القائمة الرئيسية

تبنّي الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية: رؤى دولية واعتبارات سياساتية لإيطاليا (6/1)

تبنّي الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية: رؤى دولية واعتبارات سياساتية لإيطاليا (6/1)
ملخص الدراسة

تستكشف هذه الورقة توظيف الذكاء الاصطناعي لمعالجة الفوارق في النتائج التعليمية، مع التركيز على الأنشطة المدرسية وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتبحث الورقة في الآثار المباشرة للذكاء الاصطناعي على إدارة المدارس والتدريس والتقييم ودعم الطلبة، والآثار غير المباشرة على المناهج الدراسية ومتطلبات المهارات المستقبلية في سوق العمل، مع تمييزه كأداة للتعلم وموضوع للتعلم. كما تولي اهتماماً خاصاً للسياق الإيطالي، مستعرضة التحديات والفرص المرتبطة بخصائص نظامها التعليمي، مثل التركيبة الديموغرافية للمعلمين، وأساليب التدريس، والاعتماد على الدراسة الذاتية والامتحانات الشفهية، والبنية التحتية الرقمية. وتهدف الورقة إلى تقديم مبادئ وتوصيات لصناع السياسات لتبني الذكاء الاصطناعي بفاعلية ومسؤولية في التعليم.

 

1. المقدمة

تستكشف هذه الورقة الكيفية التي يمكن بها توظيف الذكاء الاصطناعي على نحو مدروس يتمحور حول المشكلات بغية معالجة الفوارق المتجذرة في النتائج التعليمية. وتنصبّ عنايتها على أنشطة التعليم والتعلم المرتبطة بالمدرسة، فتعرض أمثلة على الطرق التي يُستخدم بها الذكاء الاصطناعي، أو يمكن أن يُستخدم بها، في مواجهة التحديات ودعم المدارس والمنظومات المدرسية. ومع أن التحليل يشمل طيفاً واسعاً من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فإنه يولي اهتماماً خاصاً للاستخدام الناشئ لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وما يترتب عليه، وهي نماذج تُعرَّف بأنها تلك التي تُنشئ مخرجات جديدة، كالنصوص أو الشيفرات البرمجية أو المقاطع الصوتية أو الصور أو الفيديو، استجابة للأوامر النصية التي تُعطى لها، وذلك استناداً إلى البيانات التي دُرّبت عليها. وتستعرض الورقة فضلاً عن ذلك الشواهد الناشئة حول أثر استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل وفي المجتمع عموماً على الطلب على المهارات، وتبحث فيما إذا كانت المنظومات التعليمية تعيد النظر في أولوياتها المنهجية، وكيف تفعل ذلك، في ضوء التحولات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في أسواق العمل، وفي ضوء التساؤلات الأوسع حول الغايات المدنية والثقافية للتعليم المدرسي التي يثيرها اندماج الذكاء الاصطناعي في المجتمع.

وتهدف هذه الورقة إلى تحديد الدروس المستفادة من تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته واستخدامها على الصعيد الدولي، وإلى بيان كيف يمكن لمبادرات الإصلاح السابقة في التعليم أن تُنير الجهود الراهنة لإعادة التفكير في دور المدرسة في عصر الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على أبرز التحديات والفرص في السياق الإيطالي. ويبدأ التقرير بعرض الفرص والمخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في ثلاثة مجالات رئيسية، هي: خفض معدلات التسرب المدرسي بشقيه الصريح والضمني، ومعالجة الفوارق بين الجنسين في التحصيل الرياضي، ودعم المسار التعليمي للطلبة ذوي الخلفية المهاجرة. ثم يستعرض أمثلة على الجهود المبذولة لإدماج الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي وإصلاح المناهج بما يعكس الاحتياجات المتغيرة من المهارات في أسواق العمل والمجتمعات. ومن التمييزات الجوهرية في هذا السياق التمييز بين الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة للتعلم، أي الطريقة التي يمكن بها استخدام أدواته وتطبيقاته لتحسين عمليات التعليم والتعلم، والذكاء الاصطناعي بوصفه موضوعاً للتعلم، حيث يكتسب الطلبة فهماً لكيفية عمل أنظمته ولانعكاساتها الأخلاقية والمجتمعية. وفي الختام، تعرض الورقة المبادئ والعوامل الرئيسية التي ينبغي لصانعي السياسات مراعاتها عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في التعليم، وتقدم أمثلة على المسارات الممكنة لإدخاله في المنظومات المدرسية.

وتولي الورقة على امتداد صفحاتها عناية خاصة للتجربة الإيطالية، إذ تُعرض الشواهد المتعلقة بحالات استخدام الذكاء الاصطناعي وأثره والخيارات السياساتية المتاحة وتُناقش في ضوء السمات الرئيسية للمنظومة المدرسية في إيطاليا، وفي ضوء المبادرات السياساتية الإيطالية في مجال التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتعليم، وذلك بهدف دعم نقاش سياساتي مستنير وتعزيز التعلم حول هذا الموضوع في إيطاليا.

