مكره في شانغهاي
عجة دينفر، نقانق فيينا، مشويات لندن، حبوب بوسطن المحمصة وفطيرة بوسطن بالقشدة - يمكننا سرد أسماء مدن كثيرة استخدمت صفات وأسماء لغير الأعلام - ربما رغبت في ازدراد حلواك بـ ( سلنق) سنغافورة أو مانهاتان. وربما كان ساندي دينيس ( Sandy Dennis) وجاك ليمون (Jack Lemmon) في فيلم (The Out - of - Towner) من أهالي نيويورك (1). وبالطبع، قد تكون أنت نفسك من سكان نيويورك.
لكن ثمة مدينة واحدة فقط هي التي حظيت بذكر اسمها في معجم ويبستر ( Websters Dictionary) كفعل - تلك هي شانغهاي. وفيما يلي ما ورد في المعجم عن معناها:
شانغهاي، فعل متعد ( شانغهاي الصين)، مشتقة من طريقة كانت شائعة في الماضي تستخدم لتأمين البحارة للرحلات التي تتجه إلى الشرق (1871م) وتعني وضع شخص على متن سفينة بالقوة، غالبا بمساعدة مادة مسكرة أو مخدرة، ومن ثم إكراهه على الخدمة فيها كبحار، (2) وضع شخص بالقوة أو بالتهديد باستخدام القوة رهن الاحتجاز أو في مكان شبيه بالسجن، أو (3) وضع شخص بالخديعة والإكراه في موقف لا يحسد عليه.
ربما تتذكر ستان (Stan) وأولي (Ollie) اللذين تلقيا ضربة مدوية بمقلاة على رأسيهما أفقدتهما وعيهما ، فسقطا أرضًا ليُحْتَجَزا على متن سفينة بخارية مثلما حدث للوريل (Laurel) وهاردي (Hardy) في حكاية ( الشبح الحي). وبالطبع، تعرض الكثير من الإداريين المعاصرين للخداع في أثناء مفاوضاتهم مع نظرائهم الصينيين.
فلنستهل كتابنا هذا إذن بقصة شبيهة بتلك الحكاية، اتضح فيها بما لا يدع مجالا للشك، لأحد الأشخاص التنفيذيين الأمريكيين أنه أخذ على حين غرة فوجد نفسه . في موقف لا يحسد عليه في أثناء مفاوضات تجارية على مستوى عال جرت في شانغهاي.
داخل حلبة السباق أو هكذا يبدو
ورطة بوول (Pole) داخل الشاحنة، الجلوس في مقعد السائق، حكايات تصف كلها ملابسات الأحداث التي حدثت لجيم بولسن (Jim Paulsen) في شهر يناير من عام 1995م. ففي شهر مارس من عام 1994 م، عين جيم (Jim) أول رئيس لشركة فورد عبر تاريخها في الصين، وكانت أول مهمة له هناك هي الدخول في مفاوضات مع شركة شانغهاي لصناعة السيارات حول عمل تجاري مشترك. لكن مع الأسف، فشل بولسن (Paulsen ) وسيارته الفورد (تورس) التي يروج لها للفوز بإعجاب الصينيين.
أما لماذا أثيرت تلك الضجة الصاخبة التي انطوت على كثير من الكيد في العلاقات الدولية والحسابات والتقديرات المشتركة الخاطئة حول سيارات الـ (GM) ( البيوك ) التي وطئت شوارع بيجينق لأول مرة؟ فاختلاف الموروث الثقافي هو مفتاح حل اللغز. ولنشرح هذا:
تعد شركة فورد للسيارات واحدة من أعظم شركات السيارات في العالم. فالكل يعرف شعارها الأزرق اللون البيضوي الشكل. وصحيح .. في الوقت نفسه الذي كان هنري فورد (Henry Ford) يجوب مدن الصين مروجا لبضاعته كتبت بيرل بوك (Pearl Buck) حكايتها ( الأرض الطيبة) عن الأقدام المكبلة في الريف الصيني في ثلاثينيات القرن العشرين.
على صعيد آخر، كان هنري فورد الثاني ( Henry Ford II) أحد أوائل التنفيذيين الأمريكيين الذين التقوا دينق شايو بنق ( Deng Xiaoping) بعد أن أعادت الصين فتح أبوابها الاقتصادية عام 1978 م.
