القائمة الرئيسية

كتاب طريق الصين : رحلة في مستقبل قوة صاعدة (1-2)

كتاب طريق الصين : رحلة في مستقبل قوة صاعدة (1-2)
ملخص الكتاب

يتناول هذا الجزء من الكتاب تجربة الكاتب في الصين، حيث يسرد انطباعاته عن مدينة شنغهاي كرمز للتحول السريع في البلاد. يصف رحلته على قطار التعويم المغناطيسي، وهو أول قطار من نوعه في العالم، وتجربته في استكشاف المدينة الصاخبة التي تجمع بين الطابع الحداثي والإرث التاريخي. يتحدث الكاتب عن إقامته في فندق ""أستور هاوس"" التاريخي، الذي يعكس تحولات شنغهاي عبر العصور، وعن محاولاته للتكيف مع الحياة اليومية هناك، من الجري على طول النهر إلى مراقبة التغيرات المذهلة التي طرأت على المدينة. يقدم الكاتب تأملاته الشخصية عن الصين المتطورة، وعن نفسه أيضاً، وسط مدينة تمثل رمزاً للفرصة والتجديد.

الأرض الموعودة 

قطار التعويم المغناطيسي الذي يربط مطار شنغهاي اللامع الجديد، مطار بودونغ، مع مركز المدينة ينساب خارجاً من محطة المطار، وفي غضون دقيقتين تقريباً وصل إلى سرعة 270 ميلاً في الساعة. وتلمع لوحات الإعلانات مارة بسرعة تجعلها غير قابلة للقراءة تقريباً، والقطار معلق مغناطيسياً على طول سكة تسير على ارتفاع خمسين قدماً فوق الأرض، وهو يحصد الأرض نحو مركز أحدث مدينة في الصين المناظر الطبيعية الأرضية أمريكية على نحو مدهش - منبسطة، ومنخفضة مرتفعة، ومبنية حديثاً، ويميل القطار الطلقة الرمادية ميلاً كسولاً نحو اليسار وهو ينطلق فوق واحدة من الطرق الحرة الرئيسية في بودونغ، ويمر بالأسواق الكبيرة ( السوبر ماركت كالكهوف وبصفوف من مجمعات بناء الشقق المصقولة الجديدة الزهرية والبيضاء. 

قطار التعويم المغناطيسي، كما هو معروف كلف 1.2 بليون دولار لبنائه وهو أول قطار من نوعه في العالم يشغل تجارياً. 

قبل ستة أسابيع من وصولي إلى بلدة وادي النجوم ( ستاري غورج) وصحراء غوبي كنت قد وصلت بالطائرة إلى شنغهاي قادماً من بكين لأبدأ رحلتي البرية المسافة ثلاثة آلاف ميل على الطريق 312 وكنت حتى الآن أكثر انشغالاً من أن أقوم بعمل العديد من التحضيرات ولم أملك إلا فكرة باهتة عمن قد أتحدث إليهم حين أصل إلى هنا. 

ورحلة قطار التعويم المغناطيسي، وهي المسافة عشرين ميلاً، كانت قد انتهت تقريباً قبل أن تكون قد بدأت فالقطار يخفف بهدوء وهو يدخل المحطة النهائية وهي ليست بعيدة عن الغابة الجديدة من المباني التي ترتفع عالية التي تكون مركز مدينة شنغهاي التجاري. وانظر إلى ساعة يدي وأنا أرفع حقيبة ظهري وأطرحها في الخارج على المنصة، وأقول باللغة الصينية، وأنا أومئ إلى جابية التذاكر المرأة التي تلبس لباساً أنيقاً وتقف إلى جانب الباب ليس سيئاً. ثماني دقائق. 

وترد من دون تبسم سبع دقائق وعشرون ثانية. 

الشوارع في خارج المحطة النهائية خليط متنافر من الضجة والحركة، وهناك إحساس في شنغهاي غير ملموس، هو الاستعجال، أمل وتفاؤل يتعلقان في الهواء حولك من كل الجهات ابتداء من الدقيقة التي تصل فيها الناس يدفعون إلى الأمام. بأقدامهم، وفي رؤوسهم، يبنون مستقبلاً، ويبنون بلداً، ويتحركون نحو غاية ما بعيدة غير مرئية. 

