الفصل الأول: المقدمة
يقدم هذا الفصل فهماً أساسياً للذكاء الاصطناعي التوليدي، ويتتبع مسيرة تطوره من مرحلة البحث العلمي إلى مرحلة التبني الواسع. ويبدأ ببحث نشأة هذه التقنية، مسلطاً الضوء على أبرز الممكّنات التقنية التي أسهمت في ظهورها وعلى أثرها في مختلف القطاعات. ثم ينتقل إلى الوضع الراهن للتقنية، فيحدد الجهات الفاعلة الرئيسية والتطورات التقنية التي ترسم ملامح المشهد اليوم. ويولي الفصل اهتماماً بالبنى التحتية والبيانات والنماذج التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتي تُعد حاسمة لقابليته للتوسع وفعاليته، مع إبقاء السلامة والاستخدام المسؤول في صدارة الأولويات. وأخيراً، يؤكد الفصل الأهمية الاستراتيجية لهذه التقنية بالنسبة إلى صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي، ويناقش قدرتها على تعزيز السيادة الرقمية للاتحاد وقدرته التنافسية. ومن أبرز القضايا التي يتناولها تحديات التنظيم، والاعتبارات الأخلاقية، والأثر الاجتماعي والاقتصادي للذكاء الاصطناعي التوليدي.
1.1 نشأة الذكاء الاصطناعي التوليدي: من البحث العلمي إلى التبني الواسع
الرسائل الرئيسية
يمثل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولاً نموذجياً في مجال الذكاء الاصطناعي، يتسم باستخدام النماذج التوليدية لإنشاء النصوص أو الصور أو غيرها من أنواع المحتوى.
ومنذ نشأته في أحضان البحث الأكاديمي حتى مكانته الراهنة بوصفه تقنية تحويلية، يواصل الذكاء الاصطناعي التوليدي تطوره السريع، مدفوعاً بالتقدم التقني وبمنظومة بحثية متينة.
وفيما يتعامل الاتحاد الأوروبي وسائر الجهات الفاعلة العالمية مع الفرص والتحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي التوليدي، سيكون اعتماد نهج استراتيجي وأخلاقي أمراً أساسياً لتسخير كامل إمكاناته بما يعود بالنفع على المجتمع والاقتصاد.
تعريف الذكاء الاصطناعي التوليدي ونطاقه
يشير الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى فئة من الذكاء الاصطناعي تركز على إنشاء محتوى جديد، سواء أكان نصاً أم صوراً أم مقاطع مرئية أم موسيقى أم شيفرات برمجية. وخلافاً لنماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية الوصفية أو التنبؤية، تتعلم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي من مجموعات بيانات ضخمة لتوليد مخرجات أصيلة تحاكي الإبداع البشري. وقد جعلت هذه القدرة من الذكاء الاصطناعي التوليدي تقنية تحويلية تمتد تطبيقاتها من الرعاية الصحية إلى البحث العلمي وما يتجاوزهما.
منظور تاريخي
يمكن تتبع جذور تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الأبحاث التأسيسية في مجالي تعلم الآلة والشبكات العصبية. ففي البداية، انصبّ تركيز الذكاء الاصطناعي على الأنظمة القائمة على القواعد والتطبيقات المحدودة النطاق، غير أن التقدم في القدرة الحاسوبية وتصميم الخوارزميات أتاح انتقال نماذج الشبكات العصبية الكبيرة والعميقة إلى التطبيقات العملية. ويعكس هذا التطور تحولاً أوسع جعل من الذكاء الاصطناعي تقنية ذات تبعات تجارية ومجتمعية واسعة النطاق. ولعل أوضح دليل على الطابع الثوري للتحول التقني الذي يقود الذكاء الاصطناعي التوليدي هو الوتيرة المذهلة لتطوراته التجارية.
أبرز الممكّنات التقنية
أدّت تطورات تقنية عديدة دوراً حاسماً في صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها تطوير خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على معالجة مجموعات البيانات الضخمة والتعلم منها بفعالية. وقد كان لظهور معماريات التعلم العميق الكبيرة والكثيفة حسابياً، كمعمارية المحوّلات، التي تمكّن النماذج من فهم السياق وتوليد محتوى متماسك، أثر بالغ في تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي. كما كان لعناصر البنية التحتية، كوحدات معالجة الرسومات ووحدات معالجة الموترات، أهمية حاسمة، إذ تيسّر هذه المكونات المادية العمليات الحسابية المكثفة اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الضخمة وتشغيلها، مما يجعلها عنصراً لا غنى عنه في نجاح هذه التقنية.
علاوة على ذلك، وفّر توافر مجموعات البيانات الهائلة المادة الخام اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبالتزامن مع التقدم في اتصالات الجيل الخامس، والحوسبة عالية الأداء، وتطوير النماذج اللغوية الكبيرة القادرة على التواصل بلغة طبيعية واقعية، تتيح هذه البيانات تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وتدريبها على نطاق أوسع، بما يضمن قدرة التقنية على تلبية متطلبات التطبيقات المتنوعة.
ويهدف تركيز الاتحاد الأوروبي على الذكاء الاصطناعي الأخلاقي وخصوصية البيانات إلى ضمان انتقال آمن من مرحلة البحث إلى مرحلة التبني الواسع. ويكفل هذا التركيز انسجام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي مع القيم الأوروبية، فيعزز ثقة أصحاب المصلحة وتقبّلهم لها، ويدعم في الوقت ذاته القدرة التنافسية، وهو ما يمنح النهج الأوروبي طابعاً مميزاً مقارنة بنهج الجهات الفاعلة العالمية الأخرى.