بجانب هذا ، تحركت فورد (Ford) في المنطقة المحلية أسرع مما فعلت (GM) . وعند بداية السباق كان لفورد ثلاثة مشروعات تجارية مشتركة في الصين، في حين كان المشروع الرابع قيد الإنشاء.
مع أن شركة السيارات الأمريكية كرايسلر ، كانت تنتج سيارات الجيب في بيجينق لنحو عشر سنوات، إلا أن سيارات شركة شانغهاي لصناعة السيارات كانت أول إنتاج رئيس يتم بتمويل من الشركات الأمريكية. إذ كانت شركة شانغهاي الأضخم والأوفر ربحا بين سائر شركات تصنيع السيارات الصينية. فقد نجحت في تصنيع سيارات الأوديز بتمويل مشترك مع فولكس واجن وخطط مصنع شانغهاي لإنتاج نحو (100.000) سيارة و ( 200.000) شاحنة في السنة، باستثمار تقدر قيمته ببليوني دولار أمريكي
بدأت شركة فورد محادثات سرية مع مسؤولي شركة شانغهاي استمرت بعض الوقت، غير أن تسارع وتيرة الأحداث في واشنطن العاصمة الأمريكية، قد حمل المفاوضات إلى العلن في الدولتين. وفي اليوم السادس من شهر فبراير لعام 1995م، فرضت إدارة كلينتون (Clinton) ضرائب باهظة على الصين كعقوبات تجارية بسبب انتهاكاتها المستمرة لاتفاقيات حقوق الملكية الفكرية. ففرضت تعرفة جمركية قدرها (100%) على (1.08) بليون دولار أمريكي، قيمة بضائع تشتمل على هواتف نقالة، مستلزمات رياضية ومصنوعات بلاستيكية قادمة من المملكة الوسطى (الصين).
أما بيجينق فلم تتأخر، إذ جاء ردها مضاعفا ، ففرضت في البداية ضرائب انتقامية على الأقراص المضغوطة، ألعاب الفيديو، الأفلام، السجاير والمشروبات الكحولية التي تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الصين. ثم أعلنت من جهة أخرى تعليق كل المحادثات مع صانعي السيارات الأمريكيين بشأن الاستثمارات المشتركة في الصين. وحددت العاصمتان واشنطن وبيجينق اليوم السادس والعشرين من شهر فبراير موعدًا أخيرا للمفاوضات تدخل بعده العقوبات حيز التنفيذ.
في اليوم الرابع عشر من الشهر نفسه، أخطر لو جيان (Lu Jian) ، رئيس شركة شانغهاي لصناعة السيارات شركتي فورد و (GM) لتقديم عروض أسعارهما النهائية بنهاية الشهر. وكانت محادثات شركة شانغهاي مع شركة فورد قبل الرابع عشر من شهر فبراير ، قد اتسمت بالدفء والحميمية والثقة المتبادلة.
بجانب هذا وذاك، كانت شركة شانغهاي تتفاوض مع الشركات اليابانية في الوقت ذاته. إذ صرح السيد لو (Lu) في مقابلة له مع صحيفة ( Wall Street) : لقد أعلنت شركة تويوتا استعدادها للتو بسبب نذر الحرب التجارية المرتقبة مع الولايات الأمريكية المتحدة ... وقد أخبرتهم بكل صراحة أننا في الوقت الذي نأمل التعاون معهم، سوف نواصل مفاوضاتنا مع الأمريكيين. وعليه، تقف تويوتا الآن متوثبة خلف الخط الأمامي .
وحقا ، ليس مهما أن تكون تويوتا هي التي ما نعت بسبب عدم رغبتها في إتاحة المجال للصينيين للاطلاع على تقنيتها، أو أنها حاجة الصينيين الملحة لتأكيد مصداقيتهم في محادثاتهم مع الأمريكيين بشأن السيارات في إطار حملة التهديدات والتهديدات المضادة، ليس مهما أن يكون هذا أو ذاك هو الذي أدى لهذا الموقف. وتبقى الحقيقة أن الحالتين قد عملتا معا لدفع فورد و (GM) للخط الأمامي في واجهة الأحداث. لكن، أرجو الانتباه، أضاف السيد لو (Lu) معلقا في الصحيفة: ""كل شيء في حلبة السباق ماعدا إمكانية حدوث الحرب التجارية. فإن اندلعت حرب تجارية فسوف يؤجل كل شيء ، وربما ألغي تماما. أما إن لم تندلع حرب تجارية، فساعتئذ أستطيع أن أخبركم أننا سوف نختار فورد أو (GM).
