الاستثمار الأخلاقي في ازدهار مستمر ما المقصود به وكيف يعمل؟
من الصعب تحديد الاستثمارات التي تراعي الاعتبارات البيئية والاجتماعية والمتعلقة بالحوكمة وقياس عائداتها
تمهيد
ربما كانت «وول ستريت Wall Street» قد ملت من دورها كهدف للنقد الأخلاقي، وفي بحثها عن منتجات تجذب جمهورًا واسعا، لجأت إلى تسويق منتجات ترتبط بالقيم الأخلاقية، ولكن الأمر ليس سهلاً: كيف لصناعة تركز على العوائد المالية قياس الفضيلة والأخلاق ؟
بدأ هذا النهج منذ سنوات بصناديق كانت تطلق على نفسها «مسؤولة اجتماعياً». في الآونة الأخيرة، تطور المصطلح ليشمل استثمارات تعرف Environmental Social, and Governance ESG وهو اختصار للممارسات البيئية، والاجتماعية، والحوكمة.
تضع شركة «نجم الصباح Morning star » المتخصصة في تعقب البيانات جميع الصناديق التي تستخدم مصطلحات مثل الاستثمار المستدام، والحوكمة، في نشرة الإصدار الخاصة بها في فئة تضم 204 من صناديق، بإجمالي أصول قدرها 77 مليار دولار. ويعود تاريخ أقدم صندوق في الشركة إلى عام 1971، ولكن أطلق ما يقرب من نصف صناديقها في السنوات الثلاث الماضية، وتواصل مكاتب إدارة الثروات لدى العديد من شركات الاستثمار الأمريكية طرح استثمارات تتباهى بمثل هذه الخصائص. وتحصي الشركة أكثر من 2000 صندوق حول العالم. كما بدأت صناديق الهبات والمعاشات التقاعدية، وهي التجمعات المالية العالمية الكبرى، في الإشارة إلى أنها ترغب أيضاً في الاستثمار وفقاً لهذه المعايير.
ولقد صاحب التدفق الهائل للمال سؤالان متكرران، الأول هو ما إذا كان هذا النهج ينطوي على تكاليف إضافية: أي هل هناك خصم على الفضيلة ؟ أما السؤال الثاني فهو ما الذي ينبغي قياسه ؟ كلا السؤالين ليس من السهل الإجابة عليهما.
هل هناك خصم على الفضيلة؟
إحدى المحاولات للإجابة على السؤال الأول هي في دراسة العكس، هل كانت العوائد أعلى للأسهم التي لا تستوفي شروط الانضمام إلى هذه المبادرات ؟ بمعنى آخر هل هناك علاوة أو قيمة استثنائية للأعمال التي لا تمتثل لهذه المعايير الأخلاقية؟ جمعت قوائم بـ «أسهم الخطيئة» التي تعد أسهماً في شركات غير أخلاقية، والتي تتضمن عادة التبغ والكحول والمقامرة، وأحياناً الأسلحة النارية وما شابه قد يضاف منتجو الوقود الأحفوري وشركات الدفاع في المستقبل وخلصت ورقة بحثية نشرت في عام 2009 بعنوان «سعر الرذيلة» من إعداد الاقتصاديين الأكاديميين هاريسون هونغ ومارسين كاتشبر تشوك إلى أن هناك بالفعل عوائد استثنائية في الشركات التي تبيع التبغ والكحول والمقامرة.
ومع ذلك، شككت ورقة بحثية ثانية نُشرت عام 2017 بعنوان إعادة النظر في أسهم الرذيلة Sin Stocks Revisited» من إعداد ديفيد بليتز David Blitz وفرانك فابوتزي Frank Fabozzi في هذه النتائج، حيث يجادل الباحثان بأن العوامل الإضافية مثل معدلات إعادة الاستثمار المنخفضة تشير إلى عدم وجود دليل على أن أسهم الرذيلة توفر علاوة بسبب مخاطر السمعة.
يقول روبرت وايتلو Robert Whitelaw، أستاذ في «كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك » إن التحليلات المتضاربة تعكس نتائج أوسع من الجهود الأكثر تعقيداً التي تهدف إلى تتبع أداء الشركات الأخلاقية المؤهلة للانضمام إلى هذه الصناديق فالنتائج مختلطة.
ما الذي ينبغي قياسه
سيكون الأمر أسهل لو كانت هناك إجابة واضحة للسؤال الثاني: ما الذي يحدد فعلاً كون الشركة تتبع معايير ESG؟
من بين الفئات الثلاث التي تمثلها الأحرف الأولى، تعتبر الفئة الأولى هي الأكثر وضوحاً. يشير الحرف «E» إلى البيئة وهو يعني تجنب الشركات التي تنتج كميات كبيرة من الآثار السلبية، كالكربون، أو النفايات، أو أشكال أخرى من التلوث، والتي لا تحسب ضمن عملية التصنيع. أما الحرف «G» فيشير إلى الحوكمة، ويشمل تقييم كيفية هيكلة الشركة لمجلس إدارتها، والإفصاح، والتعويضات، وما إلى ذلك.