وكنت قد اخترت أن أقيم في فندق رث الحال قليلاً ولكنه فندق تاريخي بشكل مجيد هو فندق أستور هاوس، فهو أول فندق أجنبي تأسس في شنغهاي، في العام 1846. ويقوم الفندق على إحدى نهايتي شارع البند وهو الشارع العام الرئيسي الأصلي للمدينة، وهو يسير على طول نهر هوانغبيو، وكان شارع البند طوال أكثر من 150 عاماً هو المكان الذي يشكل الحد المشترك بين شنغهاي وبين الناس القادمين، ناس المحيط، أو شعب المحيط مثلما كان يعرف الأجانب دائماً. 

لقد شهد فندق أستور هاوس النجاح الكامل لبروز الصين إلى العالم الحديث من إدارة الأفيون الإنجليزية في الأربعينيات من 1840 وصولاً حتى رقصات الشاي في المجتمع المهذب في العشرينيات من 1920، إلى الأعمال المفرطة للصين الماوية في الستينيات من 1960، السقوف المزخرفة بفن الديكور المتميز بتصاميم الهندسة المستوية، والألوان الجريئة، سقوف عالية، وألواح أرضية الحجرة ذات الصرير أصلية. وكنت تستطيع أن تقود سيارة صغيرة حتى تصل إلى درج الفندق مع الدرابزين، هنا أقام يوليسيس اس جرائت في جولته العالمية في السبعينيات من 1870. وأقام هناك أيضاً تشارلي شابلن وجورج بيرناردشو وألبرت آينشتاين، حين كانت شنغهاي هي المكان الذي يزار في آسيا في القسم الأول من القرن العشرين، وبحسب الأسطورة الحضرية، فإنك في القرن التاسع عشر، كنت تستطيع أن تطلب الأفيون من خدمة الحجرة في فندق أستور هاوس، وأن شو إن لاي، الذي كان سيستمر حتى يكون رئيس وزراء الصين، اختباً في استور هاوس حين كان مشاغباً شيوعياً في العشرينيات من 1920. شنغهاي، أكثر من معظم المدن مشبعة بالأساطير الحضرية. 

والإقامة هنا هي أيضاً حنين إلى الماضي بالنسبة إلى شخصياً، فقد كان أول فندق أقمت فيه في الماضي في شنغهاي، في صيف العام 1988، وبعد دراستي اللغة لمدة عام. التحقت بي زميلة جميلة من صفي من الجامعة في إنجلترا، وكنا ستسافر في أنحاء الصين لمدة ثلاثة أشهر بالقطار قبل أن نركب قطاراً عبر سيبيريا عائدين إلى أوروبة من خلال الاتحاد السوفييتي. 

أقمنا في غرف نوم دولار للسرير لحملة حقائب الظهر في فندق أستور هاوس وهي ما زالت موجودة في ذلك الصيف الشديد الحر تجولنا في الشوارع، نتلمس الحصول على إحساس الشنغهاي الجديدة بوصفها المدينة التي زحفت زحفاً بطيئاً خارجة من شرنقتها الماوية وبقينا ساهرين حتى ساعات متأخرة من الليل، في الخارج على شرفة الفندق المغطاة بالخشب القديم، محاولين أن نفهم الصين والكون، وأن نفهم أنفسنا طبعاً. وتلك الزميلة الجميلة من صفي هي الآن زوجتي وكانت قد أمضت من مدة قريبة آخر ست سنوات معي في الصين. وحين كنت أرفع حقيبة ظهري إلى غرفتي وحيداً، لم أستطع أن أتمالك نفسي عن الابتسام لها في المرأة الباهتة للمصعد القديم المتداعي. 