أخيرا : نحسب أن السيد لو (Lu) لم يتحدث عن الشركتين الأمريكيتين بناء على ترتيب حروفهما حسب الترتيب الأبجدي.
جيم بولسن (Jim Paulsen ) في مقعد السائق :
وعليه، بحلول منتصف شهر فبراير، كانت فورد قد احتلت مركز الصدارة. فيما سلمت قيادتها لجيم بولسن (Jim Paulsen) . وبعد عدة زيارات لكل من الممثل التجاري بالولايات المتحدة الأمريكية ووزارتي التجارة والخارجية في واشنطن العاصمة، توقف بولسن ( Paulsen) وزوجته في كاليفورنيا الجنوبية لمدة أسبوعين، يقضيهما بولسن في التدريب على فن التعامل مع ثقافة الآخرين بمدرسة ميراج التجارية التابعة لجامعة كاليفورنيا ، حيث التقينا لأول مرة. فأخبرنا جيم (Jim) بمدى ما أصابه من رعب وما يحتاج إليه من أسس بسبب جهل كل من تحدثوا إليهم من المندوبين الذين عينهم كلينتون (Clinton) بالصين وافتقارهم لأي نوع من المعرفة عنها.
كان جيم (Jim) قد اهتدى إلينا عن طريق مجموعة من الأشخاص تعمل بمركز شركة فورد للتطوير الإداري بديترويت التي نصحته بنا ، حيث كنا نعمل عدة سنوات، أسدينا خلالها النصح وقدمنا المشورة ودربنا الإداريين لتهيئتهم للقيام بمهمات أعمالهم التجارية في علاقاتهم مع اليابانيين. وقد خضع نحو ألفي إداري منهم لبرنامج تدريب لمدة ثلاثة أيام عن فن التفاوض مع اليابانيين.
أما وقد تعلق الأمر بالصين، فهو شيء جد مختلف. ولهذا قضى جيم (Jim) وزوجته معظم تلك المدة بالجامعة في العمل مع زميلتنا كاثرين شين (Katherine Xin) التي كانت نشأتها الأصلية في بيجينق حيث ولدت، وترأس الآن كرسي ميشلان للقيادة وإدارة الموارد البشرية بالمدرسة الصينية الأوروبية العالمية التجارية في شانغهاي، التي تعد أفضل مكان في العالم لتدريب الأشخاص الذين يتسنمون هرم السلطة الإدارية بالشركات التي تعمل في الصين على فن التعامل مع ثقافة الآخرين.
قدم جيم بولسن Jim Paulsen) من الغرب الأوسط بالولايات الأمريكية المتحدة، وهو رجل ذكي، صاحب شخصية بارعة لطيفة، تتحلى بأخلاق فاضلة ونفس مرحة وروح وثابة اكتسب الهندسة بالتدريب والممارسة، التحق بشركة فورد منذ مدة طويلة، فساهم في تأسيس فروع لها في كثير من بلدان العالم كالمكسيك، جمهورية تشيكوسلوفاكيا، بولندا، وفرنسا.
لكن مع ذلك، كانت دهشتنا عظيمة عندما أدركنا أنه لا يمتلك أي رصيد من التجارب السابقة في الحياة بعيدا عن أحضان الوطن. وقد قضى الثمانية عشر شهرا الأخيرة في السفر بين الولايات الأمريكية المتحدة والصين، عاملا في شركة شانغهاي لبيع السيارات وغيرها من الشركات الأخرى.
على صعيد آخر، يذكر أن فورد قد نجحت في تعليق الجرس عندما أعلن رئيسها التنفيذي ألكس تروتمان (Alex Trotman) أن الشركة سوف ترعى برنامج بحث يعنى بتطوير سيارات تعمل بمكائن صديقة للبيئة بالتعاون مع المعهد الصيني الأكاديمي للعلوم.
بحلول السادس عشر من شهر فبراير، سلم ألكس (Alex) سونق جيان (Song Jian) ، وزير التقنية والعلوم في حكومة الصين، مجموعة مفاتيح السيارة فورد ( تورس) جديدة ورائعة مزودة بماكينة تعمل بخليط من الجازولين والميثانول في تلك الأثناء، فترت الحركة التجارية وبدأت تنحسر شيئًا فشيئًا. مما حدا بأحد النقاد للتعليق قائلا : لقد أتى التهديد بالعقوبات التجارية أكله على الجانبين، إذ نجح في محاربة القرصنة. في حين أن تطبيق مثل تلك العقوبات ووضعها حيز التنفيذ ما كان ليثمر شيئًا لأي منهما على الإطلاق.
