القائمة الرئيسية

تبنّي الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية: رؤى دولية واعتبارات سياساتية لإيطاليا (6/2)

تبنّي الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية: رؤى دولية واعتبارات سياساتية لإيطاليا (6/2)
ملخص الدراسة

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في الحد من التسرب المدرسي المبكر ومعالجة هشاشة التعلم من خلال أنظمة الإنذار المبكر التي تتنبأ بالطلبة المعرضين للخطر، وتتيح التدخل في الوقت المناسب، إلى جانب أدوات التعلم المخصص التي تقدم شروحاً وتدريبات وتغذية راجعة تتناسب مع احتياجات كل طالب. وتبرز هذه الإمكانات في دعم الطلبة المتعثرين وذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، فضلاً عن تخفيف الأعباء الإدارية عن المعلمين وإتاحة وقت أكبر للتدريس. غير أن تحقيق هذه الفوائد يتطلب معالجة مخاطر التحيز والتمييز وحماية خصوصية الطلبة، وضمان الإشراف البشري والتحقق من دقة التنبؤات ومخرجات الذكاء الاصطناعي. كما ينبغي تجنب الاعتماد المفرط على التقنية الذي قد يضعف الفهم المستقل، من خلال تدريب المعلمين، وتقييم تعلم الطلبة دون مساعدة رقمية، وتصميم أدوات تشجع التفكير والفهم العميق، بما يجعل الذكاء الاصطناعي داعماً للمعلم لا بديلاً عنه.

 

2. استخدام الذكاء الاصطناعي للحد من التسرب المدرسي المبكر ودعم التعلم

التسرب المدرسي المبكر وهشاشة التعلم

يشير التسرب، أو الانقطاع المبكر عن الدراسة، إلى عدم إتمام المرحلة الثانوية العليا، وهو حصيلة لعزوف الطالب التدريجي عن الدراسة وانسحابه منها، وتترتب عليه آثار سلبية كبيرة على الأفراد والمجتمع. فعلى المستوى الفردي، يرتبط التسرب بانخفاض الدخل على مدى الحياة، وارتفاع معدلات البطالة، وتردي النتائج الصحية، بما في ذلك زيادة القابلية للإصابة بمشكلات الصحة النفسية. وعلى المستوى المجتمعي، يفرض التسرب تكاليف أوسع، كتراجع الإيرادات الضريبية، وزيادة الاعتماد على أنظمة الرعاية الاجتماعية والصحية، وارتفاع معدلات الجريمة.

وفي إيطاليا، ترتبط الجهود الرامية إلى الحد من التسرب المدرسي المبكر ارتباطاً وثيقاً بمعالجة ما يُعرف بـ"هشاشة التعلم". فمن جهة، تهدف تدابير موجهة إلى تعزيز مهارات الطلبة في اللغة الإيطالية والرياضيات، لأن ضعف التحصيل يزيد من احتمالات التسرب. ومن جهة أخرى، تُعامل هشاشة التعلم بوصفها شاغلاً سياساتياً مهماً في حد ذاته، وتخضع لرصد مستقل. ففي إطار نظام المعهد الوطني لتقييم المنظومة التعليمية، يُصنَّف التلاميذ الذين لا يبلغون مستويات الإتقان الأساسية في اللغة الإيطالية والرياضيات بوصفهم طلبة يعانون هشاشة أكاديمية.

