القائمة الرئيسية

مونوغراف: الاستثمار الاجتماعي والريادة الاجتماعية (4-6)

مونوغراف: الاستثمار الاجتماعي والريادة الاجتماعية (4-6)
ملخص الكتاب

نظام معطل يحتاج إلى إصلاحات عاجلة

نهج ESG للاستثمار معطل ويحتاج إلى إعادة
هيكلة، وتجريده من التكلف الزائف

تمهيد

يؤكد هذا المقال أن العديد من جوانب الاستدامة البيئية والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة (ESG) مليئة بالعيوب، بدءاً من تأثيرها وصولاً إلى قياسها والكشف عنها. لقد ازدادت شعبية هذا المفهوم جزئياً بسبب المخاوف الواقعية، وخاصة تغير المناخ، ومع ذلك، كان تأثيره ضئيلاً على خفض الانبعاثات الكربونية، خاصة من قبل أكبر الملوثين كما أن محاولته معالجة قضايا اجتماعية كالتي في مكان العمل تعد صعبة القياس. أما في مجال الحوكمة، فإن صناعة الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة (ESG) لا تؤدي دورها بشكل فعال فيما يتعلق بمساءلة الشركات التي من المفترض أن تشرف عليها. وينتقد بأنها تقوم بعمل سيء في تقييم تلك الشركات، وبالتالي لا تساهم بشكل كاف في تحسين أدائها فيما يتعلق بالقضايا البيئية والاجتماعية والحوكمة

ومع ذلك، على الرغم من هذه العيوب، قد يكون من الأفضل إصلاحمفهوم ESG بدلاً من التخلي عنه تماماً. في جوهره، يمثل المفهوم لتحقيق شيء أصبح ضرورياً بشكل متزايد في السعي لتحسين الرأسمالية والتخفيف من آثار تغير المناخ وهي: ضمان أن الشركات تراعي الآثار السلبية غير المقصودة لأعمالهم على أطراف ثالثة، مثل البيئة والمجتمع. وفقاً لهذه النظرية، فإن إجبار الشركات على الاعتراف بالعواقب غير المقصودة للعديد من أنشطتها سيعطيها دافعاً أكبر لمعالجتها، واتخاذ إجراءات تصحيحية وتحسين عملياتها وممارساتها.
فكلما زاد الضغط التنظيمي لجعل هذه المعلومات أكثر دقة، كان ذلك أفضل لتحفيزها على تحسين أدائها في هذه المجالات، مما يسهم في تعزيز المستقبل طويل الأجل للشركات وتحسين العالم عامة، ويعاني قياس حجم سوق ESG حالياً من العديد من الصعوبات والتحديات، وتقييمات أداء الشركات من حيث المسؤولية الاجتماعية والبيئية، والحوكمة غير الموضوعية بما يكفي، والصناعة التي تعد بالكثير وتسلم بالقليل.

التعقيدات في قياس معايير ESG

لنبدأ بالقياس، يعتمد مديرو الأصول نهجين في التفكير في مفهوم ESG، النهج الأول يركز على الجوانب العملية والواقعية، وهي بيع صناديق الاستثمار التي تدار بشكل نشط أو غير نشط، والتي صممت خصوصاً بناء على تصنيفات الاستدامة، في السنتين الماضيتين شهدت هذه الأنشطة ازدهاراً ونمواً كبيرين، فمثلاً كانت شركة DWS مثالاً للاتجاه العام للنمو والنجاح في الصناعة. في عام 2021 أعلنت شركة DWS أن صناديق ESG المخصصة لديها ارتفعت إلى 115 مليار يورو، وهو أكثر من 10% من إجمالي أصولها. أما في الصناعة عموماً، تقول شركة مورنينج ستار Morningstar التي تتتبع صناديق الاستثمار: إن أصول ESG في صناديق الاستثمار المشتركة، وصناديق المؤشرات المتداولة بلغت ما يقرب من 2.8 تريليون دولار في نهاية الربع الأول. هذا يساوي تقريباً حجم سوق العملات المشفرة، لكنها لا تزال تعد مجالاً محدوداً بالمقارنة مع حجم الاستثمار العالمي في المحافظ عموماً.