بمعنى آخر : ساعدت لهجة التهديد تلك على توحيد القوى السياسية الداخلية في كل من الصين والولايات الأمريكية المتحدة على حد سواء، لكن لم يكن أي من البلدين يستطيع تحمل تكاليف مثل تلك الحرب التجارية التي طالما لوح بها كل منهما في وجه الآخر. وعليه ، فقد تمت تسوية القضية بنهاية شهر فبراير، لكن بالطبع، لتعود من جديد في العام القادم.
من جهة أخرى، استمر التنافس بين الشركات الأمريكية الصناعة السيارات على أشده. فهذه شركة (GM) تعلن على أعقاب إعلان شركة فورد الخاص بتصنيع سيارات صديقة للبيئة، رغبتها في نقل التقنية إلى المعاهد الصينية. فساهمت في شهر مارس بمليون ين (120.000 دولار أمريكي يومئذ ) لتأسيس معهد دلفي لتقنية أنظمة السيارات بجامعة تسنقهوا الأرستقراطية في بيجينق. أه بالمناسبة، كانت تسنقهوا هذه الكلية الأم التي تخرج فيها رواد الإداريين الصينيين. وفي الصين، للكلية الأم أهميتها وتأثيرها. وهي أهمية وتأثير أكثر بكثير جدا مما يستطيع أي غربي أن يتخيلهما. فقد كان التنظيم في تستقهوا أول المشروعات الكثيرة التي تم التخطيط لها لتشكل أجزاء مهمة من معهد شركة (GM) ومعمل أبحاثها.
كان جيم بولسن (Jim Paulsen) ماهرًا بشكل خاص في إدارة المفاوضات بمكتب فورد الرئيس في مقرها الأساس في موطنها الأصلي. وكان جاك ناصر (Jacques Nasser) حينئذ نائب رئيس قسم التطوير في ديترويت قد رفض إجراء تعديل في سيارات الفورد من طراز ( تورس ) التي تصدر للأسواق الصينية. ولأن معظم سائقي تلك السيارات هناك من مواطني الصين، كان لا بد من تعديل حجم كابينة السائق بحيث يستفاد من فائض المساحة لصالح المقاعد الخلفية - وهو تعديل مكلف دون أدنى شك.
لأن بولسن (Paulsen) كان يدرك جيدًا عدم استعداد المسؤولين في ديترويت للقيام بمجازفة كتلك ، تجاوز ناصر واتجه مباشرة إلى ألكس تروتمان (Alex Trotman) فكسب المعركة، غير أن الحرب استعرت من جديد بحلول فصل الصيف.
انضمام شيرلي يونق Shirley Young) إلى المفاوضات:
كان مفتاح حل لغز السباق يكمن في ضم شركة (GM) لشيرلي يونق ( Shirley Young) إلى فريق التفاوض والزج بها في حلبة السباق.
أجل.. بإمكان النساء أداء دور مميز في مفاوضات الأعمال العالمية كما أثبتن كثيرًا. فلم يقتصر جهد السيدة يونق (Young) على وضع تصور خاص العملية التسويق لفريق شركة (GM) فحسب، بل تعداه لخلق علاقات تجارية واسعة وراسخة. فهيا ننظر لقائمة إنجازاتها:
التحقت السيدة يونق ( Young) بشركة (GM) عام 1988م، كنائب لرئيس تطوير قسم تسويق السلع الاستهلاكية. وقد عملت مستشارة للشركة منذ عام 1983م. كما عملت مع طائفة واسعة من مختلف شركات الاتصال والتسويق، إذ تولت التخطيط والإدارة بوصفها رئيسة لشركة ( Grey Strategic Marketing) كما خدمت بصفتها عضوا في مجلس إدارة شركات برومس وشركة بومبي وشغلت منصب نائب رئيس اللجنة المشرفة على سوق الأوراق المالية (البورصة) بنيويورك، التي تم اختيار أعضائها بالتعيين. كما كانت عضوا بمجلس الأعمال الاستشاري بالمكتب التجاري للتنمية العالمية في وزارة الخارجية الأمريكية.