رغم أن كلا المجالين ( البيئة والحوكمة) ليس بسيطاً، إلا أن تعقيدهما يتضاءل مقارنة بما يكمن خلف الحرف «S» الخاص بالجوانب الاجتماعية عادة ما يشمل ذلك حقوق العمال مثل ساعات العمل، والأجور، والحوادث القاتلة، وإمكانية تقديم الشكاوي. أجرت كلية ستيرن بجامعة نيويورك دراسة بعنوان إدراج الحرف S في ESG» ، حيث قامت بتحليل 12 منهجية من بين أكثر المنهجيات شهرة في تقييم القضايا الاجتماعية. ومن هذه المنهجيات، استخرج الباحثون أكثر من 1700 مقياس مختلف لتقييم أداء الشركات في الجوانب الاجتماعية تواجه الشركات التى ترغب فى الامتثال لهذه التقييمات تحدياً كبيراً، فمثلاً الشركات العاملة في مجال الأغذية والمشروبات عليها أن تجيب على 763 سؤالاً لتقييم أدائها في هذه القضايا، بينما الشركات في الصناعات الاستخراجية (مثل التعدين والنفط عليها الإجابة على 698 سؤالاً، وتتعلق هذه الأسئلة بكيفية تعامل الشركات مع القضايا الاجتماعية مثل حقوق العمال الأجور، ساعات العمل، والسلامة في مكان العمل.
والنتيجة أن الشركات التي ترغب في إكمال الاستبيانات تجد نفسها مثقلة بالمهمة. والإجابات التي تقدمها غالباً ما تكون غير كاملة، لأنها تتجاهل سلاسل التوريد الخاصة بها، أي أن الشركات قد تركز فقط على نفسها في هذه التقييمات، دون أن تنظر إلى مدى امتثال الموردين الذين تتعامل معهم لمعايير مثل حقوق العمال أو التأثير البيئي. تشير دراسة جامعة نيويورك إلى أن العديد من الأساليب الحالية لا تأخذ في الاعتبار سلسلة التوريد بأكملها، وبالتالي تغفل الجوانب الأكثر صعوبة في عملية التصنيع التي قد تكون مصدراً كبيراً للتأثيرات السلبية على المجتمع أو البيئة... أو قد يتم تقييم الشركات بناءً على نواياها المعلنة، مثل الوعد بمطالبة الموردين بمعاملة العمال بشكل جيد، دون أن يتم التحقق من النتائج أو تقديم تقارير حول ذلك.
يبرر هذا الصراع بين المثالية والواقع بعض الشكوك حول نجاح هذه الفئة في تحقيق وعودها. لكن على الأقل، تساهم هذه الجهود في تسليط الضوء على المشاكل، وبالتالي تمارس ضغطاً لاتباع نهج أفضل. كما أنها تساعد في تحسين تعريفات المصطلحات الخاصة بالاستثمار، والتي قد تكون مفيدة في مجالات أخرى، وتساعد في استبدال الشعارات العامة بإجراءات أكثر واقعية تخطط جامعة نيويورك لتطوير مؤشرات خاصة بها لقياس العوامل الاجتماعية، وتسعى لجعلها بسيطة وتتضمن حوالي 12 عاملاً فقط.
خاتمة
في النهاية، يبقى الاستثمار وفق المعايير البيئية، الاجتماعية، والحوكمة (ESG) مساراً مليئاً بالتحديات. فبالرغم من الجهود المبذولة لقياس الأداء الاجتماعي والبيئي للشركات، فإن هذه التقييمات لا تزال معقدة وغير موحدة، كما أن النتائج متباينة. ومع ذلك، فإن التوجه نحو الاستثمار الأخلاقي يعد خطوة إيجابية لتشجيع الشركات على تحسين ممارساتها والالتزام بمسؤولياتها تجاه المجتمع والبيئة. وفي المستقبل مع تطور الأدوات والمعايير، قد يصبح هذا النوع من الاستثمار أكثر وضوحاً وفعالية، مما يساهم في تحقيق التوازن بين العوائد المالية والقيم الإنسانية.
توصية
معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة المعروفة اختصاراً ESG (Environmental, Social, and Governance) هي المحاور الأساسية الثلاثة التي تتيح للمستثمرين تقييم مدى استدامة الاستثمار وتأثيره على المجتمع.
ويعتبر هذا الإطار الشامل أداة لتحديد المخاطر المادية التي تواجهها الشركات وفرص تطورها، مما يسهم في تعزيز أدائها التجاري المستدام على المدى الطويل.
- الممارسات البيئية: هي الاهتمام بالتغير المناخي والبصمة الكربونية والتلوث البيئي وإعادة استخدام المواد وتدويرها، وتركز البنوك على الطاقة والكهرباء من خلال تصميم تقنيات صديقة للبيئة.
- الممارسات الاجتماعية: هي العلاقات المختلفة التي تقيمها الشركة مع الأشخاص والمؤسسات والمجتمعات، مع الالتزام بالسلوك الأخلاقي من خلال حماية البيانات والخصوصية لجذب المستثمرين المسؤولين اجتماعياً.
- حوكمة الشركات: هي الأسلوب الذي يحقق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وبين الأهداف الفردية والمشتركة من جهة أخرى، كما إن إطار حوكمة الشركات يشجع على الاستخدام الفعال للموارد.