وتعتمد الورقة على مراجعة مكتبية للوثائق المتاحة والأدبيات الأكاديمية. وقد أُجري في مارس 2025 استبيان شمل أعضاء اللجنة الاستشارية النقابية لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بهدف جمع معلومات حول تصورات نقابات المعلمين، وأمثلة من الدول على استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس، والشواهد على أثر استخدام أدواته في نتائج الطلبة والمعلمين. وتعكس الشواهد الملخصة هنا حالة المعرفة حتى أكتوبر 2025. ولما كانت البحوث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي تتطور بوتيرة متسارعة، وكانت الفروق الطفيفة في تصميم الأدوات أو في طريقة تطبيقها قادرة على تغيير فاعليتها وإمكانات تبنيها تغييراً كبيراً، فإنه ينبغي مراعاة ذلك عند التعامل مع الشواهد والاعتبارات السياساتية التي تعرضها هذه الورقة.

تبنّي التكنولوجيا في المدارس

حتى قبل إطلاق تطبيق ChatGPT في عام 2022، الذي دفع المنظومات التعليمية إلى النظر بمزيد من الإلحاح في أثر التغير التكنولوجي على الممارسات التعليمية وعلى الغاية من التعليم المدرسي، كانت جائحة كوفيد 19 قد سرّعت بالفعل الاتجاهات القائمة في تبني التقنيات الرقمية داخل الفصول الدراسية، وأحدثت تحولاً ملحوظاً في الممارسات التعليمية حول العالم. فقد غدت أدوات مثل برمجيات المؤتمرات المرئية وأنظمة إدارة التعلم والموارد الرقمية التفاعلية أدوات لا غنى عنها لتيسير التعليم والتعلم خلال فترات الإغلاق. ولم يكشف التبني السريع لهذه التقنيات عن الفجوات الرقمية القائمة فحسب، بل أبرز أيضاً ما تنطوي عليه تكنولوجيا التعليم من إمكانات لإعادة تشكيل المشهد التعليمي.

غير أنه مع تخفيف القيود التي فرضتها الجائحة، برزت المخاوف من الإفراط في تعرض الأطفال للشاشات الرقمية، وانصبّت على ما قد يترتب على ذلك من آثار سلبية في نموهم المعرفي والعاطفي والاجتماعي. وإلى جانب المخاطر الملازمة للذكاء الاصطناعي ذاته، يعكف المعلمون وصانعو السياسات حالياً على تقييم أثر الأدوات المتاحة للجمهور، مثل ChatGPT، في ضوء المخاوف المتعلقة بالنزاهة الأكاديمية والاستخدام الأخلاقي وممارسات التقييم والتعلم ذاته. بل إن قانون الذكاء الاصطناعي الصادر عن الاتحاد الأوروبي يُدرج التعليم والتدريب المهني ضمن المجالات المصنفة "عالية المخاطر".

ويتفاوت استخدام التكنولوجيا الرقمية في المدارس من دولة إلى أخرى. فالنقاشات الدائرة في ألمانيا والسويد تعكس نهجاً حذراً تجاه التقنيات الرقمية، يُعلي من شأن أساليب التعلم التقليدية والمهارات التواصلية بين الأفراد، كما فرضت بعض الدول، ومنها إيطاليا، حظراً جزئياً أو كلياً على الهواتف المحمولة في المدارس، بحجة أنها تشتت الانتباه عن التعلم وتحد من فرص التفاعل الاجتماعي بين الطلبة. وفي المقابل، وفيما يخص الذكاء الاصطناعي تحديداً، احتضنت بعض السلطات التعليمية استخدامه وروّجت له داخل نطاق ولايتها. فعلى سبيل المثال، بادرت دول مثل إستونيا وفنلندا إلى إدماج التقنيات الرقمية في مناهجها الدراسية، وعززت تجارب التعلم الفردي، وعملت على إعداد الطلبة لمجتمع رقمي.

وبعيداً عن هذه الاختلافات، تؤكد خطة عمل التعليم الرقمي التي أطلقتها المفوضية الأوروبية للفترة من 2021 إلى 2027 أهمية الكفاءة الرقمية وإدماج الذكاء الاصطناعي والأدوات القائمة على البيانات في المنظومات التعليمية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتخلص المراجعات الحديثة، ومنها المراجعة التي أُعدّت لأغراض هذه الورقة، إلى تنامي الاهتمام السياساتي بمسألة الذكاء الاصطناعي في التعليم، على الرغم من التفاوت الكبير بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في درجة تبني أدواته في البيئات التعليمية، وفي طرق استخدامها، وفي مدى إقرار المنظومة التعليمية لهذا الاستخدام أو دعمها له. وقد تناول مسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للسياسات حول التعليم المدرسي في العصر الرقمي بعض جوانب التبني المنهجي للذكاء الاصطناعي في 37 نطاقاً تعليمياً، وكشف عن أن المبادئ التوجيهية واللوائح المتعلقة بالذكاء الاصطناعي نادراً ما تُتناول بالتفصيل، وأن اللوائح الملزمة بشأن استخدامه أندر من ذلك. فقد ورد ذكر الذكاء الاصطناعي في استراتيجيات 26 نطاقاً من أصل 32 نطاقاً مستجيباً، أي بنسبة 81%، في حين لم تتضمن مبادرات محددة سوى 8 استراتيجيات بنسبة 25%، ولم تشتمل على أهداف مقيدة بإطار زمني في هذا الشأن إلا 6 استراتيجيات بنسبة 19%.

