صعود الريادي الاجتماعي
تزايد اهتمام المؤسسات المالية الكبيرة بتعزيز دور الرياديين الاجتماعيين في مواجهة التحديات العالمية وتحقيق أثر اجتماعي مستدام.
تمهيد
يجري بنك الاتحاد السويسري يو بي إس (UBS) ، الذي يضم العديد من أغنى أغنياء العالم بين عملائه تجربة مثيرة للاهتمام في كل من البرازيل والمكسيك والأرجنتين، حيث شكل تحالفاً مع أشوكا Ashoka، وهي منظمة عالمية تتعرف على الرياديين الاجتماعيين البارزين وتستثمر فيهم. يقدم التحالف جائزة جديدة للريادة الاجتماعية، ويعترف مارتن ليشتي Martin Liechti من بنك الاتحاد السويسري بأنها وسيلة للجمع بين مجموعتين من الأشخاص الذين قد لا يتقابلان في الظروف العادية، ويقول: بصفتنا أكبر مدير للثروات في المنطقة، نحن في تقاطع بين رأس المال والأفكار، فلماذا لا تجمع الأشخاص الذين يمتلكون رأس المال مع أولئك الذين يمتلكون الأفكار ؟
يجب على الرياديين الاجتماعيين الذين يتم اختيارهم في القائمة النهائية أن يكونوا قد عملوا بنجاح مع أشوكا لمدة ثلاث سنوات على الأقل، والفوز بالجائزة ليس هو الهدف الأساسي، فالاختيار فقط للتواجد في نفس الغرفة مع مجموعة من الأثرياء يمنح الرياديين الاجتماعيين مصداقية كبيرة مع المانحين المحتملين، وحتى من لا يفوز بالجائزة يظل لديه فرصة جيدة للحصول على داعم مالي جديد أو نوع آخر من الدعم، ومع أن هيكتور كاستيلو بيرتييه، الذي يدير مشروعاً مبتكراً للمراهقين المكسيكيين المضطربين، احتل المركز الثالث في جائزة العام الماضي المكسيكية إلا أنه حصل على تبرع بالغ الأهمية واستخدام مجاني لمكتب للعمل.
ليست «أشوكا» وحدها التي تجمع الرياديين الاجتماعيين مع الأثرياء وأصحاب النفوذ. فالرياديون الاجتماعيون الآن يتواصلون مع نخبة العالم من رجال الأعمال والساسة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تحت رعاية منظمة شقيقة للمنتدى، وهي مؤسسة شواب للريادة الاجتماعية The Schwab Foundation For Social Entrepreneurship . هذا العام، تم اختيار أشخاص من بينهم روري ستير ، مؤسس «فري بلاي Freeplay»، وهي شركة مكرسة لنشر الطاقة المستدامة الرخيصة للجميع، وجيم فروشترمان Jim Fruchterman من مبادرة بينيتيك Benetech ، وهي منظمة غير ربحية توفر التكنولوجيا للمجتمعات المحرومة، وفيكتوريا هيل Victoria Hale التي أسست مبادرة «صحة عالمية واحدة World Health» التي تعمل مع مؤسسة غيتس وغيرها) لتوفير الأدوية منخفضة التكلفة في البلدان الفقيرة.
في انتظار المعجزة الإنتاجية
تأسست منظمة أشوكا في عام 1980 بواسطة بيل درايتون وهو مستشار سابق في شركة «ماكينزي McKinsey، والذي يتوقع أن يؤدي صعود الريادة الاجتماعية إلى تحقيق فوائد ضخمة، ويقول: إنها تسهم في إحداث معجزة إنتاجية في ما يسميه النصف المدني من العالم التعليم، الرعاية الاجتماعية، وما إلى ذلك)، وهو قطاع تخلف لمدة ثلاثة قرون عن النصف التجاري من العالم». حيث ارتفعت الإنتاجية وخلقت ثروات هائلة بفضل ثقافة. التنافس والابتكار الريادي، ويرى درايتون بأن ظهور المزيد من الريادين الاجتماعيين، وتحسين إمكانية وصولهم إلى رأس المال مع زيادة ارتباطهم بالجهات الخيرية، يفتح آفاقاً هائلة لتحسين الإنتاجية في القطاع المجتمعي.
وليس للقطاع الخاص تعريف محدد ودقيق بعد، لكنه يتكون إلى حد كبير من القطاع الحكومي بالإضافة إلى القطاع غير الربحي، وجرت العادة على إدارة كل من القطاع الحكومي والمنظمات غير الربحية بطريقة غير فعالة، وترجع معجزة الإنتاجية التي اكتشفها درايتون إلى التحول من تقديم الخدمات الحكومية إلى تقديم خدمات خاصة أكثر كفاءة (سواء من خلال المنظمات الربحية أو غير الربحية، بالإضافة إلى التحسن في كفاءة القطاع غير الربحي.
