الفصل الخامس: الإطار التنظيمي
يستعرض هذا الفصل المشهد التنظيمي للذكاء الاصطناعي التوليدي، بدءاً بقانون الذكاء الاصطناعي وتبعاته على تطبيقات هذه التقنية. ويستكشف المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي ودور قانون الخدمات الرقمية في الحد منها. ويبحث الفصل كذلك التفاعل بين الذكاء الاصطناعي التوليدي واللائحة العامة لحماية البيانات، فضلاً عن الملكية الفكرية، ولا سيما تحديات حقوق المؤلف. ومن الأسئلة المحورية المطروحة كيفية تحقيق التوازن بين الابتكار والحاجة إلى معايير أخلاقية وقانونية متينة في حوكمة الذكاء الاصطناعي. وأخيراً، يلخص الفصل التشريعات التي تنظم تبادل البيانات وإعادة استخدامها.
5.1 قانون الذكاء الاصطناعي وتبعاته على الذكاء الاصطناعي التوليدي
الرسائل الرئيسية
ينظّم قانون الذكاء الاصطناعي مسار تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فهو من جهة يفرض مجموعة من المتطلبات القانونية لجعل هذه الأنظمة في الاتحاد الأوروبي أكثر شفافية وجدارة بالثقة.
ومن جهة أخرى، يشجع الابتكار التقني في المجالات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة، كتقنيات العلامات المائية والبصمات الرقمية.
يُعد قانون الذكاء الاصطناعي أول تشريع في العالم ينظم الذكاء الاصطناعي، ويجري تطبيقه حالياً في الاتحاد الأوروبي. ويشترط القانون أن تستوفي أنظمة ونماذج معينة للذكاء الاصطناعي مجموعة من المتطلبات قبل طرحها في السوق الأوروبية. ووفقاً لنهج قائم على المخاطر، أي يراعي المخاطر على الصحة والسلامة والحقوق الأساسية، تتوقف هذه المتطلبات القانونية على التطبيقات المحددة، إذ ثمة أربعة مستويات مختلفة من المخاطر لأنظمة الذكاء الاصطناعي هي المخاطر الدنيا والمحدودة والعالية وغير المقبولة، وثلاثة مستويات للنماذج هي النماذج التي لا تترتب عليها التزامات، ونماذج الذكاء الاصطناعي العامة الغرض، ونماذج الذكاء الاصطناعي العامة الغرض ذات المخاطر النظامية. وتقدم الوثائق الإرشادية الحالية للمفوضية توضيحات بشأن هذه المستويات والمتطلبات.
وتنطبق هذه المستويات أيضاً على أنظمة الذكاء الاصطناعي ونماذجه التوليدية. وعلى وجه الخصوص، ترتبط تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي ببعض المخاطر العالية ومخاطر الشفافية، فيما تشكل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي جوهر نماذج الذكاء الاصطناعي العامة الغرض. ولقانون الذكاء الاصطناعي تبعات مهمة على تبني نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وجدارتها بالثقة، وهو ما تبينه الأقسام التالية.
نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وأنظمته في قانون الذكاء الاصطناعي
يرتبط كثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي على وجه الخصوص بمستوى "المخاطر المحدودة" والتزامات الشفافية المرتبطة به المنصوص عليها في المادة الخمسين. وتقضي هذه الالتزامات بأن يضمن مزودو أنظمة معينة للذكاء الاصطناعي التوليدي، كروبوتات المحادثة، أن يكون الأشخاص المتعاملون مع هذه الأنظمة على علم بأنهم يتفاعلون مع آلة. وإضافة إلى ذلك، يتعين على المزودين ضمان إمكانية التعرف على المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. وفضلاً عن ذلك، ينبغي وسم بعض أنواع المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي وسماً واضحاً ومرئياً، كالتزييف العميق والنصوص المنشورة بغرض إعلام الجمهور بمسائل تتعلق بالمصلحة العامة.
وإلى جانب المخاطر المحدودة، يمكن أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي جزءاً من أنظمة ذكاء اصطناعي عالية المخاطر أو من ممارسات ذات مخاطر غير مقبولة. وتخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر لالتزامات صارمة، تشمل تقييماً ملائماً للمخاطر واستراتيجية للحد منها، وجودة عالية لمجموعات البيانات، وتسجيل الأنشطة لضمان إمكانية تتبع النتائج، ووثائق مفصلة توفر للسلطات جميع المعلومات اللازمة عن النظام والغرض منه لتقييم امتثاله، ومعلومات واضحة وكافية للجهة المستخدمة، وتدابير ملائمة للرقابة البشرية، ومستوى عالياً من المتانة والأمن السيبراني والدقة. ويحظر القانون ثماني ممارسات مرتبطة بالمخاطر غير المقبولة، هي: التلاعب والخداع الضاران القائمان على الذكاء الاصطناعي، واستغلال مواطن الضعف على نحو ضار باستخدام الذكاء الاصطناعي، والتصنيف الاجتماعي، وتقييم مخاطر ارتكاب الأفراد للجرائم أو التنبؤ بها، والكشط غير الموجه للإنترنت أو لتسجيلات كاميرات المراقبة لإنشاء قواعد بيانات للتعرف على الوجوه أو توسيعها، والتعرف على المشاعر في أماكن العمل والمؤسسات التعليمية، والتصنيف البيومتري لاستنتاج خصائص محمية معينة، والتعرف البيومتري عن بعد في الوقت الفعلي لأغراض إنفاذ القانون في الأماكن العامة. ومع أنه لا توجد إشارة صريحة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي في قائمة حالات الاستخدام عالية المخاطر الواردة في الملحق الثالث من القانون، فإن هذه الأنظمة قابلة للدمج فيها. أما فيما يخص الممارسات المحظورة، فيمكن ربط أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي ببعضها، ولا سيما التلاعب والخداع الضاران القائمان على الذكاء الاصطناعي المنصوص عليهما في الفقرتين (أ) و(ب) من المادة الخامسة.
ويقدم مشروع المبادئ التوجيهية للمفوضية بشأن ممارسات الذكاء الاصطناعي المحظورة بعض الأمثلة على الاستخدام غير المقبول لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، كروبوت محادثة ينتحل شخصية صديق أو قريب لشخص ما بهدف إلحاق أضرار جسيمة به، أو نظام مصمم لاكتشاف خضوعه للتقييم ليوقف سلوكه غير المرغوب فيه في تلك الأثناء. وتشير المبادئ التوجيهية أيضاً إلى تفاعل بين هذه الممارسات المحظورة وتدابير الشفافية الخاصة بالمخاطر المحدودة المذكورة آنفاً والمنصوص عليها في الفقرة الرابعة من المادة الخمسين، إذ يمكن عدّ تدابير الشفافية استراتيجية للحد من مخاطر الخداع والتلاعب.
نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في قانون الذكاء الاصطناعي
إلى جانب أنظمة الذكاء الاصطناعي، يفرض القانون التزامات محددة على مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي العامة الغرض، ومنها على سبيل المثال لا الحصر نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي نماذج قادرة على أداء طيف واسع من المهام وتتحول إلى أساس لكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي المذكورة في القسم السابق. ويفرض القانون على هذه النماذج متطلبات عدة تتعلق بالشفافية وقواعد متصلة بحقوق المؤلف، فضلاً عن متطلبات إضافية لتحديد المخاطر النظامية والحد منها بالنسبة إلى النماذج التي قد ترتبط بهذه المخاطر.
وفي الوقت الراهن، يُظهر كثير من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي المتقدمة قدرات مرتبطة بمفهوم الذكاء الاصطناعي العام الغرض، ومن ثم ستخضع للالتزامات ذات الصلة. ويعمل مكتب الذكاء الاصطناعي التابع للمفوضية الأوروبية حالياً على تيسير صياغة مدونة ممارسات تفصّل هذه القواعد استناداً إلى أحدث الممارسات.