التبني والأثر
يتجلى التبني الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاعات متعددة، منها الإدارة العامة والتعليم والرعاية الصحية والصناعة. ففي التعليم، تملك أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القدرة على إحداث تحول في عمليتي التعليم والتعلم متى اقترنت على النحو الصحيح بأساليب تدريسية ملائمة. وفي الرعاية الصحية، على سبيل المثال، يساعد الذكاء الاصطناعي التوليدي في التصوير الطبي واكتشاف الأدوية، فيفتح آفاقاً جديدة للتشخيص والعلاج، ويدعم تمكين المرضى والطب الشخصي. وتُحلَّل هذه الجوانب في القسم السادس.
ويمتد أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى ما هو أبعد من التطبيقات المحددة، ليطال الديناميكيات المجتمعية والاقتصادية الأوسع. فبوصفه محركاً للابتكار، يتيح فرصاً للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بفجوات المهارات وإزاحة العمال من وظائفهم، كما يناقش القسم الثالث.
مشهد البحث والابتكار
يتسم مشهد البحث في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي بشبكات من المؤسسات الأكاديمية والمبتكرين من القطاع الخاص. وتتصدر الصين العدد الإجمالي للمنشورات الأكاديمية المتعلقة بهذه التقنية، ويحتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الثانية، وإن كان يواجه فجوات تمويلية مقارنة بالجهات الفاعلة الأخرى تؤثر في إمكاناته الابتكارية. وتدعم هذه البيئةَ البحثية شبكةٌ من الجامعات والمؤسسات البحثية والمشاريع التعاونية التي تدفع عجلة الابتكار وتبادل المعارف.
التحديات والاعتبارات
على الرغم من الإمكانات الكبيرة، لا يخلو ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي من تحديات. فالاعتبارات الأخلاقية، كالتحيز في المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي والحاجة إلى الشفافية في عمليات اتخاذ القرار التي تجريها الأنظمة الذكية، تظل قضايا محورية ينبغي معالجتها لضمان نشر مسؤول لهذه التقنية. فضلاً عن ذلك، يؤدي المشهد التنظيمي دوراً مركزياً في تشكيل مسار تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي واستخدامه، ويتعين على صانعي السياسات التعامل مع اعتبارات معقدة تتصل بديناميكيات السوق، والأثر البيئي، وحماية البيانات، والملكية الفكرية، والمعلومات الخاطئة والمضللة، فضلاً عن التبعات الأخلاقية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهي مسائل تتناولها الأقسام من الثالث إلى الخامس بالتفصيل.
1.2 الوضع الراهن للتقنية والجهات الفاعلة الرئيسية
الرسائل الرئيسية
تمنح البيئة البحثية القوية في الاتحاد الأوروبي، الذي يحتل المرتبة الثانية عالمياً في المنشورات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، ميزةً تنافسية تتعزز بتركيزه على الذكاء الاصطناعي الأخلاقي. غير أن تحديات التمويل والاستثمار قد تحد من إمكانات النمو، إذ تواجه الشركات الأوروبية الناشئة في هذا المجال فجوة كبيرة في تمويل رأس المال الجريء مقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة.
ومن خلال البناء على نقاط قوته ومعالجة هذه التحديات، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يواصل أداء دور ريادي في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي ونشرها.
التوزيع العالمي للجهات الفاعلة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي
تشكل أنشطة الذكاء الاصطناعي التوليدي حصة متنامية وكبيرة من المنظومة الرقمية، إذ ينخرط فيها أكثر من 72,000 جهة فاعلة تمارس ما يزيد على 149,000 نشاط. والمقصود بالجهة الفاعلة هنا كل مؤسسة تجري أبحاثاً أو تبتكر أو تمارس نشاطاً تجارياً متصلاً بالذكاء الاصطناعي التوليدي، أما الأنشطة فتشمل المنشورات البحثية، والابتكار المتمثل في تسجيل براءات الاختراع، والأنشطة التجارية والاستثمارية. ويكشف هذا المشهد عن الطابع التنافسي لمجال الذكاء الاصطناعي التوليدي وعن المناطق التي تتصدر تطويره. فمن حيث عدد الجهات الفاعلة والأنشطة، تتقدم الصين بأعلى حصة، تليها الولايات المتحدة. وتتوزع أنشطة الجهات الفاعلة الأوروبية توزيعاً متقارباً بين الأنشطة التجارية (37%) والابتكار (33%) والبحث (31%)، مع نسبة أعلى للنشاط البحثي مقارنة بالحصة العالمية. ويستأثر الاتحاد الأوروبي بنسبة 7% من الجهات الفاعلة على مستوى العالم، ليحتل المرتبة الثالثة بعد الصين (60%) والولايات المتحدة (12%)، وتليه كوريا الجنوبية عن كثب بنسبة 6%، فيما تستأثر كل من المملكة المتحدة واليابان بنسبة 2% من الجهات الفاعلة العالمية، وفقاً لمجموعة بيانات المنظومة الرقمية التابعة لمركز البحوث المشترك. وتجدر الإشارة مع ذلك إلى أنه رغم تصدر الصين من حيث عدد الجهات الفاعلة، تظل الولايات المتحدة مركز الابتكار التجاري والنشر على المستوى العالمي، بوجود شركات مثل OpenAI وAnthropic وGoogle DeepMind وMicrosoft التي تطرح نماذج من قبيل GPT 4 وClaude 3.5 وGemini Ultra.
موقع الاتحاد الأوروبي في مشهد الذكاء الاصطناعي التوليدي: البحث والابتكار
يحافظ الاتحاد الأوروبي على موقع قوي في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما في البحث والابتكار، إذ يحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث المنشورات الأكاديمية المتعلقة بهذه التقنية، مما يبرز متانة بيئته البحثية. وتتكامل هذه النتائج مع ما توصلت إليه دراسات أخرى أظهرت أن أوروبا تتقدم على الولايات المتحدة في عدد المنشورات العلمية، ولا يسبقها في ذلك إلا الصين.
