلى القدرة على تحليل الاستعارة والحجة، لكنهم يحتاجون أيضاً إلى تعلم الاستعلام من لوحات المؤشرات، وتقييم تحيز العينات، والموازنة بين الشواهد الكمية والرؤى النوعية. وهذه الكفاءة الهجينة ضرورية للتعامل النقدي مع منصات المعرفة المعززة بالذكاء الاصطناعي، وللتصرف، سواء بصفتهم مواطنين أو عاملين، عن فهم مستنير لطبيعة الشواهد النصية واسعة النطاق.
وبالمثل، يفضي الذكاء الاصطناعي إلى ظهور ما يُسمى "الكتابة عن بُعد"، إذ يعيد تشكيل عملية إنتاج النصوص، فيغدو المؤلفون مصممين يتمثل دورهم في تحديد الأهداف والقيود والضوابط الأخلاقية، في حين تتولى النماذج اللغوية الكبيرة صياغة مسودات النصوص المكتوبة. ويتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي وسيطاً أدبياً تحولاً في أصول تعليم الكتابة، بحيث يشمل تعليم هندسة الأوامر النصية، والتنقيح التكراري، والانتقاء. ويقتضي تدريس الإنشاء في إطار "الكتابة عن بُعد" تنظيم ورش للكتابة الإبداعية ينتقد فيها المتعلمون المخرجات الآلية البديلة، ويُطلب منهم تبرير قراراتهم التحريرية، ويناقشون مسائل النسبة والتحيز. ومع أن مهارات مثل وضوح العرض واختيار المستوى اللغوي المناسب والقدرة على المحاجّة تظل لا غنى عنها، فإنها باتت مقترنة بالقدرة على تحديد ما ينبغي تفويضه إلى الذكاء الاصطناعي، وكيفية التحقق من موثوقيته، ومتى يجب استعادة السيطرة البشرية الكاملة. ومن شأن إدماج هذه الثقافة في ما وراء الكتابة عبر المنهج كله أن يضمن بقاء الشباب مؤلفين أصحاب سلطة على نصوصهم، حتى حين تنطوي "الكتابة" بصورة متزايدة على حوار مع الآلات.
ولن تحظى أي من هذه التحولات المنهجية بالزخم المطلوب ما لم تتلق المدارس توجيهاً، أي معلومات محدثة عن تطور متطلبات المهارات، وإرشاداً حول الأشكال الجديدة من الثقافة التي تستحق أن يُخصص لها وقت في الفصل. ويستند التوجيه الفعال إلى تحليلات سوق العمل، وبحوث استشراف المستقبل، والشراكات مع أصحاب العمل، لترجمة المتطلبات الناشئة إلى أهداف تعلم ملموسة قبل أن تتسع فجوات المهارات. ويعني إنشاء حلقات التغذية الراجعة هذه تمكين السلطات الوطنية والمحلية من انتقاء المعلومات في الوقت المناسب، ودعم التطوير المهني للمعلمين حتى يتمكن العاملون من تفسير هذه النتائج وتدريسها، وإرساء حوكمة مرنة للمناهج تتيح التعديل السريع دون التضحية بالعمق. وباختصار، يؤدي التوجيه دور الهوائيات بالنسبة إلى المنظومة التعليمية، إذ يتيح للمدارس إعادة المعايرة آنياً، ويضمن أن يكتسب كل متعلم الكفاءات الأرجح أن تحتفظ بقيمتها في الوقت الذي يعيد فيه الذكاء الاصطناعي رسم ملامح العمل والمواطنة. ويرتبط تصميم التوجيه ارتباطاً وثيقاً بالاستراتيجيات الوطنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية وفي تقديم الخدمات العامة الأخرى، ويمكن للاستثمارات الحكومية في هذا المجال أن تعكس مدى تعقيد هذه المهمة.
