القائمة الرئيسية

تقرير استشراف الذكاء الاصطناعي التوليدي: استكشاف نقاط التقاطع بين التكنولوجيا والمجتمع والسياسات العامة (6/3)

تقرير استشراف الذكاء الاصطناعي التوليدي: استكشاف نقاط التقاطع بين التكنولوجيا والمجتمع والسياسات العامة (6/3)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل التبعات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي التوليدي، مع التركيز على الموقع التنافسي للاتحاد الأوروبي، والتحولات الصناعية، ونماذج الأعمال الجديدة، وسوق العمل والإنتاجية. ويشير إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك قاعدة بحثية قوية ويحتل المرتبة الثانية عالمياً في المنشورات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنه يواجه منافسة قوية من الولايات المتحدة والصين وفجوات في الاستثمار والتمويل والمهارات وتجزؤ السوق، مما يستدعي تعزيز البحث والابتكار والتعاون واستقطاب الكفاءات ودعم الشركات. كما يوضح أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعيد تشكيل قطاعات مثل التصنيع والتجزئة والرعاية الصحية والصناعات الإبداعية، ويفتح المجال لنماذج أعمال جديدة، مع بقاء تحديات تتعلق بحقوق المؤلف والتحيز والفجوات الرقمية. وتواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبات أكبر في التبني بسبب محدودية النضج الرقمي والمهارات والبنية التحتية، بينما تتقدم الشركات الكبرى في استخدام هذه التقنيات. وفي سوق الذكاء الاصطناعي الحواري الأوروبي، يتركز الاستخدام في عدد محدود من الجهات، مع هيمنة ChatGPT ووجود تفاوت بين الدول والمنصات. أما سوق العمل، فيشير الفصل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المهن أكثر من إلغاء الوظائف بالضرورة، مع تعرض المهن المعرفية مثل البرمجة والهندسة والتعليم بدرجة أكبر، بينما تكون المهن التي تعتمد على المهارات الحسية والحركية أقل تعرضاً حالياً. وتظهر الدراسات مكاسب ملموسة في الإنتاجية، خصوصاً لدى العمال الأقل خبرة، لكن التقنية قد تزيد بعض أوجه عدم المساواة أو تقلص الطلب على بعض المهام. ويخلص الفصل إلى أن الاستفادة الاقتصادية من الذكاء الاصطناعي التوليدي تتطلب الاستثمار في المهارات والبنية الرقمية والابتكار، ودعم انتقال القوى العاملة، ومعالجة مخاطر التفاوت والاستقرار الوظيفي، بما يضمن توزيعاً أوسع لمنافع التقنية.

الفصل الثالث: التبعات الاقتصادية

يبني هذا الفصل على الرؤى التأسيسية التي قدمها الفصل الأول، فيتوسع في تناول التبعات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي التوليدي، مع التركيز على الموقع التنافسي للاتحاد الأوروبي في المشهد العالمي. ويستكشف التحولات الصناعية وظهور نماذج الأعمال الجديدة التي يدفعها الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويقدم تحليل مفصل لحصص السوق واتجاهاتها، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي الحواري، رؤى حول الديناميكيات التنافسية في السوق الاستهلاكية داخل أوروبا. ويبحث الفصل كذلك أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في سوق العمل والتوظيف، متناولاً فرص خلق الوظائف، واحتمالات إزاحة العمال، واعتبارات الإنتاجية. ومن أبرز الأسئلة المطروحة كيفية تسخير هذه التقنية لتحقيق النمو الاقتصادي مع معالجة التحديات التي تفرضها على استقرار التوظيف.

3.1 الموقع التنافسي للاتحاد الأوروبي في المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي التوليدي

الرسائل الرئيسية

مع استمرار تطور سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يحافظ على مرونته واستباقيته في نهجه، بما يضمن بقاءه في طليعة هذه التقنية التحويلية.

ويواجه الاتحاد الأوروبي منافسة شديدة، وهو بحاجة، من أجل تقليص تبعياته وبناء سيادته التقنية، إلى الاستثمار في مجتمعه البحثي النابض بالحيوية وتعزيز قدراته الابتكارية.

يتعمق هذا القسم في بحث موقع الاتحاد الأوروبي في السوق العالمية للذكاء الاصطناعي التوليدي، فيدرس مكانته التنافسية الراهنة، ويستكشف الفرص الاستراتيجية للنمو والريادة، ويحدد التحديات والعوائق القائمة.

المكانة الراهنة للاتحاد الأوروبي

رسّخ الاتحاد الأوروبي مكانته بوصفه جهة فاعلة مهمة في مشهد الذكاء الاصطناعي التوليدي، غير أن جهات فاعلة عالمية كبرى كالولايات المتحدة والصين تواصل دفع حدود التقنية إلى الأمام باستثمارات ضخمة. ويمكن تقييم المكانة الراهنة للاتحاد الأوروبي من خلال مؤشرات رئيسية عدة، من بينها الإنتاج البحثي، والقدرة الابتكارية، والحضور في السوق.

الإنتاج البحثي والقدرة الابتكارية: تؤدي المؤسسات البحثية والجامعات الأوروبية دوراً محورياً في تطوير تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتسهم إسهاماً كبيراً في رصيد المعرفة العالمي، إذ يحتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الثانية عالمياً في عدد المنشورات الأكاديمية المتعلقة بهذه التقنية.

الحضور في السوق والأثر الصناعي: تنخرط الشركات الأوروبية بفاعلية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي ونشرها، ومن أبرزها Mistral AI وLightOn، اللتان تمثلان نموذجين للشركات الناشئة الأوروبية الناجحة في هذا المجال. ويتيح المشهد الصناعي المتنوع للاتحاد الأوروبي، ولا سيما في قطاعات مثل صناعة السيارات والأدوية والمالية، فرصاً عديدة لدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي. وعلى الرغم من هذه الفرص، تتأخر حصة الاتحاد الأوروبي في السوق العالمية لهذه الصناعة عن حصتي الولايات المتحدة والصين. ومن الخطوات الحاسمة لتحسين حضور الاتحاد في السوق تعزيز تسويق نتائج البحث، ودفع الاستثمار والتمويل الاستراتيجيين، ودعم بيئات تنظيمية تجريبية موحدة، واستقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، وتحقيق تبنٍّ استراتيجي في القطاعات الرئيسية، وتيسير وصول الشركات الأوروبية إلى الأسواق.

الملكية والتبعيات

تثير الملكية الأجنبية المتزايدة للجهات الفاعلة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي اعتبارات سياساتية مهمة تتعلق بالأمن الوطني والسيادة التقنية والقدرة التنافسية الاقتصادية. فمع تزايد دور السيطرة على ابتكارات الذكاء الاصطناعي وبنيته التحتية في تشكيل النفوذ العالمي، قد يؤثر مدى خضوع الجهات الفاعلة المحلية في نهاية المطاف لسيطرة مصالح أجنبية في حوكمة البيانات واتخاذ القرارات الاستراتيجية. وقد تؤثر الملكية الأجنبية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي ونشرها، وفي الأطر التنظيمية القائمة والناشئة، كآليات مراجعة الاستثمار الأجنبي وضوابط التصدير، مما قد ينعكس بدوره على مصالح الأمن الوطني ومقاربات التعاون الدولي. ولذلك تكشف البيانات المتعلقة بملكية الجهات الفاعلة في هذا المجال على مستوى العالم عن رؤى مهمة بشأن المشهد العالمي لتطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي والسيطرة عليه. ومن منظور الدول، يفيد تحليل الملكية الأجنبية للجهات الفاعلة المحلية والملكية المحلية للجهات الفاعلة الأجنبية في إبراز إمكانية الوصول إلى المعارف الأساسية والتبعيات المحتملة.