قد يكون الطريق لتحسين كفاءة المنظمات غير الربحية طويلاً، ففي عام 2004، ادعى بيل برادلي قد يكون الطريق لتحسين كفاءة المنظمات غير الربحية طويلاً، ففي عام 2004، ادعى بيل برادلي أن هناك فرصة بقيمة 100 مليار دولار» لتحسين كفاءة القطاع غير الربحي في أمريكا وحدها من خلال إدارة أكثر كفاءة، لكن، هل تعد الريادة الاجتماعية أفضل وسيلة لتحقيق ذلك ؟
لا توجد إجابة واضحة لأسباب ليس أقلها أنه لا يوجد أحد متأكد ما المقصود بالريادة الاجتماعية، ففي كتاب يتتبع صعود الريادة الاجتماعية: «كيف تغير العالم: رياديو الاعمال الاجتماعية وفعالية الافكار الجدية ، يشير ديفيد بورنستاین David Bornstein إلى أن معظم المناقشات حول ريادة الأعمال الاجتماعية تدور حول كيفية تطبيق مهارات الأعمال والإدارة لتحقيق غايات اجتماعية، وهو نفسه يرى رواد الأعمال الاجتماعيين على أنهم قوى تحويلية، أي: أشخاص لديهم أفكار جديدة لمعالجة المشكلات الكبرى والذين لا يتهاونون في السعي لتحقيق رؤاهم. وعرف المعلم الإداري الراحل بيتر دراکر Peter Drucker، الذي كان سريعاً في اكتشاف هذا الاتجاه، رواد الأعمال الاجتماعيين بأنهم أشخاص يرفعون من قدرة أداء المجتمع. يقول السيد شرام Schramm من «مؤسسة كوفمان التي تشجع على التوصل إلى فهم أفضل لريادة الأعمال: إن كون الشخص ريادياً يعني أن يكون مستعداً لتحمل المخاطر، لكن المجازفة العالية مع احتمال الإخفاق قد تكون آخر شيء تحتاج إليه العديد من المؤسسات غير الربحية، ويضيف شرام كل رائد أعمال هو رائد أعمال اجتماعي، ورائد الأعمال الناجح يخلق الثروة وبدون ثروة لن يكون هناك فائض في رأس المال لتحويله إلى نشاط خيري».
كما أن أوميديار مؤسس موقع وشركة eBay غير مرتاحلهذه التسمية أيضاً، التي يشعر أنها تعني استنكار الأرباحالتي لا يشاركها، ويقول: «أنا أعد نفسي رائد أعمال، ولدي وجهة نظر اجتماعية، لكنني لا أسمي نفسي رائد أعمال اجتماعي»، لكن زميله صاحب الأعمال الخيرية جيف سكول يعتقد أن ريادة الأعمال الاجتماعية لديها شيء تسعى لتحقيقه، وتتمثل مهمة مؤسسته التي تحمل اسمه في دفع التغيير المنهجي لإفادة المجتمعات في جميع أنحاء العالم من خلال الاستثمار في رواد الأعمال الاجتماعيين والتواصل معهم والاحتفاء بهم.
من بين عدة أمور أخرى، قام سكول بتمويل مركز سكول للريادة الاجتماعية في «كلية سعيد الإدارة الأعمال بجامعة أكسفورد» ويأتي هذا كجزء من اتجاه متزايد لدى المؤسسات الأكاديمية بما في ذلك معظم كليات إدارة الأعمال اليوم، نحو أخذ هذه الظاهرة بجدية، حيث بدأت كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد بتدريس دورة حول المشاريع الاجتماعية قبل 12 عاماً.
