الفصل السادس: دراسات معمقة
يقدم هذا الفصل دراسات معمقة محددة توضح الأثر التحويلي للذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاعات مختلفة. ويستهل حديثه بالرعاية الصحية، باحثاً كيف يمكن لهذه التقنية أن تحقق آثاراً اجتماعية واقتصادية إيجابية كثيرة في هذا المجال بأكمله، إذا ما تمكن مطورو الذكاء الاصطناعي والأطباء والباحثون والجهات التنظيمية من الموازنة بين إمكاناته الكثيرة ومزالقه ومخاطره. ثم يستكشف قطاع التعليم، إلى جانب أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في العلوم والأمن السيبراني والقطاع العام، مبرزاً تطبيقاته المتنوعة والتحديات الفريدة التي يواجهها كل مجال. ومن أبرز الاعتبارات المطروحة الدمج المسؤول والفعال لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتعظيم منافعها المجتمعية.
6.1 الرعاية الصحية
الرسائل الرئيسية
يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يحقق آثاراً اجتماعية واقتصادية إيجابية كثيرة في مجال الصحة، كإنشاء السجلات الصحية الإلكترونية واستثمارها، وتسريع تطوير الأدوية، وتعزيز الطب الشخصي، وتشجيع الوقاية والتشخيص المبكر للأمراض، وتحسين كفاءة الرعاية الصحية، ومعالجة أوجه عدم المساواة الصحية، وتمكين المرضى.
وسيتوقف مدى تحقق هذا الأثر على قدرة مطوري الذكاء الاصطناعي والأطباء والباحثين والجهات التنظيمية على الموازنة بين الإمكانات الكثيرة لهذه التقنية ومخاطرها، ومنها تحيزات البيانات، واستمرار أوجه عدم المساواة الصحية، وتراجع مهارات الأطباء، وتدهور البعد الإنساني للرعاية بفعل تحيز الأتمتة والإفراط في الاعتماد عليها.
ولا تقتصر معالجة هذا التوتر على كونها مسألة تنظيمية، بل هي أيضاً مسألة استخدام مسؤول ضمن مسارات العمل في الرعاية الصحية. فالذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي في الرعاية الصحية يندرجان ضمن منظومة من التشريعات والسياسات الأوروبية، منها لائحتا الأجهزة الطبية والأجهزة الطبية التشخيصية المختبرية فيما يتعلق بالبرمجيات ذات الغرض الطبي، وقانون الذكاء الاصطناعي فيما يتعلق بالمتطلبات العامة القائمة على المخاطر، واللائحة العامة لحماية البيانات فيما يتعلق بالبيانات الشخصية بما فيها البيانات الصحية الحساسة، وقانون البيانات فيما يتعلق بتبادل البيانات، والفضاء الأوروبي للبيانات الصحية الذي يضع أحكاماً للاستخدام الأولي والثانوي للبيانات الصحية، ولا سيما لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي. فضلاً عن ذلك، سيتطلب النشر الواسع لهذه التقنية في النظم الصحية استثمارات كبيرة في بنية تحتية لامركزية لتقنية المعلومات، وهو ما يصطدم بحالة مزمنة من نقص التمويل.
يتطلب التطوير والاستخدام المسؤولان للذكاء الاصطناعي التوليدي في الصحة والرعاية تبنياً تدريجياً موجهاً، ونقاشاً مفتوحاً، وتعاوناً متعدد التخصصات، وتشريعات عملية إلى جانب مبادئ توجيهية أخلاقية. ويُعد بناء الثقة بين الأطباء والمرضى ومؤسسات الرعاية الصحية أمراً بالغ الأهمية لتحقيق التبني الواسع.
الذكاء الاصطناعي التوليدي: فرصة للاستجابة لتحديات الرعاية الصحية العالمية
في الرعاية الصحية، يركز الذكاء الاصطناعي التمييزي التقليدي على تعلم دالة تربط المدخلات العددية، كبيانات المرضى أو خصائص الصور الطبية، بمخرجات محددة لمهام كالتنبؤ بالأمراض، مثل التنبؤ بالسرطان من صورة مقطعية، أو تصنيف الصور الطبية، مثل تحديد الكسور في صور الأشعة السينية. ويتفوق هذا النوع في تحليل البيانات القائمة لإجراء التنبؤات أو التصنيفات، كتحديد أنماط في السجلات الصحية الإلكترونية للتنبؤ بخطر إصابة المريض بحالة معينة.
أما الذكاء الاصطناعي التوليدي في الرعاية الصحية فيتعلم التوزيع الاحتمالي والبنية الكامنين في البيانات الصحية ذاتها، مما يمكّنه من توليد نقاط بيانات جديدة مشابهة إحصائياً. ومن الأمثلة على ذلك إنشاء صور طبية اصطناعية، كصور الرنين المغناطيسي أو الأشعة السينية، لأغراض التدريب، ولا سيما في حالة الأمراض النادرة، وتوليد تقارير طبية أو ملخصات للأدبيات واقعية، وتصميم مرشحين جدد للأدوية من خلال إنتاج بنى كيميائية جديدة، أو تخليق بيانات "الأوميكس" لأغراض البحث. ويوسع الذكاء الاصطناعي التوليدي متعدد الوسائط هذه القدرات بمعالجة مدخلات متنوعة، كالتاريخ المرضي للمريض في صيغة نصية، ونتائج الفحوص المخبرية في صيغة رقمية، وصور الأشعة، لتوليد مخرجات متنوعة كتقرير تشخيصي شامل أو خطة علاجية مخصصة، بل ويمكنه الترجمة بين هذه الأنواع من البيانات، كتوليد تقرير إشعاعي نصي مباشرة من صورة أشعة سينية. والخلاصة أنه بينما يساعدنا الذكاء الاصطناعي التقليدي على فهم "ما هو كائن" أو "ما يُرجح أن يكون" استناداً إلى البيانات القائمة، يمكّننا الذكاء الاصطناعي التوليدي من استكشاف "ما يمكن أن يكون" من خلال توليد إمكانات جديدة ومحاكاة تفاعلات معقدة.
ويأتي الذكاء الاصطناعي التوليدي في منعطف حرج للرعاية الصحية، إذ تواجه النظم الصحية في العالم ضغوطاً ديموغرافية غير مسبوقة ناجمة عن شيخوخة السكان وتزايد عبء الأمراض غير السارية. ويهدد نقص القوى العاملة نماذج الرعاية القائمة، إذ تشير التقديرات إلى نقص يقارب 4.1 مليون من العاملين في الرعاية الصحية في دول الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030. ويتزامن ذلك مع أوجه عدم المساواة في الرعاية الصحية، ولا سيما بين المناطق الريفية والحضرية. وفيما يلي تفصيل للمنافع والمخاطر والتحديات المحتملة في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصحة والرعاية.
تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الرعاية الصحية
يتعلق دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في الرعاية الصحية بتطبيقات متعددة، يمكن تصنيفها في أربعة مجالات: توليف المعرفة والتطبيقات الموجهة للمرضى، والممارسة السريرية، والطب الشخصي، والبحث الصحي.
توليف المعرفة والتطبيقات الموجهة للمرضى: يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تعمل على تخفيف العبء المعرفي الزائد عن العاملين في الرعاية الصحية، الذين كثيراً ما يلجؤون، وهم يعملون تحت الضغط في الغالب، إلى اتخاذ قرارات قائمة على الاستدلال التقريبي. ويمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يدعم التشخيص التفريقي، وأن يقترح الفحوص التشخيصية أو بروتوكولات العلاج. ويستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي متعدد الوسائط معالجة كميات هائلة من المعلومات الطبية وتوليفها في آن واحد وبسرعة عالية، فيولّد رؤى طبية جديدة. وبذلك يمكنه تخفيف العبء المعرفي عن العاملين في الرعاية الصحية، وتعزيز الحكم البشري بتجميع رؤى مستندة إلى ملايين السجلات المرضية ومليارات نقاط البيانات في الأدبيات العلمية، مما قد يقلل التأخر في التشخيص والأخطاء العلاجية. ويمكن للنماذج اللغوية الكبيرة أيضاً تمكين المرضى من خلال بناء سرديات متماسكة انطلاقاً من معلومات طبية مجزأة، بما يحسن الالتزام بالعلاج وييسر الموافقة المستنيرة. وتشمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي الوكلاء الحواريين، أو روبوتات المحادثة، التي تساعد في التقييمات الأولية والتثقيف الصحي والتأهب والاستجابة السريعة لتهديدات الصحة العامة ودعم المرضى. ويمكن لهذه التقنية أن تيسر تقديم الرعاية الصحية بالمساعدة في تفسير السجلات الصحية الإلكترونية، وأن تحسن إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية بتقديم ملخصات طبية تمكّن العاملين الصحيين المحليين في المناطق الريفية من دول الجنوب العالمي من تقديم تدخلات الخط الأول. ويقضي الأطباء وقتاً كبيراً في المهام الروتينية، كالوثائق الإدارية، والتوثيق السريري، والترميز الطبي، والفوترة، وجدولة مواعيد المرضى والتواصل معهم، أو إدارة سير العمل، ومن شأن أتمتة هذه المهام أن تقلص التكاليف التشغيلية وأن تتيح للأطباء وقتاً أطول للتركيز على التفاعل مع المرضى. وحين يقترن الذكاء الاصطناعي التوليدي بتقنيات الاسترجاع كالتوليد المعزز بالاسترجاع، يمكنه تحقيق دقة وقابلية تكرار جيدتين في معظم مهام توليف المعرفة الصحية.