ويعمد قادة المدارس والمعلمون إلى تجريب الذكاء الاصطناعي التوليدي حيثما يَعِد بتخفيف أعباء العمل، ولا سيما في التخطيط وإعداد المواد التعليمية. وفي الوقت ذاته، تسود مخاوف واسعة بشأن الأمانة الأكاديمية وأمن البيانات وموثوقية المحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي، إلى جانب عقبات عملية مثل حجب الوصول إلى الأدوات وتفاوت البنية التحتية. ويتأخر العاملون في المدارس وأولياء الأمور تأخراً ملحوظاً عن المراهقين في الخبرة المباشرة بهذه الأدوات، وهو ما يضاعف مخاوفهم ويؤكد أهمية أن تقدم المدارس إرشادات واضحة وميسّرة. وحين يُقدَّم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعزز دور المعلمين لا بديلاً عنهم، وحين تكون ضمانات الخصوصية القوية صريحة، يبدي كل من أولياء الأمور والطلبة تأييداً مشروطاً له.

وتعكس تجارب الدول المختلفة هذه الاتجاهات. ففي سويسرا، توصل مسح رصد رقمنة التعليم من منظور الطلبة، الذي شمل 10000 طالب سويسري تتراوح أعمارهم بين 8 و18 عاماً، إلى أن الطلبة في جميع مراحل التعليم كانوا أكثر ميلاً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المنزل منه في الفصل، وأن الاستخدام يرتفع ارتفاعاً حاداً مع التقدم في العمر. فقد أفاد 8% من طلبة المرحلة الابتدائية باستخدامه بانتظام داخل الفصل، مقابل 30% من طلبة المرحلة الإعدادية، و50% من طلبة المرحلة الثانوية العامة، و42% من المتعلمين في البرامج المهنية. أما النسب المقابلة للاستخدام المنزلي لأغراض الواجبات المدرسية فبلغت 9% و33% و54% و41% على التوالي.

وفي عام 2024، طلب المسح الدولي للتعليم والتعلم الذي تجريه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (TALIS) من المعلمين المشاركين الإفادة بما إذا كانوا قد استخدموا الذكاء الاصطناعي في تدريسهم أو لدعم تعلم طلبتهم. وفي إيطاليا، أفاد 25% من معلمي المرحلة الإعدادية بأنهم فعلوا ذلك خلال الأشهر الاثني عشر السابقة، مقارنة بمتوسط قدره 37% في دول المنظمة، في حين بلغت النسبة في سنغافورة 75%. ومن بين المعلمين الذين أفادوا باستخدام الذكاء الاصطناعي، أشار 68% في المتوسط إلى أنهم استخدموه للتعرف إلى موضوع ما وتلخيصه بكفاءة، وأشار 64% إلى أنهم استخدموه لإعداد خطط الدروس، وبلغت هاتان النسبتان في إيطاليا 70% و64% على التوالي. كما أفاد المعلمون الإيطاليون بمعدل استخدام مرتفع نسبياً للذكاء الاصطناعي في مراجعة البيانات المتعلقة بمشاركة الطلبة أو أدائهم، إذ بلغت النسبة 31% مقارنة بمتوسط المنظمة البالغ 25%، واستخدمه 27% منهم في تقييم أعمال الطلبة أو تصحيحها مقابل متوسط قدره 26% في المنظمة. وفضلاً عن ذلك، أبدى 60% من المعلمين في إيطاليا موافقتهم أو موافقتهم الشديدة على أن الذكاء الاصطناعي يساعدهم في دعم الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، مقابل 52% في متوسط المنظمة. وفي الوقت نفسه، عبّر كثير من المعلمين عن مخاوفهم، إذ رأى 67% من المعلمين الإيطاليين أن الذكاء الاصطناعي قد يمكّن الطلبة من تقديم أعمال غيرهم على أنها من إنتاجهم، مقابل 72% في متوسط المنظمة، ورأى 32% منهم أنه قد يضخم التحيزات، مقابل 42% في متوسط المنظمة.

ويُظهر المسح الدولي للتعليم والتعلم كذلك أن المشاركة في أنشطة التعلم المهني المتعلقة بالموارد والأدوات الرقمية ارتفعت ارتفاعاً ملحوظاً بين عامي 2018 و2024 في معظم المنظومات، ومنها إيطاليا التي ارتفعت فيها النسبة من 68% إلى 84%. وبالنظر إلى حداثة انتشار الذكاء الاصطناعي، يشير ذلك إلى استجابة سريعة نسبياً للاحتياجات التدريبية الناشئة، إذ أفاد 38% من المعلمين في منظومات دول المنظمة المشاركة بأنهم تلقوا تدريباً على الذكاء الاصطناعي في عام 2024. وفي إيطاليا، شارك 26% من المعلمين في أنشطة تعلم مهني حول الذكاء الاصطناعي، في حين تجاوزت نسبة المشاركة 60% في كازاخستان وكوريا وسنغافورة والإمارات العربية المتحدة.

