انقضى زمن طويل مذ غادرت نيكاراغوا فيأواخر عام 1991، فعقب سقوط الحكومة الساندينستية بين العام السابق، قررت أمي، التي كانت آنذاك وحيدة منذ انفصالها عن أبي بعد أن ولدتني مباشرة في عام 1975، أن تعود مع ابنيها إلى موطنها الأصلي كوستاريكا.
كنت آنذاك فيالسادسة عشرة من عمري، أي فيمثل عمر والدتي عام 1971، عندما التقت أول مرة مع والدي، الذي كان نجماً مشهوراً بي المجال الإذاعي، ويكبرها بأحد عشر عاما،ً ارتفعت مكانة والدي، إضافة إلى الاحتفاء به بفضل ذيوع صيته وجاذبية حديثه، الذي يستهوي عامة الناس عبر الإذاعة، بعد الإعلان عن غرامة كبيرة فرضتها عليه ديكتاتورية سوموزا؛ لأنه كان ينتقد الفساد الذي يمارسه النظام دون خجل. كانت البرامج الإذاعية التي يقدمها بأسلوب الدعابة الساخرة التي اشتهر بها العامة، تهزأ من فساد الحكومة عبر انتقاد الشرطة العسكرية المعروفة باسم الحرس الوطني. اعتادت البرامج الإذاعية التهكمية تصوير مشاهد مألوفة لدى الناس، يظهر فيها الحراس وهم يتلقون الرشى من المواطنين لإعفائهم من المخالفات المرورية، أو فضح اختلاس المعونات المالية الدولية لملء جيوب الديكتاتور والمقربين إليه من المحاسيب والأزلام.
زارت والدتي ذات يوم محطة الإذاعة، حيث يعمل والدي: لم تكن لها علاقة بالسياسة، ولا كانت مولهة بألق نجوميته، فقد جاءت من أجل بث رسالة إلى بعض أقاربها. وبما أن الاتصال الهاتفي كان نوعاً من البذخ، وعجز كثيرون عن دفع أجره، اعتاد معظم الناس الاستماع إلى الإذاعة، وكثيراً ما استخدموا موجاتها للاتصال بذويهم فيسائر أنحاء البلد.
كان لإحدى شقيقات والدتي قريب، أجريت له جراحة لإزالة المياه الزرقاء من عينه، وتضمنت الرسالة المطلوب بثها: أن كل شيء على ما يرام، وأن ذلك القريب سيصل إلى منزله فييوم معين، ومن الضروري أن يأتي أحد الأشخاص ببغل إلى مدخل المزرعة، لينقله إلى المنزل الرئيس.
أعجب والدي بوالدتي من النظرة الأولى، فاستخدم نفوذه كله في محطة الإذاعة، للتأكد من أن الرسالة قد بثت على الفور. مقابل ذلك أهدته والدتي تذكرة لحضور حفل دعيت إليه، فيالأمسية الموعودة سارع بالعودة من حفل غنائي كان يقدمه خارج مدينة ماناغوا ليقابل والدتي. وهكذا بدأت علاقته معها فيذلك المساء.
شعر والدا أمي بسرور بالغ، لأن ابنتهما كانت تواعد ناشطاً ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعارضة السياسية بين نيكاراغوا. ومع أن والدتي وجدت بين والدي شخصاً فاتناً بهي الطلعة، فقد كان السبب الأول لمواعدته متمثلاً فيالخروج من المنزل للقاء الناس بصحبة شخص أعجبت به فعلا،ً لكنها لم تكن تقابل شخصاً عاديا،ً فسرعان ما تعرفت على كبار شخصيات المقاومة الساندينستية، وكانت آنذاك خليطاً من الطلبة والعمال، والطبقة الوسطى والفقيرة، ورجال الدين والملحدين، والأميين والشعراء، والمنظرين ورجال حرب العصابات. ولم يمض وقت طويل حتى كانت والدتي قد تزوجت وصارت ناشطة ثورية، منخرطة فيحملات سرية وشعبية لتجنيد الناس العاديين ضد دكتاتورية سوموزا، وحتى بعد أن رزقت بطفل وحملت بي، ظلت تعمل بدأب لتنظيم سكان الأحياء الفقيرة فيمدن نيكاراغوا وإعدادهم للتمرد المسلح.
استخدم والدي على مدى زمن طويل برنامجه الإذاعي كوربوريتو"" لتوجيه الانتقادات الديكتاتورية سوموزا، كان كوربوريتو شخصية إذاعية، جسدها والدي على الهواء مباشرة، ساخراً من الديكتاتورية ومن الحرس الوطني المرهوب الجانب والكلي الحضور، فيقصائد شعرية أو أغنيات، في أول الأمر اعتبرت الحكومة والدي إزعاجاً لا ضرر منه، وحصرت ردودها عليه بفرض الغرامات، وتهديده من حين إلى آخر بالسجن، فأعلن بدوره هذه الردود، وهذا ما أبهج عامة الناس وزاد من شعبيته، ولكن لم يمض وقت طويل على لقائه مع والدتي، حتى شهد انخراطه فيالتمرد السري تحولاً جعله أشد حماسة وولعاً بالمواجهة المباشرة، أخفى عن والدتي هذا الانخراط السري مدة طويلة، إلى أن اعترف لها ذات يوم بانضمامه إلى الجبهة الساندينستية للتحرر الوطني، التي كانت المنظمة الثورية الرئيسة لمحاربة ديكتاتورية سوموزا.