تسنمت رئاسة اللجنة المئوية التي تضم عضويتها مجموعة من الإداريين الوطنيين في كل من الصين والولايات الأمريكية المتحدة. وكانت بجانب هذا كله عضوا في مجلس إدارة فرقة شانغهاي الموسيقية ( الأوركسترا السمفونية) ( التي أنشئت بعد تبرع شركة (GM) بمائة وخمسة وعشرين ألف دولار أمريكي).
أما في مجال التعليم فقد شغلت منصب الأمين العام بكلية (Wellesley) وأكاديمية (Philips ) ومركز (Interlochen) للفنون والآداب، بالإضافة إلى عملها عضوا في مجلس إدارة الزمالة بمدرسة هارفارد التجارية.
تقديرا لجهودها ، فقد منحت جوائز عديدة، وحصدت العديد من الأوسمة والنياشين، كما منحها اتحاد الدعاية والإعلان بالولايات الأمريكية المتحدة لقب امرأة العام دون منازع، وفعل مجلس التخطيط الأمريكي - الصيني الشيء ذاته... أجل، فهي شديدة الصلة والارتباط بالولايات الأمريكية المتحدة.
يبدو أن السيدة يونق ( Young) قد ورثت تلك الشخصية الإدارية الطموحة من نشأتها الصينية، فقد ولدت في شانغهاي، حيث ما زال يقيم أقرباؤها. وتتحدث المندرينية بطلاقة (*) . أما والدها كلارنس كونفسون يونق ) الذي قتله اليابانيون في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث كان يشغل منصب القنصل العام لبلاده لدى الفلبين، فلا يزال بطلا في كل من الصين وتايوان، إذ يتم إحياء ذكراه سنويا في حرم جامعة تسنقهوا ببيجينق بوصفه واحدا من ألمع روادها . في حين كان زوج والدتها سفيرا لبلاده في كل من الولايات الأمريكية المتحدة المملكة المتحدة وفرنسا أجل.. كان يتمتع بعلاقات اجتماعية واسعة.
لقد عينت شركة (GM) للسيارات السيدة يونق (Young) مستشارا الرودلف سشليز (Rudolph Schlais) نائب رئيس فرع الشركة بالصين، الذي سبق له أن فاوض حول تأسيس ثلاثة مشروعات تجارية مشتركة هناك. كما احتفظت بها الشركة في الوقت نفسه مديرة للعلاقات لنائب رئيس قسم التسويق بمقر الشركة بديترويت. وهكذا صار دورها أكثر من تابع لسشليز (Schlais). إذ عليها الآن الترويج لنقل التقنية إلى الصين من جهة، والعمل على نقل خبرة التسويق من الصين من جهة أخرى.
صحيح .. للسيدة يونق ( Young ) شخصية احترافية المعية، لكن ربما كان ما تتمتع به من رصيد هائل من العلاقات الواسعة المتشعبة، وأسلوب بارع في إدارة المفاوضات وتنظيمها، أهم من هذا وذاك . إذ كانت ترتب بين الربيع وأواخر الصيف زيارات لعدد كبير جدا من الإداريين الصينيين والشخصيات الصينية الرفيعة إلى ديترويت لدراسة شركائهم المحتملين. ومن ثم تعمد لحشد أكثر من ألف موظف من مستخدمي شركة (GM) من الصينيين والأمريكيين على حد سواء لاستقبال أولئك الضيوف، وتشكيل لجنة مشتركة لإسداء النصح وتقديم المشورة للشركة حول علاقاتها مع الصين. وبالمقابل، نجحت نجاحا منقطع النظير في جر قدم كبار الإداريين الأمريكيين إلى شانغهاي
فمثلا ، قام جون سميث (John Smith) الرئيس التنفيذي بشركة (GM) بثلاث رحلات إلى شانغهاي في أثناء فترة المفاوضات. كما سافر خمسة من بين السبعة إداريين الأعلى مرتبة في شركة (GM) إلى شانغهاي في الفترة بين شهري سبتمبر وأكتوبر في تفان وإخلاص غير مسبوقين في تاريخ التواصل الإداري بين الشركات العالمية. وبجانب هذا كله ، امتد جهد السيدة يونق ( Young ) لترتيب رحلة لكل الموظفين الإداريين بشركة شانغهاي للسيارات إلى البرازيل لكي يتسنى لهم الاطلاع عن كتب على العمليات التقنية المتطورة الشركة (GM) هناك ؛ لأن العاصمة البرازيلية ( ريو دو جانيرو) تتمتع بجو رائع وطبيعة خلابة في فصل الصيف .