وقبل الذهاب إلى العشاء، ألبس بنطالي القصير وحذاء الجري وأتجه خارجاً من أجل القيام بالهرولة، فإذا كان هذا وقت التغيير بالنسبة إلى الصين، فأنا أمل أنه أيضاً وقت للتغيير بالنسبة إلي، وعلى نحو أكثر تحديداً بالنسبة إلى خط وسط جسمي، فأنا أحاول أن أتخلص من عشرة أرطال إضافية ( حسناً، الأقرب خمسة عشر رطلاً) كان الطعام الصيني قد أودعها في ستة أعوام حول شخصي وصارت هذه الحاجة أكثر إلحاحاً بسبب ما كان يحدث حتى الآن - أو لا يحدث - في أعلى رأسي، فبعد شباب كثير الشعر، فإن آلهة الشعر الحقودة، عليها اللعنة، بدأت تسحب البساط من تحتي ( ومن فوقي)، وهكذا، فقد عزمت على ألا أصل إلى الأربعين بديناً وأصلع معاً. فقد سجلت بتهور الأقوم بالجري في ماراثون بكين، بكل طوله الذي يبلغ 26.2 من الأميال، في الخريف، وقد بدأت التمرين بالجري لأميال قليلة في اليوم قبل الانطلاق مغادراً بكين وأنا أمل أن أزيد المسافة اليومية حين أسافر طوال الصيف، ثم أجري الماراثون قبل المغادرة في النهاية إلى لندن.

بدأت بنوايا عظيمة، على الرغم من القيظ، ولكن بارتكاب غلطة الجري على طول ممشى المشاة العام الواقع بين شارع البند وبين النهر، فالمنطقة مزدحمة جداً إلى درجة أن الهرولة بسرعة تصير لعبة الكرة والدبابيس الإنسانية، أحد المخاطر الوظيفية للعيش في الصين هو أنه لا يوجد هناك حيز كثير كاف للحركة في أي مكان ( حتى تصل إلى صحراء غوبي). وأنا أحاول رياضة تسبب التعرق وتشبه التزلج المتعرج من خلال الجمهور المسافة تصل إلى عشري الميل تقريباً، ثم أقرر أن أترك السنة والعشرين ميلاً الباقية إلى الصباح وأترنح في مشيتي خجلاً عائداً إلى الفندق للاستحمام. 

انقضى مسائي الأول في شنغهاي على شرفة مطعم يسمى نيو هايتس (المرتفعات الجديدة) . وهو يقوم على قمة الثلاثة على شارع البند، وهو واحد من صف المباني الاستعمارية التي تستحق التقدير التي كان قد تم تجديدها حديثاً، ويقع على بعد مئات قليلة من الباردات على طول الواجهة المائية من فندقي والثلاثة على شارع البند تحتوي على سفينة القيادة الجديدة متجر جيورجيو أرماني، ومعرض فن، وفندق إيفيان سبا، وأربعة مطاعم عصرية على الموضة، ومن جملتها مطعم المرتفعات الجديدة في القمة نفسها، وشرفته المفتوحة في الهواء الطلق معلقة بارتفاع سبعة أدوار فوق الطريق، ومن الشرفة ترى منظراً من أشد مناظر المطاعم أسراً للب في العالم، يطل على الطريق العام بمساراته العشرة من شارع البند، ويطل عبر نهر هوانغبيو على مقاطعة بودونغ غير العادية التي بنيت حديثاً. 

وتأتي كلمة البند من كلمة هندية قديمة تعنى رصافة، أي حاجز ترابي، وجلبها معهم البريطانيون من الهند والمنطقة الموجودة حول البند كانت هي المكان الذي بنيت فيه أول مستودعات ( دعیت مخازن الجملة وبناها تجار الأفيون الذين جاؤوا جماعات إلى الصين في منتصف القرن التاسع عشر ليصنعوا ثرواتهم. 

