القائمة الرئيسية

كتاب قصة الديمقراطية    

كتاب قصة الديمقراطية    
ملخص الكتاب

يناقش الكتاب تطور مفهوم الديمقراطية منذ نشأتها في أثينا القديمة، حيث كانت تعبيراً عن شكل خاص من الحكم الذي يركز على مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات السياسية. يُظهر الكتاب كيف تطورت الديمقراطية عبر التاريخ لتصبح مبدأ أساسياً في العديد من الدول المعاصرة، مشيراً إلى التحديات والمفارقات التي رافقت هذا التحول. كما يعرض الكتاب آراؤين متناقضتين حول الديمقراطية: الأولى تروج لها كطريق لتحقيق العدالة والمساواة، والثانية تنتقدها باعتبارها نظاماً يؤدي إلى تدهور السلطة ويميل لصالح الفقراء على حساب النخب. يسلط الكتاب الضوء على التأثير العميق للديمقراطية على الحياة السياسية والاجتماعية، ويستعرض بعمق التوترات بين مختلف الأطراف المؤيدة والمعارضة لها عبر العصور.

القدوم الأول للديمقراطية 

من الظلام ومنذ زمن بعيد مضى جاءت كلمة. ومثل كل كلمة تحمل أمراً لبشر بدأت حياتها في مكان معين. واليوم تنتشر تلك الكلمة في كل مكان يجتمع فيه بشر إلى بعضهم بعضاً مهما يكن عددهم. وحيثما تمضي الكلمة تطالب بالسلطة وبالاحترام. ولكن ما زالت هذه المطالب تقابل بالاعتراض الشديد. وفي بعض الهيئات تبعد هذه المطالب وتنحى جانباً دونما عناء حتى لتكاد يسدل عليها الصمت. وفي بيئات أخرى تؤكد المطالبات بأصوات جهيرة عالية، ولكن يتخللها لدى معظم المستعمين زفرات جوفاء. ويكاد ألا يكون اليوم، حتى في أشد الأنظمة الأوتوقراطية (الفردية) مطالبات توصف بأنها مجرد ادعاءات غير مفهومة كما أنها في قليل من الحالات حتى الآن تكون غير مسموعة: مستبعدة أو ممحية من الخطاب الجماهيري بقوة القمع وحسب. لاحظ، مثلاً ، ما كانت عليه الاستجابة حتى حيال العراق في صيف 2003 حين طالب مجلس الأمن الدولي باستسلامها، قبل أن تشرع أمريكا بعملية الغزو. فلم يكن الطاغية الذي حكم البلد بمثل تلك الوحشية التي عرف بها ولعهد طويل، والذي ما زالت صورته تهيمن على كل ساحة عامة في العراق، من رفض وإن ما اعتبر مجلساً تشريعياً وطنياً: برلمان فكان هؤلاء، وليس سيدهم الحقيقي، من رفض الخضوع بشكل استعراضي، علني، وفي غضون الأسبوع قرر سيدهم الحقيقي، وبشكل أقل من الاستعراضية، أمراً مختلفاً تماماً. أو هكذا، على الأقل، بدا الأمر).

ولم تنتقل كلمة الديمقراطية وتنتشر في ترحالها عبر الزمان والمكان لوحدها، بل الحق أنها ارتحلت، خلال القرنين الماضيين، في رفقة طريق طيبة، مع الحرية وحقوق الإنسان، وربما حتى الآن، على الأقل بالمظاهر مع الرخاء المادي أيضاً. ولكن الديمقراطية، على العكس من رفاق الدرب هؤلاء، ترمي بطلب مقلق منذ البداية المطالبة بالطاعة، ذلك أن كل حق يقيد حرية الفعل، وبالضرورة حتى الحرية تتدخل في حرية الفعل لدى الآخرين، ولكن الديمقراطية في حد ذاتها ضغط مباشر على الإرادة إنها مطلب بقبول خيارات معظم رفاقك المواطنين والالتزام بها، بل وحتى التسليم بهذه الخيارات وليس هناك ما يغري في هذا المطلب، ولا ضمان بأن القبول به يجنب المرء مواجهة عواقب مخيفة وقد لا ينطوي على تواطؤات مستقبحة. والسلطة المكتسبة بهذه الكلمة المتداولة على نطاق واسع هي من نواح كثيرة ووجهات نظر مختلفة لغريبة حقاً. 