تنمية القدرات الإنسانية المتفردة
للمنظومات التعليمية دور في الحفاظ على غاياتها ومعاييرها الأساسية، مع إعادة توجيه المناهج لتنمية مواطن القوة الإنسانية التي تضيف قيمة إلى جانب الذكاء الاصطناعي. ففي الممارسة العملية، يفرض توسع الذكاء الاصطناعي متطلبات متجددة على المنظومات التعليمية لتمكين الطلبة من التفكير النقدي والإبداعي، وحل المشكلات المعقدة، والتواصل والتعاون، وتطوير رؤى أخلاقية، وهي كفاءات لا تكمل الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تمكّن الطلبة أيضاً من توجيه استخدامه بمسؤولية. ومن خلال إيلاء الأولوية لما هو "إنساني متفرد" في نمو الطلبة، تستطيع المدارس أن تحصّن المتعلمين للمستقبل، وتعدّهم لأدوار يعملون فيها مع الذكاء الاصطناعي بطرق ذات معنى بدلاً من التنافس معه.
وقد اقتُرح عدد من الأطر لتحديد هذه المهارات الإنسانية المتفردة التي يصعب على الآلات محاكاتها، بما يوفر توجيهاً لأولويات المناهج في عصر الذكاء الاصطناعي. ومن هذه النماذج إطار EPOCH، الذي يحدد خمسة مجالات أساسية للقدرات الإنسانية:
التعاطف والذكاء العاطفي: وهما أساسيان للتفاهم والعمل الجماعي والتعاون وبناء العلاقات، ويشملان قدرات مثل الرحمة والإيثار والتواصل والصدق. وما تزال الوكلاء القائمون على الذكاء الاصطناعي الساعون إلى إدراك الإشارات العاطفية والاستجابة لها محدودين للغاية، إذ يواجهون تحديات تقنية وأخلاقية جوهرية. فالتعاطف ينطوي على فهم حقيقي لتجربة الآخر ومشاركته إياها، بما يخلق صلة ذات معنى.
الحضور وبناء الشبكات والترابط: ويتعلق ذلك بقيمة الحضور المادي للتفاعل وجهاً لوجه، والتعاون العفوي، وبناء الثقة، ويشمل كذلك القدرات المرتبطة بالمهام البدنية كالمهارة اليدوية واللمس والتجربة المعاشة. ويُعدّ الوجود المادي "في الميدان" أمراً مهماً في بعض المجالات كالصحافة.
الرأي والحكم والأخلاق: ويشمل ذلك التفكير النقدي، وتوليف المعلومات، والنظر في وجهات النظر المتنوعة، والمزاوجة بين التحليل العقلاني والحدس، ومراعاة الاعتبارات الأخلاقية في اتخاذ القرار. ومن أبرز سماته فهم السببية، والفاعلية الذاتية، والمساءلة، والمسؤولية، وتقرير المصير. ويواجه الذكاء الاصطناعي تحديات في المجالات التي تتطلب المساءلة، والتعامل مع الأنظمة المفتوحة، واحترام حق الإنسان في تقرير مصيره، إذ كثيراً ما يتعثر أمام التعقيد والفروق السياقية الدقيقة والاستدلال الأخلاقي، وفي إصدار أحكام لا يرقى إليها الشك من الناحية الأخلاقية في المعضلات.
الإبداع والخيال: وهما مهمان لتوليد أفكار جديدة وتصور الإمكانات التي تتجاوز الواقع، ويشملان الفضول والارتجال وروح الدعابة وتحدي الأعراف والأصالة والمرونة والإقدام على المخاطرة وبناء التصورات المفاهيمية. وكثيراً ما يرتبط إبداع الذكاء الاصطناعي بالبيانات القائمة، وقد يفتقر إلى التنوع والأصالة، كما تعجز الآلات عن الفضول الحقيقي.
الأمل والرؤية والقيادة: ويشمل ذلك قدرات مثل التفاؤل والمبادرة والعزيمة والمثابرة، والقدرة على وضع هدف وإلهام الآخرين للسعي نحوه. فللبشر إحساس بالغاية والأهداف، في حين يفتقر الذكاء الاصطناعي حتى الآن إلى القدرة على صنع مثل هذه الرؤية.