الشمس التي راقبها تجار الأفيون وهي تغرب فوق نهر هوانغبيو، تغرب الآن لي وأنا أصل إلى الشرفة مع مشروبي من البيرة، وتهب نسمة رقيقة، دافئة متصاعدة إلى الداخل قادمة من النهر، مطلقة في الهواء رائحة الفرصة نفسها التي أطلقتها منذ أكثر من 150 عاماً، واستسلمت مخازن الجملة، والخردة المطروحة جانباً، والسفن الشراعية السريعة وأوكار الأفيون استسلمت للزجاج وللمعدن اللامعين من مدينة القرن الحادي والعشرين. ويرفرف من عدة مبان استعمارية مجاورة العلم الأحمر للحزب الشيوعي الصيني، وقد أخفاه المنظر الرأسمالي الذي يضج بالأزيز أسفل منه، وبرج الساعة في الواجهة المائية القديمة لبيت الجمارك، الذي بني في العام 1925 ووفق نموذج ساعة بغ بن لندن يدق الساعة باللحن المفضل لدي ماو، وهو الشرق أحمر. ولكن الشرق لم يبق بعد اليوم أحمر. وريش الرأسمالية متعدد الألوان. والمنظر على طول شارع البند شعلة من النور الأخضر والأزرق والأبيض يصرخ بقصيدة رثاء للاقتصاديات الماركسية، وتقول تقارير الأخبار إن الصين تعاني نقصاً حاداً من الكهرباء، ولكنك لن تعرفه من كمية الطاقة التي تثر في سماء ليل الصيف الحار هنا. 

ويعبر النهر بنفسه طريقه من خلال وسط هذا كله، إنه نهر هوانغبيو الأسود. والبطيء الحركة جداً، والمتدفق تدفقاً ضئيلاً أسفل ذقن دلتا يا نفسي من مصب النهر الأم نفسه ثلاثة مراكب ضخمة لنقل البضائع، محملة بالفحم، تندفع صاعدة ضد مجرى النهر، وهي منخفضة جداً في الماء حتى تكاد تظهر مثل غواصات تقريباً. وأطلقت سفينة شحن كبيرة بوقها، وكأنها تذكر الذين يتناولون عشاءهم من أهل ما بعد الحداثة في المطعم العالي فوق شارع البند أن الثورة الصناعية مازالت تحدث في الأسفل تحتهم. 

وبين رجال الأعمال الأجانب العديدين يجلس الأثرياء الصينيون الذين يتناولون عشاءهم في مطعم المرتفعات الجديدة وهم النخية الجديدة، وهم الذين اكتسبوا ذوقاً للتونة الميزو - غليز، والزابليونية ( طبق حلو من البيض والسكر والخمر) وخمور العنب الأسود. وهم ناس يتحدثون عن الاندماجات، وشراء معظم حصص الشركات والتطبيقات البرامجية القاتلة، وتلفاز بث البيانات الإعلامية المتعددة من الإنترنت إلى الحاسوب، في جوالاتهم الخليوية ناس يبينون كم المسافة التي قطعتها الصين في ثلاثين عاماً من الإصلاح الاقتصادي ناس صينيون حسب الموضة الدارجة، وأثرياء وعصريون، ويحيي أحدهم الآخر في تناول الكوكتيل، وهم ينكتون ويضحكون بكل الثقة لغرفة مليئة بأثرياء من نيويورك يتناولون العشاء، انتقلوا من السجود على الأرض احتراماً إلى قبلة الهواء في أقل من قرن. 

اسأل أي واحد من هؤلاء الناس عن مستقبل الصين، ولن يكون هناك أي سؤال. فإن تواضعهم الصيني الطبيعي قد يمنعهم من التبجح أو الشعور بالعظمة مع التشفي بشأن العظمة الممكنة للصين، وأما بالنسبة للأغنياء الجدد من شنغهاي فالمستقبل مشرق. 

وتقدم مدينة نيويورك مقارنة جيدة بكين هي واشنطن دي سيء المدينة العاصمة وهي أكثر إفراطاً بالانشغال بالسياسة من أن تكون في مقدمة التجارة. شنغهاي هي مانهاتن، على الرغم من أنها من عدة وجوه مانهاتن في حوالي العام 1910 بلدة ازدهار والمهاجرون يتدفقون إليها. يوجد 13 مليون نسمة تقريباً في شنغهاي ( وكان في نيويورك في العام 1910 خمسة ملايين نسمة تقريباً ) ، وكما كان في نيويورك منذ مائة عام، كان كثير من هؤلاء الناس قد وصلوا قبل قليل من مكان ما آخر. 