هذه قصة لها بداية. وقد بدأت الديمقراطية في أثينا. ولم تكن تشبه ما يمكن أن يخطر ببال أحد اليوم أن يسميه ديمقراطية وإنما كانت في الواقع أمراً جاء به حسب علمنا، رجل ما. ثم صارت الديمقراطية تستخدم اليوم بقدر كاف من الجرأة، للإشارة إلى أي شكل من الحكم أو صنع القرار. ولكن حين دخلت الديمقراطية لغة البشر فقد كان هذا وصفاً لحال قائمة وبالغة الخصوصية، في موقع معين. وكان ذلك المكان أثينا. 

فما الذي كانت الديمقراطية تصفه حين استخدم الأثينيون هذه العبارة في الوصف؟ وماذا كانوا يعنون بوصف الحالة على هذا النحو؟ وإن النظر في ما كان يحدث في ذلك الفصل الأول من التسمية أو النعت يفيد في البدء بالإصغاء إلى الأثينيين حين كانوا يخاطبون بعضهم بعضاً في موضوع التجربة التي كانوا يأملون بالوصول إليها، فتأمل صوتين أحدهما يتكلم متحمساً في الدفاع عن الديمقراطية، والآخر يكتب عنها دون حماس وبطريقة فيها الكثير من الثقة والبحث والتقصي. 

والصوت الأول شهير ومهيب، كأنه صوت بيركليس ذاته. فأعظم احتفال بالديمقراطية القديمة لا يأتي من شاعر أو فيلسوف (أو حتى خطيب محترف) وإنما من الزعيم السياسي الذي قاد أثينا إلى الحرب التي كادت أن تجلب لها الفناء. إنه يستثير ويدعي أنه يعرض احتفالاً تاريخياً مشهوداً فريداً، جرى في أواخر العام 430 ق.م. والحق أننا لا نعلم أن بيركليس قد نطق بكلمة واحدة عن الديمقراطية، إلا أن توسيديدس المؤرخ الفذ الساحر الذي لا بد أنه واضع الخطب يؤكد لقرائه أن الخطبة، شأنها في ذك شأن العديد من الخطب الأخرى التي احتواها تاريخه، لا تنقل مجرد ما كان ينبغي أن يكون بيركليس قد قاله وإنما ما كان يحتمل أن يكون قد عناه . وقد أراد توسيديدس، كما يخبرنا هو ذاته بشيء من الفخار، أن يقيض لقصته أن تدوم إلى الأبد ؛ وكان بيركليس في تلك المرحلة قد قاد مدينته الدولة في الحرب والسلم مدة أطول مما فعل أبراهام لينكولن أو وينستون تشيرشل وفي ظروف كثيراً ما امتحنت فيه قيادته للبلد في الداخل بالصرامة والشدة اللتين عرفتهما الحرب الأهلية الأمريكية المدمرة أو الكفاح المرير للصمود في وجه الرايخ الثالث والإطاحة به. كذلك قاد بيركليس (وما كان بوسعه إلا أن يقود ) هذه الحرب، إلى حد لم يعرف نظام برلماني أو رئاسي له نظيراً، وذلك بإقناع غالبية المواطنين الذين حضروا المناسبة بالخطب التي ألقاها أمامهم. المرة تلو المرة. ولقد أمسك بالسلطة بالخطابة ، وثابر على ذلك بحزم وعزم ما جعل توسيديدس ذاته يصف أثينا يومئذ بأنها محكومة من رجل فرد . وليس لنا أن نعجب لهذه السلطة الدائمة أو الصوت المدوي اللذين ما زال يتمتع بهما هذا الشاهد الفذ. 