ويحث إطار EPOCH المعلمين فعلياً على تركيز المناهج وأساليب التدريس على الارتقاء بتعاطف الطلبة، ومهاراتهم في العلاقات بين الأفراد، واستدلالهم الأخلاقي، وإبداعهم، ورؤيتهم المتفائلة. فقد يتضمن منهج متوائم مع هذا الإطار مثلاً التعلم الاجتماعي والعاطفي لتنمية التعاطف والحضور، ونوادي المناظرة ومقررات الأخلاق لتنمية الرأي والحكم، ومساحات الصنع والفنون لتنمية الإبداع، ومشاريع القيادة الطلابية لتنمية الأمل. وفي الوقت ذاته، حتى حين تُؤتمت في المستقبل مهام تعتمد على قدرات هي في الوقت الراهن حكر على البشر، ينبغي للأفراد أن يحتفظوا بالمهارات ذات الصلة، حتى يتمكنوا من فهم التقنيات والعمل إلى جانبها والعمل باستقلال عنها.
وبعيداً عن إطار EPOCH، تحدد بوصلة التعلم التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ثلاث كفاءات تحويلية يحتاج إليها الطلبة لصنع مستقبل أفضل، هي: خلق قيمة جديدة، والتوفيق بين التوترات والمعضلات، وتحمل المسؤولية. وتتطابق هذه الكفاءات تطابقاً وثيقاً مع القدرات الإنسانية المتفردة، فخلق قيمة جديدة يوازي الإبداع والابتكار، والتوفيق بين التوترات يتطلب التعاطف وتبني منظور الآخرين والحكم الأخلاقي، أي فهم وجهات النظر المتنوعة وإيجاد أرضية مشتركة، وتحمل المسؤولية يقتضي التصرف بفاعلية ونزاهة من أجل خير المجتمع، وهو ما يقارب القيادة والأمل. والجدير بالذكر أن هذه الكفاءات إنسانية متفردة وليست في متناول أنظمة الذكاء الاصطناعي القائمة.
وبالمثل، يشير المنتدى الاقتصادي العالمي وغيره من المنظمات التي تبرز "مهارات القرن الحادي والعشرين" إلى مزيج من المهارات المعرفية والمهارات المتعلقة بالعلاقات مع الآخرين والمهارات الذاتية التي تتزايد قيمتها. ويدرج تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى لعام 2025 مهارات مثل التفكير الإبداعي، والتفكير التحليلي، والفضول، والتأثير الاجتماعي، والمرونة، ضمن المهارات التي يتزايد الطلب عليها، وهي في جوهرها المهارات الإنسانية التي تكمل التكنولوجيا، وتتداخل تداخلاً كبيراً مع إطار EPOCH وكفاءات المنظمة. وتستجيب المنظومات التعليمية لذلك بإدماج مهارات القرن الحادي والعشرين المتمحورة حول الإنسان في مناهجها.
ومن النماذج العملية لتطبيق هذه المهارات التعلم القائم على المشاريع والتعلم القائم على الاستقصاء. فلما كانت المهارات الإنسانية كالتعاطف والعمل الجماعي والإبداع تُكتسب على أفضل وجه بالممارسة، فإن الأساليب التربوية التي تتيح للطلبة العمل على مشاريع ذات معنى، أو حل مشكلات مفتوحة، أو التفاعل مع مجتمعهم، تميل إلى تنمية هذه الكفاءات. ويتسق ذلك مع توجيهات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية واليونسكو بأن يؤكد التعليم على "تعلم كيفية التعلم" والتعاون والفاعلية الذاتية للطالب بوصفها نواتج أساسية لمنظومات التعليم في القرن الحادي والعشرين.