ويعرض تقرير عام 2024 حول أهداف التنمية المستدامة الصادر عن المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء (ISTAT) التزام إيطاليا بالحد من التسرب المدرسي المبكر، ويسلط الضوء على عدد من المبادرات الحكومية، ومنها الاستثمارات الموجهة في إطار مبادرة الاتحاد الأوروبي للجيل القادم، المعروفة في إيطاليا باسم الخطة الوطنية للتعافي والصمود (PNRR)، فضلاً عن التدخلات الإقليمية. وتنسجم هذه الجهود مع توصيات المجلس الأوروبي ومع الإطار الاستراتيجي للتعليم والتدريب للفترة من 2021 إلى 2030، اللذين يهدفان إلى خفض معدل التسرب إلى 9% بحلول عام 2030، علماً بأن متوسط الاتحاد الأوروبي بلغ 9.3% في عام 2024 وبلغ في إيطاليا 9.8%، مع تعزيز الوصول المنصف إلى تعليم جيد، ولا سيما في المناطق الأقل حظاً. وبحلول عام 2022، كانت إيطاليا قد حققت أهداف الحد من التسرب المبكر بالنسبة إلى الشابات، إذ بلغت نسبة المتسربات من الفتيات 7.1%، أي أقل بنقطتين مئويتين تقريباً من هدف الاتحاد الأوروبي البالغ 9%. وفي المقابل، ظل معدل التسرب مرتفعاً نسبياً بين الشبان، إذ بلغ 12.1% في عام 2024. ويُلاحظ اتجاه تنازلي مطرد في معدل التسرب المبكر لدى الفتيات والفتيان على السواء، وإن كان أوضح لدى الفتيات.

وفضلاً عن ذلك، تبرز الفوارق الإقليمية بوضوح. فمعدل التسرب المبكر يبلغ أعلى مستوياته في سردينيا وصقلية بنسبة 17%، وأدناها في أومبريا وماركي ولاتسيو، وهي من الأقاليم القليلة التي يقل فيها معدل التسرب المبكر لدى الفتيان عن هدف الاتحاد الأوروبي لعام 2030. ففي أومبريا يبلغ معدل التسرب 5.6% لمجموع الطلبة، وتبلغ الفجوة بين الجنسين 3.5 نقطة لصالح الفتيات. ومع ما تحقق من تقدم في الحد من التسرب المبكر، فإن هشاشة التعلم آخذة في الازدياد. فبين عامي 2019 و2025، ارتفعت نسبة الطلبة الإيطاليين الذين لا يبلغون مستويات الإتقان الأساسية في الرياضيات واللغة الإيطالية في نهاية المرحلة الإعدادية، أي في الصف الثامن، من 26% إلى 30%. وفي نهاية المرحلة الثانوية، أي في الصف الثالث عشر، ارتفعت هذه النسبة من 25% إلى 36%.

وفي الصف الثالث عشر، تبرز بوضوح الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في خطر التعرض لهشاشة التعلم، إذ يرتفع هذا الخطر لدى الفتيان ولدى المهاجرين من الجيل الأول. وقد تفاقمت هذه الفوارق بفعل الفاقد التعليمي الناجم عن الجائحة، وهي تبرز بشكل خاص في الأقاليم الجنوبية. وتؤكد نتائج بيانات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة ارتفاع نسبة الطلبة ذوي المستويات المتدنية من الإتقان الأكاديمي، وقوة العلاقة بين الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للطلبة واحتمال تعرضهم لهشاشة التعلم. ففي عام 2025، لم يبلغ 13.4% من الطلبة المحرومين اجتماعياً واقتصادياً في الصف الثامن مستويات الإتقان الأساسية، مقارنة بنسبة 6% من الطلبة الميسورين، وبلغت هاتان النسبتان في الصف الثالث عشر 9.8% و5.3% على التوالي. وتزداد الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في التحصيل حدة بفعل البنية الطبقية للمنظومة الثانوية الإيطالية، إذ تستمر في نهاية المرحلة الثانوية فوارق كبيرة في نتائج الرياضيات واللغة الإيطالية بين المسارات الدراسية، فتُسجَّل أعلى النتائج في الثانويات الأكاديمية، وتليها المعاهد التقنية، ثم تأتي أدناها في المدارس المهنية.

خلاصة الشواهد حول المحركات الرئيسية للتسرب المدرسي المبكر

تتأثر مخاطر التسرب المبكر وهشاشة التعلم بطائفة من العوامل المرتبطة بالمدرسة، ومنها: عبء العمل الملقى على المعلمين، والمقاربات التدريسية والتعليمية، والجهود المبذولة للكشف المبكر عن خطر التسرب، ومقاربات إعداد المحتوى وتخطيط الدروس، وتوقيت التغذية الراجعة ومدى تخصيصها، والتواصل بين المدرسة والأسرة ومشاركة أولياء الأمور. وتؤثر هذه العوامل في تعلم الطلبة وفي خطر تسربهم عبر عدد من القنوات، ومنها تأثيرها في مدى انخراط الطلبة ومشاركتهم.