كان ذلك خطاباً وضع المناسبة خطيرة مشرفة: مرثية لقتلى أثينا في السنة الأولى من حرب البوليبونيز الطويلة المريرة، ألقاها كما هي العادة في كل جنازة عامة في أثينا لمن سقط من أهلها (باستثناء فريد، هو أنهم المنتصرون في واقعة الماراثون ) أمام مقبرتهم الجماعية إلى جانب أجمل درب يؤدي إلى أسوار المدينة. وفي تلك المناسبة لم يتحدث بيركليس أو ينطق بكلمة عن مغامرات فردية أو جرأة أتى بها أبطاله ، وإن لم يدع مجالاً قوياً للشك لدى مستمعيه أن الكثيرين من أولئك الأبطال مضوا في طريقهم بكرامة. أما الذي كان مجلياً في الحديث عنه فكان أثينا ذاتها. التي بذل كل منهم تضحيته الأخيرة من أجلها، فتحدث عن أمجادها الفريدة وحقها في المطالبة بالإخلاص الذي لا مثيل له. وتوسيد يدس لم يكن بالرجل الذي ينزع إلى العاطفة، وليس هناك منذ أن وضع تاريخه من تناول نهج الأثينيين في السياسة في تلك السنوات بالتمحيص أكثر مما فعل، فما الذي يجعل بيركليس يقول في مدح الأثينيين في تلك المرحلة تبريراً للخيارات التي أخذ بها أولئك الذين مضوا للقاء الموت في سبيلها. بدءاً من واستناداً إلى نظامها السياسي، والحياة السياسية والروحية التي أطلقها وجعل الأثينيين يعيشون معاً:

إننا نعيش في ظل نظام نأخذ به في الحكم لا يقلد مؤسسات جيراننا. بل على العكس من ذلك، فنحن النموذج الجديد الذي يقتدى به، بدلاً من أن نكون مقلدين للآخرين .

بل كذلك، جعل مواطنيها متساوين أمام القانون في خصوماتهم الخاصة ومتساوين في الحرية للتنافس للفوز بمراتب الشرف على أساس المزايا والفضائل الشخصية والجهد أو نشدان مرتبة قيادة المدينة بصرف النظر عما يتمتع به المرء من الثراء والوضع الاجتماعي . كذلك يطري بيركليس النظام للطف والدماثة السائدة بين المواطنين وغياب الشراسة والبغضاء في التعامل فيما بينهم، ثم لاحترام القانون الذي أشاعه ولحمله إلى المدينة ثمار ونتاج العالم كله. كما أنه يطري هذا النظام للتفوق العسكري الذي حققه لأثينا، والصراحة في مواجهة كل شعب آخر وما اكتسبه نهجهم في الحياة من الشجاعة والإقدام، ولكنه يطري هذا الشعب أيضاً لما له من الذوق والتجاوب والجمال واعتدال الرأي واحترام الحكمة والاعتزاز بحيويته وتبصره وكرمه. وقد قال مزهواً باختصار إن أثينا معلم لكل بلاد الإغريق. 

إن هذا النظام المسمى ديمقراطية معمول به لأنه يأخذ في اعتباره مصلحة الكثرة، لا القلة، ولم يقتصر أثره على إضفاء العظمة على أثينا. لقد بدأت ديمقراطية الأثينيين ( بل اكتسبت حتى اسمها ) قبل أن تحمل المقولة ذاتها أو تعبر عن أي قيمة واضحة أو خاصة، ومع ذلك ففي غضون بضعة عقود من حصولها على هذا الاسم لم تعد تعني مجرد طريقة في تنظيم السلطة والمؤسسات السياسية وحسب، بل وامتد أثرها لتعني طريقة في الحياة قائمة بذاتها بالإضافة إلى المناقب الملهمة التي نشرتها. وفي صميم تلك الطريقة في الحياة كان يكمن الجمع بين الالتزام الشخصي بالمجتمع الذي ولد فيه المرء وحيث مأواه، وممارسة مستمرة لتقويم الحياة العامة الذي يعتمد عليه المجتمع بشكل واع لضمان أمنه ذلكم أمر انفردنا به فلا نقول في من لا عناية له بالشأن العام أنه منصرف لشؤونه وإنما نقول أنه بلا شأن إطلاقاً، ونحن معشر الأثينيين لنا رأي في القضايا العامة، فنتخذ قراراتنا بأنفسنا ونعرضها للنقاش السليم أو نسعى في الأقل إلى بلوغ فهم سليم لها، اعتقاداً منا بأن النقاش ليس عرقلة للعمل، بل إن النقاش يغني قبل أن يحين وقت العمل . 

والحق أنه لم يكن هناك تعبير أسلم من هذا عن الأمل الذي يكمن في صميم الديمقراطية كمثل سياسي منشود. 

إن الخطاب الذي يقدمه لنا توسيد يدس هو عرض مؤرخ للمواطن الصالح والأداء السياسي الرفيع، وهذا، بعد خلاصة الطرق التي صار الأثينيون يتطلعون إليها فيما هم صائرون مجتمعاً . وكانت الديمقراطية تعني طبعاً للأثينيين الآخرين في ذلك الزمان كما في العهد السابق واللاحق أمراً مختلفاً أشد الاختلاف، كما ربما كانت تعني للكثيرين من أهالي أتيكا عبيد، ونساء، وغرباء - الذين لا يمكن أن يتمتعوا بكامل المواطنة. وهناك عند نقاد الديمقراطية مدى واسع من الأصوات يجب الإصغاء إليها، وليسوا جميعاً مثل أفلاطون مثقف محتقر للديمقراطية. وما هو ملفت للانتباه بشكل خاص شخصية خلع عليها أعلام التراث الكلاسيكي البريطانيين الأسباب باتت إلى حد بعيد منسية اسم الأوليغارشي العجوز صاحب الدراسة المحكمة الموجزة دستور الأثينيين، والتي لطالما نسبت إلى اكستيفون ن . فالاوليغارشي العجوز، كان قد وضع كتابه في الأرجح حتى قبل اندلاع الحرب البيلوبونيزية، ولم تكن ديمقراطية أثينا لديه مدعاة للترحيب والابتهاج ؛ ولكنها كانت قطعاً نظاماً سياسياً متماسكاً ذا عناصر كثيرة أحسن حسابها لتصمد وتقوى على مر الزمن ذلك أنها منحت الفقير سلطة، وقربت إلى الناس من غلبت عليه التفاهة وعدم الخجل ، وكان ذلك عن تدبير وتمحيص وتم على حساب أولئك الأثرياء والنبلاء أصحاب المحتد الرفيع والعراقة أو المكانة الاجتماعية . وقد كان لتوزيع السلطة هذا نتائج طبيعية تماماً عادت بالفائدة للأوائل على حساب الآخرين. وما جعل توزيع السلطة قابلاً للديمومة أن المصدر الرئيس للقوة العسكرية التي تحظى بها المدينة كان أسطولها القائم على المواطنين، الذين يتحدر غالبيتهم من القطاعات الأفقر من أهالي أثينا وذلك على العكس من الهوبليت جنود المشاة المدججين بالسلاح، الذين يهيمنون على قواتها البرية . وكان حقاً، عند الأوليغارشي العجوز، أن أصحاب الامتيازات ، في كل مجتمع يعارضون الديمقراطية، ويرون أنفسهم مصدر اللياقة واحترام العدل، ومن هم أدنى في المرتبة الاجتماعية فوضويون فاسدون . ومقابل هذه المواقف كان موقف الغالبية في أثينا وهم الأشد فقراً بين أبناء أثينا، الأخذ بالنصيحة الجيدة بالإصرار على أن تكون لهم فرصتهم بالمشاركة بالمناصب العامة في المدينة، وحقهم. أيضاً، في مخاطبة مواطنيهم متى شاؤوا ، وكانوا قد نالوا أيضاً مشورة حسنة بتوزيع هذه المناصب التي تعتمد عليها سلامة الشعب أو تكون مجلبة للخطر ، فلا تكون مهام القائد أو قائد الفرسان متروكة لاختيار هيئة المواطنين وإنما تولي المهام بالانتخاب الشعبي العام، بحيث يحصل عليها أولئك الأفضل إعداداً لحملها (وهم، حتماً، الأغنى والأقوى). 

وكانت ديمقراطية أثينا عند بيركليس، كما حمله توسيديدس على القول أسلوباً في العيش المشترك في حرية سياسية تكسب الأخلاق رفعة وتهذب وتنقي الإحساس لدى مجتمع برمته. ولقد منحت الديمقراطية الطريق إلى حياة غنية بما يثير الاهتمام ويشيع في النفوس الرضى ووفرت لهم الحماية الفعالة ليعيشوا هذا الطراز من الحياة جنباً إلى جنب، وكان من الغلو أن يطلب الإنسان أكثر من هذا من أي مجموعة من المؤسسات والممارسات السياسية، أما عند الأوليغارشي العجوز، صاحب الرأي المناقض كل التناقض للرأي السالف، فقد كانت ديمقراطية أثينا نظام سلطة عنيف غير مشذب بشكل فاضح حط من مقام العناصر الأنبل في المجتمع وتعمد اغتصاب الثروة ونقلها من جماعة إلى أخرى وتدبر توزيع القوة ليكفل صعود جماعة دون سواها ويسيطر على العناصر الأرقى. 