وقد أُقرّت أهمية الاستثمار في المهارات المتوائمة عموماً مع أطر مهارات القرن الحادي والعشرين، كإطار EPOCH، في إيطاليا من خلال تشريع جديد يهدف إلى إدماج المهارات غير المعرفية والمستعرضة في المنظومة التعليمية الإيطالية. فالقانون رقم 22 الصادر في 19 فبراير 2025 يرسخ التنمية المنهجية لـ"الكفاءات غير المعرفية والمستعرضة"، كالتفكير النقدي والذكاء العاطفي وحل المشكلات بصورة تعاونية، في جميع البرامج في المنظومة المدرسية الإيطالية، ومراكز تعليم الكبار على مستوى المقاطعات، والبرامج المهنية الإقليمية. ويكلف القانون وزارة التعليم والجدارة بإدخال تعزيز هذه الكفاءات بدءاً من العام الدراسي 2025/2026، انطلاقاً من حصر وطني شامل للمبادرات القائمة لمكافحة التسرب المدرسي المبكر والفقر التعليمي. كما تتولى الوزارة مسؤولية إعداد خطة وطنية ثلاثية السنوات لتدريب المعلمين ونشرها، وتحديد معايير تجربة وطنية خاضعة للرقابة، مفتوحة أمام المدارس الحكومية والمستقلة، وذلك بالتشاور مع المجلس الأعلى للتعليم العام.
ويتمثل الهدف الكامن وراء هذا الإصلاح في تزويد الشباب والمتعلمين الكبار على حد سواء بالمهارات الشخصية والاجتماعية التي يقدّرها أصحاب العمل والمجتمعات بصورة متزايدة. فمن خلال تعزيز الكفاءات غير المعرفية والمستعرضة، ومساعدة الشباب على تنمية قدرتهم على إدارة انفعالاتهم والتواصل بفاعلية والعمل ضمن فرق متنوعة، يطمح الإصلاح إلى تعزيز رفاه الطلبة، وترسيخ الشمول، والحد من العزوف عن الدراسة. ومن الناحية السياساتية، يمثل الإصلاح تحولاً من نموذج أكاديمي خالص نحو رؤية أكثر شمولاً للتعلم تقدّر الاتجاهات والسلوكيات إلى جانب المعرفة.
ولم تُخصص أي أموال إضافية لدعم هذا الإصلاح، ومن ثم فإن تنفيذه يعتمد إلى حد كبير على الموارد القائمة. فالمدارس التي تتطوع للمشاركة في التجربة ستصمم مشاريع متوائمة مع المعايير الوطنية وتحصل على موافقة الوزارة، لكنها ستعتمد على الكوادر المتاحة لديها بالفعل، دون تمويل إضافي للعمل الإضافي. والهدف أن يتلقى المعلمون المشاركون دورات تطوير مهني موجهة، وأن يُشجَّعوا على اعتماد أساليب التعلم التجريبي والتعاوني والمرتبط بالعمل، بالشراكة في الغالب مع خبراء من خارج المدرسة وأصحاب عمل محليين. كما يدعو القانون المدارس إلى تخصيص المسارات بحيث يتمكن كل طالب من ممارسة هذه الكفاءات وإثبات اكتسابها، مع إدماجها تدريجياً في المناهج والممارسات الصفية مع توسع التجربة نحو التعميم الوطني الكامل.
تكييف المناهج مع التغير التكنولوجي
إن مواءمة التعليم مع التطورات التكنولوجية عملية معقدة وبطيئة في الغالب. والتطورات المتسارعة في أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته تجعل إصلاح المناهج أمراً عسيراً بوجه خاص. فالتغيرات في قدرات الذكاء الاصطناعي تحدث تحولاً في الطلب على المهارات بطرق يصعب التنبؤ بها، وتولد في الوقت ذاته آراء متعارضة حول المخاطر والفرص المرتبطة بالتطورات التكنولوجية. وقد يولد ذلك مقاومة للإصلاح، فيعقّد اتخاذ القرارات بشأن وجهة الإصلاح، واعتماد مبادرات إصلاحية بعينها، وطريقة تنفيذها في المدارس.