وقد تسارعت أنشطة البحث والابتكار الأوروبية في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي في السنوات الأخيرة، محققة معدل نمو سنوي متوسط بلغ 32% بين عامي 2019 و2021. ونمت براءات الاختراع المتعلقة بهذه التقنية نمواً أسياً خلال العقد الماضي، إذ تجاوز عدد البراءات المودعة 120,000 براءة بحلول عام 2024. غير أن طلبات البراءات الأوروبية لا تمثل سوى 2% من إجمالي الطلبات العالمية، مما يشير إلى الحاجة إلى استثمار مستدام في تطوير منظومة براءات الاختراع الخاصة بابتكارات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويتأخر موقع الاتحاد الأوروبي في مجال الابتكار عن كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، اللتين أودعتا 7% و6% من البراءات العالمية على التوالي. وعلى صعيد الاتحاد الأوروبي، تقع 33% من الجهات الفاعلة المنخرطة في أنشطة البراءات في ألمانيا، تليها فرنسا (12%)، ثم هولندا وإسبانيا (9%). ويُلاحظ أن الحجم الكبير لطلبات براءات الاختراع الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي يؤكد التزام الصين بالريادة التقنية، وإن كان يبرز في الوقت ذاته أهمية التركيز على طلبات البراءات الأولوية عالية الجودة التي تعكس ابتكاراً جوهرياً وأهمية دولية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التحليل يركز على طلبات البراءات الأولوية، أي أول طلب براءة يُودع بشأن ابتكار ما. ويحدد طلب البراءة الأولوي تاريخ الأولوية، وهو التاريخ الرسمي الذي يمكن ابتداءً منه المطالبة بجِدّة الاختراع وأصالته. ويُعد استخدام طلبات البراءات الأولوية من أكثر الطرق فعالية في قياس النشاط الابتكاري، لأنها تمثل الخطوة الأولى في السعي إلى حماية الاختراع، وتتجنب خطر الإحصاء المكرر حين يُطلب حماية الاختراع في أسواق مختلفة، وتتيح رصده بتأخير أقل مما يتيحه رصد البراءات الممنوحة.
تحديات التمويل والاستثمار
تواجه الشركات الأوروبية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي صعوبات في الحصول على التمويل، إذ تفوق استثمارات رأس المال الجريء في الشركات الأمريكية نظيرتها الأوروبية بفارق كبير. ويبرز هذا التفاوت حجم الضغوط التنافسية التي تواجهها الشركات الناشئة في الاتحاد الأوروبي والحاجة إلى استثمار استراتيجي يدعم نموها. ومع أن ألمانيا وفرنسا استقطبتا مبالغ معتبرة من رأس المال الجريء على مر السنين، فإن الحاجة لا تزال قائمة إلى استثمارات أكثر قوة لتعزيز منظومة أوروبية حيوية للذكاء الاصطناعي التوليدي ومواصلة تطويرها.
ويمثل تحقيق التوازن بين هذه الاعتبارات ومتطلبات الابتكار والتنافسية، إلى جانب فجوة استثمارات رأس المال الجريء مقارنة بالمناطق الأخرى على الصعيد العالمي، تحدياً رئيسياً أمام الجهات الأوروبية الفاعلة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي.
فرص النمو والابتكار
يتيح الطلب المتزايد على الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات فرصاً كبيرة للذكاء الاصطناعي التوليدي. فمع سعي الصناعات إلى تسخير قوة الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة والإنتاجية والإبداع، تجد الجهات الفاعلة في هذا المجال نفسها في موقع جيد يؤهلها للاستفادة من هذه الاتجاهات وتقديم حلول مبتكرة. كما يتيح التعاون والشراكات العابرة للحدود سبلاً إضافية للنمو، إذ تستطيع هذه الجهات، من خلال الاستفادة من الخبرات والموارد المتنوعة المتاحة في أرجاء الاتحاد الأوروبي، أن تعزز قدراتها وتوسع نطاق حضورها في السوق العالمية.
1.3 أسس الذكاء الاصطناعي التوليدي: البنى التحتية والبيانات والنماذج
الرسائل الرئيسية
من الضروري النظر إلى التحديات والفرص المرتبطة بالبيانات والبنى التحتية والنماذج في كل مجال نظرة مجتمعة، بما يعزز تطويراً متوازناً للذكاء الاصطناعي. وتمثل مصانع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب فضاءات البيانات الأوروبية المشتركة، مبادرة رائدة قادرة على دمج هذه المكونات الحيوية على نحو منسق وجدير بالثقة، مع ربط البنى التحتية المجزأة للبيانات وإرساء مقاربات حوكمة راسخة في قيم الاتحاد الأوروبي وأطره القانونية القائمة.
ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، سيكون من الحاسم معالجة التحديات المتعلقة بحوكمة البيانات، وقابلية التشغيل البيني، والخصوصية، والقدرات الحاسوبية، من أجل إطلاق كامل إمكاناته. وينبغي فضلاً عن ذلك إيلاء الأولوية للنماذج مفتوحة المصدر لتعزيز الابتكار والشفافية وقابلية التفسير.
ومن الأهمية القصوى تعميق الفهم وإحراز التقدم نحو بيانات جاهزة للذكاء الاصطناعي. كما أن الاستثمار في مقاربات "زيارة البيانات"، القائمة على نقل الخوارزميات بدلاً من نقل البيانات، يمكن أن يخفف الضغط على الشبكات الناجم عن تبادل مجموعات البيانات الضخمة.