لا يريد الشعب حكومة صالحة يصبحون هم أنفسهم تحت حكمها عبيداً: فالناس يريدون أن يكونوا أحراراً وأن يحكموا. 

لا يمكن لأحد أن يفوته الصدام بين هذين الرأيين والأشق من ذلك تقدير كم يختلفان في الرأي، وليس في الميل لا غير، وأيهما، من حيث اختلافهما في الرأي، يعبر عن حقيقة ديمقراطية أثينا. 

يواجه كل من يحاول أن يتبين تلك الحقيقة بنفسه ثلاث عقبات مختلفة عن بعضها أشد الاختلاف، وأولها يتصل في العمق بسياسة البلد المقصود في أي مكان وأي زمان. وهذا ناجم عن التباس السياسة ذاتها. وقبل كل شيء التوترات الدائمة بين المكونين الرئيسين فيها . ذلك أن كل جماعة سياسية تتكون من مزيج زئبقي وغير مستقر من غايات البشر وهي غير متعمدة بالدرجة الأولى ونتائج أفعالهم. وقد تكون هذه الغايات شديدة الضيق أو تتصف باتساع المشاركة. ثم إنها قد تومض ويستمر وميضها يوماً أو يومين، أو ربما تكتسب قواماً في شكل مؤسسات أو قوانين عمل محددة، ومفاهيم متبلورة بعناية حول ما يجعل المؤسسات والقوانين ملائمة أو غير ملائمة. فكل صورة للسياسة تركز بشكل مبدئي على المؤسسات والممارسات والقيم انطلاقاً من الوجه الرسمي للجماعة السياسية، وترسم تطلعاتها ودعاواها الطموحة، صورة تحاول، عوضاً عن ذلك، تثبيت ما وقع فعلاً نتيجة اختيار جماعة معينة من الرجال والنساء سلوكهم كما يشاؤون لتقصر عن أن تصور ذلك المجتمع في صيغة حماسية متواضعة أو لا تقدمه في ضوء مناسب والأرجح أن يخلص المرء إلى أن التطلعات المصرح بها في مناسباتها الرسمية غالباً ما تكون ضروباً من الترهات ومؤسساتها على تعارض شديد مع تعليلاتها الرسمية، والقيم التي تقدمها في تبرير مسلك سياسي معين ضد اتجاه آخر لا تزيد عن كونها أدوات تضليل وخداع . أما الصحيح والسليم، مع ذلك، فهو أنه لا يمكن لأي من هذه الصور أن تكون مناسبة في حد ذاتها ولا يمكن أن تكون بالآتي، كلها ضلال . وفي حالة أثينا، وهي أوضح ربما من حال زائير في ظل حكم الجنرال موبوتو، فإن الحاجة لكل منهما شديدة الوضوح. 

وأما العائقان الآخران أمام رؤية الديمقراطية الأثينية الطريق التي كانت عليها فهما أقل استفزازاً إنما شديدا الإزعاج، والأول فهو الطابع المتقطع وغالباً المتقلب مما يتسم به الشاهد الذي لدينا وما نزال نفيد منه. والكثير منه ليس نصوصاً وصفية مطولة. ولكن هذا كله ما يزال يطغى عليه ظل مجموعة ضئيلة نسبياً من النصوص الباهرة وفي مقدمتها كتابات تاريخية أو فلسفية درامية أو خطابية، وجميع هذه الأعمال تدع لدينا بطريقة أو أخرى ما فيها من صورة عن واقع بعيد جداً عنا وتترك هذا الأثر لأغراضها الخاصة، وكثير منها يصعب بل وربما يستحيل تحديده. ولدينا أعمال تجشم أصحابها أشد العناء في وصف المؤسسات مثل كتاب أرسطو دستور الأثينيين، ومسرحيات كوميدية وتراجيديات من اسخيلوس حتى أرستوفانيس، وكتب تاريخ تغوص في أعماق الماضي من هيرودوت وتوسيديدس، وخطب حماسية لأصحاب دعوات سياسية مثل ديموستينيس أو ايسوقراطيس، لكنها لا تضاهي في معنى الحياة الإنسانية ومكانة السياسة فيها أبحاث كل من أفلاطون وأرسطو، وتوضح هذه النصوص المتفرقة والمتضافرة في ما بينها بعض الأمور على نحو باهر: ولكنها تدع أيضاً الكثير مما ليس الآن في نطاق النظر كلياً. إلا أن هذه الفجوات الواسعة التي تعتور معرفتنا لا تستطيع أن تلطخ حقائق الماضي البعيد ، أو تضعف أسبابنا للسعي للإحاطة بها قدر ما أمكننا ذلك. بيد أن هذه الفجوات تقدم تحذيراً جديراً بالترحيب على أنه من اليسير دائماً خداع أنفسنا في أمر مصادر آرائنا حول تلك الحقائق: لماذا نراها ونشعر بها على النحو الذي تفعله؟ 