التقنيات ذات الصلة
كما سبقت الإشارة، يعتمد قانون الذكاء الاصطناعي على حلول تقنية لتحقيق شفافية الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما الحلول التي تتيح التعرف على المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. وينبغي أن تتمتع هذه التقنيات بأربع خصائص هي: الكفاءة، وسلامة البيانات، والمتانة في مواجهة تعديل المحتوى، والحماية من التلاعب. وتستند تقنيات الشفافية في الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى التقنيات المستخدمة في وسم المحتوى الرقمي، صوتياً كان أو صورة أو نصاً، لضمان الامتثال لقانون حقوق المؤلف. وتغطي هذه التقنيات أربع مقاربات رئيسية للشفافية: البيانات الوصفية المضمنة في المحتوى، وتقنيات العلامات المائية المصممة لتضمين علامات بالكاد تُدرك في الصوت أو الصورة أو النص، وتقنيات البصمات الرقمية القائمة على توليد معرّفات للمحتوى وتخزينها، وآليات الكشف القائمة على الذكاء الاصطناعي.
ومع أن هذه التقنيات شهدت تطورات كبيرة، تظل شفافية الذكاء الاصطناعي التوليدي مجالاً صعباً يحتاج إلى مزيد من البحث الأساسي لتطوير حلول أكثر موثوقية. ويتضمن ذلك أيضاً استكشاف أساليب هندسية جديدة للتعرف على المحتوى وحوكمته، مع مراعاة دور الحلول المملوكة في مقابل الحلول المفتوحة.
5.2 مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي وقانون الخدمات الرقمية
الرسائل الرئيسية
يفرض قانون الخدمات الرقمية الأوروبي التزامات على الوسطاء والمنصات الإلكترونية لمعالجة المخاطر النظامية، ويلزمها بتكييف خدماتها وأنظمتها وخوارزمياتها للحد من هذه المخاطر. وقد حددت معظم المنصات الإلكترونية الكبيرة جداً ومحركات البحث الكبيرة جداً مخاطر مرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في تقاريرها الأخيرة لتقييم المخاطر.
وتُدخل تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي أشكالاً ناشئة من المخاطر سيتعين على الخدمات الرقمية المصنفة تحليلها والحد منها، كالمخاطر على الرفاه الجسدي والنفسي للمستخدمين، أو المخاطر على الخطاب المدني والعمليات الانتخابية.
كما تملك هذه التقنية القدرة على إتاحة فرص لفضاء إلكتروني أكثر أماناً إذا ما طُبقت واختُبرت على النحو الصحيح، بما في ذلك من خلال استخدام النماذج اللغوية الكبيرة في الإشراف على المحتوى، وتطبيق ضوابط وتدابير للحد من المحتوى الضار أو الخبيث.
يُعد قانون الخدمات الرقمية الأوروبي أول تشريع في العالم يعالج المخاطر المجتمعية الناشئة عن استخدام الخدمات الوسيطة كالمنصات الإلكترونية ومحركات البحث. ويفرض القانون التزامات على الوسطاء والمنصات الإلكترونية وفقاً لدورها وحجمها وأثرها المجتمعي، تغطي المخاطر النظامية الناشئة عن تصميم هذه الخدمات أو تشغيلها واستخدامها، والأنظمة المرتبطة بها، بما فيها الأنظمة الخوارزمية.
ومنذ أن بدأ تطبيق التزامات القانون على معظم المنصات الإلكترونية الكبيرة جداً ومحركات البحث الكبيرة جداً المصنفة في أغسطس 2023، اتخذت المفوضية الأوروبية إجراءات إشرافية وتنفيذية متعددة، ركز بعضها تحديداً على الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما ما يتعلق بالهلوسات والتزييف العميق والمخاطر المتصلة بالانتخابات. ومن بين هذه الإجراءات طلبات معلومات أُرسلت بين مارس ومايو 2024 إلى ست منصات إلكترونية كبيرة جداً وثلاثة محركات بحث كبيرة جداً. وتستدعي الوتيرة المتسارعة لتطور الذكاء الاصطناعي التوليدي وتبنيه في الخدمات الإلكترونية قدرة تقنية وعلمية قوية على المستوى التنظيمي.
مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي التي حددتها المنصات الإلكترونية في تقاريرها لتقييم المخاطر
تناولت بعض المنصات ومحركات البحث التي تتضمن ميزات قائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي المخاطرَ المرتبطة بها في تقاريرها لعام 2024. فعلى سبيل المثال، يقر تقييم المخاطر الخاص بمحرك Bing صراحة بالمخاطر الناشئة عن استغلال ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي، والمخاطر المتعلقة بالوصول إلى المعلومات وحرية التعبير، والمخاطر المرتبطة بالمعلومات الزائفة والمضللة وغرف الصدى، والمخاطر المتعلقة بتوليد محتوى غير آمن أو مضلل أو احتيالي أو خاص أو ضار بأي شكل آخر. ويذكر التقرير صراحة الهلوسات، كالاستجابات التي لا تستند إلى مصادر المدخلات، ويناقش تدابير محددة للحد منها وتقنيات للضوابط، ولا سيما في السيناريوهات المعرضة للهجمات أو التي تنطوي على ما يُعرف بـ"فراغات البيانات"، أي مجالات البحث التي تفتقر إلى معلومات موثوقة، خصوصاً في اللغات الأقل استخداماً. وتشير منصات أخرى، كمنصة LinkedIn، أيضاً إلى مخاطر ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي، كاحتمال أن تعكس النماذج صوراً نمطية ضارة، أو المخاطر المتعلقة بإساءة المستخدمين للمنصة، بما في ذلك حالات كسر القيود أو الحقن الخبيث للأوامر، في أوصاف الوظائف مثلاً.
وتنعكس المخاطر المتعلقة بإساءة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على المنصات انعكاساً بارزاً في تقارير تقييم المخاطر. فمعظم منصات التواصل الاجتماعي مثلاً تشير إلى قدرة هذه التقنية على خفض الحواجز التقنية أمام إنتاج محتوى ضار بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع. وكثيراً ما يُسلط الضوء على وجه الخصوص على خطر استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التلاعب بالمحتوى، واستخدامه في نشر المعلومات الزائفة وتضخيمها، أو في تيسير الاحتيال والخداع.
ومن المخاطر البارزة المذكورة في تقارير تقييم المخاطر لمنصات مثل X وTikTok وMeta وغيرها، احتمال أن "ييسر الذكاء الاصطناعي التوليدي إنتاج محتوى غير قانوني مولّد بالذكاء الاصطناعي" أو أن "يُستخدم جزءاً من الإساءة القائمة على الصور". ومن أخطر الأمثلة على ذلك توليد مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال، إذ تحذر تقارير حديثة من زيادة في هذا المحتوى المنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي تزامنت مع الإطلاق العام لـ ChatGPT وStable Diffusion في عام 2022.
ومن المخاطر ذات الصلة ظهور التزييف العميق الإباحي. ولا تقتصر هذه المخاطر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يمكن القول إنها بارزة بالقدر نفسه على المنصات الإباحية. ومع أنه لم تُتح حتى الآن أي تقارير لتقييم المخاطر للمنصات الإباحية المصنفة، فإن تقييم المخاطر الخاص بـ Google يشير إلى "زيادة مقلقة في الصور والمقاطع المرئية المولّدة التي تصور أشخاصاً في سياقات جنسية صريحة وتُوزع على الويب دون موافقتهم"، ويبين كيف تعمل الشركة على تحسين تدابير الحد من ذلك لمعالجة هذه المسألة على نحو أفضل، كتحديث خوارزميات الترتيب لديها. ويلزم قانون الخدمات الرقمية المنصات الإلكترونية المصنفة بمراقبة المخاطر القائمة والناشئة التي يفاقمها استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الخدمات الرقمية ومعالجتها عن كثب، ولا سيما حين يكون القاصرون من بين مستخدمي هذه الخدمات.