ليس هناك تمثال للحرية ليرحب بهم هنا، ولكنني وأنا أقف مطلاً عبر النهر المتعرج وناظراً إلى الحقول الإليزية من بودونغ، يبدو لي أنه يجب أن يكون هناك تمثال. أو على الأقل تمثال للفرصة، فمنذ أن بدأت شنغهاي تنمو بوصفها مركزاً للتجارة الخارجية في الأربعينيات من 1840 ، كانت المدينة دائماً أم المنفيين. والاختلاف عن نيويورك هو أن المنفيين هنا داخليون، لم يأتوا من عالم قديم ليبنوا عالماً جديداً، وإنما هم يحاولون أن يقلبوا العالم القديم إلى عالم جديد، وذلك واجب أصعب بكثير، إنهم لاجئون لم يأتوا من الأراضي القديمة عبر المحيط، من دبلن أو كييف أو باليرمو، وإنما جاؤوا من الأرض الداخلية، إنهم جماهير محتشدة من هافيه وشينكيانغ، ولانجو وهي المدن التي سأزورها في رحلتي على طول الطريق 312 

برج مكاتب جديد مشرق قائم على الجانب الآخر من النهر صار شاشة ضخمة للتلفاز، وتتناوب عليه الإعلانات ودعايات الحكومة التي تضيء كل جانب المبنى وإحدى الرسائل تستبدل بعد خمس ثوان بأخرى.

أهلا بكم إلى شنغهاي، وغداً سيكون أجمل. 1746 يوماً أخرى إلى أن يحين معرض شنغهاي العالمي المساواة الجنسية سياسة أساسية في بلادنا كلوا شوكولاته دوف. 

بعد العشاء، أتجول ببطء عائداً باتجاه شارع البند متجنباً العدد الكبير من المتسولين الذين يتسكعون عند باب المطعم، ومتوجهاً عبر الطريق إلى الممشى الموجود على الواجهة المائية التي حاولت أن أهرول فيها في وقت أبكر في المساء. تستطيع أن تحفظ الشارع الخامس، وبيكاديللي، والشانزيليزيه. هذا هو المشي الحضري المفضل لدي في كل العالم. ليس هناك شيء يشبهه تماماً، وخصوصاً في مساء صيفي حار. فالطاقة، والجو، والأمل والإمكانات والماضي والمستقبل، كلها هنا. قلب مدينة شنغهاي يجعلك تشعر أن الصين أخيراً، بعد قرون من المحاولة، قد تكون على حافة العظمة مرة أخرى. 

آلاف من السياح الصينيين والغربيين، يتحركون على ممشى المشاة ومصابيحهم الومضية لأخذ الصور تطقطق فجأة مثل ضوء الحباحب في ضوء أغبش الغربيون يفعلون ما يفعله الغربيون دائماً في شنغهاي، فهم يحاولون أن يعيدوا خلق الماضي وهم يخطفون صور المباني الاستعمارية القديمة. والصينيون أيضاً يفعلون ما يفعله الشعب الصيني دائما، فهم يحاولون أن يهربوا من الماضي وهم يخطفون صورهم في الاتجاه المعاكس، وهم يحدقون عبر النهر نحو زقورات بودونغ الباهرة.

كانت شنغهاي بطيئة في الظهور من نومها الاشتراكي في الثمانينيات من 1980. وهي لم تقلع في الواقع إلى أن تولت مجموعة من سياسيي المدينة السيطرة على القمة في الحزب الشيوعي بعد سحق المظاهرات المنادية بالديمقراطية في ميدان تيانائمين في شهر حزيران/ يونيو من العام 1989 بعدئذ، في التسعينيات من 1990، حلق اقتصاد شنغهاي، حين استهلك الأمل والمثالية في الثمانينيات من 1980 على نار كبيرة من العدمية والمال النقدي. 

كانت بودونغ أحواضاً قديمة فقط للسفن وحقول الأرز حتى مطالع التسعينيات من 1990، والآن وصلت إلى أن تجسد روح عصر الصين الحديثة، مثنا ميل مربع من المكاتب والشقق، ومتاجر التسوق لتضيف إلى المبالغات من صيغ التفضيل إلى مدينة تتيجح من قبل ذلك بأسرع قطار في العالم، وبأعلى فندق في العالم، وببعض أعلى المباني في العالم، حين تنظر بعناية إلى بودونغ من السهل أن تعتقد أن أقوى تسعة رجال في الصين ( الذين يكونون اللجنة الحالية للمكتب السياسي للحزب الشيوعي) هم جميعاً مهندسون. 