يعبر شرام عن قلقه من أن بعض هذه الدورات قد تدفع الطلاب إلى معاداة الرأسمالية، إلا أن وايتهيد، الرئيس السابق لشركة «غولدمان ساكس Goldman Sachs « والمحرك الرئيسي الدورات «هارفرد بزنس ريفيو»، يرى أن ما يحدث جزء من اتجاه بين النخب في العديد من البلدان الراغبين بشكل متزايد في تحقيق «فرق» وليس مجرد كسب المال. قد لا تكون الأموال في هذا المجال جيدة مثل الأعمال التجارية لكن هناك فرصة للشباب الأذكياء بإحداث تأثير أكبر في أي منظمة غير ربحية خلال أول خمس سنوات من العمل مقارنة بعملهم بشركة غولدمان ساكس، التي تعج بالأذكياء والموهوبين والمحترفين، في عامه الأول في المنظمة غير الربحية، قد يقدم الشباب عشرة اقتراحات من شأنها تحسين عمليات المنظمة، لأنه درب على طرق التفكير العملية في الأعمال التجارية»
أشخاص عاديون
ازداد عدد خريجي كليات إدارة الأعمال الذين يتوجهون للعمل في القطاع غير الربحي، ويروق هذا الأمر للمانحين وأصحاب الأعمال الخيرية الذين يرغبون في رؤية أشخاص يشبهونهم يديرون المنظمات غير الربحية، ومع ذلك، قد يحقق هؤلاء المهنيون الجدد نفس القدر من النجاح باستخدام أحدث تقنيات الإدارة لتحسين أداء المنظمات غير الربحية القائمة بدلاً من إنشاء منظمات جديدة من خلال الريادة الاجتماعية ويقول كولينز Collins خبير الإدارة: إن الحصول على الأشخاص المناسبين هو أكثر أهمية في العالم غير الربحي مما هو عليه في الأعمال التجارية، لأن المنظمات غير الربحية تجد في كثير من الأحيان صعوبة في إنهاء عقود الموظفين بمجرد انضمامهم، في حين يمكن لقادة الأعمال التجارية فصل الموظفين بسهولة أكبر وإنفاق الأموال لشراء المواهب. لكن بعض الرياديين الاجتماعيين وجدوا طرقهم الخاصة لجذب أفضل المواهب. ويندي كوب Wendy Kopp، التي أسست التعليم لأجل أمريكا Teach for America « في عام 1989 وهي منظمة غير ربحية تجذب خريجي الجامعات المرموقة القضاء أول عامين من حياتهم المهنية في تعليم الأطفال من الأسر ذات الدخل المنخفض، أوضحت منذ البداية أن الأفضل فقط هو المطلوب للعمل، وبفضل قدرتها على اختيار الأفضل فقد عززت مصداقيتها مع داعميها من المانحين ومكنتها من جمع المزيد من الأموال.
كثير من المنظمات غير الربحية لديها إدارة للتسويق، وقد يبدو أحياناً أن التسويق أصبح أكثر أهمية من الهدف الرئيسي للمؤسسة. إحدى التقنيات المستخدمة هي توظيف أفراد لجمع التبرعات بالعمولة، حيث يتجولون في الشوارع ويحثون الناس على الاشتراك في التبرعات الدائمة، وقد استخدمت «منظمة أوكسفام Oxfam» هذه الطريقة لفترة في بريطانيا لكنها وجدت لاحقاً أن جمع الأموال بهذه الطريقة ليس مجدياً، وبدلاً من ذلك، رأت أنه من الأفضل استغلال قلق الجمهور حول وجهة تبرعاتهم، كما فعلت بنجاح كبير من خلال كتالوج هدايا عيد الميلاد، الذي يقدم هدايا مثل رعاية ماعز في قرية إفريقية مقابل 24 جنيها إسترلينيا أو توفير مياه نظيفة لألف شخص مقابل 720 جنيهاً إسترلينياً. وتقول باربرا ستوكينغ Barbara Stocking ، رئيسة المنظمة ينبغي على الجمهور أن يكون معرفة أين تذهب أمواله وأن يكون له علاقة بها».
التوسع أم الفعالية
لكن المشكلة الرئيسية التي تواجه العديد من المنظمات غير الربحية هي كيفية التوسع، ويُفصح كولينز عن قلقه من أن تصبح المنظمات غير الربحية مهووسة بالتوسع على حساب الفعالية الحقيقية، حيث يقول: «إحدى علامات الشركات المتوسطة هي أنها تصبح مهووسة بالحجم والنمو، لكن على الجانب الآخر، على المانحين أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون فقط تقديم تبرعاتهم للمنظمة لتنفيذ برامج وأنشطة محددة، أم أنهم يريدون الاستثمار في مساعدة المنظمة على النمو، وإذا كان النمو مهماً لهم، فعليهم أن يكونوا أقل حساسية تجاه التكاليف الإدارية.
والعديد من المنظمات غير الربحية كانت متحفظة تجاه العمل مع كبار المتبرعين لأن أموالهم قد تكون مشروطة بالكثير من القيود، لكن هذا الوضع بدأ يتغير، حيث تسعى أوكسفام الآن لجمع المزيد من الأموال من فئة الأثرياء الخيريين الذين لم تستهدفهم في الماضي، وذلك ببساطة لأن هذه الفئة لم تكن موجودة بكثرة في بريطانيا، كما تقول ستوكينغ.