والواقع أنه مع أن التزييف العميق وما يماثله من أشكال المحتوى الاصطناعي غير القانوني أو الضار كثيراً ما يخضع لسياسات المحتوى ذاتها التي يخضع لها سائر المحتوى المخالف، فقد بدأت تظهر تدابير إضافية للحد من المخاطر تستهدف تحديداً المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. وتمثل الشفافية، في صورة أدوات وسم متاحة للمستخدمين والمعلنين تتيح لهم الإشارة إلى أن محتواهم مصنوع بالذكاء الاصطناعي، خط الدفاع الأول. كما يجري تطوير نماذج للكشف عن المحتوى الاصطناعي وتحسينها، لتكمل الوسم الذي يقوم به المستخدمون. وكثيراً ما يُشار إلى الصعوبة التقنية لهذه المهمة، إذ لا تزال التقنيات الفعالة القادرة على كشف الوسائط الاصطناعية على نطاق واسع غير متاحة إلى حد كبير. وتشير منصات عدة إلى تعاونها مع شركاء في القطاع ومؤسسات لتبادل المعلومات عن المحتوى المخالف، بما فيه المحتوى الاصطناعي، ولمواصلة تطوير تقنيات الكشف عنه. ومن الأمثلة البارزة تقنية العلامات المائية التي تضمّن في المحتوى توقيعاً رقمياً لا تدركه العين البشرية لكن يمكن كشفه بوسائل تقنية، مثل SynthID. كما تظهر حلول أوسع لإثبات مصدر المحتوى، مثل C2PA، وهو معيار تقني مفتوح لتضمين البيانات الوصفية في المحتوى الرقمي كالصور والمقاطع المرئية والتسجيلات الصوتية والوثائق. والهدف النهائي من هذه التقنيات هو تحديد مصدر المحتوى الضار المولّد بالذكاء الاصطناعي، بما يحد من إساءة استخدام هذه التقنية، ويعزز الشفافية، ويتيح المساءلة. غير أن هذه التقنيات لا تزال قيد التطوير والنشر النشطين لدى مؤسسات مختلفة، ولا يزال أمامها عمل كثير قبل أن تُعتمد على نطاق واسع بصورة متينة وقابلة للتشغيل البيني.
فرص الذكاء الاصطناعي التوليدي من أجل فضاء إلكتروني أكثر أماناً
على الرغم من مخاطرها، تُعد تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي تقنية تحويلية يُتوقع أن تجلب منافع وفرصاً محتملة كثيرة في طيف واسع من مجالات التطبيق، ومنها تعزيز فضاء إلكتروني آمن. ومن الأمثلة التي تبرز هذه الإمكانات استخدام النماذج اللغوية الكبيرة في حالات الإشراف على المحتوى، وعلى نحو أعم في إنفاذ إرشادات المجتمع والسياسات التي تضعها المنصات الإلكترونية. وتُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي المتخصصة على نحو متزايد لتطبيق ضوابط وتدابير للحد من المحتوى الضار أو الخبيث، سواء أكان من إنتاج المستخدمين أم مولّداً بالذكاء الاصطناعي.
وقد أصبح استخدام الأتمتة لدعم أنشطة الإشراف على المحتوى في المنصات الإلكترونية ومحركات البحث ممارسة راسخة. ويُلزم قانون الخدمات الرقمية مزودي خدمات الاستضافة بإبلاغ مستخدميهم بقرارات الإشراف على المحتوى التي يتخذونها وشرح أسبابها فيما يُعرف ببيانات الأسباب، ويتعين على مزودي المنصات الإلكترونية تقديم هذه البيانات إلى قاعدة بيانات الشفافية الخاصة بالقانون. ويكشف تحليل البيانات الواردة في هذه القاعدة لجميع المنصات الإلكترونية الكبيرة جداً في الفترة الممتدة من 1 أبريل 2024 إلى 1 أبريل 2025 أن غالبية إجراءات الإشراف على المحتوى المسجلة انطوت على أتمتة جزئية على الأقل، ولا سيما في مرحلة الكشف الأولي، وبصورة متزايدة في الإزالة المؤتمتة بالكامل، أي دون تدخل بشري.
وقد لا يزال دور الذكاء الاصطناعي التوليدي في الإشراف على المحتوى محدوداً اليوم مقارنة بالخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية، لكن يمكننا توقع تنامي دوره في المستقبل. فمنصات مثل Google تشير بالفعل إلى الفرص التي يتيحها استخدام الذكاء الاصطناعي، بما فيه النماذج اللغوية الكبيرة، لمنع المحتوى غير القانوني والضار وكشفه والاستجابة له على نطاق واسع. ومع وضوح المنافع المحتملة، من المهم التأكيد على ضرورة تقييم أنظمة الإشراف المؤتمت على المحتوى تقييماً صارماً عبر مختلف المستخدمين واللغات، لمنع التحيزات النظامية والإفراط في الإشراف أو التفريط فيه.
5.3 اللائحة العامة لحماية البيانات والذكاء الاصطناعي التوليدي
الرسائل الرئيسية
ثمة حاجة إلى فهم أفضل للعلاقة بين قوانين حماية البيانات، ولا سيما اللائحة العامة لحماية البيانات، والذكاء الاصطناعي التوليدي، خصوصاً فيما يتعلق بتطبيقها وضمان الامتثال لها.
وسيوفر قانون الذكاء الاصطناعي، رغم اختلاف نطاق تطبيقه، إطاراً قانونياً مكملاً، لكن اللائحة العامة لحماية البيانات ستظل تنطبق على أي معالجة للبيانات الشخصية في سياق تقنيات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي.
غير أن تطبيق قوانين حماية البيانات القائمة يحتاج إلى مواصلة تقييمه بالتفصيل، إذ لا تزال مسائل عدة، كمفهوم البيانات الشخصية ومعالجتها في نماذج الذكاء الاصطناعي، والمشروعية، والمساءلة، وإتاحة حقوق أصحاب البيانات، وغيرها، تتطلب مزيداً من البحث والتقييم العملي.
حُددت في القسم الخاص بالخصوصية وحماية البيانات من منظور مجتمعي الآثارُ والتحديات المجتمعية لتطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي من منظوري حماية البيانات والخصوصية وحُللت. أما الغرض هنا فهو التعريف بالعلاقة بين الذكاء الاصطناعي التوليدي واللائحة العامة لحماية البيانات، وتحديد بعض المسائل الرئيسية التي تثيرها التطورات الأخيرة في هذه التقنية.
ومنذ أن أصبحت اللائحة العامة لحماية البيانات سارية في عام 2018، استفادت مما يُعرف بـ"أثر بروكسل" لتغدو معياراً قانونياً دولياً في حماية البيانات، ومرجعاً لتشريعات أخرى حول العالم. وهي نص قانوني محايد تقنياً قائم على المبادئ والمخاطر، بُني على مواطن قوة النص القانوني الذي سبقه، وأضاف إليها مواطن قوة خاصة به، لضمان الامتثال لقواعد حماية البيانات.