إمكانات الذكاء الاصطناعي في الحد من التسرب المدرسي المبكر

تُناقش إمكانات استخدام التكنولوجيا الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، ومخاطره في معالجة خطر التسرب المدرسي ودعم التعلم، ولا سيما لدى الأطفال المعرضين لخطر ضعف التحصيل، على نطاق واسع في إطار مجموعتين من الأنشطة: أولاهما الجهود الرامية إلى تحسين دقة الكشف المبكر عن خطر تسرب الطلبة وهشاشتهم وتسريع توقيته، وثانيتهما دعم التعليم والتعلم من خلال تخصيص المواد التعليمية وممارسات التدريب والتقييم، وإعادة توزيع عبء عمل المعلمين بعيداً عن المهام الإدارية.

أنظمة الإنذار المبكر

تستخدم أنظمة الإنذار المبكر البيانات للكشف عن الطلبة المعرضين لخطر التسرب من المدرسة، استناداً إلى سلسلة من مؤشرات "الإنذار المبكر" التي تتنبأ بأداء الطلبة. وتكتسب هذه الأنظمة قيمتها إذا كانت ترصد بدقة الطلبة المعرضين لخطر التسرب ممن لم يتعرف عليهم المعلمون بوصفهم كذلك، وإذا كانت تفعل ذلك بمستوى عالٍ من الدقة، وإذا كان الكشف في الوقت المناسب يستتبع تدخلات ملائمة لدعم الطلبة الذين صُنّفوا بأنهم "معرضون للخطر". كما يمكن لهذه الأنظمة، إذا صُممت لهذا الغرض، أن تقترح مباشرة تدخلات مناسبة وقابلة للتطبيق استجابة لما تكشفه من مخاطر.

ويمكن لخوارزميات تعلم الآلة أن تجعل الأدوات الرقمية القائمة أكثر فاعلية وأيسر تطبيقاً في البيئة التعليمية، بفضل أساليب حوسبة متقدمة على نحو متزايد تستوعب عوامل معقدة تؤثر في نتائج الطلبة، كالدافعية والمعلومات المتعلقة بالصحة النفسية، وهو ما قد يحسّن فاعلية النماذج التنبؤية. غير أن إدراج هذه المتغيرات الاجتماعية والعاطفية والنفسية يثير اعتبارات منهجية وأخلاقية مهمة. فقياس مفاهيم مثل الدافعية والانخراط والرفاه قياساً موثوقاً ومتسقاً عبر المدارس أمر عسير، وقد تُدخل المؤشرات البديلة تحيزاً أو تشويشاً على النماذج التنبؤية. يضاف إلى ذلك أن جمع البيانات الشخصية الحساسة ومعالجتها، ولا سيما ما يتعلق منها بالصحة النفسية للطلبة، يثيران مخاوف جدية تتصل بالخصوصية وحماية البيانات في ظل أطر مثل اللائحة العامة لحماية البيانات. ومن ثم فإن ضمان أن يكون استخدام البيانات متناسباً وشفافاً وخاضعاً لحوكمة آمنة أمر أساسي للحفاظ على الثقة وصون حقوق الطلبة.

وتبين الدراسات المتاحة كيف يمكن لتعلم الآلة أن يكون فعالاً في تحسين دقة التعرف على عوامل خطر التسرب لدى الطلبة وتسريع توقيته. فقد أظهرت دراسة حول التسرب وعدمه في المرحلة الثانوية العليا في فنلندا أن الأدوات التنبؤية، حين تُغذّى بمجموعة بيانات موسعة تشمل المهارات الأكاديمية والمعرفية للطلبة ودافعيتهم وسلوكهم ورفاههم، وحين يمتد أفق النمذجة ليشمل بيانات طولية تغطي ثلاثة عشر عاماً، قادرة على تقديم تنبؤات دقيقة منذ نهاية المرحلة الابتدائية، وهو أمر حاسم لدعم الطلبة دعماً فعالاً في الوقت المناسب. وقد خلصت المقارنة بين أداء مصنِّفات تعلم الآلة في التنبؤ بالتسرب المدرسي عند الاعتماد على بيانات حتى نهاية المرحلة الابتدائية، أي الصف السادس في سن 12 إلى 13 عاماً، مقابل بيانات حتى نهاية المرحلة الإعدادية، أي الصف التاسع، إلى أن النموذج قادر على التنبؤ بدقة بحالات التسرب وعدمه في المرحلة الثانوية العليا منذ الصف السادس، مع تراجع طفيف فحسب في الدقة مقارنة بالتنبؤات المستندة إلى بيانات حتى الصف التاسع. كما أظهرت نماذج أخرى اختُبرت في البحوث الأكاديمية نتائج واعدة مماثلة فيما يتعلق بأداء نماذج الذكاء الاصطناعي مقارنة بغيرها من النماذج في التنبؤ بالتسرب المدرسي.

المخاطر وسبل الحد منها

من أبرز المخاوف أن دقة أدوات التنبؤ قد تتفاوت بحسب فئات الطلبة، وقد تكون أدنى لدى الطلبة المنحدرين من خلفيات محرومة. فقد توصلت دراسة أُجريت في ألمانيا إلى أن خوارزميات تعلم الآلة التي تقوم عليها أنظمة التنبؤ في الجامعات كانت أقل دقة بكثير بالنسبة إلى الطلبة الذين التحقوا بمدارس مهنية، مقارنة بمن سلكوا مسارات أكاديمية "معيارية" قبل التحاقهم بالجامعة. ويعود ذلك إلى أن المسارات التعليمية غير النمطية والممثلة تمثيلاً ناقصاً في المدارس المهنية دفعت الخوارزميات، المدربة أساساً على ملامح أكاديمية تقليدية، إلى إعادة إنتاج تحيزات بنيوية ومتصلة بالبيانات، فبالغت في تقدير خطر تسرب هؤلاء الطلبة.

ويُفضي ضعف شفافية النماذج القائمة على الذكاء الاصطناعي، وغموض بيانات تدريبها وعملياتها، إلى مخاطر التحيز، ويثير النقاش حول الطريقة التي تستخدم بها المدارس معلومات التنبؤ بالمخاطر. فإساءة استخدام نماذج التنبؤ القائمة على الذكاء الاصطناعي قد تسهم في التنميط والتمييز ضد فئات واسعة من الطلبة. فقد كشف تحليل لنظام الإنذار المبكر بالتسرب في ولاية ويسكونسن، الذي يستخدم العرق بوصفه أحد المدخلات للتنبؤ باحتمال تخرج الطالب من المرحلة الثانوية في موعده، أن النظام ولّد تنبؤات خاطئة بالخطر للطلبة السود واللاتينيين بمعدل يفوق كثيراً معدلها لدى زملائهم البيض. فقد كان معدل الإنذار الكاذب، أي تواتر تنبؤ الخوارزمية بأن الطالب لن يتخرج في موعده في حين أنه أتم دراسته فعلاً وفق الجدول المقرر، أعلى بنسبة 42% لدى الطلبة السود منه لدى الطلبة البيض. وتثير هذه الأخطاء قلقاً خاصاً حين تؤثر درجات الخطر سلباً في نظرة المعلمين إلى الطلبة، وفي معتقدات الطلبة أنفسهم حول إمكاناتهم الأكاديمية، إذ قد تفضي نتائج التنبؤ في هذه الحالات إلى مزيد من التمييز. وللحد من هذه المخاطر، والمساعدة على ضمان أن يفي الذكاء الاصطناعي بما ينطوي عليه من إمكانات، يمكن اعتماد الاستراتيجيات الآتية:

إجراء تدقيق دوري للخوارزميات التنبؤية للكشف عن التحيز، وضمان الشفافية في أساليب التنبؤ، وتوفير إشراف بشري للتحقق من صحة التنبؤات والتدخلات.