ويُعد تزايد الطلب على الطاقة والأمن السيبراني من أشد التحديات التي تواجه تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في المستقبل القريب. ولمعالجة هذه المسائل، لا بد من دراسة كفاءة الذكاء الاصطناعي في استهلاك الطاقة، ولا سيما من خلال تطوير نماذج أصغر حجماً واستخدام عتاد متخصص.
دور البيانات في الذكاء الاصطناعي التوليدي
تمثل البيانات شريان الحياة للذكاء الاصطناعي التوليدي، فهي المدخل الأساسي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتحسينها والتحقق من صحتها. وتتوقف قدرة هذه النماذج على توليد محتوى جديد على قدرتها على التعلم من مجموعات بيانات واسعة توفر معلومات متنوعة وغنية، كالنصوص والأصوات والصور، وهو ما يستدعي تطوير نماذج أساسية متعددة الوسائط. ولهذا السبب، يُعد الوصول إلى مجموعات بيانات عالية الجودة ومتنوعة عاملاً حاسماً في تحديد فعالية تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وقدرتها التنافسية. ويثير الحجم الهائل للبيانات تساؤلات مهمة حول توافرها وإمكانية الوصول إليها وإدارتها. ومع أنه قد يكون من الصعب القضاء على التحيز كلياً وتحديد مفهوم التمثيلية بدقة، فإن الوعي بالتحيز وتطوير أساليب لقياسه خطوتان مهمتان في سبيل تحسين جودة البيانات وملاءمتها.
حجم البيانات وقابلية تشغيلها البيني وإمكانية الوصول إليها
جاء التقدم السريع للجيل الأول من الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما النماذج اللغوية الكبيرة، مدفوعاً إلى حد بعيد بالتدريب على كميات هائلة من المحتوى الذي ينشئه المستخدمون والمتاح على شبكة الإنترنت. غير أن جزءاً كبيراً من البيانات العامة المتاحة على الويب قد استُخدم بالفعل في النماذج الحالية، فيما ينتشر المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي بسرعة في مجالات شتى. وهذا أمر إشكالي، إذ تشير أدلة متزايدة إلى أن النماذج قد تنهار أو يتدهور أداؤها سريعاً إذا دُرّبت مراراً على بيانات مولّدة بالذكاء الاصطناعي. ولا تكمن المشكلة في التدريب على هذه البيانات في حد ذاته، بل في التحول التدريجي في توزيع البيانات الذي يترتب عليه، لأنه يضعف قدرة النموذج على التنبؤ الدقيق بالأحداث منخفضة الاحتمال. وهذه الأحداث بدورها حاسمة في معالجة المسائل المتعلقة بالأقليات أو الفئات المهمشة، وفي التنبؤات الخاصة بالأنظمة المعقدة التي تتطلبها التطبيقات الصناعية للنماذج اللغوية الكبيرة. ومع تشبّع الإنترنت المتزايد بالمحتوى المولّد آلياً، يبرز تحدٍّ ملحّ يتمثل في كيفية التعرف على البيانات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي التوليدي ومنعها من تلويث حلقات التدريب، أو على الأقل إدارة دمجها على نحو يتجنب تسميم النماذج. وأخيراً، فإن معالجة المسائل المتعلقة بمصدر البيانات ستنعكس إيجاباً على تطبيقات عديدة للذكاء الاصطناعي، وهو أمر بالغ الأهمية مجتمعياً، إذ يمكن لضمان معرفة مصدر البيانات أن يسهم مثلاً في الحد من انتشار المعلومات المضللة.
وتؤكد هذه العوامل مجتمعةً الحاجة إلى استكشاف مجموعات بيانات جديدة "غير مستغلة" يمكن دمجها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي المقبلة. فمن شأن الوصول إليها أن يتيح تطوير تطبيقات مبتكرة، وأن يمنح في نهاية المطاف ميزة تنافسية للمؤسسات والدول التي تغتنم هذه الفرصة. وفي الوقت نفسه، يتسم مشهد البيانات في أوروبا بتجزئة شديدة، مما يفرض تحديات إضافية تتعلق بقابلية البيانات للتشغيل البيني وإمكانية الوصول إليها، وهي تحديات ينبغي معالجتها من خلال معايير مشتركة للتشغيل البيني، ولبنات تقنية أساسية، ومقاربات للحوكمة. ويكتسب مواءمة ممارسات تبادل البيانات مع مبادئ FAIR، أي ضمان أن تكون البيانات قابلة للعثور عليها، ومتاحة للوصول، وقابلة للتشغيل البيني، وقابلة لإعادة الاستخدام، أهمية أكبر في منظومة رقمية مجزأة. واستجابة لهذه التحديات، تسعى فضاءات البيانات الأوروبية المشتركة، التي يجري تطويرها في السياق الأوسع لاستراتيجية اتحاد البيانات الأوروبي المرتقبة، إلى معالجة الجوانب التقنية والتنظيمية المتصلة بتبادل البيانات غير المتجانسة على نطاق واسع.
مخاوف خصوصية البيانات وأمنها
مع اتساع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، باتت معالجة البيانات الشخصية والحساسة تتطلب ضمانات متينة لحماية خصوصية الأفراد ومنع الوصول غير المصرح به. ويبرز تركيز الاتحاد الأوروبي على خصوصية البيانات، كما تجسده تشريعات مثل اللائحة العامة لحماية البيانات، أهمية معالجة هذه المخاوف في سياق الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتوفر تقنيات الحفاظ على الخصوصية، كالخصوصية التفاضلية والتعلم الاتحادي، حلولاً ممكنة للحد من مخاطر الخصوصية مع إتاحة الاستخدام الفعال للبيانات في تدريب النماذج، إذ تمكّن هذه المقاربات من استخلاص الرؤى من البيانات دون المساس بخصوصية الأفراد. وبديلاً عن ذلك، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج بيانات اصطناعية تُستخدم في تدريب النماذج وتحسينها. وتُصمم هذه البيانات لمحاكاة الخصائص الإحصائية المهمة للبيانات الأصلية مع ضمان حماية خصوصية المستخدمين، مما يجعلها أداة مفيدة لتدريب النماذج دون المساس بتلك الخصوصية. ومع أن توليد البيانات الاصطناعية واستخدامها يتطلبان احتياطات دقيقة لتجنب التقاط معلومات سرية وللحد من أي تشويه في تمثيل البيانات الأصلية، فإن استخدامها ينطوي بلا شك على مزايا وإمكانات حقيقية.