وقد أثار التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، والتوليدي منه على وجه الخصوص، تساؤلات حول مدى جاهزية قوانين حماية البيانات، بما فيها اللائحة العامة، لمعالجة المسائل المعقدة التي تثيرها هذه التقنيات، إذ يرى بعض الباحثين أن الإطار الذي تقوم عليه قوانين حماية البيانات يعاني مواطن ضعف لن تمنح الأفراد الأدوات التي يحتاجونها للحفاظ على خصوصية بياناتهم مع تقدم الذكاء الاصطناعي، وأنه يركز أساساً على الحماية عند جمع البيانات لا أثناء تحليلها أو بعده، متجاهلاً أن تهديدات غير متوقعة للخصوصية قد تنشأ بعد جمع البيانات بفعل التحليلات الاستدلالية. ومع ذلك، يرى المنظمون الأوروبيون وخبراء آخرون أن تشريعات حماية البيانات يمكن أن تكون أداة ملائمة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وأن اللائحة العامة مرنة بما يكفي لتجنب كبح ثورة الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي مع توفير الحماية لحقوق الأفراد. والواقع أن اللائحة العامة قد استُدعيت بالفعل للتطبيق في حالات مختلفة، كالتحقيق الأولي الذي أجرته هيئة حماية البيانات الإيطالية والعقوبات المترتبة عليه بحق OpenAI، بما في ذلك غرامة قدرها 15 مليون يورو، والشكاوى التي قدمتها منظمة NoYB، وهي منظمة غير حكومية ممولة من التبرعات مقرها فيينا وتعمل على إنفاذ قوانين حماية البيانات، ضد الشركة ذاتها، ومنها شكوى تتعلق باختلاق النظام لشخص على أنه "قاتل أطفال مزيف". ومن الأمثلة الأخرى الغرامة التي فرضتها هيئة حماية البيانات الفرنسية على Clearview AI بقيمة 20 مليون يورو في عام 2022، والغرامة التي فرضتها هيئة حماية البيانات الهولندية بقيمة 2.75 مليون يورو في عام 2021 على مصلحة الضرائب الهولندية فيما يتعلق بالكشف عن الاحتيال في إعانات رعاية الأطفال.
ويمكن تفسير الحضور البارز لحماية البيانات، والأطر القانونية التي تنظمها، في أي نقاش حول الذكاء الاصطناعي بأن "النسيج الرابط بين الخصوصية والذكاء الاصطناعي هو البيانات، إذ تتطلب جميع أشكال الذكاء الاصطناعي تقريباً كميات كبيرة من بيانات التدريب لتطوير قدرات التصنيف أو اتخاذ القرار، والبيانات مكون أساسي لجميع أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقد ارتبطت أهم التحسينات في هذه الأنظمة حتى الآن بالوصول إلى كميات ضخمة جداً من بيانات التدريب". ومن المهم التأكيد أنه مع أن مفهوم "البيانات" لا يُستخدم دائماً بمعنى "البيانات الشخصية"، فإن البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، أو البيانات التي تنتجها أنظمته، هي في حالات كثيرة بيانات شخصية.
ومما لا شك فيه أن ثمة حالياً مسائل كثيرة تتعلق بالعلاقة بين الذكاء الاصطناعي التوليدي وحماية البيانات تتطلب إجابة أكثر حسماً، وسنتناول بعضها في هذا القسم. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي لتصبح أكثر تعقيداً، كما هو الحال حالياً مع ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي، يُرجح أن تزداد كذلك تعقيداً المسائل التي تثيرها فيما يتعلق بمعالجة البيانات الشخصية وامتثالها لتشريعات حماية البيانات، ولا سيما اللائحة العامة.
التفاعل بين اللائحة العامة لحماية البيانات وقانون الذكاء الاصطناعي
على الرغم من اختلاف نطاقي تطبيقهما، ينبغي النظر إلى اللائحة العامة لحماية البيانات وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي بوصفهما "أداتين متكاملتين يعزز كل منهما الآخر". فقانون الذكاء الاصطناعي يشير صراحة إلى المادة السادسة عشرة من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، وإلى اللائحة العامة لحماية البيانات وتطبيقها الكامل على معالجة البيانات الشخصية في سياق دورات حياة الذكاء الاصطناعي. ومع أن نهجه مدفوع بالسوق وداعم للابتكار، فإنه يركز تركيزاً قوياً على تعزيز تبني ذكاء اصطناعي متمحور حول الإنسان وجدير بالثقة، وضمان الصحة والسلامة ومستوى عالٍ من حماية الحقوق الأساسية المكرسة في ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، بما فيها الحقان الأساسيان في الخصوصية وحماية البيانات.
ويمكن إيراد مثالين جيدين على هذا التكامل بين قانون الذكاء الاصطناعي واللائحة العامة: أولهما أنه في إطار التقييم الإلزامي للأثر على الحقوق الأساسية، يمكن الاستناد إلى تقييمات الأثر على حماية البيانات لاستيفاء جوانب معينة من ذلك التقييم؛ وثانيهما أن قانون الذكاء الاصطناعي يشترط على مزودي أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر إعداد إعلان مطابقة يتضمن بياناً بأن النظام المعني يمتثل لقوانين حماية البيانات الأوروبية.
ولهذا التكامل أيضاً رأى المجلس الأوروبي لحماية البيانات، في بيانه بشأن دور هيئات حماية البيانات في إطار قانون الذكاء الاصطناعي، أنه "متى انطوى نموذج أو نظام ذكاء اصطناعي عام الغرض على معالجة بيانات شخصية، فقد يندرج، شأنه شأن أي نظام ذكاء اصطناعي آخر، ضمن الاختصاص الإشرافي لهيئات حماية البيانات الوطنية المعنية بحسب الحال". ومن ثم، يلفت المجلس انتباه المفوضية الأوروبية ومكتب الذكاء الاصطناعي الأوروبي القائم داخلها إلى "ضرورة التعاون مع هيئات حماية البيانات الوطنية ومع المجلس، وضرورة إرساء التعاون المتبادل الملائم بالاتفاق معها على النحو الأكثر فعالية".
أربع مسائل رئيسية
يمكن إثارة مسائل عدة تتعلق بمعالجة البيانات الشخصية بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات في بيئة الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقد تناولت الأدبيات المتاحة كثيراً منها. وسنركز هنا على أربع مسائل فحسب نعدّها بالغة الأهمية:
أولاً: مفهوم البيانات الشخصية ومعالجتها في نماذج الذكاء الاصطناعي
ينطوي النقاش حول ما إذا كانت النماذج اللغوية الكبيرة تعالج بيانات شخصية على تبعات كبيرة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها. فقد رأت هيئة حماية البيانات في هامبورغ، مقتفية أثر نظيرتها الدنماركية، قبل اعتماد المجلس الأوروبي لحماية البيانات رأيه رقم 28/2024 بشأن جوانب معينة لحماية البيانات تتعلق بمعالجة البيانات الشخصية في سياق نماذج الذكاء الاصطناعي، أن النماذج اللغوية الكبيرة ليست قواعد بيانات ولا تخزن بيانات شخصية، ومن ثم لا تُعالج أي بيانات شخصية داخل النموذج. ويعني ذلك في جوهره أنه لا يمكن منح أصحاب البيانات أي حقوق فيما يتعلق بالنموذج ذاته، وأن أي انتهاكات محتملة في مرحلة تطوير النموذج اللغوي الكبير لن تؤثر في مشروعية استخدامه لاحقاً، بما في ذلك استخدامه جزءاً من نظام ذكاء اصطناعي.
وقد وُجهت انتقادات لهذه الحجج استناداً إلى: تقييم لمفهوم البيانات الشخصية كما طرحه فريق العمل المنشأ بموجب المادة التاسعة والعشرين، خلص إلى أن المعلومات الموجودة داخل النموذج اللغوي الكبير، والمعروفة بـ"الرموز"، تندرج ضمن تعريف البيانات الشخصية؛ وإلى أن اللائحة العامة تنطبق أيضاً على المعلومات الشخصية الاحتمالية فحسب، حتى وإن كانت غير دقيقة، كما أكد المجلس الأوروبي لحماية البيانات؛ وإلى أن نجاح التدابير الأمنية التي تحمي البيانات الشخصية داخل النموذج، ومن ثم استحالة استخراجها إلا بوسائل غير مشروعة، لا يحول دون تطبيق اللائحة العامة.