وتشير المسوح المحدودة النطاق حول استخدام الطلبة والمعلمين للذكاء الاصطناعي في إيطاليا إلى أن استخدامه أكثر شيوعاً بين الطلبة منه بين المعلمين، وأن الطلبة يستخدمونه في الغالب في المنزل لإنجاز الواجبات، وأن استخدام المعلمين له يتركز حتى الآن أساساً في تخطيط الدروس وإعداد المواد التعليمية ودعم الطلبة ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة. فقد كشف مسح ImparaDigitale لعام 2024، الذي شمل 50 مدرسة ثانوية إيطالية و1175 طالباً و136 معلماً، أن 87% من الطلبة و69% من المعلمين أفادوا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وذلك في الغالب لأغراض شخصية كالبحث على الإنترنت أو إنشاء المحتوى الإعلامي. وأفاد ربع الطلبة باستخدام الذكاء الاصطناعي في التعلم مع معلميهم. وظل استخدام الذكاء الاصطناعي محصوراً إلى حد كبير في المساعدة على أداء الواجبات المنزلية، بحسب ما أفاد به 51% من الطلبة المستخدمين. وفي عام 2025، أظهر مسح شمل 3564 معلماً في المرحلتين الابتدائية والثانوية أن 66% منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في المدرسة.

وبعيداً عن اعتبارات استخدام الذكاء الاصطناعي في ممارسات تعليمية وتعلمية بعينها، ينظر المؤيدون للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في التعليم إليها أيضاً بوصفها أدوات محتملة لتحسين الإنتاجية على مستوى المنظومة ككل. وكثيراً ما يُطرح هذا الرأي في سياق ما يُعرف بـ"مرض التكاليف" لبومول، الذي يوضح كيف تميل التكاليف في القطاعات كثيفة العمالة، كالتعليم والفنون الأدائية، إلى الارتفاع دون أن يقابلها نمو في الإنتاجية. فلكي تستقطب هذه القطاعات الكوادر المؤهلة وتحتفظ بها، يجب أن تواكب الأجور فيها مستوى الأجور في الاقتصاد عموماً، حتى وإن ظل ناتج العامل فيها ثابتاً إلى حد كبير. وفي التعليم المدرسي، ظلت التقنية الأساسية للتعليم والتعلم، وكذلك نسب الطلبة إلى المعلمين، مستقرة إلى حد بعيد عبر الزمن. وقد أدى ذلك إلى تزايد الإنفاق على التعليم دون مكاسب مكافئة في الإنتاجية القابلة للقياس، وأفضى في كثير من الدول إلى تراجع الرواتب النسبية للمعلمين وتفاقم النقص في أعدادهم. ويرى المؤيدون أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تسهم في تخفيف هذه الضغوط من خلال رفع الإنتاجية، كأن تقلص الوقت الذي يكرسه المعلمون للمهام الإدارية الروتينية، وأن تتيح دعم فصول أكبر حجماً أو أكثر تنوعاً بفضل أنظمة التدريس التكيفية والتحليلات الفورية. ومن شأن هذه التطورات، من حيث المبدأ، أن تكبح نمو الإنفاق مع تحسين نواتج التعلم، وأن ترفع الدخل الحقيقي للمعلمين، وأن تخفف من آثار النقص في أعدادهم.

الفرص والمخاطر المرتبطة بتبني الذكاء الاصطناعي في التعليم

تتناول هذه الورقة الدور المحتمل للذكاء الاصطناعي وأثره في المنظومات التعليمية من خلال قناتين مترابطتين. فتبني الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الإدارية والتعليمية والتعلمية المرتبطة بالمدرسة ينطوي على انعكاسات مباشرة على تنظيم التعليم وتقديمه. أما تبنيه في أسواق العمل وفي المجتمعات عموماً، فإنه بتغييره الطلب على المهارات في سوق العمل وإعادته تسليط الضوء على القدرات الإنسانية المتفردة، تترتب عليه انعكاسات على الأهداف التي تسعى المجتمعات إلى تحقيقها عبر التعليم المدرسي، ومن ثم على أولويات المناهج، وهي ما يمكن تسميته بالآثار غير المباشرة.

الآثار المباشرة: التحولات التنظيمية والتشغيلية في المدرسة

يتزايد توظيف الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم جوانب كثيرة من الحياة المدرسية، وهو ما يثير تساؤلات ونقاشات حول ما يرتبط بها من منافع ومخاطر محتملة. ويمكن أن تتجلى إعادة تشكيل الأدوار والمهام في المجالات الآتية:

الإدارة المدرسية: تدعم التحليلات التنبؤية بالفعل التنبؤ بأعداد الملتحقين، وتحسين الجداول الدراسية، وتوزيع الموارد، في حين تسرّع الأنظمة الذكية لمعالجة الوثائق إعداد التقارير والوفاء بمتطلبات الامتثال. ولا يقتصر أثر الكفاءات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي على تقليص العبء الإداري، بل قد يمتد إلى إعادة توزيعه، وقد يعيد تشكيل أنماط المساءلة في المنظومة المدرسية، شريطة أن توضع أطر للحوكمة وأن تُحدَّد آليات المساءلة عن القرارات المتخذة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

مزيج مهام المعلمين وتعلمهم المهني: يسهم التصحيح الآلي للأسئلة الموضوعية، وإعداد الجداول الدراسية، وتجميع تقارير التقدم، في تقليص الوقت المنفق على الأعمال الإدارية الروتينية، فيُعاد توجيه جهود المعلمين نحو التوجيه والحوار وتصميم أنشطة التعلم. غير أن متطلبات جديدة تبرز في المقابل، إذ يتعين على المعلمين انتقاء مخرجات الذكاء الاصطناعي وتنقيحها، وتفسير لوحات المؤشرات، والتنسيق مع الكوادر الفنية. وفي موازاة ذلك، توسّع التطورات في منصات التطوير المهني، كالأنظمة التي تحلل مقاطع الفيديو المصورة داخل الفصول وتقترح موارد موجهة، فرص التعلم المستمر، لكنها تتطلب من المعلمين ممارسة حكم مستنير على التوصيات الآلية.