استمدت المنظمة اسمها من الجنرال ساندينو ،(Sandino ) الذي قاوم احتلال مشاة البحرية الأمريكيين لجمهورية نيكاراغوا فيالعشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، واغتاله الجنرال أناستازيو سوموزا، قائد الحرس الوطني، فيعام 1936. وفيالسنة اللاحقة، صار سوموزا ذاته رئيساً للجمهورية، ليرأس نظاماً قمعياً فاسداً ومتوحشا،ً حكم نيكاراغوا بمباركة حكومة الولايات المتحدة على مدى قرابة أربعين عاما،ً كان تأسيس الجبهة الساندينستية رداً على هذه الديكتاتورية العسكرية.
أبلغت أمي والدي أنها كانت أيضاً عضواً نشطاً بة التمرد. غير أنه أبدى معارضته لانخراطهابية الثورة، زاعماً أن المجازفة بالغة الخطورة عليهما، ولكن أمي لم تأبه: فهي فيمقتبل العمر ومفعمة بالحماس، ولن ترضى باتخاذ موقف المتفرج والثورة تتفجر أمامها.
بين ذلك الوقت تقريبا،ً حدث انقسام بين القيادة الساندينستية. ففي عام 1974 اقتحمت مجموعة من المتمردين الملثمين بمناديل حمراء وسوداء )لوني العلم الساندينستي( حفلاً أقامه أحد أقرب الأصدقاء إلى سوموزا فيبيته، واستولوا عليه بالقوة، وقتلوا المضيف، وأخذوا جميع الضيوف رهائن. شملت مطالبهم الحصول على فدية، وتحرير عدد من رجال العصابات، الذين احتجزهم نظام الحكم، وحرية المرور للثوار الذين اقتحموا المنزل، وإعلان نداء موجه إلى شعب نيكاراغوا يدعوهم إلى الانتفاضة المسلحة على الديكتاتورية.
أذعن نظام الحكم للمطالب كلها، ولكنه شن بعد ذلك حملة قمع شرسة بين سائر أنحاء البلاد، فيمحاولة لسحق الدعم المقدّم للثورة. كان الناس يسجنون لمجرد الاشتباه بأنهم ساعدوا الثوار، وصار التعذيب واختفاء المعتقلين من الأمور الشائعة. أحدث هذا الضغط توترات داخلية في الجبهة الساندينستية للتحرر الوطني، حيث طالب بعض أعضاء المنظمة بمزيد من المواجهة داخل المدن، ونادى آخرون بمقاربة أكثر اعتدالا،ً فنشأت فصائل متعارضة، ونجم عنها انقسام عميق بين القيادة.
فيأثناء هذه الحقبة القمعية، وبينما كانت القيادة الساندينستية تعيد تكوين نفسها، ويقرر سائر القادة والمفكرين التوجهات والأساليب التي أرادوا تبنيها، تُرك كثير من الناشطين وشأنهم دون توجيه، فكان مصيرهم: إما الذهاب إلى المنفى، أو التوقف عن ممارسة النشاط الثوري. أما والدتي، التي كانت من أعضاء وكوادر القاعدة، فقد كانت من هؤلاء الذين تركوا دون توجيه، فتوقفت عن النشاط آنذاك، وزادت تركيزها على حياتها الشخصية وعلى أسرتها. بدا الأمر مختلفاً بالنسبة إلى والدي، إذ كان معظم نشاطه خارج نطاق الإشراف المباشر لقادة الساندينستا – لم ينخرط فيالعمليات المسلحة، ولم يهتم كثيراً بأن يكون العقل المدبر للحركة - لذلك تابع تقديم أغنياته الهدامة سراً وجهراً بين الأوبرا، والمراكز الاجتماعية، والكنائس، وجامعة ماناغوا المستقلة، حيث كان الطلاب يتابعون الحشد والتعبئة بأقصى درجة من التنظيم، من أغنياته فيتلك المدة أغنية »رجال حرب العصابات«، التي تروي قصة اختفاء رجال حرب العصابات الذين قتلوا، وأخفى حرس سوموزا جثثهم، دون أن يعثر عليها أحد. ثمة أغنية أخرى عنوانها «Cua del Mujeres Las( «نساء كوا(، وهي أغنية تروي حكاية الفلاحات فيالمناطق الجبلية فينيكاراغوا، اللاتي تعرضن للاغتصاب والذبح من قبل أفراد الحرس الوطني، لرفضهن الكشف عن أماكن وجود الثوار المقاتلين.
في ليلة ممطرة، حين كنت لا أزال فيرحم أمي، بلغ حظ والدي السعيد أقصى مدى، فقد ذهب مع والدتي إلى حفل موسيقي فيحي فقير من أحياء ماناغوا، حيث أقام السكان مسرحاً بين حقل مكشوف ليقدم أغنياته، اكتظ المكان بجمهور غاضب على الديكتاتورية، حيث غنى »الأخ الجندي«. كانت كلمات الأغنية موجهة إلى أعضاء الحرس الوطني، ومن ضمنها شطر يقول: »من حقك أن تفكر، مع أن الغوريلات المتوحشة )الحكومة( تضع في يدك آلات القتل"". كان من بين الحضور ملازم بين الحرس الوطني، أصدر أمره بالقبض فوراً على والدي، فحدث هرج ومرج عند تحرك الحرس لاعتقاله، لكنهم لم يتمكنوا من اختراق الجمهور بسرعة كافية للوصول إلى المسرح، فتمكن من الهرب. بعد ذلك بدقائق تسلمت والدتي أكورديون والدي من شخص غريب، أبلغها أنه نقل إلى مكان سري لحمايته من الاعتقال، والمطلوب منها أن تعود إلى المنزل من دونه.
في أثناء عودة والدتي إلى المنزل أوقفتها إلى جانب الطريق قافلة عسكرية، كان برفقتها أحد أصدقاء والدتي، ومعها أيضاً شقيقي كارلوس، الذي كان آنذاك بين السنة الثانية من عمره، أمر رجال الحرس الوطني والدتي بالخروج من السيارة فيتلك الليلة الممطرة.