وبالنظر إلى أثر هذه المسألة في استخدام النماذج اللغوية الكبيرة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي تطبيق حقوق أصحاب البيانات فيما يتعلق بالنموذج ذاته، فإن تبعات تبني أحد الموقفين دون الآخر بعيدة المدى بالنسبة إلى الأفراد الذين تُعالج بياناتهم في هذا السياق، وكذلك بالنسبة إلى الشركات، سواء تلك التي تطور هذه النماذج أو تلك التي تستخدمها لاحقاً جزءاً من أنظمتها، والتي قد تُلزم أو لا تُلزم بضمان مستوى من الامتثال للائحة العامة قد يكون معقداً من الناحية التقنية.
ثانياً: المشروعية مع التركيز على المصلحة المشروعة
تُدرَّب نماذج الذكاء الاصطناعي العامة الغرض عادة على مجموعات بيانات ضخمة، قد تحتوي على كميات ضخمة بالقدر نفسه من البيانات الشخصية، بما فيها البيانات الشخصية الحساسة، يُحصل عليها بطرق مختلفة، ككشط البيانات المتاحة للعموم على الويب.
ولمعالجة البيانات الشخصية معالجة مشروعة، لا بد من أساس قانوني، ومن الأسس الممكنة، ولا سيما في حالة النماذج اللغوية الكبيرة، المصلحة المشروعة لمسؤول معالجة البيانات وفق الفقرة (و) من البند الأول من المادة السادسة من اللائحة العامة، مع المتطلبات الإضافية الواردة في البند الثاني من المادة التاسعة بالنسبة إلى البيانات الشخصية الحساسة. غير أن هذا الأساس القانوني يخضع، إلى جانب معايير أخرى، لـ"اختبار موازنة" يزن مصالح مسؤول المعالجة في مقابل حقوق أصحاب البيانات وحرياتهم. ويكمن التحدي في تطبيق اختبار الموازنة هذا على مجموعات بيانات كبيرة ومتنوعة، تحتوي على كميات قد تكون كبيرة جداً ومتنوعة من البيانات الشخصية، تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ففي الممارسة العملية، قد يكون من المعقد جداً على مسؤولي المعالجة أن يحددوا بدقة المصالح الفردية في مقابل المعالجة المعنية، وأن يقيّموا أثر المعالجة في حقوق الأفراد وحرياتهم، وأن يتخذوا تدابير للحد من ذلك حين يتعاملون مع كميات هائلة من البيانات من مصادر متنوعة.
وقد قدم المجلس الأوروبي لحماية البيانات إرشادات بشأن المصلحة المشروعة في رأيه رقم 28/2024، مقراً بالمخاطر المحتملة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي ونشرها على الحقوق الأساسية. غير أن المجلس يؤكد ضرورة تقييم كل حالة على حدة، تبعاً لعوامل منها طبيعة البيانات ومصادرها، وسياق معالجتها، والعواقب اللاحقة على الأفراد المعنيين.
ويكتسب النقاش حول المشروعية أهمية حاسمة، لأنه إذا تبين أن المصلحة المشروعة غير قابلة للتطبيق، فسيتعين النظر في أسس قانونية أخرى كالموافقة. ومن الأمثلة الجيدة على ذلك القضية الأخيرة بين منظمة ألمانية لحماية المستهلك وشركة Meta، إذ أخفقت المنظمة في الحصول على أمر قضائي يوقف تدريب Meta لنماذجها على البيانات الشخصية المستمدة من Facebook وInstagram، فيما درست هيئة حماية البيانات في هامبورغ إطلاق إجراء عاجل ضد نظيرتها الأيرلندية وضد Meta لوقف هذا التدريب، ثم قررت لاحقاً عدم المضي فيه. غير أن تطبيق أساس قانوني كالموافقة لأغراض تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي العامة الغرض قد يكون، من الناحية العملية وبحكم طبيعته، صعباً على مسؤولي المعالجة في هذا السياق، حيث قد تحتوي مجموعات البيانات المستخدمة في التدريب على قدر كبير جداً من فئات البيانات الشخصية المتعلقة بعدد قد يكون هائلاً من الأفراد.
ثالثاً: مبدأ المساءلة: من المسؤول؟
تجعل طبيعة أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي وتعقيدها إسناد المسؤوليات على امتداد دورة حياة الذكاء الاصطناعي أمراً قد يكون بالغ الصعوبة. وتقضي اللائحة العامة بأن يكون مسؤول معالجة البيانات، أي الجهة التي تحدد "لماذا" و"كيف" تُعالج البيانات الشخصية في سياق معين، مسؤولاً عن الامتثال لمبادئ حماية البيانات وقادراً على إثباته.
فكيف يُحدد مسؤول معالجة البيانات في سياق الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ في مرحلة تطوير نموذج الذكاء الاصطناعي، بما فيها مرحلتا جمع البيانات والتدريب، قد يكون تحديده أيسر، فشركة OpenAI مثلاً هي مسؤول معالجة البيانات في تطوير GPT. غير أن هذا التحديد يزداد تعقيداً بمجرد تدريب النموذج ونشره جزءاً من نظام ذكاء اصطناعي.
ومن بين الأسئلة الأخرى التي يثيرها تحديد المساءلة، سؤال "ثمرة الشجرة المسمومة"، وهو تشبيه مستمد من المبدأ القانوني الأمريكي القاضي بعدم قبول الأدلة المستمدة من أدلة حُصل عليها بطرق غير مشروعة، وقد تناوله المجلس الأوروبي لحماية البيانات في رأيه: إذا دُرّب نموذج باستخدام بيانات شخصية عولجت على نحو غير مشروع، فهل يؤثر ذلك في مشروعية المعالجة، ومن ثم في مسؤولية مسؤول المعالجة أو مسؤولي المعالجة الذين يعتمدون على ذلك النموذج في أنظمتهم للذكاء الاصطناعي التوليدي؟ ويقدم المجلس ثلاثة سيناريوهات مختلفة. وبالنظر إلى الطبيعة السياقية لمعالجة البيانات الشخصية، يُرجح أن يلزم تقييم كل حالة على حدة. ومع ذلك، تظل هذه المسألة من أهم الجوانب قيد النقاش في العلاقة بين اللائحة العامة والذكاء الاصطناعي التوليدي.
رابعاً: حقوق أصحاب البيانات: هل يمكن ممارستها؟
يحق للأفراد الذين تُعالج بياناتهم الشخصية في سياق أي نشاط التمتع بمجموعة من الحقوق بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات، منصوص عليها في المواد من الخامسة عشرة إلى الثانية والعشرين. ومع أن هذه الحقوق ليست مطلقة، فإنها تمنح الأفراد سيطرة أكبر على بياناتهم الشخصية ومعالجتها من قبل مسؤولي المعالجة، إذ تتيح للفرد أن يعرف ما إذا كانت بياناته الشخصية تُعالج ولماذا وكيف، وأن يطلب تصحيحها أو محوها، وأن يعترض على معالجتها في ظروف معينة، وأن لا يخضع، وهو أمر ذو أهمية خاصة في سياق الذكاء الاصطناعي، لعملية اتخاذ قرار فردي مؤتمت بشأنه، مع مجموعة من الضمانات اللاحقة كالتدخل البشري. وفي سياق الذكاء الاصطناعي عموماً، وفي المجال الفرعي للذكاء الاصطناعي التوليدي خصوصاً، لا يخلو تطبيق هذه الحقوق من تحديات.
وترتبط الممارسة السليمة لحقوق أصحاب البيانات أيضاً بمسائل رئيسية أخرى تحيط بالنقاش حول الذكاء الاصطناعي التوليدي، هي دقة البيانات الشخصية الموجودة في النموذج، ومسألة ما إذا كان نموذج الذكاء الاصطناعي يخزن فعلاً بيانات شخصية، مع ما لذلك من عواقب محتملة على ممارسة هذه الحقوق كما سبقت الإشارة. وفي الجوهر، يبدو أن المقاربات المحددة لضمان تطبيق فعال لحقوق أصحاب البيانات معقدة تقنياً، بما في ذلك من حيث فعاليتها، وقد تتطلب مزيداً من التحسين، ولا تخلو من تحديات خاصة بها. فقد أشارت هيئة حماية البيانات في هامبورغ مثلاً إلى أنه إذا استُخدمت بيانات الشخص بالفعل في تدريب الذكاء الاصطناعي، فلا يمكن التراجع عن ذلك بالاعتراض اللاحق، لأن بيانات التدريب تُدمج في النماذج على نحو لا رجعة فيه، ولا يمكن في ظل الحالة الراهنة للتقنية إزالة أثرها من النموذج.
5.4 تحديات حقوق المؤلف
الرسائل الرئيسية
أثرت ثورة الذكاء الاصطناعي في مشهد حقوق المؤلف، وتتطلب مسائل رئيسية عدة توضيحاً في المستقبل القريب، تتراوح بين التطبيق السليم لاستثناء التنقيب في النصوص والبيانات على عملية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومخاوف المسؤولية القانونية في حال انتهكت مخرجات الذكاء الاصطناعي حقوق مؤلف لأطراف ثالثة مرتبطة بالمحتوى المستخدم في التدريب، ومسألة من يتحمل المسؤولية عن هذه الانتهاكات إن وقعت.
وثمة حاجة إلى إيجاد مقاربات موحدة لحفظ الحقوق، وتجنب تفاقم الافتقار الحالي إلى الاتساق بفعل الآراء المتباينة لمحاكم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ويُعد تكثيف الجهود نحو التوحيد القياسي أمراً أساسياً لإنشاء إطار موحد وقابل للتنبؤ لحقوق المؤلف يعود بالنفع على جميع أصحاب المصلحة. وتتأكد هذه الحاجة بأن التقنيات القائمة، كملف robots.txt المستخدم على نطاق واسع في خوادم الويب، قد لا تكون ملائمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وينبغي البحث عن حلول لتعويض المبدعين الذين تُستخدم أعمالهم في عملية تدريب الذكاء الاصطناعي تعويضاً عادلاً.
أفرز الذكاء الاصطناعي تحديات كبيرة في مجال الملكية الفكرية، وهي تحديات ملحة لأن من الضروري إيجاد توازن بين هدفين مهمين: حماية حقوق الملكية الفكرية للمبدعين القلقين من استخدام أعمالهم دون إذن أو دون تعويض من جهة، وتيسير الابتكار السريع بضمان وصول مطوري الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى اللازم لتدريب نماذجهم في الوقت المناسب وعلى نحو ممتثل للقانون من جهة أخرى. غير أن التحديات تتجاوز هذا التعارض، إذ تنشأ في مراحل مختلفة من دورة حياة نموذج الذكاء الاصطناعي، كما تبين الفقرات التالية.
أولاً: من منظور المدخلات، يتمثل السؤال الأهم في تدريب الذكاء الاصطناعي على مواد محمية بحقوق المؤلف. فللوصول إلى المحتوى، يتعين على مزودي حلول الذكاء الاصطناعي اللجوء إلى أنشطة ككشط البيانات وكشط الويب والزحف على الويب، ثم التنقيب في البيانات. وإن كان ثمة شك في ذلك، فقد أوضح قانون الذكاء الاصطناعي أن "تقنيات التنقيب في النصوص والبيانات قد تُستخدم على نطاق واسع في هذا السياق لاسترجاع هذا المحتوى وتحليله"، أي في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها.
ويعرّف التوجيه الأوروبي رقم 2019/790 بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في السوق الرقمية الموحدة التنقيبَ في النصوص والبيانات بأنه "أي تقنية تحليلية مؤتمتة تهدف إلى تحليل النصوص والبيانات في صيغتها الرقمية من أجل توليد معلومات تشمل على سبيل المثال لا الحصر الأنماط والاتجاهات والارتباطات". وتنطوي جميع هذه الأنشطة بطبيعتها على استنساخ النصوص والبيانات، وهو حق حصري لأصحاب الحقوق.
وينص التوجيه على استثناءين يسمحان بأنشطة التنقيب في النصوص والبيانات على الأعمال المحمية. فالمادة الثالثة تنص على استثناء يتيح التنقيب لأغراض البحث العلمي في الأعمال التي يُوصل إليها بصورة مشروعة، بما في ذلك التحقق من نتائج البحث، دون قيود. أما الاستثناء الآخر الوارد في المادة الرابعة فيتيح استخراج الأعمال التي يُوصل إليها بصورة مشروعة واستنساخها لأغراض التنقيب ما لم يحتفظ أصحاب الحقوق صراحة بهذه الأنشطة بطريقة ملائمة. غير أن الاستثناء الوارد في المادة الرابعة يضيف تعقيداً، لأنه مشروط بقدرة أصحاب الحقوق على الانسحاب من استخدام محتواهم المحمي، شريطة أن يفعلوا ذلك بطريقة ملائمة، كالوسائل القابلة للقراءة الآلية بالنسبة إلى المحتوى المتاح للعموم على الإنترنت. ويبدو تعريف "الوسائل القابلة للقراءة الآلية" إشكالياً، ولا سيما أن الحيثية الثامنة عشرة من التوجيه تبدو تاركة مجالاً للتأويل بشأن ما إذا كان يمكن حفظ الحقوق من خلال الشروط والأحكام وحدها، أم يلزم أن تكون البيانات الوصفية والشروط كلتاهما قابلة للقراءة الآلية.
وفي الوقت الراهن، تُعد الطريقة الأكثر اعتماداً للقراءة الآلية بروتوكول استبعاد الروبوتات (robots.txt). غير أن هذا البروتوكول يعاني عيوباً عدة، إذ لا يتيح "لأصحاب الحقوق الإشارة إلى أن انسحابهم ينطبق على فئة معينة من الاستخدامات، كعدم السماح بالتنقيب أو بالذكاء الاصطناعي التوليدي". وتُبذل جهود لمعالجة هذا القصور، منها عمل فريق العمل المعني بتفضيلات الذكاء الاصطناعي (AIPREF) التابع لفريق مهندسي الإنترنت (IETF)، الذي يعمل على تطوير مفردات مشتركة تتيح تعبيراً أدق عن تفضيلات الانسحاب في بروتوكولات مثل robots.txt. وفي ضوء هذه التحديات، اقتُرح أن تميز سياسات الامتثال بين آليتين متمايزتين على الأقل للانسحاب: انسحاب شامل من التنقيب في النصوص والبيانات، وانسحاب محدد من تدريب الذكاء الاصطناعي التوليدي ينطبق حصراً على استخدام الأعمال في تدريب فئة فرعية من نماذج الذكاء الاصطناعي الموصوفة في الحيثية الخامسة بعد المئة من قانون الذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت الحالي، يحظر عدد كبير من مزودي البيانات استخدام محتواهم، سواء تحديداً لتدريب الذكاء الاصطناعي أو على نحو أعم "لأي غرض"، من خلال شروط الخدمة على مواقعهم الإلكترونية. ولا يستند حتى الآن مدى قبول هذه الوسيلة بوصفها انسحاباً صحيحاً بموجب التوجيه إلى اجتهاد قضائي راسخ. فقد ذكر حكم ألماني، دون أن يتخذ موقفاً ملزماً، أن "تحفظاً على الاستخدام صيغ فقط بـ"لغة طبيعية" يمكن عدّه، خلافاً للرأي الذي يُفترض أنه سائد في الأدبيات القانونية، "قابلاً للقراءة الآلية"، غير أنه يجب تقييم هذا التحفظ في ضوء "التطور التقني القائم في الوقت المعني لاستخدام العمل"، وإن كان هذا الحكم يعاني بدوره أوجه قصور عدة.
وفي حكم صدر في أكتوبر 2024، تعين على محكمة أمستردام الابتدائية أيضاً أن تنظر فيما إذا كان أصحاب الحقوق، وهم ناشرون، قد انسحبوا من التنقيب في النصوص والبيانات بصيغة قابلة للقراءة الآلية. وقد احتج المدعى عليه، وهو مجمّع تجاري للأخبار، بأن حظر البحث الآلي كان في هذه الحالة مقتصراً على روبوتات ذكاء اصطناعي محددة مثل GPTBot وChatGPT User وCCBOT وanthropic ai، وهو ادعاء لم يتمكن المدعون من دحضه. وتتسم صياغة الحكم ببعض الغموض، مما يترك الأمر غير واضح بشأن ما إذا كان الحكم يتعلق بالأدلة المقدمة فحسب، أم أن المحكمة كانت تفصل في جوهر ما يشكل حفظاً سليماً للحقوق.
وفي حكم حديث لمحكمة أمريكية، تقرر أنه لا يمكن الاحتجاج بدفاع الاستخدام العادل، الذي يمكن عدّه المقابل في القانون العام للاستثناءات والقيود في قانون حقوق المؤلف الأوروبي، لتدريب نموذج ذكاء اصطناعي. ومع أن صلة هذه القضية بالنقاش الحالي موضع جدل، إذ قُضي بأن الذكاء الاصطناعي المعني "ليس ذكاءً اصطناعياً توليدياً"، أي ليس ذكاءً يكتب محتوى جديداً بنفسه، فسيكون من المفيد مع ذلك رصد كيف قد يؤثر هذا الحكم في مزودي الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، ولا سيما العاملون منهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي قضية جارية رفعتها صحيفة نيويورك تايمز ضد OpenAI بسبب الاستخدام غير المصرح به لمحتوى الصحيفة في تدريب النماذج، تحتج OpenAI أيضاً بدفاع الاستخدام العادل.
ثانياً: من منظور المخرجات المولّدة بالذكاء الاصطناعي، تتمثل المسألة الأساسية في ما إذا كانت هذه المخرجات مؤهلة للحماية بحقوق المؤلف، وإن كانت كذلك، فمن يملك حقوق المؤلف على العمل المولّد. وثمة مسألة أخرى تتعلق بما إذا كانت المخرجات المولّدة بالذكاء الاصطناعي قد تنتهك حقوق مؤلف لأطراف ثالثة تتعلق بالمحتوى المستخدم في عملية التدريب، وإن كان الأمر كذلك، فمن يتحمل المسؤولية عن هذا الانتهاك.
وفيما يتعلق بالحماية بحقوق المؤلف، من المعقول القول إنه إذا تأثرت مخرجات الذكاء الاصطناعي بتفاعل المستخدم مع أداة الذكاء الاصطناعي من خلال تعليمات دقيقة وخيارات إبداعية تعكس لمسة شخصية، فيمكن عدّها أصيلة ومن ثم مؤهلة للحماية بحقوق المؤلف. غير أنه يتعين على المبدع إثبات عملية صياغة الأوامر. ففي حكم لمحكمة مدينة براغ، رفض القاضي منح الحماية بحقوق المؤلف لصورة لأن صاحبها لم يثبت تأليفه لها بأدلة ملموسة، واكتفى بإفادة شخصية.
وفي الولايات المتحدة، تكشف القرارات الصادرة في قضايا مثل "Théâtre D'opéra Spatial" و"A Single Piece of American Cheese" عن شكوك أولية في تعامل مكتب حقوق المؤلف مع المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. غير أن التقرير الأخير بشأن حقوق المؤلف والذكاء الاصطناعي الصادر عن مكتب حقوق المؤلف الأمريكي في يناير 2025 خلص إلى أن "استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدة الإبداع البشري لا لاستبداله لا يؤثر في إمكانية حماية المخرجات بحقوق المؤلف".
وفي الصين، قضى حكم مبكر بشأن قابلية مخرجات الذكاء الاصطناعي للحماية بحقوق المؤلف بأن عمل المدعي مؤهل للحماية بفضل "المدخلات الفكرية" لمبدعه، إذ إن "عملية التعديل والتغيير تعكس الخيار الجمالي والحكم الشخصي للمدعي"، مما يجعل العمل أصيلاً.
أما فيما يتعلق بالتأليف، فإن قوانين الملكية الفكرية التقليدية تقوم على التأليف البشري، مما يخلق غموضاً حين يولّد نظام ذكاء اصطناعي المحتوى. وتماشياً مع اجتهادات محكمة العدل الأوروبية، حين يُعد العمل المنشأ بأداة ذكاء اصطناعي "أصيلاً" ومن ثم محمياً بحقوق المؤلف، فإن هذه الحقوق تعود إلى المؤلف الذي وجّه الأوامر إلى الأداة، وإلا فلا يمكن أن تكون ثمة حماية بحقوق المؤلف.
وحين تنتهك مخرجات الذكاء الاصطناعي محتوى محمياً بحقوق المؤلف، فإن ذلك ينتج عادة عن عملية تُعرف بـ"الحفظ" أثناء تدريب النموذج، حيث يتعلم النموذج البيانات بدقة مفرطة فيستنسخها حرفياً. ويصبح هذا الاستنساخ مشكلة إذا كانت حقوق مزود الذكاء الاصطناعي في استخدام المواد محدودة. فإذا اعتمد مزود الذكاء الاصطناعي مثلاً على استثناء من حقوق المؤلف كاستثناء التنقيب في النصوص والبيانات، الذي يتيح استخدام البيانات حصراً لأغراض التنقيب، فإن الاستنساخ اللاحق أو الإبلاغ إلى الجمهور من خلال توليد المخرجات لا يشملهما هذا الاستثناء.
والسؤال اللاحق هو من يتحمل المسؤولية في حالات انتهاك حقوق المؤلف. فيمكن تحميل المستخدمين ومزودي الذكاء الاصطناعي المسؤولية تبعاً للحقوق المحددة المنتهكة وسياق استخدام المحتوى المنتهِك.
وحتى الآن، استهدفت معظم القضايا مزودي الذكاء الاصطناعي. ففي الولايات المتحدة، رُفعت سلسلة من القضايا منذ نهاية عام 2023 ومطلع عام 2024 من قبل ناشرين كصحيفة نيويورك تايمز أو ممثلين للمبدعين مثل Getty Images وConcord Music ضد مزودي ذكاء اصطناعي مثل OpenAI وStability AI وAnthropic. وشهدت نهاية عام 2024 قضايا مماثلة في أوروبا، ففي ألمانيا أعلنت منظمة GEMA لإدارة الحقوق الجماعية مقاضاتها OpenAI وSuno AI بتهمة انتهاك حقوق المؤلف. وفي فرنسا، أعلنت النقابة الوطنية للنشر، وجمعية الأدباء، والنقابة الوطنية للمؤلفين والملحنين أنها باشرت إجراءات قضائية ضد Meta بسبب التدريب غير المشروع لنماذجها للذكاء الاصطناعي.
