القائمة الرئيسية

تبنّي الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية: رؤى دولية واعتبارات سياساتية لإيطاليا (6/3)

تبنّي الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية: رؤى دولية واعتبارات سياساتية لإيطاليا (6/3)
ملخص الدراسة

تتناول الدراسة إمكانات استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليص الفجوة بين الجنسين في الرياضيات، في ظل استمرار تفوق الفتيان على الفتيات في إيطاليا، ولا سيما بين الطلبة الأعلى تحصيلاً، مما يؤثر في فرص الالتحاق بمسارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. ويمكن للذكاء الاصطناعي دعم هذه الجهود عبر توفير الإرشاد المهني ومطابقة الفتيات مع مرشدات وقدوات نسائية، ومساعدة المعلمين على تحسين أساليب التدريس ورصد التحيزات، وتحليل الكتب والمواد التعليمية للكشف عن الصور النمطية الجندرية وتصحيحها. ومع ذلك، قد تعيد الأنظمة الذكية إنتاج التحيزات القائمة، أو تقدم معلومات مضللة، أو تهدد الخصوصية، مما يستدعي إخضاعها لمراجعة بشرية دورية، وتدريب المعلمين على استخدامها وتقييم مخرجاتها نقدياً، وضمان تنوع البيانات وشفافية الخوارزميات. ويتطلب تحقيق نتائج مستدامة توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة داعمة للمعلمين والطلبة، ضمن سياسات تعليمية شاملة تعزز ثقة الفتيات بقدراتهن وتوفر فرصاً أكثر إنصافاً للتعلم والتقدم في المجالات العلمية.

 

3. استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليص الفجوة بين الجنسين في الرياضيات

الفوارق بين الجنسين في الأداء الرياضي

يميل الفتيان في المتوسط إلى التفوق على الفتيات في الرياضيات، ولا سيما بين الطلبة الأعلى تحصيلاً، أي الفئة من المتعلمين الأكثر ميلاً إلى الالتحاق بمقررات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ومساراتها المهنية التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الرياضيات. ومن شأن استمرار هذا الاختلال عند هذا المستوى أن يرسخ الفصل بين الجنسين في الدراسات المتقدمة وفي الشرائح عالية المهارة من سوق العمل. وتشير بيانات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة لعام 2022 إلى أن إيطاليا كانت الدولة ذات الفجوة الأوسع بين الجنسين في الرياضيات على مستوى المتوسط، والثانية من حيث اتساع الفجوة عند النظر في الفروق بين الفتيان والفتيات الأعلى تحصيلاً في سن الخامسة عشرة، أي عند المئين التسعين من التحصيل. وبالمثل، سجلت إيطاليا ثالث أوسع فجوة بين الجنسين في الرياضيات بين طلبة الصف الرابع المشاركين في دراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم (TIMSS)، وسابع أوسع فجوة بين طلبة الصف الثامن. وتشير التقييمات الوطنية إلى أن الفتيات في إيطاليا يتأخرن في أدائهن عن الفتيان منذ الصف الثاني.

وقد اعتمدت إيطاليا مبادرات مثل أسابيع التوعية بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ومبادرة Coding Girls، وخطة المدرسة 4.0 ضمن الخطة الوطنية للتعافي والصمود، بهدف تعزيز التحصيل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والمجالات المرتبطة بالتكنولوجيا عموماً، وتقليص الفوارق بين الجنسين. غير أن هذه المبادرات لم تحدث بعد أثراً كبيراً في التحصيل المقيس أو في اختيار المقررات. وتدعو الاستراتيجية الوطنية للكفاءات الرقمية صراحة إلى تقليص الفوارق بين الجنسين وتسخير إمكانات المقاربات القائمة على البيانات وأدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفتح نافذة سياساتية مواتية لتبني الذكاء الاصطناعي.

خلاصة الشواهد حول المحركات الرئيسية لتدني أداء الفتيات في الرياضيات

تتشابك العوامل العديدة التي تسهم في تدني تحصيل الفتيات في الرياضيات، وتمتد عبر مجالات مجتمعية ونفسية وتعليمية وثقافية، كما أنها تتفاعل فيما بينها على نحو تراكمي. فالقلق المبكر وتهديد الصورة النمطية، على سبيل المثال، قد يكبحان الانخراط، وتراجع الانخراط قد يحد من اختيار المقررات، ومحدودية اختيار المقررات قد تخفض الكفاءة والثقة بالنفس. ويذكّر تعدد هذه العوامل وتنوع المستويات التي تنشأ فيها بأن الذكاء الاصطناعي، حتى لو أزال أحد الحواجز، فإن حواجز أخرى قد تظل تقيد الفرص المتاحة أمام الفتيات.

