الصعوبات التي واجهت دين كامين في تحويل الأفكار المبتكرة إلى واقع ملموس
تمهيد
يعرف ديفيد كامين كل شيء عن السرعة، وعلى مدار 40 عاما من الابتكار، جمع أكثر من 440 براءة اختراع حول العالم، وأنقذ آلاف الأرواحوصنع على الأقل رمزاً ثقافياً واحداً: سكوتر «سيجواي Segway المتوازن، والآن يوجه اهتمامه نحو رعاية الجيل القادم من المبتكرين، إذ يقول: أنا أساعد في تكوين جيش من الأطفال سيبنون صناعات لن يفهمها الجميع، ففي غضون 10 أو 20 عاماً، سيكون أحد هؤلاء الأطفال قد اكتشف علاجاً للسرطان أو ابتكر محركاً لا يلوث البيئة، وعندما يتسلمون جائزة نوبل سيأتي شخص ليسألهم ما الذي دفعهم لفعل ذلك. يأمل كامين أن يتضمن الجواب ذكر المسابقة « من أجل الإلهام والاعتراف بالعلوم والتكنولوجيا وهي مسابقة روبوتات براقة أطلقها عام 1989، وتجذب أكثر من 200 ألف مشارك سنوياً من المدارس في 56 دولة، ويعمل الأطفال في فرق تحت إشراف علماء أو مهندسين محترفين، حيث يقومون بتصميم وتشغيل الروبوتات في سلسلة من التحديات التنافسية، وسط تشجيع من المشجعات، وصراخ الآباء، وإغراء المنح الدراسية التي بلغت قيمتها 12.2 مليون دولار عام 2010 إذا بدا أن كل هذا يشبه بشكل مثير للريبة رياضات المدارس الثانوية الأمريكية، فهذا ليس صدفة، يقول كامين: أريد أن يدرك الأطفال أن الهندسة وحل المشكلات ممتعان ومفيدان تماماً مثل لعبة القفز ثم الرمي. وأن تكون مسابقة فيرست منافسة للسوبر بول ، وسلسلة العالم ، والأولمبياد. «إن الجيل القادم من الثروة الحقيقية سيتم إنتاجه في مجالات مثل علم البروتيوميات، وعلم الجينوم، وتقانة النانو، ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى أشخاص لديهم كفاءات وخبرات عالية، وإذا لم يلتحق الأطفال بهذه المجالات، فإن القطار سيفوتهم. ولن يكونوا قادرين على المنافسة في المستقبل وتحقيق النجاحات الكبرى.
ويقول: «إذا نظرت إلى الطريقة التي يُقدم بها العلم والتكنولوجيا اليوم، فالأمر أسوأ من مجرد عدم حصولهما على الاهتمام الكافي، إذ يبدو الأمر وكأن شخصاً ما رتب ببراعة ليمنع أي احتمالية بالنسبة للطفل العادي، وخاصة الفتيات والأطفال المهمشين للشعور بالحماسة تجاه العلوم فعندما يرى الأطفال عالماً على شاشة التلفاز، يكون إما طفلاً غريباً ومنعزلاً، أو رجلاً كبيراً في السن، أبيض البشرة. وشعره منكوش ولهجته أجنبية.
باستثناء لهجة كامين التي تعود لموطنه الأصلي في نيويورك تبدو الصورة النمطية له وكأنها بورتريه ذاتي، وهذا هو مدى توافقه مع كليشيهات العالم المجنون، وهو يحيك خططاً عظيمة لإنقاذ البشرية، وتتضمن خططه السيارات الكهربائية التي تحل مشكلة أزمات السير، والأجهزة التي تعد بتوفير طاقة مجانية من النفايات، وآلات إزالة الملحمن مياه البحر، ثم تأتي الأدوات، فهو مخترع الـ iBot، وهو كرسي متحرك لتسلق السلالم، كما أنه صنع عتاداً للجيش الأمريكي من ذلك أذرع آلية وأطراف صناعية تشبه الزعانف تسمح للجنود بالسباحة بضعف سرعتهم المعتادة.