ضمان خلو بيانات التدريب من التحيز حتى لا تتبناه النماذج وتعيد إنتاجه.

إخضاع أدوات الذكاء الاصطناعي لحوكمة صارمة، تشمل الشفافية في عمليتي التصميم والتطبيق، والتدقيق الدوري للكشف عن التحيز، ورصد النتائج، وهي أمور أساسية طوال دورة حياة أنظمة الكشف المبكر، وفي الطريقة التي تُستخدم بها توصياتها.

ضمان أن تقترن مبادرات الإنذار المبكر وتحديد المخاطر باستراتيجيات انخراط فاعلة يضطلع بها المعلمون وتُصمم من أجلهم، وتكون مكيفة وفق احتياجات الطلبة. فمن دون متابعة متسقة، وتدريب المعلمين وتطويرهم، وتدخلات مخصصة، يظل الأثر المحتمل لهذه الجهود محدوداً.

دعم نواتج التعلم ومعالجة هشاشة التعلم

يجري في مختلف المنظومات التعليمية توظيف المعلمين الافتراضيين ومساعدي التدريس القائمين على الذكاء الاصطناعي لتقديم شروح متدرجة خطوة بخطوة، وتوليد مهام تدريبية، وتقديم تغذية راجعة فورية، ومساعدة الطلبة على تصحيح أخطائهم أو مراجعة أعمالهم. وتتراوح هذه الأنظمة بين أدوات حوارية عامة الغرض، كروبوتات المحادثة القائمة على نماذج GPT التي يلجأ إليها الطلبة طلباً للمساعدة، ومنصات مصممة خصيصاً ومتوائمة مع المناهج الدراسية، توجه المتعلمين عبر محتوى متسلسل وتطلع المعلمين على مستوى تقدمهم. ويتمثل وعدها الرئيسي في إتاحة الدعم المخصص للجميع، وتخفيف عبء عمل المعلمين من خلال أتمتة المهام الإدارية ومهام التغذية الراجعة الأقل قيمة.

وتجسّد حالات الاستخدام في الرياضيات المنطق الأوسع للتخصيص القائم على الذكاء الاصطناعي، والذي يقوم على مدخلات تعليمية قصيرة يعقبها تدريب وتغذية راجعة فورية وتقدم تكيفي. فمنصات مثل أكاديمية خان وBrainPOP وMATHia، والمعلمون الافتراضيون منخفضو التكلفة العاملون عبر تطبيق واتساب، كتطبيق Rori في غانا وسيراليون، تكيّف وتيرة التعلم ومستوى الصعوبة بحسب قدرات المتعلم، وترصد تقدمه، وتتيح المعلومات للمعلمين. كما تسهم تقنيات التعرف الضوئي على الحروف وأدوات الحل المتدرج، كما في تطبيق QANDA، في تخفيف حواجز الوصول أمام الطلبة المحتاجين إلى الدعم.

وتثير حالات الاستخدام هذه تساؤلات حول الخطر الذي يشكله على تعلم الطلبة لجوؤهم إلى "التفريغ المعرفي"، والإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا، والبحث عن الحلول السريعة. وما تزال الشواهد على فاعلية أدوات الذكاء الاصطناعي ومساعداته متباينة. ونظراً للسرعة التي تُحدَّث بها أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن معظم الشواهد المتاحة تتعلق بأنظمة توقف العمل بها بالفعل، مثل ChatGPT 3.5 وChatGPT 4 من شركة OpenAI.