ويتناول هذا القسم هذه المسألة بالتركيز على المالك النهائي العالمي لجميع الجهات الفاعلة المحددة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، والمالك النهائي العالمي هو المساهم المسيطر الذي يحوز أكثر من 50% من أسهم الشركة. وعليه فإن الجهات الأوروبية المملوكة لأجانب هي الكيانات التي يقع مالكها النهائي العالمي في دول خارج الاتحاد الأوروبي، وبالمثل فإن الجهات الأمريكية المملوكة لأجانب هي تلك المملوكة لكيانات خارج الولايات المتحدة. ويميز هذا التحليل كذلك بين الجهات الأجنبية والمحلية الأوروبية والوطنية من منظور الاتحاد الأوروبي: فالجهات الأوروبية المملوكة لأجانب هي كيانات قائمة في الاتحاد يملكها مستثمرون من خارجه، والملكية المحلية الأوروبية تشير إلى جهات أوروبية تملكها كيانات قائمة داخل الاتحاد، كجهة فرنسية يملكها مستثمر ألماني، أما الجهات المملوكة وطنياً فهي التي يملكها مستثمرون من البلد ذاته، كجهة إيطالية ذات ملكية إيطالية. وتُعرَّف الملكية الأجنبية بأنها تلقي الجهة الفاعلة استثماراً مباشراً من كيان يقع في بلد غير بلد إقامتها، بحيث يمارس المستثمر الأجنبي السيطرة بحيازته أكثر من 50% من الأسهم.

وتتصدر الولايات المتحدة بفارق كبير ملكية الجهات الفاعلة الأجنبية في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تملك 24% من هذه الجهات المملوكة لأجانب، مما يدل على قوة منظومتها للبحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي. ويحوز الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر حصة من الجهات الفاعلة المملوكة لأجانب، مما يشير إلى استثماره في مؤسسات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الخارج، وتليه اليابان بنسبة 8%. أما الصين، فعلى الرغم من كونها لاعباً رئيسياً في اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي، فإن حصتها من الجهات الفاعلة الأجنبية صغيرة نسبياً لا تتجاوز 2%. وأخيراً، فإن 12% من جميع الجهات الأوروبية الفاعلة في هذا المجال مملوكة لأجانب، ولا تملك الصين سوى 5% من الجهات الأوروبية المملوكة لأجانب، في حين أن 14% من الجهات الأجنبية المملوكة للاتحاد الأوروبي صينية.

وتقدم نتائج مسح للبيانات أجراه مركز البحوث المشترك معلومات عن الدول الأجنبية التي تسيطر على جهات فاعلة في دول الاتحاد الأوروبي، مع اعتبار الشركة القائمة في الاتحاد مملوكة لأجانب حين يكون مالكها خارج الاتحاد. وتبين هذه النتائج أن الولايات المتحدة تملك الحصة الأكبر من الجهات الأوروبية المملوكة لأجانب في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي (49%)، تليها اليابان (13%)، فالمملكة المتحدة (11%)، فسويسرا (7%)، فالصين (5%).

وعلى صعيد الاتحاد الأوروبي، تملك ألمانيا النسبة الأعلى من الجهات الفاعلة في الخارج، تليها فرنسا والسويد وهولندا. وبالمثل، تستأثر ألمانيا بالحصة الأكبر من الجهات المملوكة لأجانب داخل الاتحاد، تليها السويد وفرنسا.

الفرص الاستراتيجية

يستطيع الاتحاد الأوروبي تعزيز موقعه في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي من خلال اغتنام عدة فرص استراتيجية:

الذكاء الاصطناعي الأخلاقي والجدير بالثقة: يُعد التزام الاتحاد الأوروبي بالذكاء الاصطناعي الأخلاقي والجدير بالثقة من أبرز ما يميزه، فقد كان سبّاقاً في تطوير أطر تنظيمية تعطي الأولوية لخصوصية البيانات وأمنها والاعتبارات الأخلاقية. ومن خلال تقديم نفسه رائداً في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي الأخلاقي، يستطيع الاتحاد استقطاب شركاء وعملاء عالميين يقدّرون ممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤولة، فضلاً عن الاستثمارات المحلية والأجنبية. ولا يقتصر أثر هذا النهج على تعزيز سمعة الاتحاد الأوروبي، بل يمنحه أيضاً ميزة تنافسية في سوق يتزايد اهتمامها بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

التعاون وبناء المنظومات: يتيح تركيز الاتحاد الأوروبي على التعاون وبناء المنظومات فرصاً كبيرة للنمو، إذ يمكن لمبادرات مثل التعاون البحثي العابر للحدود والشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تيسر تبادل المعارف وتقاسم الموارد، فتدفع قدرات الاتحاد في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الأمام.

التركيز على أسواق وتطبيقات محددة: يستطيع الاتحاد الأوروبي الاستفادة من قاعدته الصناعية المتنوعة للتركيز على أسواق وتطبيقات متخصصة يمكن أن يُحدث فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي أثراً تحويلياً. فمن خلال تحديد القطاعات ذات الإمكانات العالية لدمج هذه التقنية، كالرعاية الصحية والزراعة والطاقة، فضلاً عن قطاعات الإعلام والقطاعات الإبداعية السمعية البصرية، يمكن للاتحاد أن يكيّف استراتيجياته لتلبية احتياجات صناعية محددة. ويتيح هذا النهج الموجه للاتحاد تطوير خبرات وحلول متخصصة، بما يعزز قدرته التنافسية في هذه المجالات.

التحديات والعوائق

مع أن الاتحاد الأوروبي يملك إمكانات كبيرة في مشهد الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن عليه معالجة عدد من التحديات والعوائق للحفاظ على مكانته التنافسية وتحسينها. وقد نشرت المفوضية الأوروبية مؤخراً خطة عمل "قارة الذكاء الاصطناعي"، التي تحدد مجموعة من المبادرات الرامية إلى تسريع تبني الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على خمس ركائز رئيسية هي: الحوسبة، والبيانات، والنهج القطاعي لتعزيز الاستخدامات الصناعية الجديدة للذكاء الاصطناعي وتحسين تقديم طائفة متنوعة من الخدمات العامة، والمهارات، والتبسيط التنظيمي.