ميزة النفقات العامة
في القطاع التجاري، يشعر الناس بالارتياح تجاه فكرة الاستثمار في المنظمة نفسها والحاجة إلى تطوير بنيتها التحتية. أما في القطاع الاجتماعي، فالاتجاه هو الاستثمار فقط في البرامج، مع وجود استثمار ضئيل جداً في بناء المنظمات». كما يقول كولينز، ومع ذلك، وبسبب الضغوط العامة للحفاظ على انخفاض التكاليف الإدارية، تضحي المنظمات غير الربحية بالكفاءة لأجل المظهر الأخلاقي، كما يقول غريغوريان من مؤسسة كارنيجي لا يوجد في عالم المنظمات غير الربحية سوق للاندماجات والاستحواذات، ولأسباب متعددة، هناك عدد كبير جداً من المنظمات غير الربحية يمكن أن يساهم المتبرعون فيها في حل هذه المشكلة عن طريق تشجيع الدمج، كما يقول جون ستودزينسكي John Studzinski الرئيس المشارك لبنك الاستثمار HSBC والناشط في العمل الخيري، ويضيف: في مجال العمل مع المشردين، أنا من المؤيدين بشدة لفكرة الدمج في لندن، هناك حوالي 40 مشروعاً لدعم المشردين ولكن فقط ثمانية منها فعالة.
هناك دور يمكن أن يلعبه المتبرعون في تشجيع المنظمات غير الربحية على تطوير مصادر تمويل أخرى، لتقليل اعتمادها على التبرعات، إحدى الاستراتيجيات هي تقديم خدمات تدر رسوماً، وهناك استراتيجية أخرى تتمثل في العمل مع الحكومة ولطالما حققت العديد من المنظمات إيرادات بهذه الطرق. يمكن للمتبرعين تشجيع المنظمات غير الربحية على التحول إلى مؤسسات ربحية، قادرة على الاعتماد على نفسها بالكامل وهذا ما يأمل أوميديار تحقيقه بتبرعه بمبلغ 100 مليون دولار لجامعة تافتس Tufts University» للاستثمار بشكل مربح في مجال تمويل المشروعات الصغيرة، ولكن قد تواجه هذه الفكرة مقاومة ثقافية كبيرة، حيث يتساءل درايتون Drayton من مؤسسة أشوكا كيف يمكن إقناع القطاع المجتمعي بتغيير مواقفه بحيث يسمح للمؤسسات بأن تكون إيراداتها على الأقل مساوية لنفقاتها؟ ويحاول أوميديار تعزيز شراكات ربحية بين الشركات الكبرى والمجموعات المجتمعية في بعض من أفقر المناطق في العالم، حيث يقول: نعمل مع كلا الجانبين لرسم سلسلة قيمة مضافة جديدة، تمتد من تصميم المنتج إلى الإنتاج والتوزيع وتقديم الخدمات وتوفر خدمة أفضل بكثير للعميل النهائي بشكل أسرع، وأكثر فعالية من حيث التكلفة. إن إنهاء قرون من انعدام التواصل يجلب قيمة كبيرة بحيث تصبح كل من الشركات والمجموعات المجتمعية رابحة بشكل هائل، وتعمل مؤسسة أشوكا على تسليط الضوء على الدور المتنامي لأصحاب المشروعات الاجتماعية، حيث تشير هذه التجربة أيضاً إلى اتجاه جديد آخر وهو دور أنشط للوسطاء في سوق رأس المال الخيري الناشئ.
خاتمة
يُعد صعود رواد الأعمال الاجتماعيين ظاهرة متنامية تعكس تحولاً في كيفية معالجة التحديات الاجتماعية. من خلال الابتكار والتعاون بين رأس المال والأفكار، يسهم هؤلاء الرواد في دفع عجلة التغيير وتحقيق تأثيرات ملموسة في مختلف القطاعات. ومع ازدياد الاهتمام العالمي بدورهم يظل المستقبل واعداً بمزيد من المبادرات التي تربط بين ريادة الأعمال والتغيير المجتمعي، مما يجعل العالم مكاناً أفضل للجميع.
رؤية نقدية
يتناول المقال فكرة الريادة الاجتماعية ودور المؤسسات الكبرى مثل بنك UBS في تعزيز هذه الريادة من خلال جوائز وشراكات مع منظمات مثل أشوكا. كما
يسلط الضوء على أهمية الربط بين رأس المال والأفكار المبتكرة لتحقيق تأثير اجتماعي إيجابي، حيث تتمثل الفكرة الرئيسية في أن الجمع بين الأموال والخبرات يمكن أن يُسهم في تحسين العمل القطاع غير الربحي ويزيد من فاعليته. ومع ذلك، يعتمد المقال بشكل كبير على أمثلة من المؤسسات الكبرى دون التطرق بشكل كاف إلى التحديات التي تواجه الريادة الاجتماعية في البيئات ذات الموارد المحدودة، ورغم تقديمه لرؤية واعدة، يفتقر إلى تحليل أعمق حول كيفية تطبيق هذه الأفكار في مختلف السياقات.