وقد أفاد تحليل بعدي أُجري عام 2024 لدراسات تجريبية وشبه تجريبية بوجود آثار إيجابية إجمالية للتدخلات القائمة على الذكاء الاصطناعي في دعم الطلبة الصغار، ممن تتراوح أعمارهم بين 5 و16 عاماً، المصابين بالتوحد، أو باضطرابات التعلم كعسر القراءة، أو بالإعاقات الذهنية. وقد استخدمت هذه التدخلات الروبوتات الاجتماعية، وأنظمة الواقع الافتراضي، وبرمجيات التدريس الذكية، لتعزيز الانخراط والاستجابة العاطفية، ولا سيما في سياقات التفاعل الثلاثي التي تضم الأقران أو المعلمين، فضلاً عن دعم مقاربات التعلم المخصصة ومتعددة الوسائط، كبرامج التعرف على الكلام. وبالمثل، تفصّل الشواهد الحديثة الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الكيفية التي يمكن بها استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطلبة ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة على بلوغ أهدافهم التعلمية، مع إبراز المخاطر والقيود الرئيسية. ومن ذلك على وجه الخصوص أدوات الذكاء الاصطناعي التي أظهرت نتائج واعدة في دعم الطلبة الذين يعانون صعوبات التعلم، كعسر القراءة وعسر الكتابة وعسر الحساب، واضطرابات الحواس البصرية والسمعية، واضطرابات اللغة، فضلاً عن التوحد واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة.

المخاطر وسبل الحد منها

تُظهر الشواهد أن التعلم بمساعدة الحاسوب لا يرفع مستوى التحصيل إلا حين يُستخدم لتمكين المعلمين لا لتجاوزهم. والواقع أن فاعلية الأدوات المختلفة في التجارب العشوائية تتوقف إلى حد كبير على بروتوكولات التطبيق المتصلة بإدخالها. فالإدماج الناجح يتطلب في الغالب من المعلمين تكييف أساليبهم، ومتابعة التقدم، وإتاحة الوقت للتدريب، غير أن كثيرين منهم يترددون في ذلك بسبب ضغوط الوقت، أو محدودية الإلمام بهذه الأدوات، أو التشكك فيها. كما يمكن للنماذج اللغوية الكبيرة أن تضخم تصور الطلبة لما تعلموه مقارنة بما تعلموه فعلاً، فيقل تدربهم ويلجؤون إلى التفريغ المعرفي. وتشير الشواهد المتعلقة بمكاسب التعلم المرتبطة بأدوات الذكاء الاصطناعي في المدارس الإعدادية إلى أن الإشراف البشري كان حاسماً لتحقيق منافع هذه الأدوات، ولا سيما لدى الطلبة ذوي الدرجات المنخفضة في الاختبارات القبلية، لأن المعلمين قدموا دعماً تحفيزياً ومعرفياً لا غنى عنه. وبوجه عام، قد يتفاوت أثر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعلم بحسب المجال، ومستوى الإتقان، والسلوك الذي يعززه هذا الاستخدام. فعلى سبيل المثال، تبين أن الطلبة الذين يتعلمون البرمجة واستخدموا الذكاء الاصطناعي لتوليد الحلول غطّوا موضوعات أكثر لكنهم فهموها فهماً أقل، في حين أن من استخدموه للحصول على الشروح غطّوا موضوعات أقل لكنهم تعمقوا في فهمها، ولم يُلحظ أثر صافٍ على التعلم مقارنة بالطلبة الذين لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي، وإن اختلف عمق التعلم واتساعه اختلافاً ملحوظاً.