الممارسة السريرية، أي التشخيص والتنبؤ بمآل المرض ودعم القرار: ثمة تطبيقات عديدة للذكاء الاصطناعي التوليدي في الممارسة السريرية، منها تحليل الصور الطبية لأغراض التشخيص والتنبؤ بمآل المرض، وأنظمة دعم القرار السريري، وأنظمة الجراحة الروبوتية. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في الأمراض المعقدة كالسرطان، إذ تهدف مبادرات مثل المبادرة الأوروبية للتصوير الطبي للسرطان، وهي مبادرة رائدة ضمن الخطة الأوروبية لمكافحة السرطان، إلى تعزيز التصوير المبتكر وحلول الذكاء الاصطناعي ونشر الأدوات الرقمية واستثمارها لتحسين تشخيص السرطان وعلاجه في أرجاء أوروبا. ويستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي إنشاء صور طبية اصطناعية معقولة تشريحياً من أنماط مختلفة، قد تساعد في التغلب على محدودية الوصول إلى مجموعات كبيرة من الصور الطبية الموصّفة من قبل خبراء، وما يرتبط بها من تكاليف مرتفعة. ولا يمكن للصور الاصطناعية أن تحل محل البيانات الواقعية في التحقق السريري، لكنها قد تدعم تطوير النماذج الجديدة واختبارها، كإعادة موازنة مجموعات البيانات أو استكمال المجموعات الشحيحة في حالة الأمراض النادرة. ويمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يحسن جودة الصور وتحليلها لتيسير التشخيص، وأن ينتج "صوراً معاكسة للواقع" توضح النتائج في ظروف افتراضية مختلفة، بما في ذلك العلاجات البديلة. وأخيراً، قد تعمل أنظمة الجراحة الروبوتية المعززة بالذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفها أعضاء في الفريق الجراحي، فتعزز الفاعلية البشرية، ولا سيما في ظروف الإرهاق. فعلى سبيل المثال، تقود مبادرة "الذكاء الاصطناعي من أجل الصالح العام" مشروعاً مبتكراً للتصوير الطبي للسرطان لتشخيص سرطاني الثدي والبروستاتا، يبين كيف يمكن تكييف نماذج الذكاء الاصطناعي في بيئات متنوعة دون تبادل البيانات الحساسة، بما يحمي الخصوصية ويحسن الوصول، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل.
الطب الشخصي: يسعى الطب الشخصي إلى تجاوز النهج التقليدي القائم على "مقاس واحد يناسب الجميع"، من خلال تطوير رعاية صحية فردية عبر استراتيجيات مخصصة لتقييم المخاطر والوقاية والعلاج لفئات محددة من الأفراد أو لمرضى بعينهم. ويستند الطب الشخصي إلى دمج بيانات متنوعة، منها بيانات "الأوميكس" المتعددة والتاريخ السريري وعوامل نمط الحياة، وتجميعها في ملفات للمرضى تتيح التنبؤ بالاستجابات الفردية للعلاج والأحداث الضارة. ويمكن للتوائم الرقمية البشرية أن تدعم الطب الشخصي بمحاكاة الفيزيولوجيا والباثولوجيا المعقدتين لمرضى بعينهم استناداً إلى دمج بيانات متنوعة، منها بيانات علم الجينوم والتصوير الطبي والسجلات السريرية وأجهزة الاستشعار القابلة للارتداء، وتدعم المبادرة الأوروبية للتوائم الرقمية البشرية ظهور الجيل القادم من هذه الحلول وتبنيه في الصحة والرعاية. وسيسرّع الذكاء الاصطناعي التوليدي، بقدراته التوليدية متعددة الوسائط، تطوير هذه التوائم واستخدامها. وأخيراً، يمكن توظيف مجموعات سكانية اصطناعية من التوائم الرقمية البشرية في البحث الصحي في سياق التجارب الحاسوبية.
البحث الصحي: يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يدعم جوانب مختلفة من البحث الصحي، ويمكن التمييز بين مسارين رئيسيين:
اكتشاف الأدوية وإعادة توظيفها وتطويرها: تبنت صناعة الأدوية الذكاء الاصطناعي التوليدي لمعالجة الطول والتكلفة الكبيرين لعمليات تطوير الأدوية. ويُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لتصميم بنى جزيئية جديدة محسّنة لأهداف علاجية محددة، بما يعزز الفعالية ويقلل الآثار الجانبية، إذ يستطيع توليد ملايين الجزيئات المرشحة وفرزها حاسوبياً، فيسرّع المراحل المبكرة من اكتشاف الأدوية. كما يمكنه التنبؤ بالتفاعلات الدوائية وتحديد فرص إعادة توظيف الأدوية، أي استخدام المنتجات الدوائية لدواعٍ طبية غير تلك التي طُورت أو سُوقت من أجلها أصلاً. ومن خلال توليد بيانات اصطناعية للتجارب السريرية تكمل الأدلة الواقعية، قد ييسر الذكاء الاصطناعي التوليدي الاختبارات السريرية مع تقليل المخاطر على المرضى.
التجارب الحاسوبية: تستخدم هذه التجارب نماذج سكانية اصطناعية لمحاكاة التجارب السريرية. ويستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي توليد مجموعات افتراضية من المرضى ذات خصائص ديموغرافية وسريرية محددة، بما يتيح اختبار فعالية الأدوية وسميتها وجرعتها المثلى في سيناريوهات متنوعة قبل الشروع في التجارب على البشر، ومن ثم معالجة التحديات الأخلاقية للاختبارات السريرية على البشر. ويمكنه محاكاة آثار العلاج، والتنبؤ بالأحداث الضارة، وتحسين تصميم التجارب بتحديد المجموعات الفرعية المثالية من المرضى، بل وتوليد سيناريوهات معاكسة للواقع تساعد على فهم آليات العلاج. ويبشر التفاعل بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والتوائم الرقمية البشرية بمسارات أكثر تخصيصاً وكفاءة لتطوير العلاجات والطب الدقيق. ولا تزال تحديات مثل التحقق من النماذج ودقة التنبؤ والمتطلبات الحاسوبية بحاجة إلى معالجة.
تحديات الذكاء الاصطناعي التوليدي ومخاطره في الرعاية الصحية
المخاطر الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في الصحة والرعاية: من الواضح أن التحديات والمخاطر الأخلاقية والعلمية والتنظيمية المنطبقة على أنظمة الذكاء الاصطناعي عموماً تنطبق أيضاً على الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومنها سلامة المرضى، والمساءلة، وشفافية النماذج وقابليتها للفهم بما يضمن الشفافية في حالات الإخفاق، وإمكانية التتبع، والموافقة المستنيرة للمرضى. وإضافة إلى ذلك، يطرح الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديات خاصة لا تزال تتطلب قدراً كبيراً من البحث، ويمكن تصنيفها في ثلاثة محاور: التحيز والإنصاف، والمحتوى غير الصحيح أو الهلوسات، وغرفة الصدى الاحتمالية.
التحيز والإنصاف: قد ينقل الذكاء الاصطناعي التوليدي أوجه القصور الكامنة في بيانات التدريب، ومنها التحيزات التاريخية المتعلقة بالعرق والنوع الاجتماعي والوضع الاجتماعي، أو المفاهيم الطبية المتقادمة المتضمنة في المنشورات العلمية والسريرية. وقد يفضي ذلك إلى أخطاء تشخيصية، وتوصيات علاجية غير منصفة، ومزيد من التفاوتات الصحية. وتتطلب معالجة التحيز جهوداً واعية في جمع البيانات، وتصميم الخوارزميات، وتدقيق النماذج، وتطبيق تقنيات تعلم الآلة المراعية للإنصاف طوال دورة حياة الذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي هذه السيناريوهات، قد يكون للتمييز بين النماذج مفتوحة الأوزان والنماذج مفتوحة المصدر دور فاعل وذو صلة، إذ يتطلب القياس الدقيق لمدى التحيزات الكامنة في النموذج والمستمدة من بيانات التدريب أن تكون هذه البيانات متاحة للعموم. ومع أن هذا الخطر ليس حكراً على الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن الدور المستقبلي المحتمل لهذه التقنية في جوانب صحية كثيرة يجعله خطراً خاصاً. واللافت أن معظم النماذج حالياً إما تُدرب على مجموعات بيانات ضيقة جداً، أو تُقيّم في مهام لا تتيح قياس فائدتها الفعلية للنظم الصحية. وفي هذا السياق، تكتسب مبادرات مثل لائحة الفضاء الأوروبي للبيانات الصحية أهمية كبيرة، إذ يهدف هذا الفضاء إلى دمج البيانات الصحية لمواطني الاتحاد الأوروبي من مصادر متنوعة، كالمستشفيات، في بنية تحتية موزعة. ويُقصد بهذا النظام تيسير تبادل البيانات للاستخدام الأولي بين مراكز الرعاية الصحية، وللاستخدام الثانوي بما في ذلك البحث وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ومن خلال معالجة مشكلات تجزئة البيانات وقابلية تشغيلها البيني، قد يتيح هذا الفضاء مجموعات بيانات أوسع وربما أكثر تمثيلاً، وهي خطوة ضرورية، وإن لم تكن كافية وحدها، لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي توليدي أقل تحيزاً. فضلاً عن ذلك، قد يساعد هذا الإطار في معالجة التعقيدات المتعلقة باللائحة العامة لحماية البيانات بشأن الاستخدام الثانوي للبيانات الصحية.