تجزئة السوق والتنظيم: مع أن السوق الأوروبية الموحدة ينبغي أن تكون المجال المرجعي لتطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن الحواجز الداخلية المتبقية قد تطرح تحديات أمام تبنيه وتوسيع نطاقه. وتدفع الجهود الرامية إلى تحديد هذه الحواجز وإزالتها، إلى جانب الأدوات القانونية التي توفر إطاراً موحداً على مستوى الاتحاد كقانون الذكاء الاصطناعي، نحو سوق موحدة لهذه التقنية تتيح التعاون والابتكار العابرين للحدود.

فجوات الاستثمار والتمويل: يواجه الاتحاد الأوروبي، مقارنة بالولايات المتحدة والصين، صعوبات في استقطاب الاستثمارات والتمويل لمبادرات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وقد يعيق محدودية الوصول إلى رأس المال الجريء نمو المؤسسات العاملة في هذا المجال. ولمعالجة هذه المسألة، يتعين على الاتحاد مواصلة تقديم برامج تمويل وحوافز موجهة للشركات الناشئة والشركات الآخذة في التوسع، مع تشجيع الاستثمار الخاص.

نقص الكفاءات والمهارات: تُعد البيئة الحيوية الجاذبة للكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي عنصراً مهماً يمكن أن يعزز المكانة التنافسية للاتحاد الأوروبي. كما أن تطوير كفاءات قوية في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال مبادرات التعليم والتدريب وتطوير المهارات أمر حاسم لتلبية الطلب المتزايد على الخبرات في هذا المجال. ويمكن للجهود التعاونية بين مؤسسات التعليم والتدريب والأوساط الأكاديمية والصناعة والحكومات أن تسهم في سد فجوة المهارات وضمان وجود قوى عاملة ماهرة قادرة على دفع الابتكار في هذا المجال.

ديناميكيات السوق وقابليتها للمنافسة: يشمل قطاع الذكاء الاصطناعي التوليدي أنشطة في المراحل الأولى والمراحل اللاحقة من سلسلة القيمة المرتبطة بتوفير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتتسم هذه الصناعة الناشئة بديناميكية عالية، ومنظومة قيمة نشطة، واستثمارات معتبرة في البحث والتطوير. غير أن بعض ديناميكيات السوق الحالية قد تؤثر في بنية أسواق الذكاء الاصطناعي التوليدي وتغير مشهدها التنافسي مستقبلاً. وكما سبقت الإشارة، يشمل تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي ونشرها البيانات والبنية التحتية والخوارزميات إلى جانب الخبرة التقنية. وتبعاً للظروف الاقتصادية، قد تبرز مسائل كقيود الموارد والوصول إلى الأسواق والتطورات التقنية، فتقلص عدد المتنافسين الفاعلين.

3.2 التحول الصناعي ونماذج الأعمال الجديدة والتبني

الرسائل الرئيسية

يُعد الذكاء الاصطناعي التوليدي محفزاً للتحول الصناعي، يدفع نحو ظهور نماذج أعمال مبتكرة. وفي الوقت ذاته، وكما هو الحال في الصناعات الإبداعية، يتطلب دراسة متأنية لمنافعه ومساوئه المحتملة.

ويُعد النضج الرقمي عاملاً حاسماً في تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تحتاج الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى بلوغ مستوى معين من النضج الرقمي، يشمل المهارات الرقمية والعمليات التجارية والبنية التحتية، لتستفيد استفادة كاملة من إمكانات هذه التقنية.

ويرتفع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، في المؤسسات الكبرى في الاتحاد الأوروبي، مما قد يوسع الفجوة في ظل ما تواجهه المؤسسات الأصغر من صعوبات في التبني بسبب محدودية مواردها وقدراتها المحتملة.

يملك الذكاء الاصطناعي التوليدي القدرة على إحداث تحول في الصناعات في أرجاء الاتحاد الأوروبي، بوصفه محركاً حاسماً للابتكار والتحول الاقتصادي. فمن خلال الاستفادة من الخوارزميات المتقدمة والرؤى المستندة إلى البيانات، قد يسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس فقط في تحسين العمليات القائمة، بل أيضاً في ابتكار نماذج أعمال جديدة قد تتحدى النماذج التقليدية. ويستكشف هذا القسم أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في مختلف القطاعات الصناعية، فيما يعرض القسم السادس دراسات حالة توضيحية وتحليلات معمقة.

أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصناعات التقليدية: المنافع والمخاطر

قد يكون لدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي أثر عميق في الصناعات التقليدية، إذ يُحدث ثورة في العمليات ويشجع ظهور نماذج أعمال جديدة.

ومن المتوقع أن يُحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما بوصفه مكوناً من مكونات الذكاء الاصطناعي الوكيلي الناشئ، تحولاً في قطاع التصنيع، كصناعة السيارات والإلكترونيات والسلع الاستهلاكية، من خلال تمكين خطوط إنتاج ذكية تعتمد على تحليلات البيانات المتقدمة. وسيكون للذكاء الاصطناعي الوكيلي أيضاً أثر مُزعزِع في الصيانة التنبؤية من خلال اتخاذ قرارات مستقلة وتكيفية. ويستطيع المصنّعون تحسين سلاسل التوريد، والحد من الهدر، وتطوير تصميم المنتجات، وأتمتة العمليات. ويقود هذا التحول إلى تطوير أنظمة مترابطة قادرة على إدارة مهام الإنتاج على نحو مستقل، مما يزيد الكفاءة ويقلص فترات التوقف. وقد بدأت هذه التطبيقات تظهر بالفعل في البيانات، إذ إن 1.7% و1.6% من أنشطة الاتحاد الأوروبي في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي تنتمي أيضاً إلى المنظومتين الصناعيتين للتنقل والإلكترونيات على التوالي. ويمكن أن ترتبط أنشطة الذكاء الاصطناعي التوليدي ارتباطاً وثيقاً بمنظومات صناعية أخرى، إما في صورة تطبيقات أو من خلال الابتكار في تقنيات وثيقة الصلة بالصناعة، ويُقاس هذا التداخل بالتواجد المشترك للكلمات المفتاحية المتعلقة بكل منظومة صناعية ولتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المنشورات الأكاديمية وطلبات براءات الاختراع وأوصاف الأعمال التجارية.

وفي قطاع التجزئة، يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل تجارب المستهلكين من خلال تخصيص التفاعلات وتحسين إدارة المخزون. ويستخدم تجار التجزئة هذه التقنية لتحليل سلوك المستهلكين، والتنبؤ بالاتجاهات، وتكييف استراتيجيات التسويق. وتتيح هذه التقنية نماذج تسعير ديناميكية وحلولاً مؤتمتة لخدمة العملاء، بما يرسي نهجاً متمحوراً حول العميل يمكن أن يعزز ولاءه ورضاه. وفي الاتحاد الأوروبي، تمتد تطبيقات 1.1% من أنشطة الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى صناعة التجزئة، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي.

ويؤدي الذكاء الاصطناعي التوليدي دوراً محورياً في الرعاية الصحية، من خلال تحسين دقة التشخيص وتخصيص رعاية المرضى، وكذلك من خلال إتاحة تحليل مجموعات بيانات ضخمة لرصد الأنماط والتنبؤ بتطور الأمراض، بما يساعد في التشخيص المبكر وتخطيط العلاج. غير أن الأثر قد يكون أكثر إحداثاً للتحول، إذ تُعد الرعاية الصحية المنظومة الصناعية الأكثر تداخلاً في أنشطتها مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، فنحو 10% من أنشطة البحث والابتكار والأعمال المتعلقة بهذه التقنية في الاتحاد الأوروبي ترتبط بمنظومة الرعاية الصحية.