لقد أدركت السيدة شيرلي يونق Shirley Young) جيدا أنه لا شيء يعدل ممارسة الأعمال التجارية عبر مختلف بلدان العالم، إذ تقول دائما: ليست الشعوب هي التي تتحدث إلى بعضها بعضا ، ولا الشركات، بل الأشخاص هم الذين يفعلون ذلك، فيفاوض بعضهم بعضًا. أي أنه لا يوجد غير أعمال تجارية بين الأفراد أنفسهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصينيين، إذ تعد الاجتماعات المباشرة وجها لوجه وعلاقات الصداقة بين الناس على المستويات كافة، عناصر النجاح الأساسية لأي مفاوضات.
المرحلة الأخيرة في حلبة السباق:
في الخامس والعشرين من أغسطس حل فوقن كوشكاریان محل جيم بولسن رئيسًا لشركة فورد في الصين. ويروي سجل حياته أنه قادم من شمال غربي الولايات الأمريكية المتحدة، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، ويعمل بشركة فورد منذ ثلاثة وثلاثين عاما ، قضى معظمها في إدارة الموارد المالية للشركة. وقد خدم في أثناء ثمانينيات القرن الماضي في كل من اليابان وأوروبا.
وصحيح .. عزز (Koshkarian) المهنة بقدر كبير من التجربة العالمية أكثر بكثير جدا مما فعل سلفه جيم (Jim) . غير أنه يعوزه أي نوع من خبرة محددة من العمل في الصين. كما تنقصه مهارات اللغة الصينية.
وكان ( Jim Paulsan) قد خدم تسعة عشر شهرًا في بيجينق قبل أن يتقاعد عن العمل. وحسبما أفاد فإنها في الواقع لم تزد على كونها سبعة أشهر فقط في بيجينق، ستة أشهر في شانغهاي، وستة أشهر على متن الطائرات متنقلا بينهما. وهكذا نجد أن قضية تغيير الرؤساء الإداريين التي طالما سلمت بها شركة فورد ، قد أودعت طي النسيان في مضمار السباق.
تحليل أحداث فترة ما بعد السباق:
في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر، وقعت كل من شركة (GM) وشركة شانغهاي للسيارات اتفاقهما التجاري في ديترويت. وكانت الخطط تهدف لإنتاج مائة ألف سيارة من سيارات البيوك الملكية الفارهة متوسطة الحجم بنهاية عام 1997م، يتم تجميعها في مصنع شانغهاي الجديد الذي أنشئ بتكلفة بليون دولار أمريكي. كما هدفت الخطط في النهاية لإنتاج شاحنات النقل الصغيرة المقفلة.
في أثناء المفاوضات، تعهدت كل من شركتي فورد و (GM) باستثمار ملايين الدولارات في تأسيس معاهد تقنية ومصانع قطع غيار. لكن في الوقت الذي أعلن المتحدث باسم شركة فورد في بيجينق خسارة الشركة صفقة سيارات ( التورس) الحديثة، على الرغم من التغييرات الهندسية التي فرضها جيم بولسن (Jim Paulsen) رغم بيروقراطية الإداريين بمكتب ديربورن في ذلك الوقت، وعلى الرغم مما تمتاز به سياراتها من تقنية متطورة، أبدت شركة (GM) استعدادها لتقديم التقنية عن طريق شركتي ( Hughes) للإلكترونيات وشركة وحدات الأنظمة الإلكترونية التابعتين لها. وهي تقنيات حاسوبية عالية ومتشعبة، تعجز شركة فورد عن مضارعتها.
في مذكراته التي نشرها عبر مجلة ( التايم ) كتب جيم بولسن (Jim Pulsen) : لقد بذلنا قصارى جهدنا لمعرفة الكيفية التي كانوا يتخذون بها قراراتهم، غير أنه لم يكن لدينا العدد اللازم من الموظفين الذين يتحدثون اللغة الصينية لإقامة علاقات وطيدة واتصال مباشر مع المسؤولين في شانغهاي. أجل.. كنا نلعب لعبة القط والفأر، لكن بموارد قليلة ووسائل محدودة . . وفي السياق ذاته، أضاف وين بووکر (Wayne booker) ، رئيس شركة فورد في الدول الآسيوية المطلة على المحيط الهادي ومدير جيم بولسن (Jim Paulsen) : ""إنك لن تستطيع فهم سوق أجنبي أبدا ما لم تضم هيئة موظفيك أشخاصا ذوي كفاءة عالية وتجربة أكيدة من أبناء البلد المعني""
أين كان لورنس ونق عندما كنا في أشد الحاجة إليه ؟
لا شك في أننا نتفق مع جوهر ما ذهب إليه بووكر (Booker) في تحليله الأحداث فترة ما بعد السباق، غير أننا نود أن نضيف: ""يجب أن يكون أولئك الموظفون من ذوي الخبرة والكفاءة من مواطني البلاد المعنية، على قمة سلطة صنع القرار في الاستثمارات الأمريكية الأجنبية أو قريبا منها على الأقل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعمل في الصين.