تتذكر والدتي أن واحداً من الحراس صرخ قائلا:ً »أخرج العاهرة من السيارة«.
حاول الشاب المرافق لها أن يقنع الحراس بترك المرأة الحامل وطفلها الصغير فيالسيارة، مصرا على أن والدي ليس معهم، وأنهم يجهلون مكان وجوده . ولكنهم رفضوا وأخرجوها من السيارة، وانهالوا عليها بالسباب والشتائم وعاملوها بخشونة، وطالبوها بإعلامهم بمكان وجود والدي. في نهاية الأمر، سمحوا لها بالذهاب، أما والدي فقد عاد إلى منزله بعد ثلاثة أيام.
وبينما استمر والدي فيتقديم الأغنيات الانتقادية متى /وحيثما أمكنه ذلك، تخلت والدتي عن النشاط الثوري. ولدت فيأثناء تلك المدة الهادئة نسبياً من حياة أمي، بين مدينة ماناغوا بتاريخ 28 آب )أغسطس( 1975. اختار والدي اسمي تيمناً ببطلين ثوريين من أمريكا اللاتينية. كاميلو توريس، الكاهن الكاثوليكي الكولومبي الذي قتل فيميدان المعركة، وإرنستو تشي غيفارا، زعيم حرب العصابات الأرجنتيني المناضل وأحد قادة الثورة الكوبية، الذي قتل وهو يحارب في بوليفيا.
تغيرت الأمور تغيراً جذرياً بالنسبة لأسرتي عقب ولادتي، ففي حقبة القمع التي أعقبت مفاوضات أسر الرهائن، انهمك كبار المنظرين والقادة فيالتمرد الساندينستي المسلح فيإعادة هيكلة الحركة. تمثلت المشكلة في حقيقة أن هؤلاء نسوا، فيخضم وضع الإستراتيجيات الجديدة لإطاحة الديكتاتورية، نقل المعلومات والتوجيهات إلى الثوار الأدنى مرتبة مثل والدتي، وبعد أن انقطع اتصال والدتي بالقيادة الساندينستية، وبعد أن أتعبتها خيانات والدي الأخلاقية، بدأت تشعر أنها معزولة ووحيدة ودون هدف، إلى أن قررت ذات يوم أن تترك والدي، ونيكاراغوا والثورة، فأخذتني مع شقيقي إلى مدينة نيويورك، لنعيش مع جدتي.
كانت هذه أول مرة تزور فيها والدتي الولايات المتحدة، وما لبثت أن أدركت أن حي هارلم الإسباني فيمنتصف السبعينيات من القرن الماضي، لم يكن بالتأكيد ما خطر ببالها فيما يتعلق بتربية ولديها. كانت جدتي قد هاجرت إلى الولايات المتحدة سعياً وراء مستوى حياة أفضل، وعملت في صنع الملابس التي تحمل أسماء المصممين المشهورين، وتباع فيالمتاجر الراقية، ولكنها لم تكن تحصل إلا على الفتات، وتبين أن شقتها المزدحمة المكونة من غرفتي نوم فيجادة لكسنغتون أصغر من أن تستوعب أشرتها التاتة الفتتة.
لم تكن والدتي راغبة فيالعودة إلى نيكاراغوا، حيث انتهى عملها مع الساندينستا برأيها، وتعلم أن والدي سيحاول العودة إليها ومصالحتها، لذلك قررت أن تعود إلى موطنها الأصلي كوستاريكا، البلد الذي عاشت آنذاك، انتقلت مع والدتي وشقيقي، ولما أكمل السنة الأولى من عمري، إلى سان خوسيه عاصمة كوستاريكا، حيث عزمت والدتي على العيش فيها حياة هادئة، لتنصرف إلى تربية ابنيها، لكن تبين لها أن الأمور لم تكن كما حسبت تماما،ً فبمجرد وصولنا تقريباً اتصل بها نشطاء ومتعاطفون مع الحركة الساندينستية يعيشون فيالمنفى، وبعضهم هربوا إلى كوستاريكا جراء الاضطهاد المتزايد فينيكاراغوا. جرت أولى لقاءاتها مع أشخاص ارتبطوا بالثورة ارتباطاً فكرياً على الأغلب، وعقدوا اجتماعاتهم السياسية فيمنازلهم المريحة لمناقشة النظريات الماركسية والاشتراكية. ولكن لم يمض وقت طويل حتى بدأت تلتقي مع ممثلين لما يسمى »المجموعة الثالثة"" ،Tertiery التي أنشأتها قبل ذلك بأعوام فصائل من القيادة الساندينستية المطالبة بقيام انتفاضة شعبية فورية بين المدن. قاد المجموعة الإخوة أورتيغا Orlega –دانييل، وهومبيرتو، وكاميلو، من بين آخرين.
وهكذا، خلال شهر ونصف الشهر من وصولنا إلى كوستاريكا، عادت أمي مرة أخرى شخصية ثورية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فقد عهدت إليها الثورة بمهمات مختلفة، من ضمنها استئجار مساكن وشقق فيأحياء راقية، حيث تستطيع التظاهر بأنها سيدة ميسورة الحال، كان زوجها – المزعوم – مناضلاً آخر بين الحركة الساندينستية، وفضلت هذه الأحياء الأكثر غنى على الأحياء الأشد فقرا،ً لأنها أكثر خصوصية، ويقل فيها عدد الجواسيس والمخبرين، الذين يراقبون التحركات المستمرة للمتمردين الساندينستيين، وهم يدخلون / ويخرجون من هذه المنازل تحت جنح الظلام، لإجراء التدريبات السياسية والعسكرية والقيام بالعمليات اللوجستية، ولكن الخصوصية النسبية التي توفرها هذه الأحياء الراقية لم تفلح فيالحيلولة دون تسرب المعلومات من حين إلى آخر، وتعرض المنازل الآمنة للاقتحام عدة مرات، ولهذا السبب، اضطررنا لمواصلة التنقل وعدم البقاء فيأي منزل معين أكثر من شهرين.