وقد أطلقت دول كثيرة من دول المنظمة خلال ربع القرن الماضي إصلاحات منهجية لتزويد الطلبة بالكفاءات الرقمية والتفكير الحوسبي، فضلاً عن مجموعة المهارات الأوسع اللازمة للتكيف في مجتمعات وأسواق عمل تزداد رقمنة. ويمكن لتجربتها في تطوير الإصلاحات المنهجية، وتعزيز إشراك أصحاب المصلحة، وتيسير اتخاذ القرار، وتقليص الفاصل الزمني بين إدراك الحاجة إلى التحرك والوقت الذي تبلغ فيه آثار الإصلاحات المتعلمين في الفصول، أن تقدم رؤى قيّمة حول خيارات الإصلاح والقضايا الرئيسية التي ينبغي مراعاتها عند التخطيط لإصلاح المناهج. وتنبثق النقاط الآتية من مراجعة تجارب دول مختلفة، مع التركيز على حالات إنجلترا في المملكة المتحدة، وفنلندا، واليابان، ونيوزيلندا، وكوريا:
الاستشراف والإدراك المبكر: كثيراً ما تنبع الإصلاحات المنهجية الناجحة من التنبؤ الاستباقي بالاحتياجات المستقبلية من المهارات. فالدول التي أدركت التحول الرقمي مبكراً، كإنجلترا التي استندت إلى تقرير الجمعية الملكية حول الحوسبة، أو فنلندا التي وظفت التفكير المستقبلي في صياغة الكفاءات المستعرضة، قلصت فجوة الإدراك وبنت حجة مقنعة للتغيير. وتستخدم بعض الدول أدوات استشراف رسمية، فمجلس التعليم في اليابان والخطط الوطنية في كوريا ربطت صراحة أهداف المناهج بالكفاءات المتوقعة في عصر الذكاء الاصطناعي. ويساعد إدماج أطر مثل بوصلة التعلم 2030 الصادرة عن المنظمة على الحفاظ على رؤية موجهة نحو المستقبل، وسد فجوة الإدراك.
وضوح الرؤية والتأطير الاستراتيجي: يساعد تطوير سردية واضحة تربط تغيير المناهج بالأهداف الوطنية، كما فعلت نيوزيلندا حين قدمت منهجها الرقمي بوصفه مفتاحاً لـ"تحصين" الاقتصاد للمستقبل، واليابان حين ربطت منهجها بطموحات "المجتمع 5.0"، على حشد أصحاب المصلحة، والحفاظ على الزخم، وضمان تصميم متماسك للإصلاح، وبناء التوافق، بما ييسر استدامة الدعم طوال مسار الإصلاح.
إشراك أصحاب المصلحة وبناء التوافق: تُشرك الإصلاحات الناجحة المعلمين والخبراء في التصميم، وإن كانت أشكال هذا التشاور تختلف اختلافاً كبيراً. فالتشاور الواسع، كما في فنلندا ونيوزيلندا، كثيراً ما يطيل مرحلة اتخاذ القرار، لكنه قد يقلل بفاعلية المقاومة المحتملة في مراحل لاحقة، فيضمن تنفيذاً أكثر سلاسة. وفي المقابل، فإن التشاور مع خبراء مختارين وأصحاب مصلحة رئيسيين أساساً، كخبراء قطاع التكنولوجيا، قد يفضي إلى قرارات سريعة، لكنه قد يواجه مقاومة أثناء الاعتماد والتنفيذ. ومن شأن ضمان شفافية عمليات اتخاذ القرار، كنشر المسودات لتلقي الملاحظات والاستجابة لها، أن يبني الثقة ويدعم تماسك المنظومة من خلال مواءمة أهداف المنهج مع قناعات المعلمين وتوقعات الجمهور. والجدير بالذكر أن إشراك صوت الطلبة استراتيجية ناشئة تعتمدها أستراليا وكندا وبعض منظومات دول المنظمة لضمان ملاءمة المناهج، وإن ظلت غير مستغلة بالقدر الكافي في الممارسة العملية.