التدريس داخل الفصل: باتت بيئات التعلم التكيفية تتولى بصورة متزايدة ترتيب المحتوى والتغذية الراجعة بناء على البيانات الفورية، في حين تقدم النماذج التوليدية الشروح والأمثلة المحلولة والمحاكاة. وتتيح هذه الأدوات تعايش عدة "مسارات" تربوية داخل الفصل الواحد، فتوسع بذلك نطاق التعلم المخصص.

تصميم التقييم: حين يصبح بمقدور أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته أداء مهام استرجاع المعلومات والكتابة الروتينية، تفقد الاختبارات التقليدية القائمة على الاستذكار صلاحيتها. واستجابة لذلك، تعكف منظومات كثيرة على تجريب مهام الأداء، والملفات الرقمية لأعمال الطلبة، والتقييمات المستمرة الغنية بالبيانات التي ترصد تطبيق المعرفة في سياقات واقعية.

دعم الطلبة والتواصل مع الأسر: ترصد لوحات الإنذار المبكر مؤشرات العزوف عن الدراسة أو المخاوف المتعلقة بالرفاه، وتقدم روبوتات المحادثة متعددة اللغات توجيهاً أكاديمياً أو رعوياً على مدار الساعة، فتخفف الحواجز اللغوية أمام الأسر ذات الخلفية المهاجرة. ومع أن هذه الأدوات قادرة على تحسين تدفق المعلومات، فإنها تزيد كذلك من حجم البيانات الشخصية المتداولة خارج أسوار المدرسة، وهو ما يستلزم حوكمة صارمة تضمن الامتثال لأدوات تنظيمية مثل اللائحة العامة لحماية البيانات.

وينطوي استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المجموعات من المهام المدرسية على منافع ومخاطر محتملة تتناولها هذه الورقة بالدراسة.

الآثار غير المباشرة: تطور الغايات التعليمية

يثير انتشار الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل والمجتمعات تساؤلات حول المهارات الإنسانية التي ستكون مطلوبة مستقبلاً لتمكين الناس من عيش حياة كاملة والمشاركة الفاعلة، بما في ذلك المشاركة في سوق العمل، وحول الكيفية التي ستستجيب بها المنظومات التعليمية لذلك. وكما سيتضح بمزيد من التفصيل في القسم الخامس، فإن الأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي ترتبط، على صعيد سوق العمل، بتراجع الطلب على الوظائف القائمة على المهام المعرفية المنظمة، لكنها في المقابل تعزز أهمية المهن التي تجمع بين الإتقان التقني والإبداع وحل المشكلات المعقدة والكفاءة الاجتماعية والعاطفية. ففي المنشآت التي ارتفعت فيها درجة التعرض للذكاء الاصطناعي، باتت الوظائف الشاغرة تشترط بصورة متزايدة مهارات التعاون والأصالة والطلاقة الرقمية، وإن كانت هذه الآثار تتفاوت بحسب نمط التبني التنظيمي. ونتيجة لذلك، قد يعيد تبني الذكاء الاصطناعي تشكيل ما يأتي:

محور تركيز المناهج: قد يفضي تبني الذكاء الاصطناعي في المجتمعات وأسواق العمل إلى إعادة توازن المناهج لتشمل الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات، والتفكير الخوارزمي، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، مع التأكيد مجدداً على قيمة الإبداع والتفكير الأخلاقي والمهارات التواصلية.

غاية المدرسة ودورها الاجتماعي: حين يصبح التعليم المخصص متاحاً خارج الأطر المؤسسية، تتجه الحجج المؤيدة للتعليم المدرسي بصورة متزايدة إلى إبراز وظائفه المدنية والعلائقية ووظائفه المتصلة بالرفاه، بوصفه فضاء يتعامل فيه الشباب مع التنوع، ويتداولون فيه القضايا تداولاً أخلاقياً، وينمّون قدرتهم على الصمود.

اعتبارات تتعلق بتبني الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية الإيطالية

تُشكّل سمات المنظومة المدرسية الوطنية الظروفَ التي يجري فيها تبني الذكاء الاصطناعي، وتحدد ما ينطوي عليه من فرص ومخاطر. ومن أبرز هذه السمات في إيطاليا: قوة عاملة متقدمة في السن يغلب عليها العنصر النسائي، والفرز الأكاديمي المبكر وتمايز البرامج الدراسية، وتقاليد العلاقة المستقرة بين المعلم والطالب، إذ يرافق المعلم طلبته عدة سنوات متتالية، فضلاً عن تقاليد التقييم الشفهي.