المحتوى غير الصحيح: قد يولّد الذكاء الاصطناعي التوليدي محتوى يبدو للوهلة الأولى معقولاً، لكنه عند التدقيق يتبين أنه عديم المعنى أو غير مستند إلى بيانات معرفية حقيقية، وهو ما يُعرف بـ"الهلوسات" أو "الاختلاقات". ويمكن تحسين الصلة الواقعية للتنبؤات من خلال مقاربات مختلفة، منها التوليد المعزز بالاسترجاع والتعلم المعزز. وإجمالاً، يلزم الحذر عند توظيف النماذج الأساسية في الطب والرعاية الصحية، وسيكون التدريب الملائم للعاملين في الرعاية الصحية، بما في ذلك تعريفهم بحدود الذكاء الاصطناعي التوليدي ومخاطره، أمراً حاسماً.
غرفة الصدى للعمليات الاحتمالية: يستند المحتوى الذي ينشئه الذكاء الاصطناعي التوليدي في نهاية المطاف إلى عمليات احتمالية لتمثيلات البيانات و"السياقات الدلالية" المتعلمة المضمنة في بيانات التدريب والمدمجة في مليارات المعاملات داخل الشبكات العصبية الاصطناعية. وثمة خطر في أن تكون المخرجات إلى حد ما مجرد "غرفة صدى" متطورة للبيانات المستخدمة في تدريب النموذج وروابطها الاحتمالية التي تشكلت أثناء تعلم الآلة. وإذا اقترن ذلك بتحيز الأتمتة والركون إليها، فقد يحط من قيمة الخبرة والإبداع الطبيين البشريين، ويفضي إلى انتشار نماذج رعاية مستندة إلى بيانات وخوارزميات بعينها. ولذلك ينبغي أن تُستخدم بصورة روتينية في التطبيقات الصحية أساليب تتيح قياس عدم اليقين في المخرجات.
وتشمل تحديات تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي ونشره جوانب البيانات والخصوصية، والبنية التحتية، وقابلية التشغيل البيني، والأمن السيبراني:
البيانات والخصوصية: يتوقف أداء نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وموثوقيتها على مجموعات بيانات متعددة الوسائط واسعة النطاق وعالية الجودة ومتنوعة، غير أن توافرها يمثل تحدياً كبيراً لأن البيانات الطبية كثيراً ما تكون مجزأة وتفتقر إلى التوحيد القياسي. ولا يزال الوصول إلى بيانات كافية، ولا سيما للأمراض النادرة أو الفئات السكانية الأقل تمثيلاً، يمثل عنق زجاجة. ومع أن البيانات الاصطناعية التي يولّدها الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن تعزز مجموعات البيانات، فإن تساؤلات لا تزال قائمة حول دقتها، وتضخيمها للتحيز، والإفراط في الملاءمة. وتظل إعادة تحديد هوية أصحاب البيانات مشكلة مستمرة، ومن ثم يلزم مزيد من البحث في تقنيات الحفاظ على الخصوصية، وهي مشكلات يسعى الفضاء الأوروبي للبيانات الصحية إلى معالجتها.
البنية التحتية وقابلية التشغيل البيني والأمن السيبراني: تفتقر منشآت رعاية صحية كثيرة حالياً إلى البنية التحتية اللازمة لتقنية المعلومات لتطبيق الذكاء الاصطناعي التوليدي. فنماذج هذه التقنية تتطلب موارد حاسوبية كبيرة، وسعة لتخزين البيانات، وشبكات عالية النطاق الترددي، مما يستلزم استثمارات محلية في العتاد ومنصات الحوسبة السحابية. وثمة بنى تحتية قيد الإنشاء على المستوى الأوروبي، كمبادرتي EuroHPC ومصانع الذكاء الاصطناعي. ولا يزال ثمة توتر بين الزخم نحو مركزية البنية التحتية لأسباب متعددة والحاجة إلى استخدام التعلم الاتحادي أو الموزع لحماية خصوصية البيانات. وتطرح قابلية التشغيل البيني تحدياً كبيراً، إذ تتوزع البيانات الصحية على أنظمة متعددة غير مترابطة، كالسجلات الصحية الإلكترونية، وأنظمة أرشفة الصور والاتصالات، وأنظمة معلومات المختبرات، وكثيراً ما تستخدم هذه الأنظمة صيغاً مملوكة أو معايير متقادمة، مما يعيق تجميع البيانات لتدريب النماذج ويعقّد تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر البيئات المختلفة أو مسارات العمل السريرية. وكحال سائر التقنيات الرقمية، لا يتمتع الذكاء الاصطناعي التوليدي بالحصانة من مشكلات الأمن السيبراني، بل إن تطبيقه في المجال الطبي يطرح تحديات إضافية مرتبطة بالمعلومات الصحية الحساسة للمرضى، مما يفاقم تعقيد المخاوف الأمنية. فقد يُدخل الذكاء الاصطناعي التوليدي ثغرات جديدة يستغلها المهاجمون لاختراق الأنظمة، أو نشر معلومات غير دقيقة، أو التأثير في سلوك المستخدمين، أو احتجاز البيانات الشخصية المستخرجة مقابل فدية. وقد يلجأ الفاعلون المهددون إلى طيف متنوع من الهجمات السيبرانية ضد الذكاء الاصطناعي التوليدي، منها هجمات عكس النموذج التي تمس خصوصية المستخدمين، وهجمات تسميم البيانات. كما يمكن لهجمات حقن الأوامر أن تعطل الأداء الطبيعي للنموذج وقد تفضي إلى مخاطر على السلامة. وفي المحصلة، يُعد تطبيق أنظمة كشف متقدمة وتدابير استباقية للحد من المخاطر أمراً حاسماً لكشف التهديدات السيبرانية واحتوائها.
ويُعد بناء الثقة بين الأطباء والمرضى ومؤسسات الرعاية الصحية أمراً أساسياً لمعالجة هذه التحديات وتعزيز التبني. ويشمل ذلك معالجة مخاوف الأطباء بشأن الدقة والموثوقية والاندماج في سير العمل وتراجع المهارات والمسؤولية القانونية، فضلاً عن قلق المرضى بشأن خصوصية البيانات والتوصيات المتحيزة والرعاية المجردة من الطابع الإنساني. ويتطلب التغلب على هذه التحديات تحققاً تقنياً متيناً، ومبادئ أخلاقية راسخة، ووضوحاً تنظيمياً، وتصميماً متمحوراً حول المستخدم، وتواصلاً شفافاً، وإثبات قيمة الذكاء الاصطناعي التوليدي لجميع أصحاب المصلحة.
6.2 الأثر في التعلم والتعليم
الرسائل الرئيسية
يُحدث دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأنظمة التعليمية تحولاً في مشهد التعلم والتعليم والتقييم. ويملك هذا الابتكار التقني القدرة على تشكيل التعليم والتدريب بل وإرباكهما، ويشعر بأثره أصحاب مصلحة متعددون.
ولضمان استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بفعالية ومسؤولية، يتعين على صانعي السياسات والمعلمين والطلاب العمل معاً لتطوير الكفاءات والسياسات اللازمة لدعم دمجه في الأنظمة التعليمية.
أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والتدريب
يتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في البيئات التعليمية، مما يفضي إلى تغيرات جوهرية في التعليم والتعلم ذات تبعات بعيدة المدى على أصحاب المصلحة، ومنهم صانعو السياسات وقيادات المؤسسات التعليمية والمعلمون والطلاب. ففي البداية، أدت المخاوف من سوء الاستخدام المحتمل إلى فرض قيود على هذه التقنية في مؤسسات مختلفة، غير أن الخطاب سرعان ما تحول نحو استكشاف إمكاناتها في تحسين نتائج التعلم والتعليم. ومع ازدياد قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، اتضح أيضاً أن أنظمة التعليم ستحتاج إلى إعادة تقييم الكفاءات التي ستكون مطلوبة في السنوات المقبلة.
وعلى الرغم من تنامي تأثيره، ثمة حاجة ملحة إلى أدلة تجريبية صارمة لتعميق فهم أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في الممارسات التعليمية، ولا سيما فيما يتعلق بمدى قدرته الفعلية على تحسين التعليم والتعلم، وتبعاته على التقييم. ويبحث هذا القسم نتائج عدد من دراسات مركز البحوث المشترك التي تناولت الاتجاهات الناشئة وعواقب دمج هذه التقنية في التعليم، فضلاً عن استخدام مختلف أصحاب المصلحة التعليميين لها وتصوراتهم عنها، والمتطلبات المختلفة اللازمة للمعلمين لتوظيفها بفعالية في ممارساتهم التربوية. وقد خلصت الدراسات المختلفة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُنظر إليه بوصفه فرصة لتحسين التعليم والتعلم، لكنه يتطلب تطبيقاً حصيفاً، وتطويراً مهنياً مستمراً، وتنمية للثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي لضمان استخدامه بفعالية ومسؤولية.
وتقدم المبادئ التوجيهية الأخلاقية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات في التعليم والتعلم الموجهة للمعلمين، الصادرة في عام 2022، إرشادات لدمج الاعتبارات والمتطلبات الأخلاقية استناداً إلى أمثلة وأسئلة عملية. وهي تستهدف المعلمين والعاملين في المجال التعليمي، ولا سيما في المرحلتين الابتدائية والثانوية، لكنها مفيدة أيضاً للمجتمع التعليمي الأوسع ولأصحاب المصلحة المعنيين بالتعليم الرقمي. وتجري حالياً مراجعتها لمراعاة التطورات التقنية الجديدة، كالذكاء الاصطناعي التوليدي في الممارسات التربوية، وضمان نهج عملي معزز. كما تسعى دعوة مشاريع "إيراسموس بلس" الاستشرافية لعام 2025 إلى مشاريع واسعة النطاق تعزز الاستخدام الأخلاقي والفعال لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والتدريب.
وستعزز خارطة الطريق لعام 2030 بشأن مستقبل التعليم والمهارات الرقمية التبني الاستراتيجي والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في التعليم، بما في ذلك من خلال الدعم وبناء القدرات للمعلمين والمؤسسات التعليمية، وستشجع تنمية الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي بدءاً من التعليم الابتدائي والثانوي.
إطار الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي
تعمل المفوضية الأوروبية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حالياً، بدعم من منظمة Code.org ونخبة من الخبراء الدوليين البارزين، على تطوير إطار للثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي. وسيحدد هذا الإطار المعارف والمهارات والاتجاهات التي من شأنها إعداد طلاب التعليم الابتدائي والثانوي إعداداً ملائماً، وسيبين كيفية تعميق التعلم بشأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وكيفية الإبداع المشترك معها، وكيفية التأمل في استخدامها المسؤول والأخلاقي في مواد أساسية للثقافة في هذا المجال، كالإحصاء والعلوم الاجتماعية وعلوم الحاسوب. وسيُستكمل الإطار في مطلع عام 2026 بعد مشاورات واسعة مع أصحاب المصلحة، وسيُطوّر على أساسه أول تقييم للثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي ضمن البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA) التابع للمنظمة. وسيدعم ذلك أهداف الاتحاد الأوروبي الرامية إلى تعزيز تعليم ومهارات رقمية عالية الجودة وشاملة.
الاتجاهات والتقنيات الناشئة في التعليم
أجرى مركز البحوث المشترك بحوثاً استشرافية حول التقنيات الناشئة، بما فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي تملك إمكانات كبيرة لتشكيل مستقبل التعليم من خلال إعادة تعريف الممارسات والعمليات والمؤسسات التعليمية. وتتيح تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، كإضافة الترجمة النصية للمقاطع المرئية، والترجمة، وتحويل الكلام إلى نص، وتحويل النص إلى رسوم متحركة، فرصاً عديدة لأغراض تربوية، إذ يمكنها توليد مواد تعليمية مرئية أو نصية انطلاقاً من محتوى قائم، مما يمكّن المعلمين من إنشاء تجارب تعلم مخصصة لطلابهم. كما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تعمل شريكاً ومصمماً مشاركاً ومحاوراً سقراطياً أو محفزاً يساعد على تنمية التفكير. غير أن النماذج اللغوية الصرفة معروفة بتوليدها نصوصاً مقنعة لكنها غير صحيحة. وعلى الرغم من الشكوك المتعلقة بقابلية التوسع، فإن ربط النماذج اللغوية بمصادر المعرفة القائمة قد يعزز جدارتها بالثقة، وهو أمر حيوي للتعليم والتعلم.
ويجعل دمجُ الذكاء الاصطناعي في عمليات التعلم البشري مفهومَ الفاعلية محورياً في التعليم. فقد يتيح الذكاء الاصطناعي أشكالاً جديدة لتوزيع الفاعلية في التعليم، تشمل الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور إلى جانب الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب توسيع النظرة الفردانية إلى الفاعلية والكفاءة لتشمل الموارد الاجتماعية والتقنية التي يقوم عليها الفعل الفاعل.
ولا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم على التعليم والتعلم، بل يملك أيضاً القدرة على إحداث تحول في الإدارة والسياسات التعليمية. ويزيد الدور المتنامي للتكنولوجيا في التعليم والاستخدام الواسع للمنصات الرقمية من الاعتماد على الجهات العالمية الكبرى، مما يثير مخاوف بشأن خصوصية البيانات والسيادة الرقمية. وعلى المستوى المنظومي، تتواصل النقاشات حول المصالح التي قد تتعارض بين أصحاب المصلحة التجاريين والمعلمين، ويظل فهم اهتمامات المعلمين والمتعلمين واحتياجاتهم أمراً حاسماً.
وخلاصة القول، ينطوي دمج التقنيات الناشئة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، في الممارسات التعليمية على إمكانات تحويلية لإعادة تعريف مشهد التعلم والتعليم. ويتطلب هذا التطور فهماً دقيقاً للتفاعل بين التقدم التقني والسياسات التعليمية، بما يضمن تسخير الابتكارات لتحسين نتائج التعلم على نحو مستدام ومنصف. ومع تحول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى جزء لا يتجزأ من البيئات التعليمية، فإنها تتيح فرصاً للتعلم المخصص، والإدارة الفعالة، وإتاحة الموارد التعليمية للجميع. غير أن هذا التحول يستلزم أيضاً معالجة الاعتبارات الأخلاقية وقضايا الحوكمة ومواءمة الذكاء الاصطناعي مع القيم التعليمية. ومن خلال تعزيز التعاون بين صانعي السياسات والمعلمين والتقنيين، يستطيع قطاع التعليم التعامل مع هذه التحديات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لدعم مستقبل يكون فيه التعليم أيسر منالاً وأكثر شمولاً وفعالية لجميع المتعلمين.
بحوث مركز البحوث المشترك بشأن أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والتدريب
أُجريت مراجعة استطلاعية للأدبيات لبحث المجموعة الناشئة من الأبحاث حول أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم. وحللت المراجعة 283 منشوراً، وحددت السمات الرئيسية للأبحاث الحالية وفجواتها. وتبين النتائج ما يلي:
تتركز الأبحاث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم في الغالب على الدول الغربية المتعلمة الصناعية الغنية الديمقراطية، مع غياب تمثيل أمريكا اللاتينية وأفريقيا.
تركز معظم الدراسات على التعليم العالي، مع الحاجة إلى مزيد من الأبحاث حول قطاعات التعليم الأخرى.
يُعد تقييم الذكاء الاصطناعي التوليدي في الاختبارات والمهام، وتطبيقه العام في التعليم، أبرز مجالات البحث.
ثمة حاجة إلى مزيد من الدراسات التأكيدية لترسيخ المعارف والافتراضات القائمة.
تحظى القضايا الأخلاقية، كالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي التوليدي وأثره المحتمل في النزاهة الأكاديمية، والقضايا التقنية، باهتمام أقل نسبياً وإن كانت حاضرة.
واستناداً إلى هذه النتائج، يوصي المؤلفون بأن توسع الأبحاث المستقبلية نطاقها لتشمل عينات سكانية وقطاعات تعليمية أكثر تنوعاً وموضوعات خلافية كالأخلاقيات، وبأن تركز الممارسة التعليمية على تزويد المعلمين والمربين بالمهارات اللازمة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأن تنظر في مناهج تدمج التعليم عن الذكاء الاصطناعي والتعليم بواسطته.
وينبغي للسياسات التعليمية أن تدعم البحث في الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم، وأن تكفل حقوق الأفراد وسيادتهم، وأن تتعامل مع التوترات بين الحتمية التقنية والمعايير الأخلاقية.
كما ينبغي وضع سياسات تضمن النزاهة الأكاديمية والتعليمية، ومراجعة المناهج لدمج التعليم عن الذكاء الاصطناعي والتعليم بواسطته دمجاً منهجياً.
الاستخدامات والتصورات الناشئة للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم
أجرى مركز البحوث المشترك دراسة شملت خمس دول أعضاء، هي أيرلندا وفنلندا وألمانيا ولوكسمبورغ وإسبانيا، لاستكشاف الاستخدامات والتصورات الناشئة للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم. واعتمدت الدراسة على مقابلات ومجموعات نقاش مركزة مع صانعي السياسات ومعلمي المعلمين وقادة المدارس والمعلمين والطلاب. وتشير النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُنظر إليه بوصفه ابتكاراً تقنياً ذا إمكانات عالية لتشكيل التعليم، لكن دمجه يتطلب تطبيقاً حصيفاً، وتطويراً مهنياً مستمراً، وتنمية للثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتشمل أبرز النتائج والتبعات بالنسبة إلى كل فئة من أصحاب المصلحة ما يلي:
يحتاج معلمو المعلمين إلى تدريب شامل وإرشاد بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي، وينبغي أن تتضمن برامج الإعداد الأولي للمعلمين المهارات التقنية والتبعات الأخلاقية لهذه التقنية على حد سواء.