إمكانات الذكاء الاصطناعي في تقليص الفجوة بين الجنسين في الرياضيات

فرص الإرشاد المعززة بالذكاء الاصطناعي

يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تعزز فرص الإرشاد المتاحة للنساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، من خلال تشغيل منصات تطابق بين المسترشدات والمرشدين المناسبين. فهذه العلاقات توفر التوجيه والدعم وفرص بناء شبكات العلاقات المهنية، وهي أمور حاسمة للتقدم الوظيفي وكسر السقف الزجاجي في المجالات التي هيمن عليها الذكور تقليدياً. ويمكن لأنظمة التوصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تطابق بين الفتيات ومرشدات من النساء العاملات في هذه المجالات ممن يسهل على الفتيات التماهي معهن، بهدف تعزيز طموحاتهن ونواياهن المهنية. كما يجري التبني السريع لما يُعرف بـ"وكلاء القدوة" الحواريين المدعومين بالذكاء الاصطناعي، الذين يحاكون الحوار مع عالمات رياضيات بارزات. وتشير التجارب الصفية الأولية في الولايات المتحدة إلى أن هؤلاء الوكلاء يعززون شعور الفتيات بالانتماء إلى الرياضيات حين يُقدَّمون صراحة بوصفهم رفقاء لا مقيّمين.

المخاطر وسبل الحد منها

قد تكرس أنظمة مطابقة المرشدين القائمة على الذكاء الاصطناعي أوجه اللامساواة القائمة إذا كانت بيانات تدريبها تبالغ في تمثيل فئات ديموغرافية أو مسارات مهنية بعينها، فيفضي ذلك إلى ميل نحو التجانس يقصي الفتيات المنتميات إلى فئات عرقية أو اجتماعية واقتصادية ممثلة تمثيلاً ناقصاً. وقد توجه محركات التوصية المسترشدات أيضاً نحو تخصصات علمية ينظر إليها نمطياً بوصفها "أنثوية"، كعلم الأحياء، فترسخ آفاقهن بدلاً من أن توسعها. أما الوكلاء الحواريون، فقد يكونون عرضة لما يُعرف بـ"الهلوسة"، إذ قد تضلل التوجيهات التي تبدو مقنعة لكنها خاطئة من حيث الوقائع، بشأن المقررات الدراسية أو طلبات الالتحاق بالجامعات أو ثقافة بيئة العمل، المتعلمين الذين يفتقرون إلى المعرفة الخلفية اللازمة لاكتشاف الأخطاء. وتتضاعف المخاوف المتعلقة بالخصوصية والحماية حين يفصح المراهقون عن صعوباتهم الشخصية لمحاور غير بشري لا يستطيع التعرف بصورة موثوقة على حالات الضيق، ولا إحالة الشباب إلى الخدمات المتخصصة. وأخيراً، قد يؤدي الإفراط في الاعتماد على المرشدين الافتراضيين إلى إزاحة العلاقات الإنسانية الأغنى، فيُحرم الطلبة من التغذية الراجعة العاطفية الدقيقة والتشجيع المستمر اللذين يقدمهما المرشدون وجهاً لوجه. ويكتسب ذلك أهمية حاسمة بالنسبة إلى الفتيات اللواتي يواجهن تهديد الصورة النمطية في مجالات يهيمن عليها الذكور. ومن ثم فإن الإشراف البشري المحكم، وسجلات التدقيق الشفافة، ومسارات الإحالة المدمجة إلى مرشدين نفسيين مؤهلين، أمور أساسية لاستكمال أي ضمانات تقنية. وللحد من هذه المخاطر، يمكن اعتماد الاستراتيجيات الآتية في حال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي:

إدماج إشراف بشري صارم، وضمان التنوع والشمول في تمثيل المرشدين، واستخدام مجموعات بيانات تدريب منتقاة بعناية للتخلص من التحيزات، وإشراك المعلمين في الرصد والمتابعة للحفاظ على جودة تفاعلات الإرشاد وملاءمتها.

إخضاع خوارزميات المطابقة دورياً لاختبارات إجهاد باستخدام ملفات تعريف اصطناعية للكشف عن التحيزات الكامنة في مسارات التوصية المهنية. وحيثما يُستخدم الوكلاء الحواريون، يمكن لتصميم "ثنائي القناة"، يقرن النص بقائمة معتمدة من أسئلة المتابعة، أن يحد من خطر تعامل الطلبة مع المحتوى المختلق بوصفه مرجعاً موثوقاً.