عقدت فيهذه المنازل اجتماعات القيادة، التي حضرها قادة المجموعة الثالثة لوضع خطة الإطاحة بنظام سوموزا، فيهذا الوقت، بدأت والدتي تقديم تقاريرها إلى هومبيرتو أورتيغا مباشرة، الذي أصبح فيما بعد القائد الأعلى لجيش الساندينستا، فيحين تردد شقيقه دانييل، الذي أصبح رئيساً لجمهورية نيكاراغوا، على المنازل التي كانت تستأجرها والدتي، أما الشقيق الأصغر، كاميلو، فقد وصفته لي والدتي بأنه غامض، طويل القامة، نحيل الجسم، مثالي التفكير، حلو التعبير، نشأ بينه وبين أمي حب عميق فيأثناء التمرد، وظن كثيرون من الذين علموا بالعلاقة بينهما أنه والدي، ولكني كنت بين السنة الأولى من عمري عند لقائهما الأول، ومع أنه قتل فيساحة المعركة عام 1978، إلا أن والدتي ظلت تذرف الدموع كلما تحدثت عنه.
في هذه الأثناء، غادر والدي نيكاراغوا لتقديم أغنياته فيأوروبا. واكتسب شعبية ملحوظة فيإسبانيا، إضافة إلى الدول الشيوعية، حيث عُدّ السفير الثقابية للثورة الساندينستية، من إنجازاته الأكثر شهرة »قداس الفلاحين«، وهي مجموعة من الأناشيد التي تمثل مختلف المراحل الموسيقية فيالقداس الكاثوليكي، كتبت بلغة سكان المناطق الريفية، وعزفت بالآلات الموسيقية التقليدية بين نيكاراغوا، وضمت التعابير الشعبية، وتناولت الأوضاع اليومية ... إلخ، سارعت الطبقة الأرستقراطية والكنيسة الكاثوليكية فينيكاراغوا إلى رفض القداس وانتقدوا والدي بسببه، أما بين أوروبا فقد لقي استقبالاً حارا،ً ولا سيما من الفئات التقدمية من الكنيسة الكاثوليكية بين إسبانيا.
مع اقتراب نهاية عام 1978، بدأت الحركة الساندينستية التحضير لشن هجومها النهائي. كانت والدتي تعمل بدأب فيتوفير الدعم اللوجستي للحركة، وهذا ما جعلنا نتنقل جيئة وذهاباً بين سان خوسيه والحدود الجبلية بين كوستاريكا ونيكاراغوا.
في التاسع عشر من شهر تموز )يوليو( عام 1979، أعلنت الحركة الساندينستية رسمياً إطاحة نظام سوموزا وتحرير شعب نيكاراغوا. بدأ المشهد التلفزيونى لإسقاط تمثال سوموزا فيقلب مدينة ماناغوا شديد الشبه بتحطيم تمثال صدام حسين فيبغداد بعلب نحو عشرين عاما.ً
كنت آنذاك بين السنة الرابعة من عمري، ولا أعي سوى القليل من الذكريات عن تلك الحقبة، ولكني أتذكر أننا بعد شهرين من اندلاع الثورة، عدنا إلى نيكاراغوا، حيث عملت والدتي فيمهمات مختلفة للحكومة الجديدة، منها وظائف فيالجيش والعمليات السرية التي تنفذها إدارة أمن الدولة، وأدى ميلها إلى عدم احترام الآخرين، واعتيادها طوال العمر استقصاء كل شيء وكل شخص، إلى طردها من وظيفتها فيأكثر من مناسبة، وهذا بالتأكيد لم يساعدها على الترقيبة نظام سياسي يتطلب ولاء أعمى للقادة دون نقاش.
بالرغم من مناوشات والدتى المتكررة مع النخبة في الحركة الساندينستية، فقد عشنا حياة يسر ورغد فيالسنوات التى أعقبت الثورة، ومع أن أسرتي لم تكدّس مبالغ كبيرة من المال، إلا أن أكثر ما يهم هو النفوذ فينيكاراغوا الجديدة، وهذا ما امتلك والداى الكثير منه. أقمنا في وغرفة مكتب صغيرة، وثلاث غرف معيشة، وسطيحتين، وباحتين واحدة أمامية والأخرى خلفية، وحديقة صغيرة خارج غرفة أمي. واستخدمنا خادمة وبستانيا.ً
أقام والدي، الذي كان فيذلك الحين قد تزوج امرأة أخرى، على بعد عدة مبان من منزلنا في الحى ذاته، وإلى جانب الخادمة، كان عنده سائق للسيارة، اعتاد الإشارة إليه من باب التهذيب بأنه: »الرفيق الذى يقود السيارة عوضاً عني«. وكانت المدرسة التي انتسبنا إليها أنا وأخي مخصصة حصراً لأبناء المسؤولين فيالحكومة، إذ كان رئيس جمهورية نيكاراغوا والعديد من كبار وزرائه يرسلون أولادهم إلى هذه المدرسة، أما اللغة الأجنبية التى كنا نتعلمها فيالمدرسة فهى الروسية.
في وقت لاحق التحقنا بمدرسة يسوعية خاصة JeSuit فيماناغوا. اشتهر اليسوعيون، بين نيكاراغوا على الأقل، بأنهم الأكثر تقدمية وانفتاحاً بين أتباع الكنيسة الكاثوليكية، ولم يجد معظم الكهنة اليسوعيين العاملين فيالمدرسة أي تناقض بين دراسة العلم والدين، بل إن بعضهم كان يحمل درجات علمية.