توزيع المعلمين وخصائصهم الديموغرافية

يُبدي المعلمون الأكبر سناً والمعلمات، في المتوسط، ثقة أقل في استخدام الأدوات الرقمية الجديدة، وهو ما يعزز أهمية التطوير المهني الموجه والدعم إذا ما أُريد إدخال الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في الفصول الإيطالية. والواقع أن القوة العاملة في التعليم الإيطالي متقدمة في السن ويغلب عليها العنصر النسائي، إذ تتجاوز أعمار نحو 60% من معلمي المرحلتين الإعدادية والثانوية الخمسين عاماً، وتشكل النساء قرابة ثلثي المعلمين جميعاً. ومع أن المعلمين الأصغر سناً، الأكثر إلماماً بالتكنولوجيا، قد يعوضون جانباً من القصور الناجم عن عدم ألفة المعلمين الأكبر سناً بالتقنيات الرقمية، فإنهم كثيراً ما يعانون من ضعف الأمان الوظيفي، وهو ما يحد من أثرهم في التجربة التعليمية للطلبة. وكما هو الحال في دول أخرى من دول المنظمة، يرى المعلمون الإيطاليون في العبء الإداري مصدراً رئيسياً للضغط، وهو عبء يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي، كالتصحيح الآلي وإعداد الجداول وتحضير الوثائق، أن تسهم في تخفيفه. ويمكن إعادة توجيه الوقت الموفَّر نحو التخطيط وتقديم التغذية الراجعة والتعلم المهني.

نمط التدريس والعلاقة بين الطالب والمعلم

ما تزال الممارسة الصفية في المرحلة الثانوية في إيطاليا قائمة في الغالب على الإلقاء، مع محدودية العمل في مجموعات صغيرة أو التجريب الرقمي، إذ إن 88% من معلمي المرحلة الإعدادية يلقون دروسهم على الفصل بأكمله "كثيراً أو دائماً"، أي بزيادة 10 نقاط مئوية عن متوسط دول المنظمة، في حين لا يستخدم العمل في مجموعات صغيرة بانتظام سوى 46% منهم، أي بأقل من متوسط المنظمة بسبع نقاط مئوية. ويحدث ذلك رغم تنامي البحوث التي تشير إلى أن المزج المتوازن بين التدريس المباشر والتعلم التفاعلي يفضي إلى نتائج أفضل لدى الطلبة.

أما الممارسات التدريسية الأكثر تفاعلاً وحيوية، التي تُشرك الطلبة في عملية التعلم، وتكلفهم بأنشطة تعلمية ذات معنى، وتدعوهم إلى التأمل في أعمالهم، فهي أكثر انسجاماً مع تبني الذكاء الاصطناعي، نظراً إلى الطبيعة المتمحورة حول المستخدم للأدوات التي تقدم تغذية راجعة مخصصة. ومن ثم فإن تبني الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية الإيطالية قد يتطلب اعتماد استراتيجيات تدريس مختلفة، بل قد يسهم في الدفع نحوها أيضاً. وتؤكد المبادئ التوجيهية للذكاء الاصطناعي التي أصدرتها إدارة التعليم في إقليم لومبارديا لمعلمي المرحلة الثانوية ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانات لتيسير النقاش الصفي، وإنشاء سيناريوهات واقعية لأنشطة المحاكاة ولعب الأدوار، وتطوير أنشطة قائمة على مشكلات من واقع الحياة تشجع التفكير النقدي وتطبيق ما تعلمه الطلبة من معارف في سياقات جديدة ومعقدة.

ويبقى الطلبة الإيطاليون عادة ضمن المجموعة الصفية نفسها طوال مرحلة التعليم الإلزامي، وكثيراً ما يرافقهم المعلمون أنفسهم مع تقدمهم في الدراسة. ومن شأن الإبقاء على الفصل ذاته مع المعلم ذاته، وهو ما يُعرف بنظام المرافقة المتتابعة، أن يسهم في بناء علاقات متينة، ويقلل خطر شعور التلاميذ بالعزلة، ويتيح للمعلمين فهم طلبتهم على نحو أفضل والحكم عليهم بقدر أكبر من الإنصاف. غير أن هذا النظام يرسّخ في المقابل الفوارق المرتبطة بجودة المعلمين، وقد يعيق تقدم الطلبة إذا كان بعض المعلمين يحملون صوراً نمطية أو تحيزات. ويمكن لاستخدام النماذج التنبؤية إلى جانب الأحكام الشخصية للمعلمين أن يكشف الحالات التي لا تتطابق فيها نظرة المعلم إلى التلميذ مع أدائه الفعلي، فيفضي بذلك إلى تقييمات أكثر إنصافاً ودقة، ويعزز الوعي العميق بالسياق، ويرسخ عدالة الأحكام.

الدراسة الذاتية والواجبات المنزلية

تعتمد المنظومة التعليمية الإيطالية اعتماداً كبيراً على الدراسة الذاتية، وهي نمط من التعلم يمكن فيه للتغذية الراجعة المخصصة التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي أن تسهم أكثر من غيره في تضييق فجوات التحصيل، لكنه في الوقت ذاته الأكثر عرضة للآثار السلبية المرتبطة بالاستخدام غير المنظم وغير الخاضع للإشراف للذكاء الاصطناعي. وتشير الشواهد التجريبية إلى أن الطلبة في إيطاليا يقضون في الدراسة المستقلة وأداء الواجبات المنزلية وقتاً أطول مما يقضيه أقرانهم في كثير من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فبحسب بيانات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA) لعام 2022، أمضى الطلبة في إيطاليا قرابة 140 دقيقة أسبوعياً في أداء الواجبات المنزلية، وهو ما يفوق بكثير متوسط المنظمة البالغ نحو 100 دقيقة. ويبرز هذا الاعتماد على الدراسة الذاتية بوضوح خاص في المرحلتين الإعدادية والثانوية، حيث يُنتظر من الطلبة أن يتولوا بأنفسهم إدارة جانب كبير من تعلمهم.