وفي الصناعات الإبداعية، يُحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي ثورة في عمليات إنتاج المحتوى والتصميم، إذ يمكّن الفنانين والمصممين من إنتاج أعمال مبتكرة من خلال تحليل تفضيلات الجمهور والاتجاهات السائدة. وتحظى هذه الصناعات بأهمية خاصة بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي في الاتحاد الأوروبي، إذ يرتبط أكثر من 3% من أنشطته بالصناعات الإبداعية. ويزداد رواج المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، كالموسيقى والمقاطع المرئية والأعمال الفنية، مما يفضي إلى نماذج أعمال جديدة تتمحور حول التجارب الرقمية والتفاعلية، وإلى دمج ناجح لهذه التقنية في العمليات القائمة في الصناعات السمعية البصرية والإعلامية، كالإنتاج السينمائي الافتراضي. وفي الوقت ذاته، أثار الذكاء الاصطناعي التوليدي مخاوف بشأن أثره الضار المحتمل. فمن أبرز المسائل في هذا الصدد أن بيانات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي قد تتضمن أعمال المبدعين، مما يثير مخاوف تتعلق بحقوق المؤلف. وقد يفضي ذلك إلى تغيير جوهري في حوافز الابتكار والإبداع، لأن التحويرات المولّدة بالذكاء الاصطناعي للأعمال الأصلية قد تحل محلها في السياقات التجارية. وأخيراً، قد يؤدي التبني السريع لهذه التقنية في الصناعات الإبداعية إلى تنميط الأساليب، لأن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تعتمد على الاتجاهات والأساليب القائمة بدلاً من ابتكار شيء جديد كلياً، ولأن المحتوى المولّد قد يصبح جزءاً من بيانات تدريب النماذج اللاحقة. وتوضح حالة الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصناعات الإبداعية أن أثره قد يكون معقداً في بعض الحالات ويتطلب دراسة متأنية.

دور الشركات الصغيرة والمتوسطة والنضج الرقمي

تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة 99% من مجموع الشركات في الاتحاد الأوروبي، وقد بدأت تستكشف إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتؤدي شبكات مثل مراكز الابتكار الرقمي الأوروبية دوراً حاسماً في دعم هذه الشركات لإطلاق قيمة هذه التقنية. ويتضح من دراسات حالة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تدعمها هذه المراكز أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على تحقيق منافع ملموسة في قطاعات متنوعة، منها الرعاية الصحية وتقنيات الأغذية والتصنيع والتعليم.

ويكشف تحليل 176 دراسة حالة لشركات صغيرة ومتوسطة أنه رغم قلة عدد الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي التوليدي حالياً، فإنها وجدت له تطبيقات متنوعة، تتراوح بين تحسين العمليات التجارية، وتطوير المنتجات أو الخدمات، وتطوير منتجات قائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي. فعلى سبيل المثال، استكشفت شركة FreezerData الهولندية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لتطبيق نظام ميكانيكي خدمة افتراضي لمعالجة نقص العمالة. وبالمثل، تسعى شركة Alpha Protein الألمانية الناشئة إلى توظيف هذه التقنية لتحسين عملية الإنتاج لديها. وتستخدم شركات صغيرة ومتوسطة أخرى، مثل Aqualeg وMultiSkript، الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين خدمة العملاء وتطوير عروضها من المنتجات.

ويتطلب تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي مستوى معيناً من النضج الرقمي، يشمل المهارات الرقمية والعمليات التجارية والبنية التحتية. وتكشف تقييمات النضج الرقمي، كالتقييم الذي تجريه مراكز الابتكار الرقمي الأوروبية، أن الشركات تكون عموماً قد بلغت مستوى متقدماً بدرجة متوسطة في تحولها الرقمي حين تبدأ في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي كالذكاء الاصطناعي التوليدي. كما تشير هذه التقييمات إلى أن بلوغ مستوى معين من التطور في الاستراتيجية وإدارة البيانات والمهارات الرقمية أمر ضروري للاستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات المتقدمة.

وعموماً، تسهم الاستراتيجية إسهاماً أكبر نسبياً في الدرجة الإجمالية للنضج الرقمي لدى الشركات ذات النضج الرقمي الأساسي، ولا يبدأ بُعد الذكاء الاصطناعي والأتمتة في التطور إلا حين تبلغ الشركات مستوى متقدماً بدرجة متوسطة من النضج الرقمي. ويتبين كذلك أن الشركات تحتاج إلى مستوى معين من إدارة البيانات والرقمنة المتمحورة حول الإنسان، بما في ذلك المهارات وتمكين الموظفين، لتتمكن من دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي كالذكاء الاصطناعي التوليدي دمجاً كاملاً. وتؤكد دراسات الحالة المذكورة آنفاً ذلك، إذ تُظهر الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تستكشف هذه التقنية وتتبناها نضجاً رقمياً أعلى عموماً، مع بنية تحتية رقمية متينة تشمل أنظمة إدارة البيانات وحوكمتها، وموظفين ذوي مهارات.

وفي عام 2024، أظهرت بيانات المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي (يوروستات) أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الأوروبية قد ازداد مقارنة بالعام السابق، مع فروق كبيرة تبعاً لحجم الشركة. وينعكس ذلك على جميع تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعلى مختلف الأنشطة الاقتصادية. فالشركات الكبرى، التي يستخدم 41% منها الذكاء الاصطناعي، تتصدر التبني مقارنة بنحو 21% من المؤسسات المتوسطة و11% من المؤسسات الصغيرة. وقد تكتسب الشركات الكبرى ميزة تنافسية تحسن كفاءتها وعملية اتخاذ القرار لديها، في حين قد تجد الشركات الأصغر صعوبة أكبر في مواكبتها، مما قد يوسع الفجوة بينهما في السوق.

ويُعد فهم الديناميكيات الإقليمية لتبني الذكاء الاصطناعي عموماً، والذكاء الاصطناعي التوليدي خصوصاً، أمراً حاسماً لتسخير كامل إمكاناته في أرجاء الاتحاد الأوروبي. فالطبيعة التحويلية لهذه التقنيات قد تفاقم الفوارق الإقليمية القائمة في أوروبا إن لم تُدَر على النحو السليم. ومع استمرار الذكاء الاصطناعي التوليدي في تغيير الصناعات والمجتمعات، يغدو من الضروري دراسة كيفية توزيع استثمارات الاتحاد الأوروبي في مجال الذكاء الاصطناعي على المستوى الإقليمي، لتحديد مواطن القوة والضعف، ومعالجة أوجه التفاوت المحتملة، ووضع استراتيجيات موجهة لدعم النمو والتنمية الإقليميين، بما يضمن ألا تتخلف أي منطقة عن الركب. ومن شأن ذلك أن يسهم في تعزيز التماسك الرقمي، وتشجيع الابتكار، وخلق فرص جديدة للشركات والمواطنين في أرجاء الاتحاد، والإسهام في نهاية المطاف في اقتصاد أكثر تنافسية وازدهاراً. وقد أجرى مركز البحوث المشترك تحليلاً للتوزيع الجغرافي لاستثمارات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالذكاء الاصطناعي خلال فترة البرمجة الممتدة من 2014 إلى 2020. ويغطي التحليل مناطق الدول الأعضاء السبع والعشرين على المستوى الثاني من التصنيف الإقليمي الأوروبي، ويكشف عن النتائج الرئيسية التالية:

خُصص نحو 8 مليارات يورو من أموال الاتحاد الأوروبي، من برنامج "أفق 2020" وسياسة التماسك، لاستثمارات الذكاء الاصطناعي في المناطق الأوروبية خلال الفترة الممتدة من 2014 إلى 2020، وهو ما يمثل متوسطاً سنوياً قدره 7% من إجمالي استثمارات الذكاء الاصطناعي في الاتحاد.