بالرغم من ذلك، اعتبرت نفسي ملحدا،ً مع أنني كلما وجدت نفسي فيوضع صعب أصلي إلى الله تعالى طلباً للمغفرة، ولم أدرك إلا بين وقت متأخر: أن خشية الله تتطلب درجة ما من الإيمان.
بين هذا الوقت، عمل والدي نائباً بين الجمعية الوطنية بي نيكاراغوا، حيث كان له، كما قال لي، مساعد ينوب عنه فيالتصويت، عندما يغط بين النوم أو يكتب أغنية، وعمل أيضاً ملحقاً ثقافياً بين سفارة نيكاراغوا بي مدريد عاصمة إسبانيا. ذكرياتي الأكثر وضوحاً عن عمله جاءت من النشاطات الفنية العديدة التي أدّاها وحضارتها، من خلف الكواليس غالبا.ً وعندما أنظر إلى الماضي، تدهشني باستمرار رؤية الآلاف يرفعون عقيرتهم بالغناء، مشاركين والديبث أغانيه، ولكني لم أتأثر كثيراً آنذاك. وبرأيي، كان والدي مشهوراً على الدوام.
ولكن الذكريات عن والدي التي أعتز بها أكثر من غيرها لم تكن تتعلق بكونه شخصية سياسية أو فنية مؤثرة، بل بصفته إنساناً أحب شعبه وبلده. كنت أسافر معه أحياناً إلى أبعد مناطق نيكاراغوا وأشدها فقرا،ً لكي أشاهده وهو يؤدي أغانيه. فيأماكن كهذه، مازال الناس يذهبون إلى النهر للحصول إلى الماء، ويسكنون أكواخاً من الصفيح، ومع ذلك شعر والدي بالارتياح فيها دائما.ً والواقع أن الناس أحبوه ورحبوا به كأنه واحد منهم. واعتاد بعد انتهاء أي حفل موسيقي يؤديه أن يتناول الطعام التقليدي الذي يقدمونه له بكل سرور. وكثيراً ما كنا نتوقفي رحلة العودة فيأماكن بدت لأول وهلة عديمة الأهمية، إلى أن ننتبه إلى الشمس وهي تغرب وراء باحة خلفية لكوخ خشبي رابض على قمة تل، أو نتوقف ليتمكن والدي من التقاط صور لزهور دوار الشمس أو لقوس قزح، أو نخوض وسط حقل للذرة به أثناء الري.ّ لم يفقد أبداً الشعور بمزيج من الرهبة والتعجب عند مشاهدة أشياء بسيطة، يبدو أن معظم الناس ينسونها ويتركونها وراءهم عندما يكبرون.
وبالرغم من المكاسب الكبيرة والتحسينات المعيشية الواسعة التي حققتها الثورة للناس، فقد أخذت شعبية الحكومة الساندينستية بين سكان نيكاراغوا تتدهور بعد مرور بضع سنوات على تسلم الحكومة السلطة، إذ بدأت الثورة تنفيذ واحدة من أشهر حركات العدالة الاجتماعية فيالعالم، ومع أنها لم تكن نظاماً شيوعياً كاملا،ً إلا أنها ارتبطت بروابط وثيقة مع كوبا، وأوروبا الشرقية، والاتحاد السوفييتي، وجعلت صداقات وعلاقات من هذا النوع، مقرونة بتوزيع الحكومة للأراضي والموارد على الفقراء، من نيكاراغوا هدفاً رئيساً للولايات المتحدة، التي سرعان ما بدأت بتقديم باسم الكونترا. دعم كبير للمعارضة المسلحة ضد الحركة، ممثلة بجيش المرتزقة المعروف باسم الكونترا.
أدى الموقف العدواني الذي تبنته الولايات المتحدة إلى تطبيق نظام الخدمة العسكرية الإلزامية فينيكاراغوا، واقتطاع القوات المسلحة لحصة أكبر من العائدات الحكومية لتمويل الحرب، وهي أموال كان بالإمكان لولا ذلك إنفاقها على البرامج الاجتماعية، أما الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة فقد زاد الاقتصاد اختناقاً وانكماشاً وقوّض الجهد الذي بذلته الثورة لمكافحة انتشار الجوع والمرض. ومع ركود الاقتصاد دون أن تبدو فيالأفق نهاية للحرب التي حصدت أرواح أكثر من خمسين ألف شخص من سكان نيكاراغوا، أخذ دعم الثورة يتلاشى بصورة ثابتة. وفينهاية الأمر )في عام (1990 خسرت الحركة الساندينستية الانتخابات الرئاسية وتولت السلطة حكومة أقلية نخبوية جديدة، تمتعت بعلاقات صداقة وثيقة مع الولايات المتحدة.
أصبح جلياً بعد سقوط الحكومة أن بعض قادة الحركة الساندينستية قد اغتنوا وصاروا من أصحاب الملايين. كان هؤلاء فيوضع يتيح لأعمالهم أن تزدهر فيالاقتصاد الجديد فينيكاراغوا، الذي فتح أبوابه أمام الأجندة الرأسمالية للولايات المتحدة، لم يكن والدي من بين هؤلاء الذين جنوا ثروات طائلة، ولكنه ظل يجد حظوة من جانب شعب نيكاراغوا، وتمكن من العيش حياة مريحة بفضل نشاطه الموسيقي والفني. أمّا والدتي، من ناحية أخرى، فقد كانت جزءاً من الأرستقراطية السياسية المحطمة والمحتضرة، التي فقدت الموارد والنفوذ بعد انهيار الثورة، ونظراً لعدم استعدادها وعدم قدرتها على العمل فيالحكومة الجديدة، وبعد أن أهملها كثير من أصدقائها فيالحركة الساندينستية الذين اغتنوا، قررت العودة إلى موطنها الأصلي. وبحلول كانون الثاني )يناير( عام 1992 كنت أنا وشقيقي كارلوس نعيش مرة أخرى فيسان خوسيه، حيث انضمت إلينا والدتى بعد ذلك ببضعة أشهر.