يرى المعلمون في الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة لتحسين التعليم، لكنهم يخشون أن يعيق التعلم، ويحتاجون إلى تدريب شامل ومبادئ توجيهية لاستخدامه بفعالية.
يركز الطلاب أكثر على منافع الذكاء الاصطناعي التوليدي كالتعلم المخصص، وهم يستخدمون بالفعل أدواته في مهام كالعصف الذهني وتنمية المهارات اللغوية وتوليد موارد التعلم، لكنهم يحتاجون إلى توجيه لفهم المخاطر المحتملة، وإلى وصول منصف إلى هذه الأدوات لتجنب التفاوت في فرص التعلم.
يواجه قادة المدارس تحديات في دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي، منها ضيق الوقت وشح الموارد وغياب المبادئ التوجيهية، ويحتاجون إلى وضع سياسات ومعايير داخلية للاستخدام الأخلاقي والفعال لهذه التقنية.
يدرك صانعو السياسات الحاجة إلى سياسات ومعايير واضحة لتوجيه استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس، وينبغي لهم تشجيع تنمية الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي لدى المعلمين والطلاب لتعزيز الاستخدام المستنير والمسؤول لتقنياته.
وإجمالاً، تبرز الدراسة الحاجة إلى دراسة متأنية وتخطيط دقيق لضمان الدمج الفعال والمسؤول للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم، بما في ذلك تنمية الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتدريب الشامل، والمبادئ التوجيهية للمعلمين، فضلاً عن الوصول المنصف إلى أدواته لجميع الطلاب.
المهارات المهنية للمعلمين
يؤدي المعلمون دوراً حاسماً في تنمية الكفاءة الرقمية لدى المتعلمين، بما فيها الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي، ودعمهم للاستفادة من الفرص التي تتيحها التقنيات الرقمية مع التعامل مع تحدياتها ومخاطرها. ويتطلب المشهد التقني المتغير باستمرار، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، كفاءات ومهارات أكثر تعقيداً ينبغي للمواطنين تنميتها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
تدريب المعلمين: لضمان تدريبهم تدريباً فعالاً على دمج الذكاء الاصطناعي في ممارساتهم التعليمية.
تحديث المناهج: ينبغي إدراج تقنية الذكاء الاصطناعي، بما فيها أبعادها الأخلاقية والاجتماعية والمجتمعية، في المناهج التعليمية.
نماذج ذكاء اصطناعي مخصصة للتعليم: ينبغي تطوير أنظمة مثل EdGPT لدعم التعلم والتعليم.
معالجة التحديات الخاصة بالذكاء الاصطناعي: ينبغي أن يكون المعلمون قادرين على معالجة قضايا مثل استخدام البيانات وخصوصيتها، وتحيز المعلومات، والمساواة في الوصول.
الذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب المهنيين
تؤدي أنظمة التعليم والتدريب المهنيين أيضاً دوراً حاسماً في تعزيز الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ تحظى بموقع فريد يؤهلها للتكيف مع التغيرات التقنية وتقديم تجارب تعلم عملية تطبيقية تتوافق مع احتياجات الصناعة. ويُدفع دمج الذكاء الاصطناعي في هذه الأنظمة بدوافع تحسين جودة التعليم، وتخصيص التعلم، وإعداد الطلاب لأسواق العمل. وتؤكد دراسة "التقنيات والاتجاهات الناشئة في التعليم والتدريب المهنيين" ضرورة التدخلات السياساتية الاستراتيجية، كالاستثمار في إعداد المعلمين وفي المعدات والبنية التحتية، وإجراء مزيد من البحوث لفهم أثر التقنية في عمليات التعلم في هذا القطاع فهماً أفضل، ولمعالجة التحديات والفرص التي تطرحها هذه التقنيات على أنظمة التعليم والتدريب المهنيين.
6.3 أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في العلوم
الرسائل الرئيسية
يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل العملية العلمية، إذ يقدم كفاءة وإبداعاً غير مسبوقين، لكنه يتطلب رقابة دقيقة للحفاظ على النزاهة العلمية.
ومع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي ييسر التقدم العلمي بإتاحة الوصول للجميع وتعزيز التعاون، فإنه يطرح أيضاً تحديات كالتحيزات المحتملة وخطر ترسيخ السرديات السائدة، مما يستلزم دمجاً متوازناً للذكاء الاصطناعي مع الخبرة البشرية.
يقدم هذا القسم لمحة عامة عن أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في العلوم، ويناقش على وجه التحديد كيف يؤثر في جميع خطوات العملية العلمية ويغير فعلياً منهجيات البحث. فالعملية العلمية، المعروفة عموماً بالمنهج العلمي، نهج منهجي يشكل أساس الفهم العلمي، ويساعد الباحثين على صياغة الأسئلة، وتخطيط التجارب، واستخلاص الاستنتاجات من ملاحظاتهم للعالم.
طرح سؤال أو إبداء ملاحظة: تبدأ العملية بطرح الأسئلة أو إبداء الملاحظات التي توجه الاستكشاف التجريبي. ويمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يُحدث ثورة في هذه الخطوة بمساعدة الباحثين، ولا سيما المبتدئين منهم، على تنقيح تساؤلاتهم ووضعها في سياقها. فهذه النماذج توّلف الأدبيات لإبراز الأنماط والفجوات، فتساعد في صياغة أسئلة إبداعية. ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يولّد أهدافاً بحثية أو فرضيات على نحو مستقل، "ملاحظاً" الظواهر بالفعل، فيسرّع صياغة الأسئلة ويوسع آفاق الفضول العلمي. غير أنه قد يرسخ دون قصد السرديات السائدة، فيحد من استكشاف الأفكار الجديدة.
مراجعة الأدبيات: تُحدث أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وأنظمته، مثل Elicit وScite وScopus AI، تحولاً في هذه الخطوة من خلال دمج البحث في الأدبيات واسترجاعها وتلخيصها. ومع استمرار بعض المخاوف، يمكن لهذه التقنية أن تيسر توسيع الوصول إلى الأسس النظرية عبر التخصصات. فضلاً عن ذلك، وكما تبين خطوة التواصل أدناه، فإن إمكانية توليد ملخصات سريعة للأوراق البحثية المعقدة أو الإجابة عن الأسئلة بطريقة حوارية قد تساعد الباحثين على استيعاب كميات من المعلومات تفوق ما كان ممكناً في الماضي. غير أنه يتعين على الباحثين مواجهة احتمالات عدم الدقة والهلوسات.
بناء الفرضية: تحوّل صياغة الفرضية سؤال البحث إلى قضية قابلة للاختبار. ويدعم الذكاء الاصطناعي التوليدي ذلك بتحديد الأنماط في البيانات والأدبيات، بما يتيح فرضيات معقولة مستندة إلى الأدلة. ويساعد في إعادة صياغة المشكلات، وتحديد النقاط العمياء، واقتراح عبارات منظمة قابلة للاختبار تنسجم مع أهداف البحث. وتستكشف المقاربات المتقدمة فضاءات مفتوحة للفرضيات تتجاوز الأساليب التقليدية. وبفضل قدرات كالاستدلال خطوة بخطوة، يدعم الذكاء الاصطناعي التوليدي بناء الفرضيات، لكنه قد يغفل رؤى تتطلب خبرة بشرية.
اختبار الفرضية بإجراء تجربة: تتحقق هذه الخطوة من صحة الادعاءات العلمية. ويعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على أتمتة تصميم التجارب، وتوليد الشيفرات البرمجية، وتنفيذها، بما يضمن انتقالاً سلساً من الفرضية إلى التحليل. ويساعد الذكاء الاصطناعي في ضبط المتغيرات والتعرف على الأنماط، فيحسن دقة النتائج التجريبية، وتكشف المقارنات التجريبية بين أنظمة الذكاء الاصطناعي عن قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي في هذا المجال.
تحليل البيانات: يحوّل تحليل البيانات النتائج إلى رؤى، ويمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تسريع ذلك بمعالجة مجموعات البيانات، وتطبيق الأساليب الإحصائية، وتوليد التمثيلات البصرية. وتعمل أدوات مثل PROTEUS وAgent Laboratory على أتمتة مسارات العمل باستخدام قدرات الاستدلال في النماذج اللغوية الكبيرة. ويساعد الذكاء الاصطناعي في البرمجة والنمذجة واكتشاف الأنماط في مختلف المجالات، ويعزز الذكاء الاصطناعي التوليدي الوضوح والسرعة في التفسير، غير أن الشفافية والموثوقية تظلان أمرين جوهريين.
استخلاص الاستنتاجات بناءً على قبول الفرضية أو رفضها: تتضمن هذه الخطوة تحديد ما إذا كانت النتائج تدعم الفرضية أم لا، ودمج النتائج مع المعارف السابقة. وتساعد أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تلخيص النتائج ومواءمتها مع الفرضيات، وفي تفسير المخرجات، وصياغة الاستنتاجات، وتحديد أوجه عدم الاتساق. ويلزم الحذر، لأن مخاطر كالتحيز والإفراط في الثقة تتطلب تحققاً بشرياً. وحين يُدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي على نحو مسؤول، فإنه يدعم التأمل في النتائج ويشجع على تنقيح الفرضيات.
التواصل بشأن النتائج: تضمن هذه الخطوة مشاركة المعرفة العلمية وتقييمها. ويدعم الذكاء الاصطناعي التوليدي صياغة المخطوطات وتنسيقها وتحريرها وترجمتها، فيعزز وضوحها ومدى انتشارها. وتساعد أدوات مثل ChatGPT في هيكلة الأوراق البحثية وإنتاج الملخصات والتقارير متعددة اللغات، كما يساعد الذكاء الاصطناعي التوليدي في كتابة طلبات المنح وإعداد العروض التقديمية، فيعيد تشكيل عملية التوثيق. ومع كفاءته، تظل الشفافية والرقابة أمرين أساسيين لصون النزاهة. وتبرز دراسات حديثة الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي التوليدي في التواصل العلمي، أي نقل البحث العلمي والمعلومات العلمية إلى غير المتخصصين، ويشمل ذلك المساعدة في إعداد ملخصات ميسرة، وجلسات أسئلة وأجوبة تفاعلية، والإنشاء التلقائي للتمثيلات البصرية للبيانات، وتوليد الرؤى عبر صياغة قصص قصيرة قائمة على البيانات. غير أن مخاطر المعلومات المضللة وانعدام ثقة الجمهور تستدعي رقابة بشرية لضمان الدقة والحفاظ على المصداقية.
بناء المجتمع العلمي: تشكل المجتمعات العلمية الممارسات البحثية وتعزز التعاون. ويتيح الذكاء الاصطناعي التوليدي الانخراط متعدد التخصصات والتعاون الشامل، إذ تسد أدواته الفجوات اللغوية وفجوات الخبرة، فتتيح المشاركة للجميع وتعزز القواعد المشتركة. ومع دعمه بناء القدرات والنزاهة البحثية، فإن الإفراط في التركيز عليه قد يطغى على المنظورات الثقافية.
6.4 الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأمن السيبراني
الرسائل الرئيسية
يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل العملية العلمية، إذ يقدم كفاءة وإبداعاً غير مسبوقين، لكنه يتطلب رقابة دقيقة للحفاظ على النزاهة العلمية.
ومع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي ييسر التقدم العلمي بإتاحة الوصول للجميع وتعزيز التعاون، فإنه يطرح أيضاً تحديات كالتحيزات المحتملة وخطر ترسيخ السرديات السائدة، مما يستلزم دمجاً متوازناً للذكاء الاصطناعي مع الخبرة البشرية.
أثّر التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي تأثيراً كبيراً في عالم الأمن السيبراني. وبعد أن نوقشت قضايا الأمن السيبراني المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في الفصل الثاني، نتعمق هنا في أبرز اتجاهات البحث والتطبيقات الواقعية المحتملة.
الدفاع في مواجهة الهندسة الاجتماعية: يمكن تمكين البشر، الذين كثيراً ما يكونون نقطة الهجوم في الأمن السيبراني، بأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي ليتعرفوا على محاولات الهجوم المختلفة التي تركز على العنصر البشري، ويصدّوها، ويبلغوا عنها. فهجمات الهندسة الاجتماعية، كالرسائل غير المرغوب فيها والتصيد الاحتيالي، تهدف إلى التأثير في الفرد والتلاعب به ليمنح مجرمي الإنترنت إمكانية الوصول إلى الأنظمة دون رغبة منه أو دون علم. ولمكافحة هذه المحاولات الخبيثة، يمكن توظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي التوليدي لفحص المحتوى النصي والصوتي والمرئي الوارد في رسائل البريد الإلكتروني والمحادثات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي. وإلى جانب إدارة الهجمات، يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضاً أن يشرح لماذا يُعد محتوى معين مفترساً محتملاً، فيعزز معرفة الأفراد بالأمن السيبراني. كما يمكن للرصد المدعوم بهذه التقنية للمحتوى الوارد أن يفضي إلى التعرف على المعلومات المضللة الموجهة والسرديات الخادعة والتنبيه إليها ومعالجتها، حتى على المستوى المؤسسي.
الكشف المؤتمت عن التهديدات والاستجابة لها: تُعد اللغة الطبيعية طريقة الإدخال السائدة عند التفاعل مع نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، غير أن هذه الأنظمة قادرة على العمل على صيغ أخرى من البيانات، مما يجعلها أداة مقنعة لتحليل صيغ مثل حركة مرور الشبكات وسجلات الأنظمة. وقد يفضي هذا التحليل إلى كشف التهديدات السيبرانية وربطها ببعضها وفهمها والحد منها. ومع أن مقاربات التعلم العميق الأكثر تقليدية تُستخدم بالفعل في مثل هذا السيناريو، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعتمد على نطاق معرفته الأوسع لأداء هذه المهام، مع تقديم رؤى وتوصيات لمتخصصي الأمن السيبراني.
الاختبار الأمني: يُعد التحقق من التدابير الأمنية القائمة خطوة حاسمة نحو نظام آمن. واختبار الاختراق طريقة معتمدة على نطاق واسع للتحقق من الضوابط الأمنية وتحديد ثغرات الأنظمة. وفي الوقت الحاضر، يتطلب اختبار الاختراق قدراً كبيراً من العمل اليدوي للخبراء، مما يجعل العملية مستهلكة للوقت ومكلفة. ويمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يسهم بطرق متعددة في جعل اختبار الاختراق أسرع وأكثر أتمتة، وفي إفضائه إلى عملية تحقق أدق وأشمل. وتتوقع الاتجاهات الحالية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تخطيط التهديدات، حيث يُكلف نموذج لغوي كبير بالتوصية بمجموعة من الهجمات لمؤسسة أو بنية تحتية معينة، وفي السلوك الوكيلي، حيث ينفذ نظام ذكاء اصطناعي توليدي الهجمات السيبرانية، وفي توليد البيئات والبيانات والسيناريوهات المستخدمة في اختبار الاختراق. ومع أن المقاربات الحالية تُظهر هذه الإمكانات، فإنها قادرة على الاختراق المؤتمت للأهداف الأقل تعقيداً فحسب، في حين لا تزال الثغرات الأكثر تطوراً تتطلب تشغيلاً بشرياً.
أمن الشيفرات البرمجية: إلى جانب الخبراء والمستخدمين النهائيين، يؤدي مطورو البرمجيات دوراً مهماً آخر في دورة حياة الأمن السيبراني، إذ يتوقف أمن الشيفرات التي يكتبونها على مستوى معرفتهم الأمنية ونواياهم، مما قد يفضي إلى إدخال ثغرات في الشيفرات عن غير قصد بل وعن قصد خبيث. وتُظهر أساليب الذكاء الاصطناعي التوليدي إمكانات في المساعدة على التعرف على هذه الثغرات في الشيفرات المكتوبة سابقاً، بل وفي العمل رفيقاً للمبرمج يفحص الشيفرة أثناء كتابتها. وتستطيع المقاربات المتقدمة القائمة على أساليب الذكاء الاصطناعي التوليدي الحالية التعرف بدقة على الثغرات الأكثر بساطة وتقديم المشورة بشأنها، لكن دقتها، كما في الاختبار الأمني، تنخفض عند معالجة مشكلات أكثر تعقيداً تتطلب سياقاً أوسع واستدلالاً أعقد لتقييم قواعد شيفرات أكبر.
التعليم والتوعية: يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي دعم التدريب الأمني للأفراد على اختلاف مستويات خبرتهم، إذ يمكنه تقديم تدخلات مخصصة ومواد أكثر جاذبية للتدريب على التوعية الأمنية في المؤسسات، فضلاً عن التوليد المؤتمت لسيناريوهات الأمن السيبراني وتمارينه ضمن أي برنامج تعليمي نظامي. ويمكن أيضاً توظيف هذه القدرات لتحسين الثقافة العامة في مجال الأمن السيبراني، بما يعزز الصمود الجماعي. وعلى نحو أعم، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن ييسر التواصل بشأن المعلومات المتعلقة بالأمن والخصوصية. وفي هذا المجال، أثبتت الأبحاث قابلية تطبيق الذكاء الاصطناعي في تبسيط سياسات الخصوصية للخدمات الرقمية، التي كثيراً ما تكون مطولة ومربكة وبمستوى لغوي معقد لا يتاح لجميع المواطنين، ويمكن تحقيق ذلك من خلال التلخيص، وإتاحة التحليل التفاعلي لضمانات الخصوصية، وتقديم تمثيلات بصرية بديهية لكيفية استخدام البيانات الشخصية ومشاركتها. ويحمل الذكاء الاصطناعي التوليدي إمكانية الانتقال من هذا النوع من التحليل المؤتمت إلى مساعدين شخصيين للخصوصية مخصصين بالكامل.