أمشي طول شارع البند، ثم أعبر عائداً تحت الطريق، ماراً بالمغنين الدوارين وبالمتسولين تحت التقاطع، متوجهاً نحو مدخل السيدة الجليلة نقيبة شارع البند. وهي فندق السلام، وكان يعرف سابقاً باسم كالي، وكان قد بناه في العام 1929 وريث لإحدى عائلات شنغهاي المشهورة قبل الحرب من يهود العراق، وقطب العقارات فيكتور ساسون، وتحول مركز الثقل الاجتماعي في الثلاثينيات من 1930 من فندق آستور هاوس الموجود حول ركن الشارع إلى فندق كائي، والجاز فيه أكثر قفزاً كذلك. وحجراته أكثر أخذاً من فن الديكور لناد ليلي لرقص سريع وحيوي، وحين أصابت الأنفلونزا نوتيل كووارد في أثناء إقامته في العام 1930، كتب ( حيوات خاصة) في واحد من الأجنحة في كالي.

يبرز صوت من الظلال يلفظ التحية المعتادة للباعة المتجولين الذين يتسكعون خارج فندق السلام وهم يضيئون ساعاتهم المزيفة من جيوبهم لتطلع عليها، الصين. طبعاً، هي مركز العالم للسلع المزيفة حقائب غوشي، ساعات روليكس، قمصان رالف لورين كلها لك مقابل دولارات قليلة، فإذا كان من الواضح أنك لا تريد أياً من هذه. يتغير اتجاه الرمي فجأة. 

ويهمس الرجل بإنجليزية مكسرة ومن دون إشارة التملك بار سيدات بار سيدات هل تريد أن تذهب إلى بار سيدات؟ 

الإيمان الشيوعي الصحيح قد رفع، ومعه رفعت الأخلاقيات الشيوعية، وأي شيء الآن يمشي. وفي العادة، تقنع الباعة المتجولين كلمات مختارة قليلة في اللغة الصينية أنك كنت هنا من قبل وأنك في الحقيقة لا تريد أياً من سلعهم المزيفة ونواديهم الليلية السيئة السمعة، ولكن في هذه الليلة، وهذا الرجل الملحاح على وجه الخصوص يستعرض القائمة التي يمتلكها، فأنا أجيب بالصينية بحزم (لا أريد ) لكل واحدة من سلمه، وفي النهاية وصل معي إلى سلعة لم يسبق لي أن سمعتها من قبل. 

ويقول: غولفو، غولفو 

وأتوقف قليلاً لأنظر إليه مباشرة في وجهه وأنا أستطيع أن أشم رائحة الثوم في نفسه. 

ماذا؟ 

وهو يكرر غولفو، غولفو، وقد تشجع باهتمامي، وهو يشير باهتمام إلى صديقه. الواقف إلى جانب المدخل المؤدي إلى الفندق. 

وعلى الجدار اصطفت ثلاثة أطقم كاملة من مضارب نوع كول أواي، ويخبرني أصدقائي من لاعبي الغولف أنك لا تكاد تستطيع أن تعرف الفرق بين المضارب المزيفة مثل هذه وبين المضارب الحقيقية، وسعره ؟ ألفا يوان لكل المجموعة، وتساوي 250 دولار تقريباً لمجموعة من المضارب التي يمكن أن تكلف 2000 دولار على الأقل في الغرب.

وأتجاوز فندق السلام وأتجه مباشرة نحو فندق أستور الواقع خلفه، وفي مقابله يقوم المتنزه العام الذي كان معلقاً على مدخله حسب ما يفترض لوحة أسطورية من العصر الاستعماري تقول: غير مسموح لا للكلاب ولا للصينيين. (أو أن تلك أيضاً أسطورة حضرية أخرى؟) 