دعم المعلمين بالذكاء الاصطناعي

تؤثر ممارسات المعلمين تأثيراً كبيراً في تحصيل الطلبة في الرياضيات. وقد قيّمت دراسات عدة برامج تهدف إلى تحسين المهارات الرياضية لدى الأطفال، مع التركيز على التدخلات التي تغير الممارسات التدريسية اليومية من خلال التعلم النشط والتعاوني، وإدارة الفصل، وبرامج التحفيز. وفي الوقت ذاته، تشير دراسات أخرى إلى آثار إيجابية كبيرة لأساليب التدريس التقليدية، كالإلقاء والحفظ عن ظهر قلب، في درجات الاختبارات. فالطلبة يستجيبون لمقاربات تربوية مختلفة، وفي حين أن بعض أساليب التدريس تعزز المعرفة بالحقائق ومهارات حل المسائل الروتينية، فإن أساليب أخرى تنمّي مهارات الاستدلال بدرجة أكبر. ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تساعد المعلمين على إتقان استخدام طيف من المقاربات، وعلى تحديد أنسبها لطلبة بعينهم ولمحتوى بعينه. يضاف إلى ذلك أن بعض المعلمين يحملون معتقدات غير واعية تؤثر سلباً في ثقة الفتيات بأنفسهن وانخراطهن في الرياضيات. ويمكن لبرامج التطوير المهني المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأدوات الكشف عن التحيز، ووسائل المساعدة في تخطيط الدروس، أن ترفع تحصيل الفتيات في الرياضيات دون الإضرار بتحصيل الفتيان.

ويُعدّ انتباه المعلم عاملاً أساسياً في تقدم الطالب. ويمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحديد ما إذا كان المعلمون يقصرون في تخصيص وقت كافٍ للطلبة الأشد حاجة إليه، وإلى أي مدى يحدث ذلك. فقد جرى تقييم انتباه المعلمين في إطار جلسات تدريس افتراضية لمعلم واحد مع طالبين في مجال القراءة والكتابة المبكرة، ركزت على الصوتيات والوعي الصوتي والطلاقة، عمل فيها المدرسون، ومنهم معلمون سابقون ومعلمون بدوام جزئي، مع طالبين لمدة عشرين دقيقة. وشملت الدراسة 757 طالباً من رياض الأطفال حتى الصف الثاني في الولايات المتحدة. وقد تلقت الفتيات انتباهاً أقل حين قُرنّ بفتيان، حتى حين كن الأدنى تحصيلاً في المجموعة. وكشفت التحليلات الحاسوبية لأنماط انتباه المعلمين على وجه الخصوص أن الطالبات الأدنى تحصيلاً في الثنائيات المختلطة تلقين انتباهاً أقل بكثير من أقرانهن الذكور الأعلى تحصيلاً، في حين تلقى الطلبة الذكور الأدنى تحصيلاً انتباهاً أكثر بكثير وعلى نحو ملموس من قريناتهم الأعلى تحصيلاً.

المخاطر وسبل الحد منها

قد يشعر المعلمون بالتهديد من الانخراط في أنشطة التطوير المهني الرامية إلى إدماج الذكاء الاصطناعي في عملهم، أو قد يقاومونها، بسبب عدم الألفة بها أو تصورهم أنها تزيد من عبء عملهم. كما أن المواد التي يولدها الذكاء الاصطناعي قد تكرس عن غير قصد صوراً نمطية أو تحيزات في غياب إشراف صارم. وقد تؤدي مبالغة المعلمين في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي إلى قصور في التقييم النقدي لمخرجاته. فالتطورات التكنولوجية تعني أن طلبة اليوم لا يتواصلون عبر التكنولوجيا فحسب، بل يتواصلون معها أيضاً. ويمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تغير ديناميات التواصل من خلال تعزيز القدرات التواصلية للوكلاء التربويين، وفي الوقت ذاته يميل الطلبة إلى المبالغة في تقدير هذه القدرات.

وينبغي لحزم التطوير المهني أن تقرن الشهادات المصغرة في المهارات التقنية، من قبيل "كيف تكتب أمراً نصياً يحفز التأمل"، بوحدات في الثقافة الإعلامية النقدية، من قبيل "كيف تكتشف التحيز الاجتماعي والثقافي في المهام التي يولدها الذكاء الاصطناعي". وتُظهر الشواهد الدولية أن هذا التركيز المزدوج يزيد من استعداد المعلمات لتبني الذكاء الاصطناعي، ويسهم بصورة غير مباشرة في تقليص الفجوات بين الجنسين داخل الفصول. وللحد من هذه المخاطر، يمكن اعتماد الاستراتيجيات الآتية في حال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي:

توفير تطوير مهني شامل يتمحور حول المعلم، ويركز صراحة على بناء الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي وإدماج الأدوات المدعومة به في الممارسات الصفية الاعتيادية، وهو ما من شأنه أن يقلل مقاومة المعلمين. كما أن التأكيد على استقلالية المعلم، وتقديم الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية داعمة لا بديلة، يمكن أن يعززا انخراط المعلمين.

توظيف أدوات الكشف عن التحيز القائمة على الذكاء الاصطناعي، مع مراجعات بشرية دورية للتحقق من صحة التوصيات التي يولدها، وهو أمر أساسي لضمان أن تستخدم المواد التعليمية لغة وتمثيلاً منصفين.

تزويد المعلمين بتدريب صريح على مواطن قوة أنظمة الذكاء الاصطناعي وحدودها، وتنمية مهارات التقييم النقدي لديهم لضمان إدماجها في الممارسات التدريسية على نحو مستنير.

وتؤكد البحوث الجارية أهمية التواصل الواضح والموثوق والمحفز بين الطلبة والوكلاء التربويين المدعومين بالذكاء الاصطناعي. ويتطلب تعزيز فاعلية هؤلاء الوكلاء دعم الممارسات العلائقية والتواصلية لدى الطلبة، سواء في تفاعلهم مع البشر أو مع الوكلاء الرقميين.

تنقية المواد التعليمية من التحيز

قد تثبط الصور النمطية الجندرية في المواد التعليمية الفتيات ضمنياً عن الانخراط الكامل في الرياضيات، فتتراجع مستويات تحصيلهن وطموحاتهن في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وكثيراً ما تكرس الكتب المدرسية هذه التحيزات، إذ تصور النساء في أدوار سلبية أو بعيدة عن هذه المجالات، وتقلل من تمثيل نجاحات النساء في الرياضيات والمجالات المرتبطة بها. ولا يقتصر ذلك على الكتب المدرسية المستخدمة في المرحلتين الابتدائية والثانوية، بل يمتد إلى الصور الواردة في المواد المستخدمة في مرحلة ما قبل المدرسة. ويمكن لهذه التحيزات أن تشكل على نحو خفي تصورات الطلبة حول الأدوار الجندرية وحول قدراتهم الذاتية. فالكتب الموجهة إلى الأطفال الأصغر سناً لا تحتوي في الغالب على نصوص كثيرة، وإنما تنقل المعنى عبر التمثيلات البصرية. وقد تنقل الصور والرسوم التوضيحية في الكتب المدرسية تمثيلات جندرية متحيزة، ويمكن توظيف الذكاء الاصطناعي للتنبيه إلى التمثيلات التي يُحتمل أن تكون غير متوازنة للرجال والنساء وهم يمارسون أنشطة مختلفة في الصور المستخدمة في البيئات التعليمية. ومع أن أنظمة التعرف على الصور تَعِد بإمكانية التعلم من الصور على نطاق واسع دون الحاجة إلى معرفة متخصصة، فإن البحوث تشير إلى أن أنظمة تعلم الآلة كثيراً ما تنتج مخرجات متحيزة، إذ أظهرت بحوث حديثة أن أنظمة التصنيف الخوارزمية تعيد إنتاج التحيزات الاجتماعية العامة، إن لم تكن تضخمها فعلياً.

ومع أن أنظمة الذكاء الاصطناعي ثبت أنها تضخم التحيزات الاجتماعية القائمة بفعل التصميم الخوارزمي وبيانات التدريب المتحيزة، فإنها تنطوي كذلك على إمكانية الكشف عن هذه الصور النمطية والحد منها بصورة فاعلة. إذ يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمسح محتوى الكتب المدرسية والموارد التعليمية مسحاً منهجياً بحثاً عن التمثيلات المتحيزة، ودعم الخبراء في تحديد المواضع التي تحتاج إلى مراجعة، وضمان تمثيلات أكثر توازناً. فتحليل الكتب المدرسية نشاط يستغرق وقتاً طويلاً، والتعرف على الأنماط من أبرز قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعلى سبيل المثال، تُستخدم أساليب معالجة اللغات الطبيعية لتحديد التمثيل الجندري في النصوص الأدبية المنشورة باللغة الإنجليزية منذ مطلع القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين. وبالمثل، حلل مشروع الرواية والجندر، الذي طوره مختبر العلوم الإنسانية الرقمية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وصف الأدوار الجندرية في مجموعة كبيرة من الروايات الإنجليزية باستخدام بيانات مستقاة من مشروع غوتنبرغ. ومن الأمثلة الأخرى مشروع GenderAlign، وهو تعاون بين باحثين في جامعة جنوب الصين للتكنولوجيا وجامعة ميريلاند، يستخدم التعلم المعزز بالتغذية الراجعة البشرية للحد من التحيزات الجندرية في المحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي. وقد طور المشروع مجموعة بيانات منظمة للمواءمة تضم 8000 حوار، تصنف التحيزات إلى صور نمطية، ولغة تمييزية، وتحيزات مهنية وتعليمية، وتحيزات ضد الفئات الجندرية المهمشة. وأظهرت نماذج الذكاء الاصطناعي المدربة على هذه المجموعة انخفاضاً كبيراً في الاستجابات المتحيزة، إذ أكد التحقق البشري أن 99.7% من المخرجات المختارة التي ولدها الذكاء الاصطناعي كانت خالية من التحيز، مقارنة بنسبة 50.4% فقط في النماذج الأساسية.