اعتبارات القدرة الحاسوبية والشبكات والاتصال
تتسم المتطلبات الحاسوبية للذكاء الاصطناعي التوليدي بضخامتها، مما يستلزم بنى تحتية متقدمة قادرة على دعم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ونشرها. وتُعد البيئات الحاسوبية القابلة للتوسع، والاتصال عالي السرعة، وحلول تخزين البيانات الفعالة، كلها مكونات حاسمة في البنية التحتية لهذه التقنية.
ويعتمد نجاح الذكاء الاصطناعي التوليدي على توافر عتاد قوي، كوحدات معالجة الرسومات ووحدات معالجة الموترات، التي تيسر العمليات الحسابية المكثفة اللازمة لتدريب النماذج. ولذلك فإن توسيع البنى التحتية لمراكز البيانات وتحسينها أمر أساسي لدعم نمو هذه التقنية. وفي المقابل، أثارت هذه الحاجة المتزايدة إلى القدرة الحاسوبية مخاوف بيئية جدية، بالنظر إلى الكميات الهائلة من الطاقة التي تتطلبها.
وتشير قائمة نُشرت مؤخراً لأقوى 500 حاسوب فائق مخصص للذكاء الاصطناعي إلى أن الاتحاد الأوروبي يستضيف نحو 50 منها، في حين تستضيف الولايات المتحدة 134 والصين ما يزيد قليلاً على 200، وتمثل هذه الأطراف مجتمعة 80% من الإجمالي. غير أن الولايات المتحدة تتفوق من حيث الأداء الحاسوبي بفضل حواسيبها الفائقة المنشورة حديثاً، وأكثرها تقدماً الحاسوب xAI Colossus الذي يضم وحده ما يصل إلى 200,000 شريحة ذكاء اصطناعي، وهو ما يفوق مجموع ما لدى الاتحاد الأوروبي بأكمله، الذي لم يُبلَّغ إلا عن 122,000 شريحة وفق المصدر نفسه. ويقدم المصدر ذاته تقديراً لتكاليف نشر العتاد اللازم لتشغيل هذه الحواسيب الفائقة، ويكشف عن علاقة وثيقة بين الأداء والتكلفة، مما يعني أن الاتحاد الأوروبي إن أراد تقليص الفجوة في الأداء الحاسوبي مقارنة بالولايات المتحدة والصين، فسيكون بحاجة إلى استثمارات ضخمة.
وإلى جانب القدرة الحاسوبية، تُعد الشبكات عالية السرعة ومنخفضة زمن الاستجابة ضرورية للتفاعلات الآنية مع الذكاء الاصطناعي ولتبادل البيانات بسلاسة بين الأنظمة الموزعة. ويعزز نشر شبكات النفاذ من الجيل التالي، أي البنية التحتية للنطاق العريض عالي السرعة القائمة على الألياف الضوئية، وشبكات الجيل الخامس وشبكات الجيل السادس المرتقبة على وجه الخصوص، قدرة تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي على العمل بكفاءة وفعالية في بيئات متنوعة. وتُعد شبكة GÉANT مثالاً رائداً على الشبكات عالية النطاق الترددي التي تربط شبكات البحث والتعليم لدعم أغراض عدة، من بينها تطوير الذكاء الاصطناعي.
وأخيراً، قد يستهلك نقل البيانات وتبادلها بين الأنظمة موارد كبيرة، مما يستدعي مقاربات استراتيجية في إدارة البيانات. ومن شأن خيارات مثل الحوسبة الطرفية وتقنيات تكثيف البيانات أن تساعد على الحد من التكاليف وأوجه القصور المرتبطة بنقل البيانات، بما يتيح استخداماً أكثر كفاءة لموارد الشبكة.
تعقيد النماذج وحجمها
أظهرت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرات مذهلة، لكن ذلك جاء على حساب كثافة حسابية مذهلة أيضاً. فالقدرات، أو تعقيد النموذج، التي يمكن وصفها بأنها إمكانية تعلم علاقات متزايدة التعقيد في البيانات وتمثيلها، تنمو عادة بازدياد عدد المعاملات التي تملكها النماذج. وقد ظل عدد المعاملات، أو حجم النموذج، يتضاعف كل ستة أشهر وفق ما يُعرف بقانون التوسع، متبعاً مساراً أسياً. وفي الوقت الحاضر، يبلغ حجم النماذج المتاحة مئات التريليونات من المعاملات في حالة النماذج الكبيرة، ومليارات المعاملات في حالة النماذج الأصغر.
ولا يتوقف أداء نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على حجمه وحده، بل تؤدي معماريته وتقنيات تدريبه وكمية بيانات التدريب وجودتها دوراً كبيراً أيضاً. ولهذا يستثمر الاتحاد الأوروبي في الحوسبة عالية الأداء وفي المصانع العملاقة لدعم تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي في مراكز قادرة على توفير قدرة حاسوبية كافية وإتاحة الوصول إلى البيانات من خلال فضاءات البيانات الأوروبية المشتركة الجاري إنشاؤها.
ويستثمر الاتحاد الأوروبي أيضاً في مختبرات البيانات لضمان توافر بيانات عالية الجودة من مصادر متنوعة لتدريب الذكاء الاصطناعي. ويُعد تقليص كمية البيانات اللازمة للتدريب هدفاً رئيسياً، ويمثل تكثيف مجموعات البيانات فئة من التقنيات المستخدمة لتوليد مجموعة تدريب اصطناعية صغيرة انطلاقاً من مجموعة كبيرة. ومن مزايا التكثيف أنه يحافظ على سرية البيانات الأصلية، لأن المخرجات تكون بيانات اصطناعية. غير أن التكثيف عملية بالغة الصعوبة من الناحية الحاسوبية، مما يحد حالياً من إمكانية تطبيقه على مجموعات البيانات الضخمة جداً. وتكملةً للتكثيف، تجدر الإشارة إلى أن نموذج "زيارة البيانات" ينطوي على إمكانية تقليص الحاجة إلى عمليات نقل البيانات الكبيرة، التي قد تكون لازمة أيضاً لأغراض التدريب، لأنه يقوم على نقل الخوارزميات بدلاً من نقل البيانات.
وبديلاً عن ذلك، استقطبت النماذج الصغيرة اهتماماً كبيراً لأنها تتطلب موارد حاسوبية أقل، وهو أمر بالغ الأهمية عند تشغيل النماذج على الأجهزة الطرفية. فهذه الأجهزة تملك ذاكرة وقدرة حاسوبية محدودتين مقارنة بخوادم الحوسبة السحابية الكبيرة، ولذلك تملك النماذج الصغيرة القدرة على توسيع نطاق تبني نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي واستخدامها. ويُعد التقطير التقنيةَ المستخدمة لضبط نموذج صغير، يُسمى الطالب، وتعليمه بالاستناد إلى نموذج كبير يُسمى المعلم، بحيث يمكن إنجاز مهام محددة في الغالب بتكلفة أقل بكثير.
النماذج مفتوحة المصدر في مقابل النماذج المملوكة
يُعد الاختيار بين النماذج مفتوحة المصدر والنماذج المملوكة اعتباراً مهماً في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالنماذج مفتوحة المصدر، بطبيعتها، قابلة للتخصيص والتكييف، مما يتيح للمطورين البناء على الأطر القائمة وتطويع النماذج وفق احتياجات محددة. ويضمن الوصول المفتوح إلى الشيفرة البرمجية الأساسية الشفافيةَ وقابلية التفسير، مما يعزز بدوره الأخلاقيات والمساءلة وقابلية إعادة إنتاج النتائج، ويقلص الوقت اللازم لتحديد المخاطر الأمنية والحد منها. وفضلاً عن ذلك، تتميز نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مفتوحة المصدر بسهولة الوصول إليها، من قبل الأفراد والمؤسسات البحثية والشركات الصغيرة والمتوسطة مثلاً، لأنها تُسقط تكاليف الترخيص كما هو الحال غالباً مع البرمجيات مفتوحة المصدر، وتجنب المستخدمين الارتهان لمورّد بعينه. وتتناغم هذه الخصائص الجوهرية للمصادر المفتوحة مع قيم الاتحاد الأوروبي، كالديمقراطية والتعاون والشمول والشفافية. ولا غرابة إذن في أن خطة عمل "قارة الذكاء الاصطناعي" الصادرة مؤخراً قد أبرزت إمكانات المصادر المفتوحة في دفع تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي، بما يسهم في ترسيخ نهجه القائم على الابتكار المفتوح. ومع أن نموذج التطوير مفتوح المصدر يقدم مزايا عديدة، ثمة عوامل مهمة ينبغي مراعاتها فيما يتعلق بالاستقلالية الاستراتيجية وضرورة ضمان قدرة الشركات القائمة على المصادر المفتوحة على التوسع بالسرعة نفسها التي تتوسع بها نظيراتها القائمة على النماذج المملوكة. وتبرز هذه العوامل الحاجة إلى إدارة حصيفة وتخطيط استراتيجي للتعامل مع التحديات والديناميكيات الفريدة لنمو المصادر المفتوحة.
ويظل مفهوم الانفتاح غير محدد بدقة في سياق الذكاء الاصطناعي التوليدي. فمن الناحية التقنية، يمكن وصف نموذج ما بأنه مفتوح المصدر حين تُتاح جميع مكوناته، أي الشيفرة المصدرية المستخدمة في تدريبه وتشغيله، وأوزانه، ومعماريته، والمعلومات المتعلقة باستخدام البيانات. وقد تُشارَك بيانات التدريب أيضاً، لكن ذلك ليس ممكناً دائماً بسبب القيود القانونية وقيود حقوق المؤلف. وقد أفضى ذلك إلى نقاشات عديدة حول ما يشكل نموذجاً مفتوح المصدر، وكذلك إلى مبالغة عامة في ادعاء الانفتاح، وهي ممارسة تُعرف بـ"الغسل المفتوح"، إذ كثيراً ما تكون أوزان النموذج هي المكون الوحيد المتاح، وتُعرّف هذه النماذج عادة بأنها نماذج مفتوحة الأوزان. ومن النماذج التي يدور حولها الجدل عائلة نماذج شركة Mistral AI الفرنسية، ونماذج DeepSeek الصينية، وبعض النماذج الأمريكية مثل BERT وGemma من Google AI. وتُصدر بعض هذه النماذج قدراً ضئيلاً من شيفرة التدريب والوثائق المتعلقة بها، لكنها لا تتيح الوصول إلى بيانات التدريب. أما نماذج LlaMa التابعة لشركة Meta فلا يمكن عدّها مفتوحة المصدر بسبب القيود التي تفرضها رخصتها. ومن أمثلة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مفتوحة المصدر بالكامل عائلة نماذج Olmo من معهد Allen AI، التي تتاح فيها الشيفرة الأساسية للنموذج وأوزانه ومعماريته ووثائقه والمعلومات المتعلقة باستخدام البيانات، إلى جانب بيانات التدريب نفسها. وفيما يخص هذه الأخيرة، يستطيع المستخدمون في بيئة التجريب التابعة للمعهد الاطلاع على الوثائق الدقيقة المستخدمة في توليد ردود النموذج والوصول إليها. ويمكن تقييم هذه الدرجات المتفاوتة من انفتاح نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، من حيث الشيفرة والأوزان والوثائق وبيانات التدريب ومعمارية العتاد وصحائف البيانات والتراخيص وغيرها، من خلال المؤشر الأوروبي للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر.