للوهلة الأولى، رأيت عودتنا إلى كوستاريكا عودة إلى بيتنا الثاني، إلى مرتع ذكريات الطفولة الحلوة، ولكن سرعان ما اكتشفت أن الأمور في سان خوسيه مختلفة عمّا كانت فيالماضي. لقد سبق أن عشت فينيكاراغوا اثني عشر عاما،ً حيث شعرت بالانتماء إلى ثقافتها وشعبها. لكن كثيراً من سكان كوستاريكا ينظرون بازدراء إلى القادمين من نيكاراغوا: ذلك أن كوستاريكا )التي كثيراً ما وُصفت بأنها سويسرا أميركا الوسطى(، تمتعت باقتصاد متقدم بمراحل على جارتها الشمالية الأفقر حالا.ً ونتيجة لذلك، عبّر كثيرون من سكان نيكاراغوا الحدود بين البلدين، أملاً بتحسين مستوى معيشتهم، وكانوا مستعدين لقبول أسوأ الوظائف مقابل أدنى الأجور. وهذا أدّى إلى تمييز حاب ضدهم.
انتسبنا، أنا وشقيقي، إلى مدرسة كاثوليكية خاصة يتعلم فيها أبناء العديد من الأسر المرموقة فيكوستاريكا، وهؤلاء لم يرحبوا قط بأجانب مثلنا. ثمة حادثة مؤلمة أتذكرها من أيام الدراسة تتعلق برحلة »روحية"" إلى منتجع ريفي، برعاية كهنة المدرسة، وصلت فيوقت متأخر إلى نقطة التجمع، حيث كانت الحافلة تنتظر، وبينما كنت أركب الحافلة بدأ الطلاب يسخرون مني، ويقلدون لهجة سكان نيكاراغوا، ويطلقون علي أسماء تحقيرية، فيأول الأمر حاولت أن أواجه ذلك بالضحك. ولكن الحملة الشعواء لم تتوقف فاضطررت إلى الجلوس بين مقعدي منتظراً هدوء موجة الإهانات.
كانت أعمال التمييز العنصري العدائية السافرة من هذا النوع منتشرة بين مجتمع كوستاريكا، بدءاً من الناس بين الشارع ووصولاً إلى وسائل الإعلام، وحتى إلى السياسيين. شعرت أحياناً أن روح الدعابة الجمعية بكاملها كانت معادية لأهالي نيكاراغوا. كما شعر كثير من القادمين من بلدان أخرى بتأثير الخوف الارهابي الذي يعانيه سكان كوستاريكا تجاه الأجانب، ولا سيما إذا كان هؤلاء من أبناء المكسيك وغواتيمالا الأكثر سمرة منهم، ولكن أبناء نيكاراغوا ظلوا دائماً الأجانب الأشد تعرضاً للتمييز والتهميش والنبذ من المجتمع. أثر المناخ العام تأثيراً عميقاً بين شخصيتي، وبية طريقة نظرتي للآخرين. به نيكاراغوا، كنت من أطفال الثورة المحظوظين. توافر دائماً شخص يطهولي الطعام كلما أردت أن آكل، وإذا عدت إلى البيت بملابس متسخة كان هناك من يغسلها ويجففها ويرتبها فيخزانة ثيابي قبل أن يحل المساء. كنت محبوباً بين المدرسة ولدي كثير من الأصدقاء. انتهى هذا كله بين العامين اللذين أمضيناهما بين كوستاريكا، وأصبحت مراهقاً منطوياً على الذات، ومنعزلاً عن الآخرين.
حين افتقدت حلقة أصدقاء أخرج معهم، اضطررت إلى تعلم الاعتماد على نفسي، وهذا أمر صعب بين ذلك الحين، ولكن غل ثماراً مفيدة، إذ بدأت أذهب إلى الحفلات الموسيقية وإلى المسرح، وأتلقى بعض الدروس العملية، وأقرأ الكتب الأدبية الكلاسيكية والشعر الكلاسيكي، ألهمني إدغار آلان بو فكتبت بعض قصص الرعب. ومع اقتراب نهاية إقامتي فيكوستاريكا أصبح لدي عدد من الأصدقاء الجدد، بعضهم كانوا من الأجانب أيضا.ً وساعدت صداقتي معهم على توسيع نظرتي ومداركي واهتماماتي، ولا يزالون حتى الآن الأقرب إلى نفسي.
في بداية عام 1994 علمنا من جدتي أنها حصلت على إقامة دائمة لوالدتي فيالولايات المتحدة، وهذا يعني آنذاك أنها أصبحت مواطنة أمريكية مجنسة، وبما أن شقيقي وأنا لا نزال قاصرين، فقد حصلنا على الإقامة الدائمة أيضا.ً وهكذا، انتقلت مرة أخرى، عندما كنت بة الثامنة عشرة، إلى مدينة ميامي Miami فيولاية فلوريدا هذه المرة.
فيذلك الحين، كانت الصورة الذهنية للمدارس الثانوية الأمريكية مستمدة من أفلام هوليوود، لكن واقع الصفوف العليا فيمدرسة ميامي ليكس الثانوية ،Lakes Miami التي انتسبت إليها آنذاك، لم يشبه أبداً البيئة الودودة بين المدارس الثرية المترفة، التي رأيتها فيالعروض التلفزيونية ودور السينما، فهي مكتظة بالطلاب، ورجال الشرطة يتجولون بين القاعات والباحات، فضلاً على ذلك، لم تفهم إدارة المدرسة أنني أنهيت الصف الحادي عشر فيكوستاريكا، بل أصرت على أن أدرس سنتين إضافيتين قبل التخرج، فاضطررت إلى الانتساب إلى مدرسة مسائية فيمحاولة لاختصار العامين فيعام واحد. كان قسم كبير من طلاب الصفوف المسائية من المشاغبين، وقد طردوا من المدرسة النهارية لأسباب تتعلق بسوء السلوك والانضباط. اضطررت أيضاً للعمل لتأمين لقمة العيش لأول مرة ب حياتي. كانت والدتي قد أجرت شقتنا فينيكاراغوا، وظل والدي يرسل بعض المال لإعالة ولديه، ولكن حتى مع هذا الدخل الإضا فيلدعم راتب والدتي، من عملها محاسبة بة متجر )سوبر ماركت(، لم يكن كافياً لدفع أجرة الشقة وتأمين الطعام. ولذلك حصلت على عمل فيمطعم لتقديم الوجبات السريعة، حيث كنت أكنس ساحة وقوف السيارات، وأرتب الكراسي والطاولات، وأنظف الحمامات كل صباح قبل الانتقال إلى المطعم لإعداد شطائر اللحم مدة ست ساعات، وبعد العمل كنت أستريح مدة ساعتين قبل ذهابي إلى مدرستى المسائية، وهكذا كانت أيامى تبدأ عند الساعة الخامسة والنصف صباحا،ً ولا ينتهي اليوم حتى أعود إلى منزلي من المدرسة في العاشرة مساء.ً
كان التخرّج أيضاً مختلفاً جداً عن تصوراتي. إذ لم ينظم حفل راقص عند نهاية العام، ولم يكن لي أصدقاء أحتفل معهم. دخلت مكتب مدير المدرسة لتسلم شهادتي، وأظن أنه قال: »تهاني وحظاً سعيداً يا بني.ّ ثم ذهبت إلى السوبر ماركت المحلي وجلست على مقعد خارجه، وأخذت أحدق فيشهادتي، متسائلا:ً هل هذا هو كل ما يحدث عندما تتخرج من المدرسة الثانوية؟
في العام اللاحق، بعد أن درست فيكلية متوسطة مدة فصلين، قطعت الحكومة المساعدة المالية الاتحادية، بذريعة أننى حصلت على ما يكفى من المال من الوظيفة، التي عملت فيها دون أي أمل بالترقي، لكي أدفع رسوم الدراسة، وألفيت نفسي دون أي آمال حقيقية بالمستقبل، وبدا كأني سأعمل طول العمر فيوظيفة شاقة مسدودة الأفق دون أن تعود عليّ بأي شيء.
هذه الظروف هي التي حملتني على الالتحاق بالجيش الأميركي فيمدينة ميامي، وأنا فيالتاسعة عشرة من عمري. فيالواقع، لم يكن المسؤول عن التجنيد مضطراً لبذل الجهد لإقناعي بالتوقيع على العقد الخبيث المخادع، إذ وفر لي الجيش الاستقرار المالي والتعليم الجامعي، وهما ميزتان بدا من الصعب العثور عليهما فيمكان آخر، ولكن الجيش، إضافة إلى الاستقرار المالي والتعليم، قدم لي الوعد بمساعدتي للحصول على مكان تحت الشمس. لم ينحصر ما أردته فيمجرد أن أصبح مواطناً أمريكيا.ً بل فيالانتماء إلى مجموعة من الناس أشاطرهم شيئاً ما، واكتساب هذا الشعور بالانتماء. لم يكن الهدف من زيارة مكتب التجنيد اتخاذ القرار بالالتحاق بالجيش، وإنما اختيار الفرع العسكري والاختصاص، وتبين أنه سلاح المشاة في الجيش.
عارض والدي ووالدتي كلاهما توقيع العقد، ولم يكن ذلك لأسباب سياسية فقط، وإنما لخوفهما من الحرب، واعتقادهما أنني لست من النوع المناسب للقتال. وكانت حجة والدتي الرئيسة هي أن القوات العسكرية الأميركية تغزو البلدان دائما،ً أو تنخرط باي نوع من أنواع النزاعات المسلحة، وحتى لو لم تكن تخوض حرباً آنذاك، فلا بد أن تشنها بين أحد الأيام، توسلت إلي كي لا ألتحق بالجيش وبكت يوم مغادرتي إلى قاعدة فورت بينينغ، بولاية جورجيا، حيث أصبحت جنديا مقاتلا.
مرّت سنوات الخدمة فيالجيش بسرعة كبيرة، أمضيت معظم الوقت فيقاعدة فورت هود، بولاية تكساس، حيث مقر وحدتي التابعة لفرقة المشاة الرابعة، أكسبني سجل أدائي الجيد وانضباطي عدداً من الأوسمة وشهادات التقدير، فيبعض الأحيان، كنت أترك العنان للساني، واشتهرت بالتمرد بسبب ملاحظاتي الانتقادية الذكية، ولكن ذلك كله لم يتحوّل إلى مشكلة جدية، إذ كنت أنجز المهمة دائما،ً واستمرت الترقيات والتنويهات بأدائي.
التحقت بالجيش لأنني رغبت فيالحصول على تعليم أعلى مستوى، وبعد ثلاثة أعوام ونصف العام من الخدمة الفعلية تعلمت خلالها كل شيء عن المشاة، أصبحت جاهزاً للالتحاق بالجامعة مرة أخرى.
قبل أن أغادر فورت هود إلى المنزل، تكشفت لي بكل وضوح، ولأول مرة منذ التحاقي بالخدمة العسكرية، المضامين الكاملة لما أقدمت عليه.
