الاقتلاع من الجذور
لا بد أن العفاريت في مناجم نيون بورنيو تعمل وقتاً إضافياً كي تبقي شنغهاي مضاءة.
وباستثناء لاس فيغاس ( ومن الممكن طوكيو)، نادراً ما رأيت لوناً أنبوبياً حاراً جداً مثل ذلك امش على طول شارع نانجينغ في قلب مدينة شنغهاي، وستصاب بالعمى من كل نوع من لوحات النيون، وكلما كانت أعلى صوتاً، وأشد إشراقاً فهي أفضل بالنسبة إلى الحد الذي يهم شركات الأعمال الصينية..
ويصرف النظر تماما عن الأنواع العديدة من السلع والأطعمة التي يجري الإعلان عنها، كان كل ذلك النيون يلمع ليوصل رسائل مهمة جداً عن الصين الحديثة، وأول كل شيء، واضح وبسيط، هناك الازدهار الاستهلاكي المثير للتعجب الذي يجري في المدن الكبيرة والصغيرة، وحين وصلت أنا لأول مرة في العام 1978، كان العديد من المواد اليومية ما زال يشترى بتذاكر توزيع الطعام فقط، ولم تكن تستطيع أن تشتري الحليب مباشرة أيضاً. والآن، فإن أي شيء تستطيع أن تشتريه في الغرب تستطيع أن تشتريه في مدينة صينية مثل شنغهاي هل تريد مسجل إم بي 3 (MP3) أو أي بي أو دي (IPOD) أو أي علامة تجارية أخرى متوافرة لكل منجر مقسم إلى إدارات؟ معالج طعام؟ دراجة تمرين كلها موجودة هنا كافيار شمبانيا؟ كمك أوريو؟ فطور حبوب من نوع كي (K) خاص؟ سمها. المتاجر في مدن الصين الساحلية تخزنها كلها.
الشيء الثاني الذي يمكن ملاحظته وأنت تسير في أنحاء مدينة مثل شنغهاي هو أمر واضح نوعاً ما ولكن يجب ألا يقلل من قيمته في السياق الأعرض من تاريخ الأمة. الصين في سلام. فطوال النصف الأول من القرن العشرين، كانت في فوضى، وتنهار داخلياً ويجري افتراسها من الذئاب الاستعمارية. وبدأ السلام أخيراً يصل مع تولي الشيوعيين السلطة في العام 1949، ولكن البلاد حينئذ ابتدأت بافتراس نفسها. وسط جنون حملات ما و السياسية. ومع ذلك، فكلمات السر للحزب الشيوعي . الآن هي السلام على المستوى الدولي والاستقرار على المستوى المحلي، وسياسة الحزب للاستقرار تتسبب في خلق مشكلات عديدة، ولكنها أيضاً توفر بيئة يستطيع الكثير فيها أن يزدهر.
وأخيراً، فالشيء الثالث الذي أضاءه كل هذا النيون هو أن الصينيين الحضر الآن يملكون السلام ليعيشوا من دون تدخل الحكومة في العديد من نواحي حياتهم. وبعد قتل الطلاب في ميدان تيانا نمين في العام 1989، عقد قادة الحزب الشيوعي صفقة غير مكتوبة، وغير محكية مع شعب الصين ابقوا خارج السياسة، وتستطيعون عمل أي شيء تريدونه، وفي أثناء التسعينيات من 1990، ولأول مرة في أكثر من أربعين عاماً ( أو ربما أربعة آلاف ، بدأت الحكومة الصينية تتراجع من الحياة اليومية للناس.
كانت هذه الحركة ذكية جداً من الحزب، فالقفص الصغير للطائر الذي كان قد عاش فيه الصينيون سابقاً صار قفصاً كبيراً. فأنت لا تستطيع بعد أن تطير في السماء الزرقاء الصافية، وهم يستطيعون أن يمسكوا بك إن أرادوا ذلك، ولكن هناك حيز وافر للطيران حول المكان، وبعد أكثر من أربعين عاماً من كون المواطنين مجبرين على المشاركة بالسياسات، فقط كانت الأكثرية سعيدة جداً في الانفكاك منها انفكاكاً كاملاً وأن يتوجه الناس نحو أعمالهم في كسب المال.
والآن قف للحظة فقط، وانظر في هذه التطورات الثلاثة من زاوية مختلفة.
أولاً وقبل كل شيء، نعم، هناك ازدهار استهلاكي، ولكن أكثرية الناس لا يملكون الوصول إليه. وإذا كنت في الولايات المتحدة تحتاج إلى المال للحصول على السلطة فأنت تحتاج إلى السلطة لتحصل على المال في الصين، رفاهية الصين اليوم هي مجرد بريق الثروة، وهو متاح ليصل إليه بشكل رئيس الفاسدون والمحظوظون جداً المتربعون على القمة، وهو بريق يموه جماهير تقلي من المشكلات الاجتماعية الحضرية، مثل البطالة، والجريمة، والإسكان القديم، وهي لا تذكر أيضاً الريف. ابتعد ميلاً واحداً فقط عن النيون في شارع البند وفي طريق نانجينغ، فسوف تجد آلافاً من الناس يعيشون على أربعين دولاراً في الشهر، مكافأة الفصل من أعمالهم السابقة في المصانع غير الموجودة الآن. وهم لا يملكون تأميناً صحياً، وإذا وقعوا في المرض حقيقة، فكل ما يستطيعون عمله هو الذهاب إلى البيت والموت فيه.
وأقسام من المتاجر الكبيرة المتخصصة فارغة بشكل دائم، مثل الكثير من مجمعات المكاتب الجديدة وأسواق التسوق التي بنيت نتيجة لصفقات الفساد. معطية طبقة سطحية من الوفرة التي تجعل المدينة تبدو أكثر ازدهاراً مما هي عليه. ومقابل كل عضو من الطبقة الوسطى البارزة التي تسوق عائلتها إلى محل بيتزاهت في سيارة فولكس فاجن سيدان ربما يوجد مائة عائلة لا تكاد تستطيع أن توفر لنفسها دراجة عادية.
وثانياً، نعم، الصين في سلام مع معظم جيرانها وفي الوطن، ولكنه سلام قلق. وبتقديرات الحزب نفسه، هناك أكثر من مثني حادث في كل يوم من عدم الاستقرار الريفي، وكثير منها نتيجة لعدم المساواة الاقتصادية التي برزت منذ أن بدأ الإصلاح. وبعدئذ هناك الغضب الذي يشعر به كثيرون من المواطنين الصينيين على ردود الفعل وعلى الاغتصاب الذي يستمر في كل أنحاء دولة الحزب الواحد، من دون أن يكون للمواطنين ضده أي ملجاً يعينهم لأنه لا يوجد أي نظام قانوني مستقل.
ولدى النظر إلى مسافة أبعد في الميدان، فهناك أكثر من سبع مئة صاروخ بالإضافة إلى البلاغة المعادية الصادرة من بكين موجهة إلى جزيرة تايوان التي تزعم الصين أنها تخصها، وتحافظ الصين على الثبت وعلى شمالها الغربي المسلم من الانفصال من خلال القوة الوحشية المجردة بشكل كامل فقط. والصين تفرض مزاعم عن جزر في بحر الصين الجنوبي عن طريق بناء مراكز أمامية عسكرية على حواجز مرجانية ليست قريبة في أي مكان من الأرض الصينية وتقيم علاقات مع أمم مثل إيران وكوريا الشمالية، والسودان وهي دول مدانة من العديد من البلاد الغربية بسبب نشاطاتها الذرية وسجلاتها في حقوق الإنسان.
وثالثاً، مرة أخرى إن من الصحيح أنه كان هناك بعض الإرخاء للضوابط الاجتماعية، ولكن الشعب الصيني ما زال لا يتمتع بأي حماية من حكومته الخاصة. وليس هناك أي شيء يقترب مجرد اقتراب من نظام عامل من الزواجر والضوابط على سلطة الحزب الشيوعي في الصين.
والجماعات الدينية، مثل كنيسة البيت المسيحية التي ترفض أن تكون جزءاً من الكنيسة التي تكفلها الحكومة، وأعضاء الجماعة الروحية فالون غونغ، ما زالت تضطهد بلا رحمة من الحزب الشيوعي، وأي قضية لو كانت تنظر داخل غرفة المحكمة لتم التلاعب بها من الحزب الذي يعين كل القضاة والمحاكم الصينية تملك نسبة إدانة تصل إلى أكثر من 99 بالمائة، ومازالت بكين تدير نظاماً لمعسكرات العمل، يمكن أن يرسل إليه أي عضو من المجتمع، في أي وقت وعشرات الآلاف من الناس مازالوا محكومين بالإصلاح من خلال العمل، في كل عام.
كل شيء كتبته قبل قليل من وجهني النظر كلتيهما ، صحيح، إنه يعتمد فقط على الكيفية التي تنظر بها أنت إلى الصين. هل الكأس نصف فارغ؟ أم هل هو نصف ملان الكيفية التي يرى بها الأجانب الصين لها علاقة في الغالب بشخصياتهم الخاصة وبانحيازاتهم الخاصة ( أو بشخصية وبانحيازات المراسل الذي يكتب المقالة أو الكتاب الذي يقرؤونه بالقدر الذي لها به علاقة مع الواقع الحقيقي على الأرض. وبالنسبة إلى كل حقيقة صحيحة عن الصين، فإن عكسها هو أيضاً صحيح دائماً تقريباً، في مكان ما من البلاد.
أدى هذا الانشطار إلى انقسام بين مراقبي الصين بين معانقي حيوان البنداء الذين يقولون إن الصين تقوم بعمل عظيم ولن تكون تهديداً لأحد في الوقت الذي يوافقون فيه، طبعاً، على أن هناك مشكلات حدودية طرفية)، وبين قاتلي التنين الذين يقولون إن الصين تهديد لكل واحد وتدعو الحاجة إلى احتوائها في الوقت الذي يلاحظون فيه أن هناك بعض التحسينات القليلة الصغيرة التي حدثت).
ماذا تعتقد أنت؟ يعتمد الجواب على اليوم الذي تسألني فيه. الصين تتدخل في رأسي وتزعجني على أساس يومي في يوم من الأيام أعتقد أنها فعلاً سوف تستولي على العالم، وأن الحكومة الصينية تقوم بعمل أقصى شيء غير عادي سبق أن شهده كوكب الأرض في أي زمان ويقول البنك الدولي إن الصين قد انتشلت 400 مليون نسمة من الفقر منذ العام 1978، وذلك الرقم أكبر من كل سكان أمريكا الجنوبية.
وفي اليوم التالي سوف يبدو كل شيء مبنياً على الرمل وأنا أتوقع أن كل شيء سيصل إلى السقوط من حولنا. سأكون مشمئزاً من الطريقة التي يعامل بها الحزب الشيوعي شعبه، وسأكون مصدوماً من التكلفة الحادة لكل هذا، التكلفة الإنسانية. التي تبدو مقبولة للحكومة في كل شيء تفعله.
وفي رأيي، مع ذلك، أن أحد الأشياء ذات الأهمية الحاسمة هو الاختيار. فنحن ومهما تكن انحيازاتنا، لا نستطيع ببساطة، أن ننكر أن هناك في الصين الآن اختياراً أكبر مما كان يوجد فيها سابقاً في العادة، وأنا مع الرأي القائل إنه أينما يوجد الاختيار، يوجد في الغالب تغيير نحو الأفضل، وذلك يشمل إمكانية التغيير السياسي. فأنت الآن تستطيع أن تختار أين تعمل في الصين، وأنت تستطيع أن تختار من تتزوج. وأنت تستطيع أن تختار الورق أو البلاستيك لتصر به التموينات المنزلية والطعام الذي تشتريه، وأن تختار حليباً كامل الدسم أو منزوع الدسم القهوتك الكابتشينو، إنها لا تحدث غدا، ولكنني أعتقد أنك بعد أن تسمح للناس باختيار ما يوضع على وجه البيتزا الخاصة بهم، فهم عاجلاً أو آجلاً سوف يرغبون في اختيار قادتهم السياسيين.
شنغهاي تملك ثلاث مئة ميل من الطرق السريعة المرفوعة، وكان سائقي في سيارة الأجرة يمتلك وميضاً في عينيه وهو يضرب بمنحدر المزلق الذي يقود صعوداً إلى واحد من أحدث طرق المدينة. كم ميلاً من الطرق السريعة المرفوعة يوجد في نيويورك؟
وأخبره أنني لا أملك تلك الحقيقية جاهزة فوراً. ويصل هو إلى ما وراء المرور البطيء الحركة في مركز البلدة ويرفع السرعة إلى مستوى جنوني باتجاه الغرب، نوع مما يفعله فوما نشو لفيلم بليد رتر، وهو ما جعلني أصل إلى حزام في المقعد الخلفي لم يكن موجوداً. وألاحظ، مثلما يلاحظ المرء أشياء خيالية في أزمنة الخطر، أن هناك على ظهر مسند الرأس الخاص بالمقعد الأمامي إعلاناً عن جراحة تكبير الصدر.
ويصرخ إلى الخلف نحوي بابتسامة عريضة، لا تقلق، السلامة أولا.
إذا بقيت حياً بعد السواقة، فإن طرق شنغهاي غير عادية، سباق سلسلة من الطرق السريعة المرفوعة عبر المدينة على ارتفاعات متنوعة فوق الأرض. وكان يجب تدمير صفوف من الدارات ( الفلل) الاستعمارية الجميلة لإفساح الطريق لبعض من هذه الطرق. وبعض الدارات الباقية الآن تقف على بعد ياردات فقط، وأحياناً إنشات بعيداً عن الطريق العام السريع من سنة مسارات تقبل الطريق وهو يضرب وجوهها.
أنا متوجه لأقابل مضيفة العرض يشارك فيه الجمهور بمهاتفة البرنامج واسمها بيه شاه وعرضها يسمى حالة العقل في شنغهاي، ويظهر من منتصف الليل حتى الساعة الثانية، في كل ليلة وصار مشهوراً بين المقيمين في المدينة طوال سنوات.
وتستطيع أن تهاتف بيه شاه عن أي مشكلة وتطلب نصيحتها، حياً على الهواء. وآلاف الناس يفعلون ذلك.
وأنا أريد أن أتحدث معها حول الاختلال الضخم الذي يجري في عقول الناس. فشنغهاي قد تجعل الزائر يشعر أن الصين على حافة العظمة، ولكن سرعة التغيرات قد تركت اضطراباً نفسياً وروحياً في عقول الكثيرين من الناس فبعد اضطرابات السنوات الماوية، والآن اضطرابات رد الفعل ضد السنوات الماوية. لا يمكن أن توجد إلا بلدان قليلة قد تكون في حاجة إلى العلاج أكثر من حاجة الصين إليه، ومع ذلك وبالنسبة إلى معظم الصينيين فهناك أماكن قليلة كي يعودوا إليها من أجل طلب اللجوء والنصيحة وسط عاصفة التغيير الثلجية. وكثيرون من الشباب، غير المقيدين بالأخلاقيات الكونفوشية والشيوعية، يجدون بيه شاه أقرب شيء يملكونه للوصول إلى صوت موجه غير مثقل برفض الوالدين على الرغم من أنها تعرف كيف توزع بعض ذلك حين يكون ضرورياً ) . وكان قد أعطاني رقمها صديق، وهكذا هاتفتها لدى وصولي إلى شنغهاي وحددت مقابلة على العشاء.
نتقابل في بيتزا هت ونطلب كوكا للحمية وفطيرة بيتزا سحق خنزير ولحم بقري مبهرة كثيراً. ويحتمل أن تكون هي في أواخر الثلاثينيات، ولها وجه مستدير، وعينان متأملتان، وتلبس قميصاً مزيناً بالأزهار، وبنطالاً أبيض من الكتان، وتخبرني، ونحن نجلس تلوك فطيرتنا، أنها تخطط للقيام بأول رحلة لها إلى أوروبة، وأسألها عن عرض برنامجها الإذاعي.
وتقول: على العموم، فإن المهاتفين لبرنامجي لديهم ثلاثة أنواع من المشكلات الأول، مشكلات عاطفية، وبشكل رئيسي لها علاقة بالحب، والثاني، مشكلات عمل وعلاقات في العمل والثالث علاقات داخل الأسرة.
وقد بدأت بتقديم البرنامج حالاً بعد أن تخرجت في الجامعة، في العام 1992. وفي ذلك الوقت، كانت المسألة العاطفية الرئيسة هي أن الناس كانوا قد بدؤوا يقيمون علاقات حب خارج الزواج، كانوا يعرفون أن ذلك خطأ، وكانوا يريدون أن يعرفوا ماذا كان عليهم أن يعملوا بعد أن حدث ما حدث. والآن، هناك المزيد من الناس الذين يقيمون علاقات أيضاً، ولكن الكثيرين من هؤلاء الناس لا يعتقدون فعلياً أن ذلك خطأ. إنهم يعتقدون أن ذلك معقول، وقابل للفهم... نبرتها محسوبة وناضجة، وأنا أستطيع أن أتخيل، وهي تقضم فطيرتها ، لماذا يود الناس أن يها تفوها على الهواء طلباً للنصيحة. كان هناك تغيير ضخم، وخصوصاً بين النساء، فالنساء يردن استقلالهن، وهن يعتقدن أنهن يملكن الحق في أن يفعلن ما يردن، وهن الآن يملكن اختيارات كثيرة جداً من أساليب الحياة، وخيارات من أشياء ليتمتعن بها...
وتقول بيه شاه إن الكثيرين من الناس الآن يعتقدون أن ذلك إذا صواب مقبول مالم يكن هناك قانون ضده. وتقول: بالنسبة إلى الكثيرين في المدن، فإن الأخلاقيات، أي الإحساس بما هو صواب أو خطأ، لم يبق مهماً بعد الآن. وأنا أعتقد أن كثيراً من الشباب مشوشون ببساطة بكل ذلك التغيير، فهم يهاتفون ويقولون إنهم غير سعداء، ولكنهم لا يستطيعون أيضاً أن يسهبوا ليبينوا لماذا ؟.
وهذا مهم بالنسبة إلى بيه شاه أهمية كبيرة، فهي فجأة تصير عاطفية تماماً. وشفتها السفلى ترتعش وتتأتى، وهي تتكلم كما لو كانت تتحدث عن موت شخص ما كان قريباً إليها، وبطريقة غريبة ربما كانت تتحدث فعلاً عن موته.
الفصل السابق