والعقبة الثالثة تكمن في التاريخ الطويل والمستمر على نحو مدهش والذي قادنا لنراها على هذا النحو، تاريخ حمله إلى حد بعيد الانتقال التاريخي للنصوص ذاتها بالضبط. وهناك، كما سنرى علاقة مباشرة ضئيلة بين المؤسسات والتقاليد السياسية في أثينا القديمة وتلك التي تتوافر في أي مجتمع إنساني في الوقت الحاضر. لكن ثمة خيط رابط واحد على الأقل لا يخطئه المرء، ويجري متصلاً دونما انقطاع من نصوص اسخيلوس إلى الوقت الحاضر. وما ينتقل على طول هذا الخيط نادراً ما يكون، إن حصل بنى سلطة متينة راسخة، أو ممارسات مؤسساتية محددة، وما يرتحل معه، وغالباً ما يكون بقدر عظيم من الحيوية، مفاهيم عما هو ذي قيمة وما ينبغي نشدانه، ولماذا وكيف يكون التصرف استناداً إلى هذه المفاهيم والمفاهيم من هذا القبيل قيم، مثل رؤى للحياة لا تحدد نتائج سياسة أي مجتمع قط، وتتغير وتتبدل باستمرار فيما تشكل وتعيد تشكيل الأهداف طوال الطريق. ولكن ما من مجتمع يمكن أن يقوم ولو عرضاً، ناهيكم أن يستمر ويتسع على مدى مدد من الزمن، إلا بفضل هكذا مفاهيم والنسيج المعقد للمؤسسات والممارسات التي توفر وتعزز المعلومات. (قانون أي مجتمع وضع مثالي لرؤية ثقل هذا الاعتبار البسيط: ساحة قتال لا نهاية لها لقوة منافسة، وإنما أيضاً وبالضرورة قماش لوحة متماسك للبحث والتفسير، لعبة ذكاء بل وحتى أثر الحيرة والريبة). وإذا وفيما نلتفت إلى الوراء ونشخص بأبصارنا إلى ديمقراطية أثينا عبر عتمة التاريخ، ثم نتشاحن فيما بيننا بلا نهاية حول ما كان يجري حقاً هناك - فإننا في الواقع إنما نكون نجمل إلى حد بعيد الحجج الإغريقية. ونفعل ذلك جزئياً بسبب استمرار واضح في الموضوع لأن الواقع الذي تحاول التقاطه كان إلى حد بعيد لحمة تلك القضايا وسداها؛ وفي جزء آخر لأن استعادة الحجج الإغريقية ظلت طوال حوالي ألفي سنة ما ثابر الأوروبيون في التدرب على القيام به، ثم تبعهم في هذا لاحقاً الأمريكيون الشماليون. ولكننا نحن أيضاً نفعل ذلك بسبب ما في بعض هذه الأفكار من قدرة على الثبات والدوام مما هو في حد ذاته شهادة على قوة طريقة الحياة التي جاءت بهذه الأفكار أولاً .