الطريقة الثانية التي تتم مناقشة الاستدامة من خلالها هي أقرب إلى المبالغة غير الواقعية، وتُعرف باسم «دمج الاستدامة» (ESG integration، يشير دمج الاستدامة إلى قيام مديري المحافظ في الصناديق غير المخصصة للاستدامة باستخدام تقييمات الاستدامة كأداة لإدارة المخاطر، تماما كما يفعلون لتقييم مخاطر الركود أو اضطرابات سلاسل التوريد

يشير التحول المفاجئ لشركة DWS إلى أن الصناعة ككل تحتاج إلى إعادة تقييم. إن الجهات التي تجمع البيانات، مثل «التحالف العالمي للاستثمار المستدام » تقدم ادعاءات مدهشة حول حجم سوق الاستدامة وفقاً لتقريرها الأخير، بلغ حجم الاستثمار المستدام في عام 2020 حوالي 35.3 تريليون دولار. هذا يجعل الأمر يبدو وكأن الاستدامة (ESG) لها أهمية أكبر في الأسواق المالية مما هي عليه فعلياً. الجزء الأكبر من هذا الرقم (حوالي 25.2 تريليون دولار) يأتي من دمج الاستدامة، وهو ما يظهر من تجربة شركة DWS أن هذا النوع من الدمج قد يكون مجرد تخمين عابر، ولا يستند إلى أساس قوي بالنسبة لصناعة تفخر بمحاولة قياس الأشياء الصعبة القياس، فإن الطريقة التي تقيس بها نفسها لا تبدو مشجعة على الإطلاق. 

تأثير التقييمات الذاتية على الشركات

إن تقييمات ESG البيئية الاجتماعية، والحوكمة) ليست دائمًا موضوعية تمامًا، بل يمكن أن تتأثر بالآراء الشخصية أو السياسات المستخدمة من قبل وكالات التقييم. بمعنى آخر التقييمات قد تختلف من وكالة إلى أخرى بناءً على معاييرهم الذاتية وطريقتهم في تصنيف الشركات، مما يؤدي إلى تناقضات في النتائج، وهذا ما حدث ، تقول فيكسلر Fixler من شركة DWS : إن إحدى المفاجآت التي واجهتها ولاحظتها أن نظام تسجيل درجات ESG الخاص بالشركة لاستخدام وكالات تقييم من جهات خارجية، أعطى لشركة واير كارد Wirecard - وهي شركة مدفوعات ألمانية كانت صناديق DWS من كبار المستثمرين فيها - ثاني أعلى تصنيف في مجال الحوكمة في ذلك الوقت، في حين كانت هذه الشركة - واير كارد - متورطة في فضيحة محاسبية قد تؤدي إلى انهيارها، أما شركة أمازون عملاقة التجارة الإلكترونية فقد حصلت على أدنى تصنيف للحوكمة من شركة DWS.

مثل هذه التناقضات الواضحة تمتد إلى القطاع بأكمله. تُعتبر وكالات تصنيف ESG مثالاً صارخاً على عدم التناسق. حيث أظهرت دراسة أجريت على ست من هذه الوكالات أنها تستخدم 709 مقاييس مختلفة عبر 64 فئة. فقط عشر فئات كانت مشتركة بين الجميع، ولم تشمل هذه الفئات حتى الأساسيات مثل انبعاثات الغازات الدفيئة.

يساهم مزود و المؤشرات في تعقيد المشهد العام، ففي شهر مايو أصدرت مؤشرات «إس آند بي داو جونز قراراً بإقصاء شركة تسلا Tesla بناءً على معايير ESG من مؤشرها 500 S&P ، في حين استمرت في احتضان شركات النفط العملاقة، مثل «إكسون موبيل ExxonMobil» على الرغم من تحقيقها لأثر بيئي سلبي، وعلى الرغم من الدور الإيجابي لتسلا في تعزيز وسائل النقل المستدامة، إلا أنها لم تتلق الاهتمام الكافي والتقدير الكبير، بل وغرمت بسبب مشكلات تتعلق ببيئة العمل، ولم يكن إيلون ماسك رئيس تسلا، الشخص الوحيد الذي رأى ذلك سخيفاً أو غير منطقي، وإنما لاحظ العديد من الأشخاص وجود الكثير من التذبذب والتردد فيما يتعلق بالأسئلة الأخلاقية المعقدة. أما عن شعور صانعي الأسلحة، الذين تجاهلتهم ورفضتهم جماعة ESG قبل حرب أوكرانيا، يجدون أنفسهم الآن في موضع ترحيب بوصفهم مدافعين عن الديمقراطية، ويلخص «جون جيليجان John Gilligan» من شركة «الاستثمار في القضايا الكبرى Big Issue Invest، وهي صندوق استثمار بقيمة 100 مليون دولار متحالف مع مؤسسة اجتماعية للمشردين التحيزات الشخصية في هذا السياق، ويقول: «فكرة قياس ESG قد تشكل تحدياً مماثلاً لمحاولة إيجاد معيار لتحديد من هو طفلك المفضل». المشكلة الثالثة هي أن معايير ESG أصبحت مصدراً سهلاً للربحالسريع في صناعة الاستثمارات، على الرغم من أن التوجه نحو إظهار استجابة لتفضيلات المستثمرين، خاصة جيل الألفية الذين يسعون لتحقيق تأثير إيجابي بأموالهم إلى جانب تحقيق الأرباح، إلا أن إدارة الأصول استغلت ذلك لصالحها، من خلال فرض رسوم أعلى على الاستثمارات المرتبطة بمعايير ESG مقارنة بالاستثمارات التقليدية، وفي حملاتهم التسويقية، يزعمون أن صناديق ESG تتفوق على الصناديق التقليدية، حتى وإن لم يكن لهذا الزعم أساس نظري أو عملي قوي. 