وفي المقابل، لا توفر نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي المملوكة المنافعَ التي تتيحها بدائلها مفتوحة المصدر، لكنها قد تمنح طائفة متنوعة من المزايا التنافسية من خلال سمات وقدرات فريدة، منها الدعم التجاري والصيانة المخصصان، والأداء المعزز، وحماية الملكية الفكرية، والواجهات سهلة الاستخدام، وأدوات الوصول والتفاعل الموجهة لغير المتخصصين تقنياً. ومن الأمثلة الشائعة على ذلك النماذج الشاملة العامة الغرض، كسلسلة GPT من OpenAI ونموذج Gemini من Google.
ويقتضي تحقيق التوازن بين هذه الاعتبارات تقدير المفاضلات بين الابتكار والتحكم وسهولة الوصول. ويتوقف اختيار النموذج، مفتوح المصدر كان أم مملوكاً، على الأهداف والاحتياجات المحددة للمطورين والمستخدمين. ومن الممكن أيضاً اعتماد مقاربات هجينة، كأن يُضبط نموذج مفتوح المصدر بخوارزميات مملوكة تتيح تطبيقات محددة، ثم يُنشر ويُوسَّع على سحابات خاصة آمنة، بحيث تبقى البيانات الحساسة تحت سيطرة المؤسسة ولا تتعرض لمورّدين خارجيين.
1.4 لماذا تهم هذه المسألة صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي
الرسائل الرئيسية
ينطوي الذكاء الاصطناعي التوليدي على إمكانات هائلة بوصفه أصلاً استراتيجياً للاتحاد الأوروبي، إذ يتيح فرصاً للنمو الاقتصادي والابتكار والتقدم المجتمعي.
وتتمثل المهمة المطروحة أمام صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي في التعامل مع تعقيدات مشهد الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومعالجة التحديات المتعلقة بالتنظيم والأخلاقيات والمهارات، مع اغتنام فرص النمو وتعزيز القدرة التنافسية.
ويفرض التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي على صانعي السياسات تحدي مواكبة أحدث المستجدات وضمان فعالية التشريعات وتحديثها باستمرار، مما يستدعي تعاوناً متواصلاً بين البحث العلمي وصنع السياسات يكفل توفير أدلة استباقية لصياغة السياسات.
يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي اختراقاً تقنياً وقد يغدو أصلاً استراتيجياً للاتحاد الأوروبي. ولضمان أن يجني الاتحاد منافع هذه التقنية التحويلية بما ينسجم مع القيم الأوروبية، عليه أن يركز على عدد من المجالات الحاسمة، من بينها فهم الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي التوليدي.
الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي التوليدي
يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي تقدماً تقنياً محورياً قادراً على دفع النمو الاقتصادي والابتكار في قطاعات متعددة، مع حماية حقوق مواطني الاتحاد الأوروبي وشركاته في الوقت ذاته. وبالنسبة إلى صانعي السياسات في الاتحاد، يُعد الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة استراتيجية ترتبط بالسيادة الرقمية والقدرة التنافسية. فمن خلال الريادة في تطوير هذه التقنية ونشرها، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يرسخ مكانته رائداً عالمياً في مجال التكنولوجيا، وأن يؤثر في المعايير والقواعد الدولية التي تحكم تقنيات الذكاء الاصطناعي ونماذجه وأنظمته. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في قطاعات مثل الرعاية الصحية والروبوتات والتقنيات المساعدة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يحدث تحولات كبيرة.
وتبرز الأهمية الاستراتيجية لهذه التقنية من خلال قدرتها على إحداث تحول في الصناعات والقطاع العام، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والإدارة العامة. ويستطيع صانعو السياسات توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي لمعالجة التحديات المجتمعية الملحة، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز منظومات ابتكار تدعم المرونة الاجتماعية والاقتصادية وخلق فرص العمل. فضلاً عن ذلك، يمكن للابتكارات في تقنيات أشباه الموصلات، كالرقائق الشبيهة بالدماغ ورقائق الذكاء الاصطناعي الطرفية، أن تفتح طريقاً نحو نشر أكثر استدامة للذكاء الاصطناعي، وهو أمر حاسم لكي يوفق الاتحاد الأوروبي بين أهداف الحياد المناخي والحفاظ على قدرته التنافسية العالمية في هذا المجال.
المشهد السياساتي والتنظيمي في الاتحاد الأوروبي
أرسى الاتحاد الأوروبي مشهداً سياساتياً وتنظيمياً شاملاً للذكاء الاصطناعي، بما فيه الذكاء الاصطناعي التوليدي، يركز على تعزيز الابتكار والثقة وحماية الحقوق الأساسية. ويعتمد قانون الذكاء الاصطناعي نهجاً قائماً على المخاطر، يفرض متطلبات أكثر صرامة على أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر، ومنها الأنظمة المستخدمة في البنى التحتية الحيوية والرعاية الصحية وإنفاذ القانون.