تميل حصة تمويل الاتحاد الأوروبي من إجمالي استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى الارتفاع في دول وسط أوروبا وشرقها، وبدرجة أقل في جنوب أوروبا.

تتمتع المناطق الأكثر تقدماً بتخصص أعلى في استثمارات الذكاء الاصطناعي الممولة من الاتحاد الأوروبي، مما يولّد آثاراً غير مباشرة تعزز أنماطاً مماثلة في المناطق المجاورة.

تتركز الاستثمارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بدرجة أكبر في المناطق التي تشهد تركزاً أعلى لأنشطة تقنية المعلومات والاتصالات والأكثر ابتكاراً، مما يبرز أهمية آثار التكتل.

المناطق التي اختارت الذكاء الاصطناعي أولوية ابتكارية في استراتيجياتها للتخصص الذكي هي أيضاً الأرجح أن تتمتع بتخصص تمويلي أعلى في مجال الذكاء الاصطناعي.

3.3 حصص السوق والاتجاهات والتحليل التنافسي: حالة الذكاء الاصطناعي الحواري في أوروبا

الرسائل الرئيسية

تهيمن على سوق الذكاء الاصطناعي الحواري العام في الاتحاد الأوروبي قلة من الجهات الفاعلة الرئيسية، ويبرز ChatGPT من OpenAI رائداً واضحاً للسوق، وإن كانت جهات أخرى مثل ChatOn وNovaAI تتمتع أيضاً بقدرة تنافسية.

ويتباين المشهد التنافسي لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الحوارية على المستوى الوطني، إذ تشكل ديناميكيات مختلفة الموقع التنافسي للأدوات في الدول الأعضاء، وتحظى الجهات المحلية بحضور أبرز في دول بعينها.

وتعمل شركات التكنولوجيا الراسخة التي تملك أصولاً قائمة في أسواق مجاورة، ولا سيما منصات المراسلة والخدمات السحابية ومحركات البحث، على دمج وظائف الذكاء الاصطناعي الحواري العام في منظوماتها القائمة على نحو متزايد.

صُممت أنظمة الذكاء الاصطناعي الحواري العام، مثل ChatGPT من OpenAI وGemini من Google وClaude من Anthropic وDeepSeek Chat من DeepSeek، للانخراط في حوار مفتوح يحاكي الحوار البشري في طيف واسع من الموضوعات. ولا غرابة في أن تستقطب هذه الأدوات اهتماماً عاماً وإعلامياً كبيراً، مما يبرز أهميتها المجتمعية ويستدعي تمحيصاً تحليلياً أدق.

وتتوقف الديناميكيات التنافسية ومسارات الابتكار في منظومة الذكاء الاصطناعي الحواري العام على العلاقة بين خدمات المستخدمين والنماذج اللغوية الكبيرة الأساسية التي تُبنى عليها. فمن جهة، تُطوَّر الأنظمة المتكاملة رأسياً، مثل ChatGPT وClaude وDeepSeek Chat، وتُنشر من قبل المؤسسات ذاتها التي تدرب النماذج الأساسية، وتستفيد هذه التطبيقات من سيطرتها على المنظومة بكاملها، مما ييسر مواءمة أوثق بين قدرات النموذج وتصميم واجهة المستخدم. ومن جهة أخرى، تعتمد تطبيقات الأطراف الثالثة، مثل ChatOn وNovaAI، على نماذج لغوية كبيرة خارجية، يُوصل إليها عادة عبر واجهات برمجة التطبيقات من مزودين مثل OpenAI وDeepSeek، لبناء خدمات موجهة للمستخدمين دون تطوير نماذج أساسية خاصة بها. ويفضي هذا الاعتماد على أطراف ثالثة إلى افتقار عام إلى السيطرة، ولا سيما على سلوك المنتج النهائي وعلى إمداد النموذج الأساسي. ويركز هذا القسم على خدمات الذكاء الاصطناعي الحواري العام داخل الاتحاد الأوروبي، بهدف تحليل بنية هذا القطاع السوقي الناشئ وتطوره، ومحاولة تحديد المشغلين الرئيسيين في الاتحاد ومدى اختلاف خدماتهم واختراقهم للسوق بين الدول الأعضاء.

الجهات الفاعلة الرئيسية

تتسم سوق أدوات الذكاء الاصطناعي الحواري العام بالتعقيد بسبب تنوع التطبيقات والأدوات المتخصصة التي تخدم مهام محددة. وحرصاً على الوضوح وتقديم معلومات عن الوضع الراهن لتبني حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي، يركز هذا القسم على أدوات الذكاء الاصطناعي الحواري العام ذات الصلة التي تقدم خدمات متنوعة في سوق الشركات الموجهة للمستهلكين، مستبعداً الجهات المتخصصة كأدوات تحرير النصوص أو توليد الصور. وينصب التركيز على الشركات التي تتيح واجهات حوارية متاحة للعموم، مع استبعاد الشركات التي تركز حصراً على أسواق الأعمال بين الشركات أو على النماذج اللغوية الكبيرة الأساسية التي لا تملك واجهات موجهة للمستهلكين، ويعود ذلك إلى توافر البيانات، إذ تتيح الأسواق الموجهة للمستهلكين إجراء تحليلات قائمة على حركة الزيارات على الويب واستخدام التطبيقات، مما يقدم رؤى حول حصص السوق وأنماط الاستخدام. وتُحدد الجهات الفاعلة الرئيسية في سوق الاتحاد الأوروبي من خلال تحليل تنزيلات التطبيقات وحركة الزيارات على المواقع، فتُعد الشركات التي تتجاوز تطبيقاتها 500,000 تنزيل على مستوى العالم، أو التي تتجاوز مواقعها 100,000 زيارة من الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الستة الماضية، جهات فاعلة مهمة. ويضمن هذا الحد ألا تُدرج إلا الشركات ذات الحضور والأثر الملموسين في سوق الاتحاد. ويظل التركيز على الخدمات الموجهة للمستهلكين، مع الإقرار بأن الشركات التي تعمل في سوقي الأعمال والمستهلكين معاً لا تُقيَّم حصتها في سوق الأعمال، ولا يُميَّز بين بيانات الاستخدام الصادرة عن المستهلكين وتلك الصادرة عن الشركات. وينصب الاهتمام على فهم أثر هذه الجهات ومدى انتشارها في الاتحاد الأوروبي، بما يقدم رؤى حول البيئة التنافسية لأدوات الذكاء الاصطناعي الحواري العام في الفضاء الاستهلاكي.