فما هي، إذاً، الديمقراطية الأثينية؟ هناك بضعة أمور نحن على ثقة منها، وما كان عند الأثينيين أنفسهم موضع خلاف محتدم ظل على حاله من بدايته حتى نهايته. وما كان الأمر أقل من الدواء السياسي المهدئ الذي تبدو عليه الديمقراطية اليوم، أي صيغة لما ينبغي أن تكون عليه الأمور سياسياً في كل مكان ودائماً تقريباً في أي مكان وأي وقت، على الأقل، حين لا تكون القضية ملحة جداً ). وما اختلف عليه الأثينيون كان طبعاً ما حدث في ديمقراطيتهم وغيرها وبسبب منها، وبالآتي ما معنى نظامهم. وقد كانوا أقل شكاً في ما كانت عليه مبادئ مؤسساتهم الرئيسة أو تاريخ قيامها، أو متى في النهاية، بلغت خاتمتها. أما ما كان يفرق بينهم، مثلما يفرق كل مجتمع إنساني، فهو كيف رأى كل منهم تصرفات الآخر السياسية والغايات التي تكمن وراءها، والقوى والمصالح بشكل واع أم لا ) التي بدورها تكمن وراء هذه الغايات. 

ولقد كان لديمقراطية أثينا عبر تاريخها أعداء الداء كما كان لها مناصرون ملتزمون بها، إن في الداخل وإن في الخارج، ولربما صارت هذه الديمقراطية، كما قال بيركليس مزهواً طريقاً مشتركة في الحياة في مشهد بديع مكشوف للقاصي والداني ولكن نهج الحياة ذاك آثار الكراهية والازدراء كما أثار الحب والإعجاب: ثم كان أن فاضت الكراهية وتدفق الحب حتى غلبا على المؤسسات والتقاليد الديمقراطية، وتوازن الجماعات المتنافسة والمصالح الاجتماعية والطاقات السياسية التي كانت تبديها وتكفل لها الاستمرار.

لقد نشأت الديمقراطية في أثينا عن صراعات بين ملاكي الأرض الأكثر ثراء والأسر الأفقر حالاً التي فقدت، أو كانت مهددة بأن تفقد أراضيها، لتواجه بالآتي خطر التحول إلى عمال غير أحرار. بسبب الديون التي تراكمت عليهم . وإذاً فالديمقراطية لم تصدر، بصورة مباشرة ووعي ذاتي بالتدبير عبر ذلك الكفاح ذاته، ونتيجة نصر جلي لا التباس فيه للفقراء على الأغنياء، وإنما عبر سلسلة من المبادرات السياسية كان من آثارها أن أعادت صياغة الجغرافية ( الاجتماعية ومؤسسات أثينا وأضفت عليها هوية سياسية ومنحتها نظاماً من الحكم الذاتي أتاح لها التعبير عن تلك الهوية والدفاع عنها. وكانت أكثر تلك المبادرات أهمية، ألا وهي إصلاحات صولون، قد أخذت موقعها المناسب قبل أن تصبح أثينا ديمقراطية بأي معنى من المعاني. 

وكان صولون نبيلاً (Eupatrid) من أهالي أثينا اختاره القوم حاكماً أرخون (Archon) للعام 594 ق.م ومنح سلطة مطلقة لإعادة تنظيم ملكية الأراضي وترتيب الأوضاع الرسمية والشخصية بين الأثينيين وإعطائها شكلاً شرعياً دائماً. ولقد قام صولون بسن القوانين وأجرى تعديلات على مستويات الملكية وعلى أساسها أجاز للأغنياء في أثينا التمتع بالمناصب الرسمية (37). كما تولى إصلاح هيكل المحاكم، وحسن بذلك . من شروط التقاضي للفقراء وأعتق من كانوا لا يزالون عبيداً بسبب الديون وألغى عبودية الدين لاحقاً. وعرف عنه ثباته على رفض مبدأ إعادة توزيع الأرض. 

وهكذا لطف صولون بهذه الوسائل من قوة آليات الاستيلاء الوحشية على الأملاك والجوع لامتلاك الأرض والديون وإمكانات الاستعباد بين الأثينيين أنفسهم، وأظهر لهم كيف يجب أن تنظر أثينا إلى ذاتها وتحافظ على نفسها كجماعة، فيما العالم من حولها يتبدل. أما ما فشل في القيام به فكان وضع آلية سياسية من خلالها يعمل الأثينيون معاً لتحقيق ذاك الأمل، وكانت الإصلاحات التي أتى بها علاجاً لعلة متأصلة بين الأثينيين أنفسهم ولسوف تغدو كذلك، علاجاً في متناول أيديهم. 