التنفيذ المرحلي المصحوب بالدعم: من الأنماط الواضحة في المبادرات الإصلاحية اعتماد استراتيجيات تطبيق مرحلية مصحوبة بتدابير دعم كبيرة. فحين فُرضت الإصلاحات فجأة ودون دعم، تعرضت لخطر المعارضة داخل الفصول. وقد وفرت دول مثل نيوزيلندا وإنجلترا مهلة زمنية وموارد، كأدلة المناهج وصناديق التدريب وبرامج الإرشاد التي يتولاها "المعلمون الخبراء"، وهو ما ساعد على تقليص الفاصل الزمني للتنفيذ. وقد يعني التطبيق المرحلي البدء بمدارس تجريبية أو بصفوف دراسية محددة، كما فعلت اليابان وكوريا، للتعلم والتعديل قبل التعميم. ويُعدّ التطوير المهني المستمر للمعلمين أمراً أساسياً، إذ يحذر قادة الإصلاح من الاستهانة بـ"خوف المعلمين من المجهول". فتمكين المعلمين بالتدريب وإشراكهم في إعداد المواد يعزز تبنيهم للإصلاح وكفاءتهم، ويسرّع التنفيذ الفعال.
الحوكمة والاستمرارية: تمكنت المنظومات التي جمعت بين توجيه سياساتي قوي والاستمرارية من إدارة الإصلاحات بفاعلية أكبر. ففي المنظومات المركزية كاليابان وكوريا، ضمن التفويض الواضح من القمة اتخاذ القرارات، لكن إنشاء هياكل كلجان الخبراء كان حاسماً لاستدامة جهود الإصلاح بعد انقضاء الدورات الانتخابية. وفي المقابل، مالت المنظومات اللامركزية، كفنلندا ونيوزيلندا، إلى الاعتماد بدرجة أكبر على استثمار الاستقلالية المحلية في الابتكار، مع الحفاظ على مبادئ توجيهية وطنية لمواءمة الجهود. وقد يتسبب التعديل المتكرر للمناهج في إرهاق إصلاحي، ولذلك تباعد دول كثيرة في المنظمة بين المراجعات الكبرى، في دورات تمتد نحو عشر سنوات، لكنها تتيح تحديثات تدريجية فيما بينها لضمان المرونة. وتحقيق هذا التوازن أمر حاسم لكنه عسير في ظل التغير السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي.
المواءمة مع التقييم ومع الإصلاحات الأخرى: ينبغي أن يتسق إصلاح المناهج في منظومة التعليم الأساسي مع الأهداف والاستراتيجيات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية الأوسع. فعلى سبيل المثال، حدّثت اليابان امتحان القبول الجامعي ليركز على كفاءات مثل حل المشكلات بالتوازي مع تغييرات المناهج، وربطت ويلز في المملكة المتحدة وفنلندا إصلاح المناهج بممارسات تقييم جديدة تركز على التقييم التكويني والكفاءات، بما يضمن اتساق الرسائل الموجهة إلى المعلمين والطلبة. وفضلاً عن ذلك، فإن دمج إصلاح المناهج مع مبادرات البنية التحتية الرقمية، كتوزيع الأجهزة في اليابان واستثمارات إيطاليا في الفصول الرقمية، ومع سياسات سوق العمل، كخطط تنمية المواهب في كوريا، يولد أوجه تآزر ويؤكد أهمية الإصلاح، ويحول دون تغييرات منهجية معزولة قد يتجاهلها المعلمون وسط أولويات متضاربة.