الجهات الفاعلة الرئيسية على مستوى الاتحاد الأوروبي

باستخدام مقاييس التنزيلات الشهرية للتطبيقات وحركة الزيارات على المواقع، يمكن تحديد الجهات الفاعلة المهمة التي تستوفي المعايير المحددة لتقديم صورة عن ديناميكيات السوق الحالية. وقد غطت البيانات الفترة الممتدة من أبريل 2024 إلى مارس 2025، واعتمدت مقاييس مثل إجمالي حركة الزيارات والزيارات والتنزيلات ومستخدمي التطبيقات. وتشمل التطبيقات والخدمات المحددة مزيجاً من المساعدات القائمة أصلاً على النماذج اللغوية الكبيرة والخدمات المدعومة بهذه النماذج. وتهيمن الجهات الخمس الأولى، ومعظمها من الولايات المتحدة والصين، على السوق، إذ تستأثر بنسبة 82% من المستخدمين النشطين شهرياً والتنزيلات. ويُعد ChatGPT من OpenAI الرائد الواضح للسوق في كلتا الفئتين. وعلى الرغم من هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى، حققت الحلول المقتصرة على الواجهة، مثل ChatOn، انتشاراً كبيراً، مما يشير إلى ديناميكية تنافسية بين الجهات المتكاملة رأسياً وتلك التي تركز على واجهات المستهلكين فحسب.

ومع أن الجهات الأولى تضم عمالقة تكنولوجيا معروفين مثل Google وMicrosoft، فإن تطبيقاتهم لا تأتي في مقدمة التطبيقات الأكثر استخداماً، مما يوحي بأن شهرة العلامة التجارية وحدها لا تضمن تفاعلاً مستداماً من المستخدمين. واللافت أن الجهات المقتصرة على الواجهة نجحت في اختراق السوق، مما يبين أن شركات لا يتمحور نشاطها أساساً حول تطوير الذكاء الاصطناعي قادرة على تحقيق نجاح كبير. ويبرز نجاح الشركات غير المتخصصة في الذكاء الاصطناعي تعقيد مشهد سوق الذكاء الاصطناعي الحواري العام وتنافسيته، إذ يتحدى الداخلون الجدد الجهاتِ الراسخة على حصص السوق.

وتتسم سوق المواقع الإلكترونية بتركز مماثل، إذ تستأثر الشركات الخمس الأولى بنسبة 92% من إجمالي الزوار الفريدين في الاتحاد الأوروبي، وهو معدل تركز أعلى مما يُلاحظ في سوق التطبيقات. غير أن الشركات المقتصرة على الواجهة أقل حضوراً بكثير في مشهد المواقع الإلكترونية مقارنة بسوق التطبيقات. وقد تساعد عوامل عدة في تفسير هذا الاختلاف. أولها أن أدوات الذكاء الاصطناعي الحواري العام الرائدة، مثل Copilot وGemini، مدمجة دمجاً وثيقاً في بيئات المتصفحات أو أنظمة التشغيل، كمتصفحي Edge وChrome، مما يجعل المواقع الإلكترونية نقطة الوصول الافتراضية للمستخدمين بدلاً من واجهات الذكاء الاصطناعي الحواري المستقلة. أما الشركات المقتصرة على الواجهة، التي تفتقر إلى مزايا الدمج هذه، فقد تجد في تطبيقات الهواتف المحمولة قناة أكثر فعالية للتفاعل المباشر مع المستخدمين. فضلاً عن ذلك، وبعيداً عن عوامل الدمج، يبدو أن هذه الجهات تواجه تحديات إضافية في بناء حضورها وكسب الثقة على الويب. ومن التفسيرات الممكنة لذلك أن الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي عبر المواقع الإلكترونية كثيراً ما يتطلب من المستخدمين الانتقال مباشرة إلى عناوين محددة أو الاعتماد على اكتشافها عبر محركات البحث، وهي مسارات تستفيد فيها الشركات الراسخة مثل Google وMicrosoft من شهرة علامتها التجارية وقدراتها المتطورة في تحسين محركات البحث. وفي المقابل، قد توفر متاجر التطبيقات بيئة أكثر ملاءمة للداخلين الجدد، إذ تقدم منصات مركزية عالية الزيارات تتضمن ميزات كالتصنيفات ومراجعات المستخدمين والفئات، وهي ميزات تعزز ظهور التطبيقات أمام المستهلكين. كما قد تؤدي استراتيجيات التسويق القائمة على التطبيقات، ولا سيما تلك التي تستفيد من منصات التواصل الاجتماعي مثل TikTok وYouTube، دوراً رئيسياً في تمكين تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحواري العام المقتصرة على الواجهة من استقطاب المستخدمين بسرعة، مما قد يقلل اعتمادها على حضور قوي على الويب.

وعلى المستوى الوطني، يتباين المشهد التنافسي لأدوات الذكاء الاصطناعي الحواري العام تبايناً كبيراً. فألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبولندا تتصدر تبني هذه الأدوات من حيث التنزيلات والمستخدمين النشطين شهرياً، وتمثل مجتمعة حصة كبيرة من إجمالي التنزيلات والمستخدمين النشطين في الاتحاد الأوروبي، وتُعد ألمانيا أكبر هذه الأسواق. ومع أن الجهات الرئيسية تحافظ على حضورها في جميع الدول الأعضاء، فإن جهات محلية مثل Mistral في فرنسا تحظى بحضور أبرز في دول بعينها. ويختلف ترتيب التطبيقات بحسب التنزيلات ومستوى تفاعل المستخدمين النشطين، مما يعكس تفاوت تفضيلات المستخدمين ومستويات تفاعلهم بين المناطق المختلفة.

وتقدم نتائج استخدام المواقع الإلكترونية صورة مماثلة. فبناءً على بيانات الزوار الفريدين الشهرية، فإن الدول الأعضاء الخمس الأعلى استخداماً لمواقع الذكاء الاصطناعي الحواري العام هي ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا، وقد سجلت كل منها أكثر من 5 ملايين زائر خلال فترة الدراسة، وتستأثر مجتمعة بنحو 64% من إجمالي سوق الاتحاد الأوروبي، تتصدرها ألمانيا بنسبة 18%.

وتضم المجموعة الثانية من الدول بولندا والسويد وبلجيكا والبرتغال والدنمارك. وتأتي بولندا بعد هولندا مباشرة من حيث عدد الزوار (4.2 مليون و4.6 مليون على التوالي)، في حين تستأثر كل دولة من الدول المتبقية بأقل من 3.5% من حصة السوق.