التحديات والاعتبارات: يغير الذكاء الاصطناعي التوليدي ساحة الأمن السيبراني بإتاحته الوصول إلى الذكاء الاصطناعي للجميع، وهو ما يعزز قدرات الجهات الخبيثة ومتخصصي الأمن على حد سواء في شن هجمات أكثر تطوراً على نطاق واسع والدفاع في مواجهتها بقدر أقل من العوائق التقنية. وينبع عامل الإرباك الرئيسي من الواجهة القائمة على اللغة الطبيعية التي تتيح للبشر التحدث مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتوجيهها، وطرح الأسئلة عليها، والاستدلال معها، واتخاذ القرارات أو تفويضها بناءً على هذا التفاعل. ومع أن جهوداً قيّمة لتأمين الذكاء الاصطناعي التوليدي تركز على تحسين مسار تعلم الآلة وإضافة ضوابط تقنية، فإن ثمة حاجة إلى تدخلات بحثية وسياساتية على صعيد التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. فإضفاء المستخدمين الطابع البشري على المساعدين الافتراضيين، مقترناً بقدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على توليد مخرجات بليغة ومقنعة وبالفاعلية المتزايدة للأنظمة المنشورة، يثير مخاطر تستهدف مواطن الضعف المعرفية والإدراكية لدى الإنسان. ولذلك من الضروري استكشاف ضمانات متمحورة حول الإنسان وتصاميم تفاعلية تعزز التفكير النقدي وتكيّف مستويات الاستقلالية وفقاً للسياق، ولا سيما في سيناريوهات الأمن السيبراني عالية المخاطر. ويمكن لهذا العمل التأسيسي أن يدعم مستقبلاً تقنياً يتعاون فيه البشر والوكلاء بكفاءة، فيرتقي بالأداء العام في ممارسة الأمن السيبراني. فضلاً عن ذلك، لن يقتصر النفع على الخبراء، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يكون محفزاً لثقافة أوسع في مجال الأمن السيبراني من خلال دعم مبادرات تطوير المهارات وإعادة التأهيل لدى فئات متنوعة من المستخدمين. ومن شأن تخفيض حواجز الوصول والفهم أن يسهم في توسيع المشاركة في الأمن السيبراني، بما يعزز صمود مجتمعاتنا في مواجهة التهديدات المتطورة.
6.5 استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في القطاع العام
الرسائل الرئيسية
يملك الذكاء الاصطناعي التوليدي القدرة على إحداث تحول في إدارة القطاع العام وتقديم خدماته، لكن تبنيه يطرح تحديات وفرصاً معقدة تتطلب دراسة متأنية واهتماماً استراتيجياً.
وتُعد مقاربات الحوكمة والتنظيم الفعالة حاسمة لضمان الاستخدام الآمن والأخلاقي والمشروع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في القطاع العام، ومعالجة المخاطر والمنافع المرتبطة بتبنيها.
في إطار التحول الذي يقوده الذكاء الاصطناعي في مجتمعنا، تستخدم مؤسسات القطاع العام على نحو متزايد حلولاً قائمة على الذكاء الاصطناعي لتلبية احتياجاتها التشغيلية الداخلية وتقديم الخدمات العامة. وقد تابع مركز البحوث المشترك عن كثب تبني الذكاء الاصطناعي واستخدامه في القطاع العام، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي التوليدي، لجمع الأدلة العلمية وتقديم المشورة السياساتية. ويُعد عمل المركز حاسماً لضمان استناد السياسات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام إلى معرفة واقعية ومستقلة، مع إدراك أن الرهانات في هذا القطاع عالية بسبب الأثر المحتمل في المواطنين والشركات على حد سواء.
تمهيد: الذكاء الاصطناعي في القطاع العام
يقدم أحدث تقارير مرصد التكنولوجيا في القطاع العام صورة شاملة عن كيفية استخدام الإدارات العامة في أرجاء أوروبا للذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات الناشئة. واستناداً إلى أكثر من 1,600 حالة موثقة، يبين التقرير تبنياً واسعاً للذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات العامة (53% من الحالات) وتحسين الكفاءة الإدارية الداخلية (47%). وتركز الحكومات الوطنية عادة على تبسيط العمليات الداخلية، في حين تعطي السلطات المحلية الأولوية للتطبيقات المتمحورة حول المواطنين. ويبرز التقرير أيضاً الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي التوليدي، مع ظهور مشاريع تجريبية عديدة في سياقات مختلفة من القطاع العام. ويطرح هذا الاتجاه المتنامي أسئلة جديدة حول الحوكمة والمساءلة والشفافية والقيمة العامة، مؤكداً الحاجة إلى بحث مستمر يوجه صنع القرار مستقبلاً في هذا المجال.
وبالمثل، يكشف مسح واسع النطاق أجراه مركز البحوث المشترك وشمل مديرين في القطاع العام من سبع دول أعضاء أن الذكاء الاصطناعي بات مطبقاً على نطاق واسع، ولا سيما في تقديم الخدمات والعمليات الداخلية، وإن ظل استخدامه في صنع السياسات محدوداً. وتبرز الدراسة أن التبني تدفعه القدرات التقنية، والقيادة، وثقافة مواتية للابتكار، والخبرة الداخلية، فضلاً عن توقعات المواطنين. وسيتوقف ضمان دمج متوازن وجدير بالثقة للذكاء الاصطناعي على مواصلة تعزيز القدرات الداخلية، والوعي الأخلاقي، والاستراتيجيات المتمحورة حول المواطن.
غير أن التطبيق الناجح للذكاء الاصطناعي، بما فيه الذكاء الاصطناعي التوليدي، في المؤسسات العامة يظل مهمة معقدة تتوقف على ما هو أكثر من التقنية. فقد حددت الأبحاث خمس مجموعات مترابطة من التحديات: التوقعات المجتمعية، والمخاوف الأخلاقية، والقضايا القانونية والتنظيمية، والتطبيق التقني، والتغيير المؤسسي. ويتطلب هذا الأخير مواءمة مع الممارسات اليومية، وبناءً للقدرات، وفهماً واضحاً لكيفية إدراك الموظفين للتغيير وإدارته، مما يستدعي نظرة أوسع لتبني الذكاء الاصطناعي تشمل التعلم المؤسسي والحوكمة التكيفية. ودعماً لهذا المشهد المتطور، طوّر مركز البحوث المشترك إطاراً مفصلاً للكفاءات وممارسات الحوكمة اللازمة لتمكين استخدام هادف ومسؤول للذكاء الاصطناعي في القطاع العام، مبرزاً أن بناء المهارات والحوكمة الرشيدة يعزز كل منهما الآخر. ويُعد تعزيز كلا البعدين أمراً أساسياً ليس فقط للتبني الفعال للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً لضمان انسجام استخدامه مع القيم العامة والأهداف المؤسسية.
نحو استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في القطاع العام
رصد مرصد التكنولوجيا في القطاع العام، وهو مرصد مخصص لرصد استخدام التقنيات الناشئة كسلاسل الكتل والذكاء الاصطناعي في القطاع العام الأوروبي وتحليله ونشره، تديره المديرية العامة للمعلوماتية ومركز البحوث المشترك التابعان للمفوضية الأوروبية، نحو 100 حالة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي حتى الآن، تستكشف فيها الإدارات العامة تبني طائفة من تقنياته في مجالات تطبيق مختلفة. ويتطلب هذا الاتجاه الناشئ نحو تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي اهتماماً خاصاً باستكشاف منافعه وفهم التحديات المميزة المرتبطة بتبنيه.
ومن بين حالات الاستخدام المحددة، تتركز التطبيقات الرئيسية في الخدمات العامة والتواصل مع الجمهور (51 حالة) وتحسين الكفاءة الإدارية الداخلية (31 حالة)، تليها التحليل والرصد والبحث التنظيمي (16 حالة). وتكشف المجموعة المتنامية من الحالات عن مشاريع في مراحل نضج مختلفة، ما بين مخطط لها، وقيد التطوير، وتجريبية، ومطبقة بالكامل، وتشير إلى توسع كبير مرتقب.
وتبين دراسة حديثة لمركز البحوث المشترك أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يُجرَّب فقط في مشاريع رسمية في القطاع العام، بل يستخدمه أيضاً على نحو متزايد مديرو القطاع العام بصورة غير رسمية وعلى المستوى الفردي في أرجاء الاتحاد الأوروبي. فنحو 30% من المستجيبين يستخدمونه بالفعل في عملهم اليومي، ويعتزم 44% آخرون تبنيه قريباً، في حين يفيد 26% بعدم اهتمامهم حالياً باستخدام هذه الأدوات. ويشمل هذا التبني مختلف القطاعات والفئات العمرية، مما يبرز كيف تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، المتاحة عادة مجاناً على الإنترنت، إلى أماكن العمل، وكثيراً ما يسبق ذلك وضع الاستراتيجيات أو الإرشادات الرسمية.
غير أنه مع تزايد هذه الاتجاهات، بدأت الإدارات العامة في وضع أطر ومبادئ توجيهية تتناول صراحة الاستخدام الآمن والأخلاقي والمشروع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في سياقات القطاع العام.