التقييم التكراري والمرونة: تتعامل الإصلاحات المرنة مع التنفيذ لا بوصفه نهاية المطاف، بل بوصفه مرحلة تعلم مستمرة. ويمثل التزام نيوزيلندا بجمع الملاحظات أثناء التطبيق وتعديل المحتوى أو الدعم وفقاً لها مثالاً جيداً على ذلك. وبالمثل، تستطيع الدول التي ترصد المؤشرات المبكرة، كجاهزية المعلمين وانخراط الطلبة، أن تجري تصحيحات في منتصف الطريق، كما فعلت كوريا حين وسعت تدريب المعلمين بعد أن أظهرت المسوح الأولية تدني ثقتهم بأنفسهم. وتقلص هذه الاستجابة للبيانات الفاصل الزمني لظهور الأثر، إذ تُعالج المشكلات قبل أن يضيع جيل كامل من الطلبة، كما تحول دون "الانغلاق" على مقاربات معيبة، فتُصقل سياسات المناهج آنياً لتحقيق أثر أفضل.
قياس مدى تبني الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية الإيطالية
حتى سبتمبر 2025، لا توجد مسوح وطنية حول ما إذا كانت المدارس الإيطالية تأخذ الذكاء الاصطناعي في الحسبان ضمن عروضها التعليمية، وكيف تفعل ذلك، باستثناء عدد قليل من التقارير الاستكشافية غير التمثيلية التي تركز على المعلمين، ودون أي تحليل قائم على البيانات الإدارية. وتقدم الخطط الثلاثية للعرض التعليمي (PTOF)، وهي وثائق استراتيجية وتربوية يتعين على كل مدرسة إيطالية إعدادها وتقديمها إلى وزارة التعليم كل ثلاث سنوات، مؤشراً على ما إذا كانت المدارس تراعي الذكاء الاصطناعي وتدرجه في أولوياتها التعليمية، وعروضها المنهجية واللامنهجية، وهيكلها التنظيمي، واستراتيجياتها في الابتكار.
وقد فحصنا وثائق هذه الخطط للمدارس من المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الثانوية للفترة من 2022 إلى 2025. ومن بين الخطط التي أمكن الحصول عليها، وهي خطط 8958 مدرسة من أصل 11808 مدارس حكومية وخاصة، ورد ذكر الذكاء الاصطناعي في خطط 3695 مدرسة، أي ما يقارب مدرسة من كل مدرستين. وكان ذكر الذكاء الاصطناعي أكثر تواتراً في مدارس الجنوب منه في مدارس الشمال. وأظهرت المدارس الثانوية، ولا سيما تلك التي تقدم برامج أكاديمية، أعلى معدلات الذكر، تليها المدارس المهنية.
ومن خلال مقارنة الوثائق الوزارية التي تتضمن قوائم تمويل الخطة الوطنية للتعافي والصمود المخصص لكل مدرسة خلال الفترة ذاتها مع ورود ذكر الذكاء الاصطناعي في هذه الخطط، تبين أن 92% من المدارس التي ذكرت الذكاء الاصطناعي في خططها للفترة من 2022 إلى 2025 تلقت تمويلاً عبر خط واحد على الأقل من خطوط الاستثمار في خطة المدرسة 4.0 ضمن الخطة الوطنية للتعافي والصمود، يتضمن إشارة محددة إلى الذكاء الاصطناعي أو الرقمنة، مقارنة بنسبة 73% من المدارس التي لم تذكره. ومع أن هذه النتيجة وصفية بحتة، فإنها تشير إلى أن المدارس الإيطالية، في سياق الحصول على تمويل الخطة الوطنية للتعافي والصمود، بدأت تولي اهتماماً أكبر للقضايا المتصلة بالذكاء الاصطناعي، سواء على صعيد تدريب المعلمين أو تكييف أدوات التدريس والمقاربات التربوية.
وفي المستقبل، سيتيح الربط بين نتائج البحث في الوثائق المتعلقة بالفترة الثلاثية من 2025 إلى 2028، حين تتوافر كاملة، والفحص المعمق للمشاريع الممولة في كل مدرسة، معلومات أدق حول التبني الأحدث أو الجاري لأدوات الذكاء الاصطناعي في المدارس الإيطالية، وحول العلاقة بين ذلك ومبادرات التمويل الحكومية.