وقد يمنح المعلمون الافتراضيون القائمون على الذكاء الاصطناعي الطلبة إحساساً زائفاً بالإتقان، إذ إن حل المسائل بمساعدة خارجية يدفعهم إلى المبالغة في تقدير قدراتهم. وتشير الشواهد المتعلقة بأثر الاختبارات في التعلم إلى أن الجهد الذهني الذي يبذله الطلبة حين يجيبون عن الاختبارات دون مساعدة جزء لا يتجزأ من عملية التعلم، وهو تعلم يمكن تعظيمه بضبط الوتيرة وتقديم التغذية الراجعة. وفي الوقت ذاته، ثبت أن أدوات الذكاء الاصطناعي الحوارية تفضي إلى مستويات أعلى من الانخراط، فحتى في غياب تقدم في التعلم، يصف الطلبة عملية التعلم المصحوبة بالمعلمين الافتراضيين بأنها أكثر إمتاعاً. وبالنسبة إلى الطلبة المعرضين بشدة لخطر العزوف عن التعلم، يمكن النظر إلى هذا الأثر الوجداني الإيجابي بوصفه نتيجة قيّمة في حد ذاته، فالطلبة الذين يكتسبون الثقة في تعلمهم ويستمتعون بممارسته أكثر ميلاً إلى مواصلة تعليمهم. يضاف إلى ذلك أن الشواهد المتوافرة حتى الآن حول أدوات الذكاء الاصطناعي الداعمة للتعلم لدى الطلبة ذوي التحصيل التعليمي المتدني تشير بوجه خاص إلى أهمية وضوح المبادئ التوجيهية، والدعم البشري المباشر، والقيم المتمحورة حول الإنسان في جميع مراحل تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقها. ومن ثم يكمن التحدي في استثمار المنافع التحفيزية مع تعزيز التعلم الفعلي.

ومن استراتيجيات الحد من هذه المخاطر ما يأتي:

جعل الدعم التدريجي شفافاً وسحبه بصورة مقصودة، إذ يمكن تصميم منصات الذكاء الاصطناعي بطريقة تبيّن التلميحات المقدمة، وتُلزم الطلبة بحل اختبارات التدريب دون مساعدة، أو تشترط عليهم تقديم شروح أو أمثلة تثبت فهمهم قبل اعتبار وحدات التدريب مكتملة. وتتطلب هذه الاستراتيجية أن يستخدم الطلبة الذكاء الاصطناعي تحت الإشراف، دعماً لهذه الأنماط من الاستخدام وتجنباً للالتفاف على التحديات المدمجة في الأدوات.

إقران وسائل الدعم القائمة على الذكاء الاصطناعي بمعلمين مدربين يتولون انتقاء مخرجات الآلة والتحقق من صحتها، وإدماج ضمانات الشمول الرقمي، بحيث تعزز التكنولوجيا العمل العلائقي الذي يُبقي الطلبة المستضعفين مرتبطين بالمدرسة بدلاً من أن تحل محله.

تنظيم تقييمات دورية بالورقة والقلم أو بعيداً عن الأجهزة بصورة اعتيادية لرصد التقدم دون الاستعانة بالوسائل الرقمية. فهذه القاعدة البسيطة تقاوم التفريغ المعرفي بإبقاء ممارسة الاسترجاع حاضرة، وتمنح المعلمين معياراً خارجياً موثوقاً للتقدم الذي تفيد به أدوات الذكاء الاصطناعي.

ومع تزايد إدماج المعرفة بتنوع احتياجات المتعلمين في تصميم الذكاء الاصطناعي، يؤكد الباحثون أهمية إشراك الطلبة والمعلمين والأسر والممارسين في مراحل التصميم والاختيار والتطبيق والتقييم.

وقد أضاف عدد من مزودي الخدمات في عام 2025 خصائص موجهة نحو التعلم، إذ قدمت شركة Anthropic أنماطاً للتعلم في Claude في أبريل، وأطلقت OpenAI نمط الدراسة في ChatGPT في يوليو، وأضافت Google خاصية التعلم الموجه في Gemini في أغسطس. وبدلاً من تقديم الحلول المباشرة، صُممت هذه الخصائص لتوجيه الطلبة في حل المسائل خطوة بخطوة، مع تقديم تلميحات متدرجة وأسئلة تحفز التأمل. والهدف من ذلك الحد من خطر التفريغ المعرفي عبر تشجيع الفهم العميق. ولا توجد حتى وقت كتابة هذه الورقة تقييمات مستقلة لهذه الخصائص، وسيتوقف أثرها الفعلي على ما إذا كان المتعلمون سيختارون استخدام هذه الأنماط أثناء دراستهم المستقلة.