ومع أن الدراسة الذاتية تعزز الاستقلالية، فإنها قد ترسخ الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. فالطلبة المنحدرون من أسر ميسورة يستفيدون من الدروس الخصوصية ودعم الوالدين والتكنولوجيا، في حين يفتقر الطلبة المحرومون في الغالب إلى هذه الموارد، ويواجهون أعباء إضافية تستنزف أوقاتهم. ومن ثم فإن الاعتماد على التعلم المستقل قد يوسع الفجوات في النتائج، إذ يزدهر الطلبة المتحفزون من ذوي الامتيازات، بينما يتعثر أقرانهم الأقل حظاً في غياب الدعم. ويمكن لهذا التوزيع غير المتكافئ للدعم أن يؤدي إلى اتساع الفجوات في الأداء الأكاديمي وفي التحصيل التعليمي على المدى البعيد.

وقد يسهم الذكاء الاصطناعي في الحد من هذه الفوارق من خلال توفير مسارات مخصصة، وتغذية راجعة، ومساعدة فورية، فيقدم للطلبة المحرومين دعماً لم يكن ليتاح لهم بغير ذلك. إذ يمكن للمنصات أن توجه الطلبة في أداء المهام المعقدة، وأن تزودهم بمواد التدريب، وأن ترصد تقدمهم. لكن المخاطر قد تبرز إذا استُخدم الذكاء الاصطناعي دون توجيه، فقد ينزلق الطلبة إلى ما يُعرف بـ"التفريغ المعرفي"، فيصبحون معتمدين على التكنولوجيا بدلاً من تنمية مهاراتهم النقدية. ويكون الطلبة المنحدرون من خلفيات محرومة أكثر عرضة لذلك، بالنظر إلى محدودية اطلاعهم على الاستراتيجيات المنظمة للتعلم، وشدة الضغوط الخارجية الواقعة عليهم. ويزيد التفاوت في الوصول إلى الإنترنت من تقييد الفرص، ومع أن كثيراً من أدوات الذكاء الاصطناعي متاح حالياً بالمجان، فإن أي تغيرات مستقبلية في التسعير قد تعمّق الفجوات.

الامتحانات الشفهية وممارسات التقييم

من السمات الرئيسية الأخرى للمنظومة الإيطالية اعتمادها الكبير على الامتحانات الشفهية، سواء في التقييمات التكوينية منخفضة المخاطر أو في الامتحانات عالية المخاطر. فالمعلمون يمنحون الدرجات بصورة اعتيادية بناء على مهارات التواصل الشفهي لدى الطلبة، فتُختار مثلاً مجموعات صغيرة من الطلبة اختياراً عشوائياً لتقييمها أثناء الأنشطة الصفية، ويقيّم المعلم مهاراتهم التواصلية فضلاً عن معرفتهم بالمادة الدراسية. ويختلف ذلك عن أساليب أخرى، كالتقييمات الكتابية الموحدة التي تُجرى للفصل بأكمله، أو تقدير المشاريع الفردية أو الجماعية التي تُنجز في المنزل.

وتتسم ممارسات التقييم الشفهي بطابع علائقي، إذ تعزز انخراط الطلبة والتفاعل والتغذية الراجعة بين المعلم والطالب. ومع أن ممارسات التقييم والامتحان الشفهي قد يصعب تعميمها وتوحيد معاييرها، فإنها تمثل نهجاً عملياً لصون النزاهة الأكاديمية في عصر الذكاء الاصطناعي. فإلى جانب إسهامها في حماية أصالة عمليات التقييم والامتحان، فإنها تشجع على تنمية كفاءات جوهرية كالقدرة على الإقناع، والتفكير النقدي، وسرعة الاستجابة والتكيف، وهي كفاءات يُتوقع أن تزداد قيمتها في البيئات التعليمية وفي أسواق العمل على حد سواء. فالإجابة عن الأسئلة المباشرة وجهاً لوجه لا يمكن أن تستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب من الطلبة تنمية مهاراتهم التواصلية وإظهارها. وفي حين أن كثيراً من ممارسات التقييم والامتحان عرضة للغش أو للاستخدام غير الملائم للذكاء الاصطناعي، فإن التقييمات الشفهية، ولا سيما تلك التي تجري بصورة حوارية غير معدّة سلفاً، تستعصي على الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة حالياً. ومن ثم فإن تعزيز التقييمات والامتحانات الشفهية والاستمرار في ممارستها قد يمثل استجابة ملائمة للمخاوف المتنامية من أن الأشكال التقليدية للتقييم الكتابي غير مهيأة لمقاومة الاضطراب الذي يحدثه الذكاء الاصطناعي.