وإجمالاً، يتسم قطاع المواقع الإلكترونية ببنية تنافسية أكثر تركزاً وتجانساً من سوق التطبيقات، إذ يستأثر المزودون الخمسة الرائدون، وهم ChatGPT وGemini وCopilot وDeepSeek وPerplexity، بالجزء الأكبر من استخدام الذكاء الاصطناعي الحواري العام عبر المواقع الإلكترونية في أرجاء الاتحاد الأوروبي. وخلافاً لقطاع التطبيقات، لا يظهر Mistral، الذي حقق انتشاراً ملحوظاً ولا سيما في فرنسا، بين أبرز مزودي المواقع الإلكترونية، مما يشير إلى أن بعض الجهات قد تُظهر أنماط تفاعل خاصة بمنصة دون أخرى.

إن لقدرة الشركات الأوروبية على المنافسة في سباق الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي تبعات بعيدة المدى، تمتد إلى النمو الاقتصادي، والاحتفاظ بالكفاءات، بل والأمن الوطني. ولذلك من الضروري استيعاب الوضع الراهن، ومواطن القوة والضعف في منظومة الاتحاد الأوروبي. ومع أن تحليل السوق الاستهلاكية للذكاء الاصطناعي الحواري التوليدي قد لا يعكس تماماً الابتكارات المتطورة الناشئة في قطاع الأعمال بين الشركات في الاتحاد الأوروبي، أو في منظومة الذكاء الاصطناعي التوليدي الأوروبية بأكملها، فإنه يقدم رغم ذلك رؤى قيّمة بالنظر إلى الاهتمام الإعلامي الكبير والحضور العام البارز الذي تحظى به الواجهات الموجهة للمستهلكين.

3.4 الأثر في سوق العمل: التوظيف والإنتاجية

الرسائل الرئيسية

قد تحتاج سياسات التوظيف إلى مراعاة ديناميكيات سوق العمل التي يفرزها الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومنها الآثار المحتملة في الدخل وأوجه عدم المساواة، وإعادة هيكلة المهن، والتحول المحتمل في طبيعتها.

ويُحدث تقدم الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضاً تحولاً ملحوظاً في الطلب نحو المهارات اللازمة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي والتفاعل معه، كالتفكير النقدي والذكاء العاطفي، مما قد يفضي إلى فجوة بين الوظائف عالية المهارة والوظائف منخفضة المهارة. وتشمل هذه المهارات الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي، وكذلك فهماً أوسع للتبعات الأخلاقية بل والتنظيمية لهذه التقنية في ممارسات العمل.

ومن شأن تشجيع مرونة القوى العاملة وقدرتها على التكيف أن يساعد في التعامل مع الطبيعة المتغيرة لاحتياجات سوق العمل الناجمة عن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وإجمالاً، فمع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يطرح تحديات تتعلق بإزاحة الوظائف وعدم المساواة، فإنه يتيح أيضاً إمكانات كبيرة لتحسين الإنتاجية واستقرار التوظيف. ويتعين على صانعي السياسات والمؤسسات التعامل مع هذه الديناميكيات بحذر لتعظيم منافع هذه التقنية مع الحد من مخاطرها.

لاستشراف أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في سوق العمل والتوظيف، من الضروري إعداد القوى العاملة، وتوقع حالات إزاحة الوظائف المحتملة، وتكييف أنظمة التعليم ومناهجه لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية. ومن السبل إلى ذلك تحليل المهن الأكثر تأثراً بتقدم الذكاء الاصطناعي التوليدي. فهل يؤثر هذا الذكاء مثلاً بالقدر نفسه في المهندسين والطهاة والمعلمين وعمال النظافة؟ إن فهم المهن الأكثر والأقل تعرضاً للذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يساعد صانعي السياسات على تصميم سياسات للتوظيف والتعليم تضمن انتقالاً أكثر سلاسة.

ثمة قلق واسع من إزاحة الوظائف بسبب ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي. ومع ذلك، تبين دراسات حديثة أن إطلاق ChatGPT لم يقلص التوظيف تقليصاً كبيراً في الشركات الأمريكية الكبرى، بل شهدت هذه الشركات زيادات في إنتاجية العمل، ولا سيما تلك الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي التوليدي، مما يشير إلى أنه قادر على تحسين الكفاءة والإنتاجية دون أن يقتضي ذلك بالضرورة إلغاء الوظائف. ففي ألمانيا مثلاً، أدت تقنيات الأتمتة كالروبوتات الصناعية إلى خلق وظائف في قطاعات الخدمات عوّضت الخسائر في قطاع التصنيع، مما يوحي بمسارات ممكنة لتعويض الآثار المُزعزِعة للذكاء الاصطناعي التوليدي.

وقد يفاقم الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضاً أوجه عدم المساواة في سوق العمل، من خلال زيادة إنتاجية المهن التي تتطلب قدرات معرفية تتوافق مع قدراته، وإنتاجية العمال المؤهلين لاستخدام هذه الأدوات، مما قد يفضي إلى ظروف أكثر هشاشة للعمال ذوي الأجور المنخفضة. وعلى الرغم من هذه المخاوف، يتيح الذكاء الاصطناعي التوليدي فرصاً للحد من عدم المساواة، من خلال تمكين إحلال المهام في الوظائف ذات الأجور المرتفعة، وإتاحة الوصول إلى المهارات للجميع، بما يساعد العمال الأقل أداءً على اللحاق بغيرهم.

وقد تصدى مشروع بحثي لمركز البحوث المشترك لهذه المسألة، من خلال رسم خريطة لكثافة أبحاث الذكاء الاصطناعي، والقدرات المعرفية ومهام العمل المقابلة لها، لأكثر من مئة مهنة. فعلى سبيل المثال، أُجري قدر كبير من أبحاث الذكاء الاصطناعي، التوليدي منه خاصة، المتعلقة بالفهم والتعبير (القدرة المعرفية)، وهي قدرة لازمة لتدريب الآخرين (المهمة)، التي تُعد بدورها مهمة أساسية للمعلمين (المهنة). وفي المقابل، كانت أبحاث الذكاء الاصطناعي المتعلقة بالتفاعل الحسي الحركي (القدرة المعرفية) أقل نسبياً، وهي القدرة اللازمة لحمل الأشياء ونقلها (المهمة)، التي يؤديها عمال النظافة (المهنة) على وجه الخصوص لإنجاز عملهم. وهذا ما يفسر لماذا يكون أثر الذكاء الاصطناعي، التوليدي منه خاصة، في عمال النظافة أقل منه في المعلمين. ولم يأخذ البحث في الحسبان الاتجاهات الجديدة والناشئة كالذكاء الاصطناعي الوكيلي، الذي يُتوقع أن يُحدث مستوى آخر من الأثر في مختلف المهن.

أبحاث الذكاء الاصطناعي والقدرات المعرفية والمهام

ركزت أبحاث الذكاء الاصطناعي خلال العقد الماضي أساساً على القدرات المعرفية المرتبطة بفهم الأفكار وتوليدها، وهي قدرات جوهرية بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي على وجه الخصوص:

الفهم والتعبير: معالجة اللغة الطبيعية، وتلخيص الرسائل الرئيسية، والتعبير عن الأفكار والمواقف، كقراءة تقرير والإجابة عن سؤال يتعلق بمحتواه.