وبعدئذ، وأخيراً، ألحظ وأنا أمشي إلى نهاية شارع البند، مدخلاً لم يسبق لي أن رأيته من قبل في أي وقت، وهو محجوب قليلاً في ظل الشارع السريع المرتفع الذي يصعد الآن من الطريق، وهو يلقي بظلاله تقريباً على جدار ما يبدو بوضوح أنه مجمع كبير. لا ترى أي مبان في الداخل من الطريق، ولكن لوحة صغيرة إلى جانب البوابة تعلن أن هذا هو رقم 33 البند موقع القنصلية البريطانية السابقة. وهناك طريق خاص يوصل إلى الخلف منطلقاً من البوابة ويختفي في مجموعة من الأشجار، إنها مظلمة ظلاماً كاملاً. وليس هناك أي إشارة إلى الحياة باستثناء حارسين ليليين في كوخ صغير بالقرب من البوابة. 

وأسألهما: «هل أستطيع الدخول؟ 

ويجيب واحد منهما، وهو رجل تحيل له كتلة كثيفة من الشعر الأسود، وشامة كبيرة على خده: لا، آسف 

أريد أن ألقي نظرة فقط. أنا إنجليزي. 

وعلى الرغم من أننا سممناهم بالأفيون، وسرقنا أرضهم، وقطعنا أوصال بلادهم. وعاملناهم بغطرسة، وأذللناهم، واستعبدناهم تقريباً، فإن الناس الصينيين العاديين الأسماء المائة القديمة مهذبون نحو الأجانب وخدومون لهم على نحو مذهل، نعم. حتى للبريطانيين منهم. وهذا موقف لا يتوقف قط عن إثارة تعجبي، ويقتنع هذا الرجل، ويجيب: حسناً، إذاً، سوف أريك بشكل سريع جداً.. 

هناك مبنيان محجوبان في نهاية الطريق الواصل من البوابة خلف مجموعة من الأشجار مبنى القنصلية ومبنى إقامة القنصل كلاهما بني في العام 1872، وهما مترابطان بممشى متعرج مغطى وكان هذا طوال عقود واحداً من مراكز الحكم الاستعماري في شنغهاي في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين.

والمبنيان الآن يظهران بحالة سيئة وباليين في ظل شنغهاي الحديثة، ويتراقص ضوء مصباح الجيب الكهربائي مع الحارس على هيكلي المبنيين الجائمين، المكونين من طابقين، بشرفاتهما ذات الطراز الاستعماري والمصارع الخضراء للنوافذ التي تغطي النوافذ المقوسة الضخمة، وأنا أطلب منه أن يشعل مصباحه في الداخل. على الغبار وفراغ الحجرات. وفجأة كانت لحظة من تلك اللحظات فوق الواقعية السريالية، في كل الأرجاء حين أستطيع، مع الطنين المنبعث من مساء من القرن الحادي والعشرين في كل الأرجاء، أن أسمع تقريباً ضحك القرن العشرين ومحادثته ورنين كؤوس الشمبانيا وصراخ الفكتوريين، وأشباح شنغهاي الاستعمارية، فالكثير جداً مما هو الصين اليوم مرتبط بحاجتها إلى أن تمسح إذلال تلك الأعوام، وبشكل أخص الإذلال الذي لقيته على أيدي البريطانيين. 

لقد تصادمت الأمنان لأول مرة في العام 1793، حين وصل مبعوث بريطاني اسمه اللورد ماكارتني إلى الصين مع حمولة سفينة من الهدايا ليطلب وضع نهاية للقيود الصينية التي كانت مفروضة على التجارة، وقد أزعج ذلك المبعوث الصينيين فوراً برفضه أن يؤدي السجود أمام الإمبراطور شيانلونغ، وهو ما كان يعني السجود بنفسه تسع مرات ولمس الأرض بجبهته، وأخيراً منحت له المقابلة، فطرده الإمبراطور من دون تأخير مع رسالة إلى الملك جورج الثالث قالت الكثير حول الكيفية التي كانت الصين ترى نفسها بها في ذلك الزمان: 

لقد اطلعنا على نص رسالتكم الرسمية وصياغة الكلمات فيها تعبر عن إخلاصكم، ويمكن منها رؤية تواضعكم المخلص وطاعتكم بشكل ظاهر. إنها محل الإعجاب، ونحن نوافق موافقة كاملة ... والآن، أيها الملك. أنت أهديت أشياء مختلفة إلى العرش.... ونحن لم يسبق لنا قط أن قدرنا الحاجيات البارعة، ولا نحن بحاجة أدنى حاجة إلى صناعات بلدكم. 