تنوير الطريق
يبدو مثل هذا الوجود غير العادي مناسباً لمخترع علم نفسه بنفسه، والذي رسم والده رسوماً كاريكاتورية لمجلة (Weird) (Science) في الخمسينيات من القرن الماضي، وفي يوم من الأيام كان طفلاً مهووساً غريب الأطوار، بدأت حياته المهنية في الابتكار في سن السادسة عشرة، عندما ابتكر نظام إضاءة ديناميكي يمكنه الاستجابة للصوت، وعندما اشتكى شقيقه الأكبر، طالب الطب من الصعوبات في إعطاء الأنسولين المرضى السكر، ترك كامين الكلية، وابتكر أول مضخة حقن الأنسولين يمكن ارتداؤها في العالم، ويقول: «لقد صنعت هذه المضخات واعتقدت أن جميع مرضى السكر سيرتدونها في غضون عام، لكن في الواقع استغرق الأمر أكثر من 15 عاماً للانتقال من النموذج الأولى إلى الاستخدام الطبي على نطاق واسع، وفي عام 1971 أسس شركة لتصنيع المضخات وبعد خمسة أعوام باعها لشركة بكستر العالمية «Baxter International للمعدات الطبية، ثم أسس شركة «ديكا DEKA» للأبحاث التعاقدية، ومضى في تصميم آلة لغسيل الكلى في المنزل، أصغر من الأجهزة الحالية التي كانت بحجم غسالة الملابس بحيث أصبحت بحجم علية الأحذية فقط، وكما هو الحال مع مضخة الأنسولين المحمولة، لم يعد المرضى بحاجة إلى زيارات منتظمة للمستشفى لتلقي العلاج، واستغرق الأمر أكثر من عقد لوصول هذا التصميم إلى السوق.
التكنولوجيا سهلة التطوير، لكن تطوير توجهات جديدة وتغيير الثقافة هو الجزء الأصعب بیعت شركة Segway التي أسست لتسويق هذه التقنية. الشركة بريطانية عام 2010، ويصر كامين على أن هذا لا يعني أن الفكرة كانت خاطئة من الأساس قائلاً: بنيت المدن لتكون بيئات تتسم بالكثافة الشديدة للمشاة، في حين أن السيارة جرى تطويرها لتذهب لمسافات بعيدة وبسرعة كبيرة. واليوم أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في المدن، وربما سيستخدمون سكوتر سيجواي للتنقل في المدن في غضون 20 عاماً، لكنني أعلم أنهم لن يستخدموا السيارات، إذ ستكون التكاليف المالية، والعاطفية والسياسية، والبيئية باهظة.
وعلى الرغم من القبول المتباطئ لابتكارات كامين والاستهزاء بسكوتر سيجواي الذي ابتكره، إلا أنه يواصل المضي قدماً في أفكار جديدة أخرى، وإذا كان الأمر سيستغرق بضع سنوات حتى يتمكن المجتمع من اللحاق برؤياه المستقبلية، فليكن ذلك، ومن أحدث اختراعاته مولد كهربائي مبني على فكرة من القرن التاسع عشر، وهو محرك فعال بصورة غير عادية يسمى محرك ستيرلنغ Stirling الذي لم يسبق له مثيل. ويقول صاحبه: «مع محرك ستيرلنغ، بنينا أفضل برنامج عالي الموثوقية في العالم، والذي سيحول أي شكل من أشكال النفايات إلى طاقة»، وجرب كامين محركات ستيرلنغ في السيارات الكهربائية والدراجات النارية، لكن هدفه الحقيقي هو العالم النامي. وفي تجارب أجريت في بنغلاديش، استخدمت إحدى القرى أحد المحركات لتوليد الكهرباء لما يقرب من ستة أشهر باستخدام روث البقر فحسب للحصول على الوقود. وهذا المولد له صديق مساعد وهو آلة لتنقية المياه تسمى Slingshot»»، التي يمكن أن تحول ألف لتر يومياً من المياه الجوفية، أو مياه الأنهار، أو مياه البحر الملوثة إلى مياه صالحة للشرب، ويقول كامين: يمكن القضاء على 50% من جميع الأمراض التي تصيب الإنسان بتوفير المياه النظيفة، وحلمي هو توفير الكهرباء للجميع دون تدمير البيئة، واستخدام جزء من تلك الكهرباء، لتزويدهم بالمياه النقية على نحو مستدام».