إذ شرحت لي مسؤولة بة قسم التجنيد برتبة رقيب: أن كل من يدخل في الخدمة العسكرية يلتزم بها مدة لا تقل عن ثماني سنوات. وحتى إذا وقع شخص مثلي عقداً مدة ثلاث سنوات فقط، فإن أمامه خمس سنوات أخرى من الخدمة العسكرية قبل انتهاء العقد، وفيأثناء هذه المادة يمكن إمّا تمديد خدمته فيالجيش النظامي العامل، أو بين الحرس الوطني، القوة الاحتياطية الجاهزة غير العاملة، الذي يتطلب تدريباً كل شهر مرة فيعطلة نهاية الأسبوع وأسبوعين فيفصل الصيف. وبين الحالتين كلتيهما، يجب على الجنود الاستعداد دائماً لاستدعائهم للعودة إلى الخدمة الفعلية قبل انتهاء الأعوام الثمانية، فيالعادة، يتجاهل المسؤولون عن التجنيد هذه الحقيقة المزعجة، ويزعمون للذين ينتبهون لها، بأنها تفصيل ثانوي بسيط، ويؤكدون أن هجوماً مدمّراً تتعرض له الولايات المتحدة هو وحده الذي يتطلب استدعاء جنود الاحتياط ، ليتركوا حياتهم المدنية ويعودوا إلى الخدمة العسكرية.
شرّحت »الرقيب« العاملة بين مكتب التجنيد قائلة: إن مهمة جنود الحرس الوطني تتركز على أعمال الإغاثة والإنقاذ فيحالة حدوث كوارث طبيعية فيولايتهم، وهذا يعني فيولاية فلوريدا المساعدة فيتقديم الغوث عند حدوث أي إعصار. وقدرت أن احتمال الذهاب إلى الحرب مع إحدى وحدات الحرس الوطني شبه مستحيل. قارنتُ هذه المعلومات مع واقع أن الحرس الوطني فيفلوريدا كان يوفر لي التعليم الجامعي مجانا،ً فقررت توقيع العقد مع الحرس الوطني، وانتسبت إلى الكلية بصفتي جندياً بدوام جزئي.
وهكذا عدت إلى فلوريدا فيعام 1998 وانتسبت إلى الكلية المتوسطة التى درست فيها بعد المدرسة الثانوية، وأصبحت الآن كلية ميامى ديد College Dade Miami بعد أن أمضيت عامين هناك انتقلت إلى جامعة ميامي، ولم أكتشف إلا بعد التحاقي بها أن الحرس الوطني لا يدفع رسوم الدراسة فيالكليات الخاصة. ولحسن الحظ، كانت درجاتى جيدة، وهذا يعني أنني مؤهل لمنحة دراسية تتكفل بنصف رسوم الدراسة، وحصلت على قرض طلابي لدفع النصف الآخر.
وُلدت ابنتي سامانثا في عام 2000، لم تدم العلاقة مع والدتها طويلا،ً ولكني أغرمت كثيراً بابنتي، وبذلت قصارى جهدي لأكون مؤثراً في حياتها، وسرعان ما اكتشفت أن الأبوة والدراسة لا تنسجمان مع الحياة العسكرية ولو بدوام جزئي، فبرنامج التدريب كثير المطالب، وبدأت أقصّر بين الدراسة، وأسوأ من ذلك بدأت أخسر وقتاً ثميناً أقضيه مع سامانثا.
تبدلت مشاعري عن الخدمة العسكرية تبدلاً جذرياً مع نهاية عام 2002، شعرت أني مقرّب لأصدقائي فيالخدمة، ومازلت، من جوانب كثيرة، أعدّ المؤسسة العسكرية بمنزلة الأسرة، فعلى الرغم من كل شيء، كنت جندياً عاملاً بين الجيش والحرس الوطني مدة تقرب من ثمانية أعوام. عرفت أسلوب الحياة، والطعام، والعقلية، والنظام والتركيبة، واللغة، وحتى روح الدعابة، ولكن خاب أملي فيالنظام، لأنه كان يستغل نقاط الضعف فيالناس، وافتقارهم إلى خيارات متاحة لدفعهم إلى توقيع العقود، ومن ثم يقيدهم بالخدمة العسكرية مع الوعد المستمر بفوائد لم يحصلوا عليها قط.
مع بداية عام 2003، أصبحت مستعداً للتقاعد من الخدمة، كنت أجري بحثاً بين قسم علم النفس بين الجامعة، وأعمل مستشاراً متطوعاً بين منظمة غير ربحية فيبرنامج لمكافحة الإيدز وإغاثة المشردين فيمنطقة ميامي. كنت أيضاً عضواً بين ثلاث جمعيات شرفية بين الجامعة. أما عقدي مع المؤسسة العسكرية )لمدة ثمانية أعوام( فسوف ينتهي فيشهر أيار )مايو(، فإذا سارت الأمور كما هو منتظر، سأحصل على شهادة البكالوريوس في ذلك الشهر. وقررت أن أتقدم بطلب للانضمام إلى برنامج الحصول على شهادة الدكتوراه بين قسم علم النفس، كما كنت أتطلع إلى أن أكون أباً عطوفاً ومرشحاً قوياً لنيل شهادة الدكتوراه مع حلول نهاية ذلك العام.
فجأة، في14 كانون الثاني )يناير( 2003، أبلغ قائد سرية الحرس الوطني فيفلوريدا جميع العاملين بين التشكيل بأن الوحدة التي ينتسبون إليها عادت إلى الخدمة الفعلية دعماً ل عملية حرية العراق"". وأولئك الذين توشك خدمتهم فيالمؤسسة العسكرية على الانتهاء قد مُدّدت إلى عام 2031 وفقاً لما سُمي أمر منع الخسارة بقرار اعتمده الكونغرس، بعد شهرين ونصف الشهر وجدت نفسي بين الشرق الأوسط مشاركاً بين غزو العراق.