المبادئ التوجيهية والسياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في أرجاء الاتحاد الأوروبي
تُظهر الأدلة الحالية من أرجاء الاتحاد الأوروبي أن الإدارات العامة تعمل بنشاط على وضع سياسات ومبادئ توجيهية وأطر إجرائية لإدارة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، مع مراعاة قانون الذكاء الاصطناعي أيضاً. وتكشف مراجعة لثلاث وثلاثين وثيقة ومبدأً توجيهياً من هذا النوع، صادرة عن سلطات وطنية وإقليمية ومحلية، أن معظمها نُشر في عامي 2023 و2024 ويركز تحديداً على الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتستجيب هذه الوثائق للمخاوف المتزايدة بشأن الشفافية والرقابة البشرية وحماية البيانات والمساءلة.
ومن الموضوعات المشتركة فيها ضرورة أن يظل الموظفون العموميون مسؤولين عن المحتوى المولّد بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأن يتجنبوا الإفصاح عن المعلومات الحساسة أو غير العامة، وأن يقيّموا تقييماً نقدياً دقة المخرجات المولّدة بالذكاء الاصطناعي وملاءمتها. وتقدم مبادئ توجيهية عدة موارد عملية أيضاً، كملاحق تقنية بشأن هندسة الأوامر، وبروتوكولات داخلية للاستخدام الآمن، ونماذج للإفصاح عن مشاركة الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد الوثائق. ويعكس تطوير هذه الأطر تحولاً أوسع نحو التطبيق العملي للذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة في الإدارة العامة، مع التركيز على ضمان الانسجام مع المبادئ الأخلاقية كالإنصاف ومنع الضرر واحترام الاستقلالية.
وقد تعززت مؤخراً إمكانات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام، سواء من قبل الإدارات العامة أو في إطار شراكات كثيرة ومتنوعة بين القطاعين العام والخاص، باعتماد قانون "أوروبا القابلة للتشغيل البيني" والشروع في تطبيقه. فهذا التشريع يمكّن الإدارات العامة من تقديم الخدمات العامة بسلاسة عبر الحدود الإقليمية والقطاعية والمؤسسية، مع الحفاظ على سيادتها من المستوى المحلي إلى المستوى الأوروبي. كما يرسي إطاراً لبيئات تنظيمية تجريبية قابلة للتشغيل البيني، ويدعم المشاعات الرقمية، ولا سيما الحلول مفتوحة المصدر، ويحفز مزودي الحلول الصغار والمتوسطين في مجال التكنولوجيا الحكومية على الابتكار من خلال تشجيع تبني التقنيات الناشئة. وتكملة لهذه الجهود، تهدف استراتيجية "طبّق الذكاء الاصطناعي" المرتقبة إلى تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الرئيسية، بما فيها الخدمات العامة، من خلال تحسين الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي جديرة بالثقة، وتعزيز قدرة القطاع العام على التجريب وشراء حلول الذكاء الاصطناعي، ودعم التعاون والبنية التحتية العابرين للحدود. وتعكس هذه المبادرات مجتمعة زخماً متنامياً على مستوى الاتحاد الأوروبي لتعزيز النشر الاستراتيجي والسيادي للذكاء الاصطناعي، بما فيه الذكاء الاصطناعي التوليدي، على نحو ينسجم مع القيم العامة والأهداف المجتمعية.
الآفاق المستقبلية
مع تزايد اندماج الذكاء الاصطناعي التوليدي في الإدارات العامة، تبرز أسئلة جديدة تستحق مزيداً من البحث والاهتمام الاستراتيجي. وتمتد هذه الأسئلة عبر مستويات متعددة، وطنية ومؤسسية وفردية، وتعكس الأدوار المتطورة للحكومات والمؤسسات والموظفين المدنيين في تشكيل كيفية تطوير هذه التقنية وتطبيقها وحوكمتها.
فعلى المستوى الوطني، تستثمر بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في نماذج ذكاء اصطناعي توليدي مفتوحة المصدر وخاصة بلغاتها، وهي نماذج قادرة على المساعدة في حماية التنوع اللغوي، وتحسين المواءمة الثقافية، والإسهام في القدرة التنافسية الوطنية، مع توفير حماية معززة للبيانات وصون مصالح الأمن الوطني. غير أن هذا الاتجاه يثير أيضاً أسئلة حول الاستدامة والحوكمة والتعاون. كما أن المشهد التنظيمي في حالة تغير مستمر، إذ تتحرك بعض الدول بسرعة لوضع قواعد لحالات الاستخدام التي قد تكون محفوفة بالمخاطر، فيما تختار دول أخرى نهجاً أخف وطأة.
وعلى المستوى المؤسسي، بدأت الإدارات العامة في دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في عمليات محددة، غالباً من خلال مشاريع تجريبية أو بإصدار إرشادات داخلية للموظفين. غير أن التطبيق لا يزال متفاوتاً، ويلزم مزيد من البحث في الظروف المؤسسية التي تتيح تبنياً مسؤولاً وهادفاً.
وعلى المستوى الفردي، ينمو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي نمواً سريعاً، وغالباً خارج الاستراتيجيات الرسمية، إذ يعتمد الموظفون العموميون على نحو متزايد على هذه الأدوات المتاحة على نطاق واسع لاستكشاف أفكار جديدة أو صياغة النصوص والملخصات. وقد تثير هذه الممارسات غير الرسمية أسئلة حول الرقابة والاتساق والدقة وحماية البيانات والإنصاف، وغيرها.
ومع دعم الذكاء الاصطناعي التوليدي لمزيد من الوظائف المعرفية، فإنه يتحدى الحدود التقليدية بين الأداة والشريك. وثمة حاجة إلى استكشاف كيفية تأثير ذلك في صياغة السياسات وحل المشكلات والابتكار في القطاع العام. ومن المرجح أن تكون آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي في الإدارة العامة منتشرة ومتوقفة على السياق، ولا يسهل رصدها بالمقاييس المعتادة.
الخاتمة
كما أُوضح في مستهل هذا التقرير الاستشرافي، يشير الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى فئة فرعية من تقنيات الذكاء الاصطناعي تمكّن الآلات من توليد محتوى جديد، كالصور والمقاطع المرئية والنصوص والموسيقى، كثيراً ما يتعذر تمييزه عما ينتجه البشر. وهو تقنية ثورية ذات إمكانات هائلة للإزعاج والتغيير، تحتاج إلى فهم أعمق، وستتطلب استجابات سياساتية على مستوى الاتحاد الأوروبي في جوانب كثيرة.
وكما تبين، يُعد الذكاء الاصطناعي التوليدي قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته، له مجموعته الخاصة من التحديات والفرص. ومع أن أوروبا كثيراً ما يُنظر إليها على أنها متأخرة عن رواد عالميين آخرين كالولايات المتحدة والصين، فإن تحليلنا للمشهد العالمي للذكاء الاصطناعي التوليدي يكشف عن صورة أكثر دقة وتعقيداً، ونؤكد على وجه الخصوص الموقع القوي للاتحاد الأوروبي في مجال البحث. وللحفاظ على قدرته التنافسية، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يرعى منظومة نابضة بالحيوية وديناميكية من الجهات الفاعلة، يكون فيها حضور قوي للشركات الناشئة والشركات الراسخة. وسيتطلب ذلك معالجة قضايا كالاستثمار والكفاءات والابتكار، وتهيئة بيئة تشجع تطوير حلول الذكاء الاصطناعي ونشرها، بما ينسجم مع الأجندة الطموحة التي طرحتها خطة عمل "قارة الذكاء الاصطناعي" المعتمدة مؤخراً و"بوصلة التنافسية" الأوروبية.
وإلى جانب دور الذكاء الاصطناعي التوليدي في القدرة التنافسية، لا بد من الإقرار بالأثر المجتمعي العميق الذي يُرجح أن تحدثه هذه التقنية. فالذكاء الاصطناعي التوليدي ليس مجرد مسألة قطاعية، بل تقنية عامة الغرض ستتغلغل في جوانب مختلفة من حياتنا، من الرعاية الصحية والتعليم إلى النقل والتوظيف. وستمتد آثاره إلى صناعات ومجالات تطبيق متعددة، ومن الضروري أن نطور نهجاً سياساتياً شمولياً يأخذ في الحسبان تبعاته بعيدة المدى. وفي هذا السياق، يتضح أنه مع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يتيح فرصاً كثيرة للابتكار والنمو الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي، فإنه يطرح أيضاً تحديات جسيمة تستحق استجابات شاملة للتعامل مع آثاره المجتمعية والتنافسية بفعالية.
وختاماً، من المهم التأكيد أيضاً أن الأدلة العلمية أساسية في توجيه السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي لضمان فعاليتها واستنادها إلى الحقائق. ومع الظهور المتسارع للتقنيات الجديدة، يقدم هذا التقرير لمحة شاملة عن الجوانب المهمة التي ينبغي أخذها في الحسبان لفهم أفضل للتبعات التقنية والاجتماعية والاقتصادية للذكاء الاصطناعي التوليدي. وحتى مع تطور التقنية، فإن مراعاة هذه الأبعاد من شأنها أن تسهم في ظهور مبادرات سليمة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي تنسجم مع قيمنا المجتمعية وأطرنا القانونية.