لا شك أيضًا في أن جيم بولسن (Jim Paulsen) كان إداريا ناجحا في شركة فورد بكل ما للنجاح من معنى، غير أنه ببساطة شديدة، كان يفتقر إلى مفاتيح النجاح في الصين.
صحيح.. التدريب أساس النجاح، لكن لا يكفي أسبوعان فقط من التدريب على التعايش مع ثقافات الآخرين لتعويض نقص تجربة الحياة في الخارج مهما كانت نوعية ذلك التدريب وجودته، بحيث يؤهل الشخص المعني لتولي زمام الإدارة هناك.
بمعنى أكثر دقة لم تكن شركة شانغهاي للسيارات أو شركة (GM) هي التي أخطأت في توظيف جيم بولسن (Jim Paulsen) في المكان غير المناسب، إذ يعزى السبب الرئيس لإدارة شركة فورد نفسها في ديترويت.
بمعنى أكثر دقة لم تكن شركة شانغهاي للسيارات أو شركة (GM) هي التي أخطأت في توظيف جيم بولسن (Jim Paulsen) في المكان غير المناسب، إذ يعزى السبب الرئيس لإدارة شركة فورد نفسها في ديترويت موجود أساسًا ضمن موظفي الشركة. . وعليه، يعزى سبب التخبط هنا لأولئك المسؤولين في ديربورن الذين فشلوا في اختيار لاري ونق ( Larry Wong) ليكون أول رئيس الشركة فورد في الصين. ولنتبين ذلك، هيا نلقي نظرة على شخصية عام 1995م.
كان الدكتور لورنس ت. ونق (Lawrence T. Wong) يومئذ في ربيعه الثاني والثلاثين، يعمل في شركة فورد إداريا في الأعمال التجارية المشتركة ومهندس أبحاث حصل على درجة الدكتوراة في هندسة الفضاء من جامعة ولاية ميتشغان في أثناء عمله مع الشركة. وتذكروا أن شركة شانغهاي للسيارات مهتمة بالتقنية التي يمتلك ونق ( Wong) ناصيتها. كما يمتلك بجانب هذا. المعرفة والقدرة اللازمتين لإقامة العلاقات في الصين وتوطيدها. وبسبب نشأته هناك، يتقن اللغة الصينية الرئيسة التي يتحدثها نحو (80%) من المواطنين كما يجيد اللهجة الكانتونية.
ترأس شركة فورد في تايوان أحد عشر عاما، سيطرت خلالها فورد على سوق السيارات هناك بفضل شخصيته الإدارية وشبكة العلاقات الواسعة التي تمكن من تعزيزها. فانتخب رجل الأعمال الأول في تايوان لعام 1994م.
ربما كان وضع ونق ( Wong) الحالي هو أفضل معيار لتقدير ما يتمتع به من كفاءات. إذ كلف عام 1996م، بإدارة ما كان يطلق عليه ( شركة مواصلات أخرى ) - نادي هونغ كونغ للفروسية، حيث عين أول رئيس صيني ( إثني) الرئاسة أهم سباق خيل في العالم. ولك أن تتخيل ذلك إذا أدركت أن الدخل السنوي لنادي هونغ كونغ للفروسية، يبلغ اثني عشر بليون دولار أمريكي. أجل... اثني عشر بليون دولار.
يعاد بليون ونصف بليون دولار منها لأهالي هونغ كونغ في شكل ضرائب تشكل (11%) من إجمالي عائدات ضرائب الجزيرة. وبالإضافة لهذا، يتبرع النادي بنحو مائة وثلاثين مليون دولار سنويا للجمعيات الخيرية. فقد تبرع مثلا بثلاثمائة مليون دولار لتشييد جامعة هونغ كونغ للعلوم والتقنية التي تعد اليوم من أشهر جامعات آسيا وأكثرها رقيا وتطورا.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا بشدة: لماذا فشلت شركة فورد في اختيار لاري ونق (Larry Wong) لكي يرأس فريقها في المفاوضات في المقام الأول؟ كيف يمكن أن نفهم ارتكاب شركة كشركة فورد التي تعد إحدى أفضل الشركات الأمريكية العالمية خطأ كهذا؟ سوف نجيب عن هذه التساؤلات وغيرها كثير في الصفحات التالية.