لكن تحويل هذه الأجهزة إلى إنتاج ضخم واجه مشاكل. يقول كامين: «عندما تحاول توصيل الكهرباء إلى مليارات الأشخاص الذين لم يحصلوا عليها من قبل، أو الذين يعانون ويموتون لأنهم لم يحصلوا على مياه نظيفة، فالمشكلة ليست تقنية، وإنما تتعلق بالبنية التحتية والعقلية واللوجستيات والاستدامة، ولها أبعاد كثيرة، فالشركات التي ترخص اختراعات كامين في مجال الرعاية الصحية ليست في وضع جيد لتسويق أجهزته الخاصة بالمياه والطاقة في الأماكن الأكثر احتياجاً لها. ويشرح قائلاً: هم مهتمون بالرعاية الصحية ومشاريعي لكن في العديد من الحالات ليس لديهم القدرة على تقديم هذه التقنيات والحفاظ عليها.
واجه كامين متاعب أكثر مما كان يتوقعه في محاولة نقل فكرة معينة من نموذج أولي ناجح إلى منتج ناجح، ويقول: من السهل تطوير التكنولوجيا، لكن تطوير توجهات جديدة وتغيير الثقافة هو الجزء الصعب. تعطي الناس حلاً لمشكلة يواجهونها، والمفارقة بأنهم لا يستفيدون منه، ويكون لديهم مقاومة كبيرة للتغيير الناس لا يحبون التغيير.
إذا لم تنجح في المحاولة الأولى
هذا يعيدنا إلى مشروع (FIRST)، الذي يعده كامين الإنجاز الأكثر فخراً في مسيرته، ويقول: إنه فعلاً ابتكار، لأنه طريقةمختلفة لمواجهة المشاكل الاجتماعية بالنسبة لأي منتج عملت عليه، ولو لم أبتكره، لفعلها شخص آخر، ربما بعد فترة أو بشكل مختلف قليلاً، لكن في النهاية كان سيحدث. عندما أنظر إلى آلاف الأطفال في مدرجات FIRST كل عام، أرى العلماء الذين سيعملون على الأشياء المثيرة التي ستحدث خلال السنوات الخمس عشرة القادمة سيعملون على مواد لا تحتوي على مقاومة وتستطيع نقل ملايين الأمبيرات ويصممون مواد تخزن وتحوّل الطاقة، ويفهمون كيفية بناء الجزيئات لتصنيع البروتينات وحل المشكلات الصحية. ببساطة عبر هندسة الحياة.
خاتمة
يمثل دين كامين نموذجاً فريداً للمبتكر الذي لا يتوقف عند حدود الاختراع بل يسعى لتغيير العقول والمجتمعات. إن التحديات التي واجهته في تحويل أفكاره إلى واقع ملموس لا تعكس فقط صعوبة تطوير التكنولوجيا، بل تعكس أيضاً التعقيدات المرتبطة بتغيير الثقافة والعقلية المجتمعية. ورغم تلك التحديات، يستمر كامين في إلهام الجيل القادم من العلماء والمبتكرين، مؤمناً بأن المستقبل يكمن في الابتكار وفي عقول الأطفال الذين سيحملون راية التغيير، مما يجعل طريق الابتكار طويلاً، ولكنه مليء بالأمل والإمكانيات الواعدة.
رؤية نقدية
بالرغم من الإشادة بإنجازات كامين كرمز، فإن المقال يبدو متحيزاً قليلاً بعض الشيء في تصوير كامين كمخلص تقني قادر على حل مشاكل العالم من خلال ابتكاراته فقط. هذا النوع من الطرح قد يغفل عن الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية الأوسع، مثل التحديات المتعلقة بالوصول إلى التكنولوجيا والقدرة على تحمل تكاليفها في الدول النامية. كما أن الحديث عن مسابقة FIRST» للأطفال يركز بشكل كبير على الإبهار التقني بدلاً من التركيز على تطوير المهارات الحيوية اللازمة لمواجهة تحديات العالم الواقعي.
الفصل التالي الفصل السابق