وإضافة إلى ذلك، أنشأت المفوضية مكتب الذكاء الاصطناعي الأوروبي للإشراف على تنفيذ اللائحة، وتقديم الإرشادات، ودعم تطوير الذكاء الاصطناعي وتبنيه في الاتحاد الأوروبي. وفي إطار خطة عمل "قارة الذكاء الاصطناعي"، أعلنت المفوضية الأوروبية عن استثمارات تقارب 700 مليون يورو ضمن دعوات برنامجي "أفق أوروبا" و"أوروبا الرقمية"، وذلك في إطار مبادرة GenAI4EU لتطوير نماذج وحلول متقدمة للذكاء الاصطناعي في طيف واسع من القطاعات، فضلاً عن تطوير البنى التحتية للبيانات والمهارات. كما يستثمر الاتحاد الأوروبي في مصانع الذكاء الاصطناعي التي ستعزز التعاون في هذا المجال في أرجاء أوروبا وتدفع عجلة التقدم في تطبيقاته. وفي إطار المبادرة نفسها، ستدعم مراكز الابتكار الرقمي الأوروبية التعلم المستمر للعاملين في الشركات الصغيرة والمتوسطة، والشركات متوسطة الحجم، والشركات الناشئة، ومؤسسات القطاع العام. ويدعم الاتحاد الأوروبي أيضاً توظيف الذكاء الاصطناعي في العلوم من خلال مبادرات عدة، منها المجلس الأوروبي لأبحاث الذكاء الاصطناعي، المعروف أيضاً بمورد الذكاء الاصطناعي للعلوم في أوروبا (RAISE)، الذي سيجمع الموارد لتوسيع الحدود التقنية للذكاء الاصطناعي وتيسير الاختراقات العلمية.
ويشمل الإطار التنظيمي للاتحاد الأوروبي في مجال الذكاء الاصطناعي أيضاً اللائحة العامة لحماية البيانات، التي تنطبق على معالجة البيانات الشخصية في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقانون الخدمات الرقمية الذي ينظم المنصات والخدمات الإلكترونية، بما فيها تلك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. كما اعتمد الاتحاد الأوروبي تشريعات أفقية للبيانات بهدف تعزيز اقتصاد بيانات تنافسي وجدير بالثقة. ويوفر هذا الإطار لمطوري الذكاء الاصطناعي التوليدي آليات للوصول إلى مجموعات بيانات متنوعة وعالية الجودة، مع ضمان الامتثال لحقوق البيانات، ويتيح تبادل البيانات بين القطاعات وعبر الحدود دعماً لتدريب الذكاء الاصطناعي والابتكار. ويتضمن هذا الإطار قانون حوكمة البيانات الرامي إلى تعزيز الثقة في التبادل الطوعي للبيانات، وقانون البيانات الذي يوضح حقوق الوصول إلى البيانات وييسر تبادلها بين الشركات، ولائحة التنفيذ الخاصة بمجموعات البيانات عالية القيمة التي تيسر إعادة استخدام هذه المجموعات. وتُستكمل هذه التدابير الأفقية بفضاءات بيانات أوروبية مشتركة قطاعية في القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية ومجالات المصلحة العامة، وبلائحة الفضاء الأوروبي للبيانات الصحية.
التحديات والفرص عند نقطة الالتقاء بين العلم والسياسات
مع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، يواجه صانعو السياسات في الاتحاد الأوروبي تحديات عدة ينبغي معالجتها لتعظيم منافعه. ومن أبرز هذه التحديات الحاجة إلى فهم شامل للجوانب التقنية والاجتماعية والاقتصادية لهذه التقنية، وهو فهم يتطلب نهجاً استباقياً يقوم على إرساء عملية مستمرة لاستشراف التقنية، ترصد مؤشرات التغيير، وتحلل الاتجاهات، وتستوعب التطورات الناشئة وتبعاتها، من خلال تعاون يضم أصحاب مصلحة متعددين وخبرات متنوعة. ومن شأن هذا العنصر الاستباقي أن يسهم في توجيه التوصيات السياساتية واستراتيجيات التمويل، وأن يعزز التنسيق بين المؤسسات الأوروبية والشركاء الدوليين. ويضمن هذا الموقف الاستباقي أن يظل الاتحاد الأوروبي قادراً على التكيف ومستعداً للتعامل مع الفرص والمخاطر التي يحملها الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويتعين على صانعي السياسات وأصحاب القرار في القطاعين العام والخاص مواصلة الاستثمار في برامج التعليم والتدريب التي تزود الأفراد بالمهارات اللازمة للعمل إلى جانب أنظمة الذكاء الاصطناعي ومعها، وتسخير إمكاناتها. ومع انتشار المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، يثير خطر الإفراط في الاعتماد على هذه التقنيات والارتهان لها في التعليم والفن والخطاب العام مخاوف اجتماعية وأخلاقية جديدة. فمع أن الذكاء الاصطناعي، والتوليدي منه على وجه الخصوص، قادر على تعزيز الإبداع والإنتاجية البشريين، بما يتيح سير عمل أسرع وتجارب تعليمية بديلة، فإنه قد يضعف كذلك التفكير النقدي والفهم المتعمق وتنمية المهارات البشرية، ويقوض قدرتنا على التصرف في حال عدم توافر هذه الأنظمة. ويتطلب هذا التوتر بين مكاسب الإنتاجية وتآكل القدرات المعرفية أن يشجع صانعو السياسات التبني الرشيد للذكاء الاصطناعي، ولا سيما في المجالات الحساسة كالتعليم والرعاية الصحية. فالذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون أداة لتعزيز القدرات البشرية لا بديلاً عنها.