وفي المملكة المتحدة، رفعت Getty Images وجهات أخرى دعوى أمام المحكمة العليا ضد Stability AI بتهمة انتهاك حقوق المؤلف وتهم أخرى. وتسلط القضية الضوء على مسألة التمثيل، إذ رفع المدعون الدعوى نيابة عن أكثر من 50,000 صاحب حقوق مؤلف يملكون تراخيص حصرية لمجموعة Getty Images، مما دفع القاضي إلى مطالبة الطرفين بحل "مسائل جدية تتعلق بإدارة القضية" قبل المحاكمة المقررة في يونيو 2025.
واستجابة للعدد المتزايد من القضايا، ولا سيما في الولايات المتحدة، بادر مزودون مثل OpenAI إلى إبرام اتفاقيات مع ناشرين عديدين. ولا تهدف هذه الاتفاقيات إلى معالجة استخدام المحتوى لأغراض التدريب فحسب، بل تشمل أيضاً استنساخ مقتطفات منه في المخرجات "مع إسناد واضح وروابط مباشرة إلى المصادر الأصلية". وفي رد قدمه مركز تنظيم الاقتصاد الإبداعي التابع لجامعة غلاسكو في فبراير 2025 على مشاورة الحكومة البريطانية بشأن حقوق المؤلف والذكاء الاصطناعي، رصد المركز 83 اتفاقية تجارية بين مزودي المحتوى ومطوري الذكاء الاصطناعي، أُبرم 68% منها بشأن محتوى الأخبار ووسائل الإعلام الإخبارية. وقد حُدد الترخيص، ولا سيما الترخيص الجماعي والمفاوضة الجماعية، حلاً ممكناً وإن كان صعباً لمعالجة مسألة المكافأة العادلة لأصحاب الحقوق.
ويبدو أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد غيّر مشهد حقوق المؤلف، وأن مسائل رئيسية عدة تتطلب توضيحاً في المستقبل القريب، منها قابلية تطبيق استثناء التنقيب في النصوص والبيانات والحفظ السليم للحقوق، وتعويض أصحاب الحقوق، والمسؤولية عن انتهاك حقوق المؤلف. ولهذه الغاية، يُرجح أن تنبثق الحلول الفعالة من التعاون بين مختلف أصحاب المصلحة.
5.5 التشريعات الأفقية للبيانات
الرسائل الرئيسية
تهدف الاستراتيجية الأوروبية للبيانات إلى تعزيز توافر البيانات والبنية التحتية السحابية لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي، وإنشاء فضاءات بيانات أوروبية مشتركة لتبادل البيانات بأمان وموثوقية.
وتركز التدابير التشريعية الرئيسية، ومنها قانون حوكمة البيانات وقانون البيانات، على تحسين إمكانية الوصول إلى البيانات وإعادة استخدامها، ولا سيما لأغراض الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي، فيما تهدف استراتيجية اتحاد البيانات المرتقبة ومبادرات مختبرات البيانات إلى تحسين جودة البيانات وتنظيمها لتعظيم إمكانات الذكاء الاصطناعي.
لا يمكن لأي تطبيق للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يقوم دون بيانات، ينبغي أن تكون ذات جودة وكمية ملائمتين. ويقدم هذا القسم لمحة عامة عن السياق السياساتي الأوروبي الواسع المنظم لتبادل البيانات، مع التركيز على المبادرات السياساتية الأوروبية الرئيسية والتشريعات المرتبطة بها وآثارها وتبعاتها على الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وقد وضعت الاستراتيجية الأوروبية للبيانات، الصادرة في عام 2020 إلى جانب الكتاب الأبيض بشأن الذكاء الاصطناعي، أجندة سياساتية طموحة تهدف إلى تحقيق الإمكانات الكاملة للابتكار القائم على البيانات في الاتحاد الأوروبي، مع الإقرار بأمور منها الحاجة إلى تحسين توافر البيانات وتبني البنى التحتية للحوسبة السحابية لتغذية تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتصورت الاستراتيجية أيضاً إنشاء فضاءات بيانات أوروبية مشتركة بوصفها بيئات لامركزية واتحادية وسيادية لتبادل البيانات بين الجهات الفاعلة والقطاعات على نحو آمن وموثوق وجدير بالثقة، بما ينسجم تماماً مع القواعد والقيم الأوروبية. وبتمويل من برنامج "أوروبا الرقمية" ومساهمات إضافية من برنامج "أفق أوروبا"، صُممت فضاءات بيانات في 14 مجالاً موضوعياً، وهي حالياً، في صيف 2025، في طور النشر الفعلي. وترتبط فضاءات البيانات بأوجه تآزر قوية مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يمكّن كل منهما الآخر، وهو تفاعل يستكشفه كتاب أبيض صدر مؤخراً عن مركز دعم فضاءات البيانات، وهو المشروع المكلف بتنسيق تطوير فضاءات البيانات الأوروبية المشتركة.
تنفيذ الرؤية
للمساعدة في تحقيق طموح الاستراتيجية الأوروبية للبيانات، طُرحت مجموعة من الأحكام القانونية الأفقية بشأن مسائل تبادل البيانات. ويأتي في مقدمتها قانون حوكمة البيانات، المطبق منذ سبتمبر 2023، الذي ينفذ تدابير مستعرضة لزيادة توافر البيانات وتذليل العقبات التقنية أمام إعادة استخدامها، بما في ذلك لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ولهذا الغرض، أنشأ القانون نظاماً قانونياً خاصاً ينطبق على فئة جديدة من الجهات الفاعلة هي وسطاء البيانات، الذين يوفرون إطاراً للحوكمة والثقة بين مزودي البيانات والساعين إليها. أما قانون البيانات، المطبق منذ سبتمبر 2025، فيهدف إلى إتاحة مزيد من البيانات لإعادة الاستخدام من خلال تدابير تشمل، من بين أمور أخرى، إعادة استخدام البيانات المولّدة من أجهزة إنترنت الأشياء. فضلاً عن ذلك، ينفذ القانون التنفيذي بشأن مجموعات البيانات عالية القيمة، المطبق منذ يونيو 2024، توجيهَ البيانات المفتوحة، من خلال تحديد قائمة بمجموعات بيانات صادرة عن مؤسسات القطاع العام ينطوي إعادة استخدامها، ولا سيما من قبل الشركات الصغيرة والمتوسطة، على إمكانية توليد منافع اقتصادية كبيرة لاقتصاد الاتحاد الأوروبي ومجتمعه، بما في ذلك عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ويتعين إتاحة هذه المجموعات مجاناً، بتراخيص وصول مفتوح، ومن خلال واجهات برمجة التطبيقات.
سبل المضي قدماً
بالنظر إلى حجم التشريعات الجديدة المتعلقة بالبيانات الموصوفة أعلاه، ينصب التركيز في ولاية المفوضية الأوروبية الممتدة من 2024 إلى 2029 على تنفيذ هذه الأدوات القانونية إلى جانب تبسيطها المحتمل. وسترسم استراتيجية اتحاد البيانات، المقرر نشرها في النصف الثاني من عام 2025، المسار نحو تحسين الوصول إلى بيانات موثوقة وعالية الجودة وحسنة التنظيم لإطلاق القوة الكاملة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والاستفادة القصوى من منظومة البيانات الأوروبية. وستُعزَّز هذه الاستراتيجية بمختبرات البيانات، وهي أداة جديدة تتيح توفير البيانات عالية الجودة وتجميعها وتبادلها بأمان، وتعمل بوصفها مراكز محورية تجمع البيانات وتنظمها بالارتباط مع مصانع الذكاء الاصطناعي العاملة في القطاع ذاته. وإضافة إلى ذلك، ستتواءم مختبرات البيانات مع فضاءات البيانات الأوروبية المشتركة وترتبط بها، وهي فضاءات تحول بدورها مصادر البيانات المجزأة إلى مجموعات بيانات اتحادية عالية الجودة تدعم تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