أخيرا : كخاتمة لما سبق أن أوردناه، نستطيع أن نعبر عن مدى سعادتنا بعودة فورد إلى رشدها لتعين في شهر يناير من عام 1998 م، مديرًا صينيا وثنيا في أعلى هرم سلطتها الإدارية في بيجينق. إذ حل مي وي شنق ( Mei Wei Cheng) محل فوقن کوشکاریان (Vaughn Koshkarain ) رئيسًا إداريا وتنفيذيا في الوقت نفسه الشركة فورد في الصين. في حين عين كوشكاريان ( Koshkarain) مديراً تنفيذيا للشركة في دول آسيا المطلة على المحيط الهادي ليصير فيما بعد رئيسا لها.
كان شنق ( Cheng) يشغل منصب نائب رئيس شركة جنرال إليكتريك للأدوات الكهربائية في هونغ كونغ ومديرها الإقليمي:
أخيرا، بعد طول انتظار توصلت شركة فورد لعقد اتفاق تجاري مناصفة (%50 إلى 50%) مع شركة شونقكوين شانقان للسيارات التي تعد ثالث أكبر شركات تصنيع السيارات في الصين، لإنتاج خمسين ألف سيارة صغيرة في محافظة سيشوان، جنوب غربي البلاد. لكن مع ذلك، لا تزال فورد تئن بسبب ما أصابها من جرح في شانغهاي.
بحلول عام 2005 م، تمكنت سيارات (GM) من خطف ريادة السوق من شركة سيارات فولكس واجن المتحدة، ولا تزال السيارات الأكثر مبيعًا من إنتاج شركة فورد في الصين بنسبة 3: 1 (665.000 إلى 220.000 سيارة .
الخلاصة :
لقد أدرجنا شانغهاي في مقدمة كتابنا لسببين إضافيين؛ إذ ينطوي استخدامنا للمصطلح على عاملين رئيسين عن القرن الحادي والعشرين في الصين. الأول: شانغهاي هي المكان الذي شهد الحدث - كما أنها تمثل محور النشاط التجاري في شرقي آسيا. الثاني: شانغهاي تختلف عن بقية أجزاء الصين. فقد ناقشنا في الفصول من الحادي عشر حتى الخامس عشر، بشيء من التفصيل، مدى اختلاف أساليب المفاوضات وأنظمة الأعمال التجارية بين مختلف أقاليم الصين العظيمة. أما بقية الكتاب فقد قسمناها إلى خمسة فصول اشتملت الفصول من الثاني حتى الخامس على الخلفية التاريخية الثقافية والتنظيمية القانونية الضرورية التي تحكم بيئة التجارة الأمريكية الصينية. في حين ركزنا في الفصول من السادس حتى العاشر على جوهر الاختلافات في أساليب المفاوضات التي غالبا ما تثير المتاعب عندما يلتقي الأمريكيون نظراءهم الصينيين حول مائدة المفاوضات. أما الفصول من الحادي عشر حتى الخامس عشر، فقد اهتمت بالاختلافات الإقليمية كما سبقت الإشارة آنفًا. وتناول الفصلان السادس عشر والسابع عشر، موضوع الخلاف حول حقوق الملكية الفكرية المثير للجدل باستمرار في الصين. واستشرفنا في الفصل الثامن عشر مستقبل العلاقات التجارية الأمريكية الصينية، وبالمناسبة، ليست مجرد صدفة محضة أن يجيء كتابنا هذا مشتملا على ثمانية عشر فصلا . فالرقم ثمانية ( أو أي رقم آخر ينتهي به ) يعد في الثقافة الصينية رقم حظ سعيد جدا. إذ يفيد حسب لفظه باللغة الصينية، معنى النجاح والازدهار الاقتصادي. وعليه ، لا بد أن يساعدك اطلاعك على هذا الكتاب الذي يتألف من ثمانية عشر فصلا ، على تحقيق النجاح والازدهار الاقتصادي في مغامراتك واستثماراتك التجارية في المملكة الوسطى.