البنية التحتية الرقمية والكفاءة الرقمية

تُعدّ البنية التحتية الرقمية الميسرة والفعالة، والمهارات الملائمة لاستخدامها، شرطاً أساسياً لتبني الذكاء الاصطناعي في التعليم. فالوصول إلى اتصال سريع بالإنترنت، وتوافر الأدوات التكنولوجية المناسبة، ووجود نظام محكم البنية لتبادل المعلومات من مصادر مختلفة، كلها عوامل تتيح إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئات التعليم والتعلم. وفي المقابل، فإن محدودية المهارات الرقمية لدى المعلمين والطلبة من شأنها أن تحد من جدوى الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية. فالمعلمون بحاجة إلى القدرة على تفسير المعلومات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، واستخدامها استخداماً نقدياً لتحسين تعلم جميع طلبتهم من خلال التكييف التربوي والاستخدام الأخلاقي الشامل. كما يحتاج الطلبة إلى تنمية مهارات رقمية نقدية ومسؤولة تمكنهم من فهم أنظمة الذكاء الاصطناعي والتفاعل معها ومساءلتها. وحيثما تكون البنية التحتية الرقمية ضعيفة أو الثقافة الرقمية محدودة، يظل تبني الذكاء الاصطناعي مجزأ وتجريبياً.

وتتأخر البنية التحتية الرقمية في المنظومة التعليمية الإيطالية عن نظيراتها في دول المنظمة الأخرى، في حين تتفاوت الكفاءة الرقمية للطلبة بحسب الأقاليم وبحسب خصائصهم الاجتماعية والديموغرافية. فنسبة الأجهزة إلى الطلبة، البالغة جهازاً واحداً لكل 7.1 طالب تقريباً، تدل على أن إيطاليا متأخرة كثيراً عن دول أخرى في المنظمة مثل الدنمارك والنرويج والسويد، حيث تبلغ النسبة جهازاً لكل طالب بدءاً من المرحلة الابتدائية، في حين يبلغ متوسط المنظمة جهازاً واحداً لكل 3 طلبة. أما على صعيد الاتصال، فإن الاتصال عالي السرعة لم يكن يغطي حتى وقت قريب سوى أقلية من المباني المدرسية، مع تفاوتات إقليمية واضحة، إذ كانت نحو 42% من المدارس تعتمد على اتصالات أبطأ وعلى شبكات لاسلكية غير مستقرة في كثير من الأحيان. وقد غيّرت الجهود الوطنية الأخيرة مشهد الاتصال، فبحسب بيانات الخطة الوطنية للنطاق العريض فائق السرعة حتى منتصف عام 2025، رُبطت قرابة 26600 مدرسة من أصل 27800 مدرسة مستهدفة ضمن البرنامج الوطني للمدارس المتصلة باتصالات أسرع وأفضل، وهو ما يمثل نحو ثلثي إجمالي المرافق المدرسية في البلاد.

وأظهر التقييم الموحد للكفاءات الرقمية الذي أجراه المعهد الوطني لتقييم المنظومة التعليمية (INVALSI) في عام 2025 أن أكثر من 80% من طلبة المرحلة الثانوية بلغوا على الأقل مستوى متوسطاً في الكفاءات الرقمية، بواقع 89% في الثقافة المعلوماتية وثقافة البيانات، و91% في التواصل والتعاون، و84% في إنشاء المحتوى، و85% في السلامة. وتُعدّ هذه النتائج مشجعة مقارنة بمواد مثل اللغة الإيطالية والرياضيات التي تكون التحديات فيها أكبر. غير أن الفوارق ما تزال قائمة، فطلبة الأقاليم الشمالية يتفوقون على طلبة الجنوب والجزر، والطلبة المنحدرون من خلفيات اجتماعية واقتصادية ميسورة يتقدمون على أقرانهم المحرومين بما يصل إلى 15 نقطة مئوية في مستوى الإتقان، وطلبة المدارس الثانوية الأكاديمية يُظهرون كفاءات أقوى من طلبة المعاهد المهنية.

وفي الفئة العمرية من 16 إلى 24 عاماً، يمتلك 87% من الإيطاليين كفاءة رقمية أساسية على الأقل، وهي نسبة قريبة من متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 90%. وتشير الدراسة الدولية للثقافة الحاسوبية والمعلوماتية (ICILS) التي تجريها الرابطة الدولية لتقييم التحصيل التربوي، والتي تقيس الثقافة الحاسوبية والمعلوماتية، إلى أن طلبة الصف الثامن في إيطاليا يتفوقون على المتوسط الدولي، إذ بلغ 54% منهم على الأقل مستوى الإتقان الأساسي في هذه الثقافة، مقارنة بمتوسط قدره 50% في الدول المشاركة في الدراسة. وما تزال الخلفية الاجتماعية والاقتصادية والفوارق الإقليمية عوامل مؤثرة، مع نتائج أقوى في الأقاليم الشمالية والوسطى. ومنذ انضمامها إلى الدراسة أول مرة في عام 2018، حسّنت إيطاليا أداءها في الثقافة الحاسوبية والمعلوماتية بمقدار 30 نقطة، في حين لم يتحقق أي تقدم إجمالي في المنظومات المشاركة الأخرى بين عامي 2018 و2023.

أما بالنسبة إلى المعلمين، فما تزال التربية الرقمية تمثل تحدياً. فمن بين المعلمين الذين أفادوا بأنهم لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي في تدريسهم خلال الأشهر الاثني عشر السابقة لمسح TALIS لعام 2024، أفاد 69% بأنهم لا يملكون المعارف والمهارات اللازمة للتدريس باستخدامه.

دراسة ذات صلة