الانتباه والبحث: البحث عن المعلومات ذات الصلة في نص أو صورة وفق معايير محددة، كالعثور على أهم الأجزاء المتعلقة بسؤال بعينه في تقرير مطول، أو تصنيف طبيعة الوثائق كالسير الذاتية والتقارير العلمية.

التصور المفاهيمي والتعلم والتجريد: التعميم انطلاقاً من الأمثلة، والتعلم بالمحاكاة، ومراكمة المعرفة المجردة، كتخزين المعلومات المكتسبة من الإجابة عن أسئلة عدة حول تقرير معين.

وتتيح هذه القدرات بدورها للذكاء الاصطناعي أداء مهام معينة، ومن ذلك:

الفهم والتعبير، وهما لازمان لتوجيه الناس وتدريبهم وتعليمهم، وكتابة الرسائل والمذكرات ورسائل البريد الإلكتروني، وكذلك لحل النزاعات والتفاوض مع الآخرين. وقد أثرت النماذج اللغوية الكبيرة تأثيراً كبيراً في قدرتنا على فهم اللغة الطبيعية وتوليد نصوص معبرة ومتماسكة.

الانتباه والبحث، وهما لازمان لأداء المهام الرياضية والإحصائية، وكذلك لغربلة كميات هائلة من المعلومات على الإنترنت كما تفعل محركات البحث.

التصور المفاهيمي والتعلم والتجريد: إذ تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي، بفضل تعلم الآلة، أن تتعلم من البيانات وأن تتعرف على أنماط لم تُبرمج صراحة، كما يستطيع الذكاء الاصطناعي نقل المعرفة من مجال إلى آخر.

تعرض المهن للذكاء الاصطناعي

يتيح رسم خريطة للمهام التي تنطوي عليها كل مهنة، إلى جانب المهام التي يستطيع الذكاء الاصطناعي أداءها، حساب درجة تعرض لكل مهنة. وهذه الدرجة ليست مطلقة بل نسبية، أي إنها تبين مدى تعرض المهن للذكاء الاصطناعي مقارنة ببعضها.

وقد كانت المهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، والتوليدي منه خاصة، وفق دراسة أجراها مركز البحوث المشترك، هي مهن مهندسي التقنيات الكهربائية، ومطوري البرمجيات، والمعلمين، والموظفين المكتبيين، والسكرتارية. فعلى سبيل المثال، كان المعلمون أكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي من 90% من العمال. وكان الأثر الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في هذه المهن مدفوعاً أساساً بالقدرات المتعلقة بـ"الأفكار" التي يتيحها الذكاء الاصطناعي والتي تتطلبها هذه المهن، كالفهم والتعبير، والانتباه والبحث، والتصور المفاهيمي والتعلم والتجريد. وفي المقابل، كان تأثير أبحاث الذكاء الاصطناعي أقل نسبياً في مهن مثل عمال النظافة والمساعدين، والنُّدُل وعمال الحانات، والبائعين في المتاجر، لأن أبحاث الذكاء الاصطناعي المتعلقة بالقدرات التي تتطلبها هذه المهن، كالتفاعل الحسي الحركي والتنقل، كانت لا تزال شحيحة.

ويبدو الأثر المحتمل للذكاء الاصطناعي التوليدي مختلفاً عن موجات التقدم التقني السابقة. فالأطباء والمعلمون والمهندسون مثلاً لم يكونوا معرضين لموجات الطفرات التقنية السابقة، كالروبتة، بالقدر الذي تعرض له أمناء الصناديق ومشغلو الآلات وعمال التجميع، على سبيل المثال لا الحصر. ويملك الذكاء الاصطناعي التوليدي القدرة على عكس هذا النمط، بتأثيره في المهن ذات الدخل المرتفع أكثر من تأثيره في المهن ذات الدخل المنخفض. ويعود ذلك إلى أن الذكاء الاصطناعي أحرز حتى الآن تقدماً في القدرات المتعلقة بالأفكار، كالتصور المفاهيمي والتعلم والتجريد والفهم والبحث عن المعلومات وغيرها، وهي قدرات يحتاجها الأطباء والمهندسون والمعلمون على وجه الخصوص لأداء مهام عملهم. ومن المهم الإشارة إلى أن أشكالاً أخرى من التقدم التقني غير القائم على الذكاء الاصطناعي قد تؤثر في المهن ذات الدخل المنخفض، كأجهزة الدفع الذاتي.

الذكاء الاصطناعي التوليدي والإنتاجية

تبرز دراسات حديثة مكاسب كبيرة في الإنتاجية تحققت بفضل النماذج اللغوية الكبيرة مثل ChatGPT. فعلى سبيل المثال، تبين دراسة ركزت على قطاع خدمة العملاء أن إدخال أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي أدى إلى زيادة في الإنتاجية بنسبة 14% في المتوسط، بلغت 34% لدى العمال المبتدئين وذوي المهارات المنخفضة.

وبالمثل، تبين في مهام الكتابة المهنية أن ChatGPT قد رفع متوسط الإنتاجية رفعاً كبيراً، إذ باتت المهام تُنجز بسرعة أكبر وبجودة أعلى، وذلك أساساً من خلال الحلول محل جهد العامل لا من خلال إكمال مهاراته. وفي السياق ذاته، تبحث دراسة أخرى كيف غيّر ChatGPT الطلب على العاملين المستقلين، من خلال تقسيم أكثر من 3 ملايين إعلان وظيفي إلى 116 مجموعة دقيقة من المهارات، صُنفت بحسب كونها قابلة للاستبدال بالنماذج اللغوية الكبيرة، أو مكملة لها، أو غير متأثرة بها. وتشير النتائج إلى أن الطلب على العمل ارتفع بعد إطلاق ChatGPT، لكن في مجموعات المهارات المكملة لهذه الأداة أو غير المتأثرة بها فحسب. وإجمالاً، توحي النتائج بتحول نحو خبرات أكثر تخصصاً لدى العاملين المستقلين، بدلاً من نمو متجانس في جميع المجالات المكملة. فقد تجاوزت النماذج اللغوية الكبيرة العتبة التي تجعلها مفيدة في طيف واسع من المهام المعرفية، ففي البحث الاقتصادي مثلاً، يمكن توظيفها في ستة مجالات رئيسية هي توليد الأفكار، والكتابة، والبحث في الخلفيات، والبرمجة، وتحليل البيانات، والاشتقاقات الرياضية. ويكمن المفتاح في تحديد المزايا النسبية التي تتمتع بها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاج المحتوى.

ويحمل الذكاء الاصطناعي التوليدي وعوداً بتحسين الإنتاجية والجودة في مجالات متنوعة، غير أن فعالية هذه الأنظمة تتوقف على مدى تعقيد المهمة ومستوى مهارة المستخدم، مع احتمال وجود تفاوتات في الأداء بين الفئات السكانية المختلفة. ومع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على تقليص فجوات الأداء داخل المهنة الواحدة، فقد يفاقم أوجه عدم المساواة بين الفئات التعليمية والمهنية، مما يستدعي نهجاً دقيقاً للحد من الآثار السلبية وتعظيم إمكانات هذه التقنية.

دراسة ذات صلة