مثل هذه الوثيقة، طبعاً، كانت مثل حرفة حمراء للثور البريطاني، وأمضى التجار البريطانيون السنوات الأربعين التالية وهم يحاولون فتح السوق الصيني، وقد فعلوا ذلك عن طريق إحضار الأفيون من الهند للمتاجرة به في مقابل الشاي، والخزف الصيني، والسلع الترفية الأخرى التي كانوا يريدونها، والأفيون البريطاني سمم المجتمع الصيني، مضيفاً توتراً جديداً إلى التوترات الداخلية العديدة التي كانت تتطور من قبل ذلك في كل أنحاء الإمبراطورية واعتراضات يكين على التجارة البريطانية أشعلت شرارة حرب الأفيون الأولى التي انتهت بهزيمة الصين هزيمة كاملة. وأجبرت بكين على توقيع معاهدة نانجينغ في العام 1842، وتنازلت فيها الصين عن جزيرة هونج كونغ إلى البريطانيين، وأجبرت على فتح خمسة موانئ أمام الأجانب. وكان أحد هذه الموانئ ميناء قرية صغيرة لصيد السمك اسمها شنغهاي. في هذه المدن. تم التنازل عن الأرض لشعب المحيط، وهي الأرض المعروفة باسم الامتيازات ليبني عليها هؤلاء الأجانب بيوتهم وقنصلياتهم وكنائسهم، ولا يطبق فيها القانون الصيني والمنطقة التي تقف عليها القنصلية البريطانية كانت جزءاً من امتياز شنغهاي الدولي. ومعاهدة نانجينغ كانت البداية الرمزية لطريق الصين الطويل وطريق العذاب إلى التكامل مع بقية العالم، حين بدأت القوى الغريبة ببطء تقدر الباب المفتوح. 

ووصلت موجات من شعب المحيط، من المبشرين والفجار، ومن المغامرين ورجال الأعمال، إلى الموانئ، يبحثون عن مستقبلهم أو يهربون من ماضيهم ونمت شنغهاي على صورة مدينة غريبة، واسمهما في العقل الغربي يفوح بالفرص وبالمبالغات المفرطة، وبحسية الشرق وغموضه وعلى عكس ذلك في العقل الصيني، حملت شنغهاي رائحة كريهة من الإذلال والتلوث من قبل الغرب. لقد كانت طفل السفاح للصين. وكل شيء فعله الصينيون بعد العام 1842 من الجهود المعتدلة الأولى للإصلاح إلى الثورة التي أطاحت النظام الإمبريالي في العام 1912 إلى تبني الشيوعية ونصرها النهائي في العام 1949، كان يدور حول استعادة الأرض الصينية من المستعمرين واستعادة عظمة الصين. 

والآن بعد أكثر من قرن ونصف تلت، ذلك هو ما يبدأ أخيراً بالحدوث. ويبتسم الحارس ابتسامة عريضة كالتكثيرة من اهتمامي بالتاريخ الذي يقطر من القنصلية القديمة، وهو لا يعبأ بهذا المكان، وما يمثله بالنسبة إليه هو أنه مجرد مبان بالية مثلت الإذلال في ماضي الصين؟ وربما يرى أن هذه المباني يجب أن تهدم. ولماذا لا يقام شيء أفضل منها شيء حديث؟ وبعد أشهر قليلة سمعت أن الموقع يجري استصلاحه وترميمه من مجموعة فنادق محترمة من هونغ كونغ، ليقلب إلى فندق شبه جزيرة شنغهاي 

ونتجول، ونتبع حزمة ضوء مصباحه الكهربائي، عائدين عبر الطريق الطويل نحو البوابة. 

وأقول له: آسف بشأن كل ذلك الموضوع المتصل مع الأفيون، وكل الأشياء الاستعمارية. لسنا فخورين جداً بكل ذلك، وأنت تعرف. 

فيقول وهو يضحك: لا تقلق. ذلك تاريخ لا تستطيع أن تغير التاريخ.

كتب ذات صلة