ولمواجهة ميل المتعلمين إلى المبالغة في تقدير كفاءتهم حين يعملون مع معلم افتراضي قائم على الذكاء الاصطناعي، يمكن تصميم المنصات بحيث تُظهر مستوى المساعدة المقدمة بوضوح، فتنبه إلى الحالات التي تحققت فيها الإجابة الصحيحة بالاستعانة بتلميحات أو توجيه متدرج، وبحيث تشترط إجراء اختبارات قصيرة دورية منخفضة المخاطر دون أي دعم، فيُلزم الطلبة بإثبات إتقانهم المستقل قبل الانتقال إلى ما يليه، وبحيث تعتمد تقنيات السحب التدريجي للدعم كلما تحسن مستوى الإتقان، وبحيث تُغذّي لوحات المؤشرات الخاصة بالمعلمين بنتائج هذه الاختبارات المستقلة، فيتمكن المعلمون من استخدام التقدم الذي تفيد به أدوات الذكاء الاصطناعي إلى جانب ملاحظاتهم الخاصة، والتدخل سريعاً حيثما تتجاوز ثقة الطالب فهمه الفعلي. ومن شأن إدماج أسئلة قصيرة تحفز التفكير فيما وراء المعرفة، كأن يُطلب من التلاميذ أن يشرحوا بكلماتهم الخاصة سبب صحة حل ما، أن يسهم كذلك في ضبط إدراكهم لذواتهم، والإبقاء على مستوى ملائم من الصعوبات المرغوب فيها.

توزيع مهام المعلمين وعبء عملهم

ارتبط ارتفاع عبء العمل الملقى على المعلمين بانخفاض تحصيل الطلبة. فحين يستأثر العمل الإداري وإدخال البيانات وإدارة الفصل بنصيب كبير من وقت المعلمين، يقل الوقت المتاح لتخطيط الدروس والتدريس والعمل المباشر مع الطلبة. وقد أبرز المعلمون في المملكة المتحدة الذين استطلعت وزارة التعليم البريطانية آراءهم الإمكانات المتاحة لتخفيف عبء العمل. ويبين النظام الوطني لمعلومات التعليم في كوريا (NEIS) كيف يمكن للبنية التحتية الرقمية أن تدعم الكفاءة، إذ يتولى أتمتة العمليات الإدارية في نحو 12000 مدرسة و17 مكتباً إقليمياً، فيدير تسجيل الطلبة ودرجات الاختبارات والسجلات الأكاديمية. وقد حقق وفورات تقدر بأكثر من 200 مليون دولار أمريكي سنوياً، وذلك أساساً من خلال تقليص الوقت المنفق على إدخال البيانات والتحقق منها.

المخاطر وسبل الحد منها

تشير التجربة حتى الآن إلى عدة شروط بنيوية ينبغي توافرها للمساعدة على ضمان أن تتحول التحسينات في الكفاءة الناتجة عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مكاسب تعليمية للطلبة. ويأتي في مقدمة هذه الشروط دعم التطبيق، فحين يتلقى المعلمون التدريب والدعم الكافيين، تشير التجربة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تجعل عملهم أيسر وأكثر إرضاء، فضلاً عن تحسين نواتج تعلم الطلبة. أما في غياب الإدماج والتوجيه السليمين، فتظل إمكانات الذكاء الاصطناعي محدودة، بل قد تزيد من عبء عمل المعلمين. ويعبّر المعلمون، حين تُستطلع آراؤهم، عن حاجة قوية إلى تلقي التوجيه بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي وإدماجه.

ويتطلب تحقيق مكاسب الكفاءة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، كتخفيف عبء عمل المعلمين، ابتكاراً بنيوياً. فالتغيير التربوي والاستثمار في التدريب والتجريب، بما في ذلك تخصيص وقت للمعلمين لتعلم التطبيقات واختبارها، أمور أساسية لضمان أن تنعكس هذه المكاسب على نواتج التعلم. وبالمثل، فإن قابلية التشغيل البيني والتنسيق في منظومة التعليم الرقمي أمران بالغا الأهمية، إذ إن التشتت الحالي في الأدوات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، في غيابهما، ينذر بزيادة عبء عمل المعلمين بدلاً من تخفيفه.

دراسة ذات صلة