المخاطر وسبل الحد منها

على الرغم من الإمكانات التي ينطوي عليها المحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي، فإنه يحمل مخاطر محددة، كترسيخ الصور النمطية القائمة عن غير قصد، ولا سيما عند تكييف المواد بين اللغات. فأنظمة الترجمة الآلية مثلاً كثيراً ما تلجأ تلقائياً إلى ضمائر المذكر عند الترجمة من لغات محايدة جندرياً إلى لغات تميز بين المذكر والمؤنث، فتنشأ تحيزات من قبيل الربط الدائم بين أدوار العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والذكور. وفضلاً عن ذلك، فإن الاعتماد على التلميحات والمحتوى التعليمي الذي يولده الذكاء الاصطناعي في منصات التدريس التكيفية قد يفضي إلى مكاسب تعلم أقل إذا لم تخضع جودة المحتوى لرقابة دقيقة. فعلى سبيل المثال، أثبتت تلميحات الجبر التي أعدها مدرسون بشريون فاعلية أعلى بكثير من تلك التي ولدها ChatGPT. وللحد من هذه المخاطر، يمكن اعتماد الاستراتيجيات الآتية في حال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي:

التحقق البشري: اعتماد حلقات مراجعة بشرية إلزامية للتحقق من المحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي، بما يضمن دقة المواد وملاءمتها وخلوها من التحيز.

التدقيق الدوري: إجراء تدقيق دوري لمخرجات الذكاء الاصطناعي لتقييم الخوارزميات وإعادة معايرتها بصورة منهجية، والحفاظ على اتساقها مع معايير تعليمية غير متحيزة.

التدريب الواعي بالتحيز: إدماج مجموعات بيانات منظمة، كتلك التي يستخدمها مشروع GenderAlign، لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي استباقياً على تقديم استجابات غير متحيزة وتمثيلات شاملة.

الإفصاح الشفاف: إلزام مطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي بتقديم "بطاقات تعريف للنماذج" تفصّل مؤشرات الأداء بحسب الجنس وغيره من الفئات الديموغرافية الفرعية، تعزيزاً للشفافية والمساءلة.

ويُعدّ التعلم المعزز بالتغذية الراجعة البشرية، حتى عام 2024، الإطار المستخدم حالياً لضمان مواءمة أنظمة الذكاء الاصطناعي مع الغايات والأهداف البشرية. ويمكن استخدام هذا الإطار لتعزيز تدخلات تنقية المحتوى من التحيز في البيئات التعليمية، بما يسهم في تقليص الفجوة بين الجنسين في الرياضيات. فهو يعتمد على التغذية الراجعة من مقيّمين بشريين لضبط المخرجات، وجميع النماذج اللغوية الكبيرة واسعة الانتشار حتى عام 2025 تستخدمه لمواءمة مخرجاتها مع الطريقة التي يفسر بها مطوروها "القيم الإنسانية". وإضافة إلى الضمانات القائمة، يوصى باعتماد "الأوامر المضادة" أثناء توليد المحتوى، كأن يُطلب من النموذج صراحة تصوير عالمات في أدوار ذات مرجعية رياضية، وهو أسلوب تبين الشواهد التجريبية أنه قادر على خفض التصويرات المتحيزة جندرياً إلى النصف دون الإخلال بتماسك السرد. وفضلاً عن ذلك، ينبغي لقواعد حماية البيانات الإيطالية أن توضح أن مقتطفات التدريب المستمدة من أعمال الطلبة ملك للطلبة أنفسهم، بما يحد من إعادة تدوير النصوص التي ينتجها الطلبة، والتي قد تكون متحيزة، في النماذج العامة.

دراسة ذات صلة