أما المبادرة الرئيسة الآتية وهي توقيت الموعد المناسب لإطلاق الديمقراطية، فقد جاءت بعد قرابة قرن من الزمن وكثير من الاضطرابات السياسية التي تخللته، ولقد كان صولون شخصاً تاريخياً حقيقياً: ولكنه كان كذلك شخصية أسطورية، فهو أحد أعظم اثنين من المشرعين لطالما سكنا المخيلة السياسية للمجتمعات الإغريقية، واستحوذا منذ ذلك الحين على الذين جاؤوا بعدهما . وكانت مأثرة المشرع أنه ركز انتباهه على التحديات الأساسية التي تواجه مجتمعاً معيناً ، ووضع إطار عمل وفر لهذه المشكلات حلاً دائماً وحدد ذلك بوساطة القانون، وكان كليستينيس هو الذي أحضر إلى أثينا في العام 507 ق. م ما صار الأثينيون يسمونه في ما بعد الديمقراطية»، شخصية تاريخية نبيلاً (Eupatrid)، مثل صولون سوى أنه لم يصبح شخصية أسطورية قط. وليس ثمة مصدر تاريخي يشير إليه بوصفه صاحب تصور واضح عن التحديات الأساسية التي واجهتها أثينا أو أنه انتقى الديمقراطية بعناية من أجل علاجها. بل إن الديمقراطية لم تكن في الواقع تزيد عن اسم وحسب . وما فعله كليستينيس، شأنه شأن صولون من قبل أنه أعاد تنظيم الجغرافية والمؤسسات الاجتماعية لأثينا لحل مجموعة من المشكلات العاجلة ووضع إطار عمل ثابت لأثينا كمجتمع بشأن الحل الموعود، وكان عليه لتحقيق ذلك أن يفوز بالسلطة أولاً: فكانت الديمقراطية، كما تبين الوسيلة الأولى لبلوغ هذا الهدف، وظهور النتيجة التي مؤداها أنه بلغ المراد. وما كان مختلفاً في الحل الذي أتى به كليستينيس أن الإطار الذي أرساه كان منذ البداية طريقة الترتيب خيار سياسي يخرجه من صفوف النبلاء والأثرياء نسبياً، ويرجع الخيار بجلاء ووضوح وجرأة إلى عوام أثينا (Demos) ككل. 

ويصف هيرودوت تبني كليستينيس هذا النهج، ليس باعتباره حالة من القناعة الفكرية أو الأخلاقية، وإنما كضرورة عملية لحشد التأييد ضد خصومه الأرستقراطيين وحلفائهم الأسبارطيين. ولكن حتى في ذلك الحين قد لا يكون للدوافع والتطلعات التي قادت اختياره اعتبار كبير، بعد قيامه بذلك. فما كان أكثر أهمية وما زال له هذا التأثير إلى اليوم، أن هذه الوسيلة قد نجحت وفعلت فعلها بعدة طرق ولعهد طويل يدعو للاستغراب. وفيما ظل هذا النهج يفعل فعله واكتسب اسماً خاصاً به ( ديمقراطية - حكم الشعب أو بصورة أدق القوة أو السلطة في أيدي الـ ديموس الشعب ككل، أو في عيون أعدائه العامة أو غير النبلاء). 

ولقد صنعت الديمقراطية أيضاً شكلاً من المؤسسة المتطورة للتعبير عن ذلك الحكم، وشعوراً متأصلاً باطراد بهويته ونظرته. وكانت خطبة بيركليس قد ألقيت في شكل من الأشكال) بعد ثلاثة أرباع القرن من ظفر كليستينيس بالسلطة في أثينا بوساطة الديمقراطية ومن أجلها وظلت أثينا ديمقراطية طوال قرن من الزمن بعدئذ، وإن تخلل هذه المدة انقطاعين مدمرين. ولما بلغت الديمقراطية نهايتها في المدينة لم يكن ما أنهاها خيارات أثينا سياسية أو حتى تطورات غير مقصودة). بل كان السبب قوة عسكرية من الخارج: جيوش مملكة مقدونية.

كتب ذات صلة