التحديات المالية المرتبطة بمعايير ESG
بالإضافة إلى التحديات والمشاكل السابقة، تعرضت معايير ESG لردود فعل سلبية من أولئك الذين يعتقدون أن النخب المالية تذهب بعيداً في ملاحقة القضايا العصرية، أما منتقدو رأسمالية الصحوة من اليمين يرون أن هذه المعايير وسيلة للرؤساء التنفيذيين للشركات لتمرير أفكار تقدمية غير محبوبة لدى الكثير من الناس، كالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري ويشير آخرون إلى نفاق داخلي متأصل، على سبيل المثال: تقيس تقييمات ESG المخاطر التي يشكلها تغير المناخ على الشركة، بدلاً من التهديد الذي تشكله الشركة على المناخ. الانتقاد الأكثر بروزاً هو أنه من خلال الترويج لحل مثل معايير ESG، قد يمنح القطاع الخاص صانعي السياسات ذريعة لتجنب فرض الحل الذي يراه الكثيرون الأفضل لمواجهة تغير المناخ وهو فرض ضرائب منسقة على الكربون، ومع ذلك، يمكن النظر إلى هذا من زاوية معاكسة؛ قد يكون من المفيد الحفاظ على معايير ESG لأنها قد تكون بديلاً فعالاً في ظل الصعوبة السياسية الكبيرة التي تواجه فرض ضرائب على العوامل الخارجية السلبية مثل انبعاثات الكربون.
هناك رقابة تنظيمية أكثر صرامة قادمة على معايير ESG ، خاصة في أوروبا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تأمل هيئة الأوراق المالية والبورصات في تعزيز الرقابة على الإفصاحات المتعلقة بالمناخ (رغم أن قراراً حديثاً للمحكمة العليا قد يحد من هذه الجهود الأمل هو أن يؤدي الضغط التنظيمي الأكبر في النهاية إلى مساعدة أسواق رأس المال في استيعاب التكاليف الخارجية - أي مكافأة الشركات التي تقلل من بصمتها الكربونية من خلال رفع أسعار أصولها وتقليل تكاليف رأس المال. هذا يعني، وفقا لكين بوكر من جامعة تافتس أنه سيكون من الضروري وجود قياس أقل ولكن بشكل أفضل.

خاتمة

رغم الانتقادات والعيوب الواضحة في تطبيق معايير ESG ، إلا أنها تظل خطوة مهمة نحو تحسين الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة في الشركات والتحديات التي تواجه هذا النهج، سواء من حيث الموضوعية في التقييم أو الصعوبات السياسية لفرض الحلول البديلة، تشير إلى الحاجة إلى تحسين الأدوات والتشريعات المرتبطة به. ومع زيادة الرقابة التنظيمية والتوجيهات الأكثر وضوحاً، يمكن أن تصبح معايير ESG أكثر شفافية وفعالية، مما يساعد في تحفيز الشركات على تقليل تأثيرها السلبي على المناخ والمجتمع، وفي الوقت نفسه، تعزيز استدامة أعمالها على المدى الطويل.

توصية
حول تبني معايير المسؤولية البيئية والمجتمعية والحوكمة (ESG) نقترح لكم قراءة هذه الورقة الصادرة عن منتدى الاستراتيجيات الأردني والتي تسلّط الضوء على مفهوم الـ ESG، وكيفية قياس نتائج تطبيقه، والتحديات التي تحول دون التزام الشركات بالمعايير المناسبة له، وتقديم بعض التوصيات الخاصة بذلك. 

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة