البيت- مشاركة الوالدين
أثبتت أكثر من 80 سنة من البحث والخبرة أن تعليم أي طفل يصبح أكثر فاعلية عن طريق المحافظة على دور أولياء الأمور في البيت وتعزيزه بشراكة مع المدارس، ونظراً إلى أن الأطفال ذوي القدرات العالية يحتاجون إلى تدخلات أكاديمية: يتعين على الوالدين والمعلمين العمل معاً طوال سني حياة الطفل المدرسية.
ما الذي نعرفه ؟
يعرف أولياء أمور الأطفال الموهوبين بدقتهم المتناهية في تعرف قدرات أبنائهم خاصة إذا كان لديهم شيء من المعرفة بخصوص كيفية التطور الطبيعي للأطفال.
وقد ذكر كل من لويس ولويس (1992 ,Lewis & Lewis) ، وجاكسون (1992 ,Jackson) . ورويتون وروبنسون (1992) ,Robinson & Robinson) ، وروبنسون، ودايل، ولاند زمان (LLandesman, Robinson, Dale, 1990) أن أولياء الأمور يصفون أطفالهم من حيث الخصائص والسلوكيات التي تدل على مهارة وتفكير متقدمين وحتى عندما لا يفهمون تماماً مدى هذه القدرات، فإنّهم يدركون تميز أطفالهم عن الأطفال الآخرين ولأن البحوث قد دعت - منذ مدة طويلة - إلى اكتشاف المواهب وتنميتها مبكراً ؛ فإنه يتعين على المربين الترحيب والاهتمام بمعلومات أولياء الأمور المتعلقة بقدرات أطفالهم الخاصة والبناء عليها ، وبذا ، يصبح ذلك أول نوع من المشاركة التي ينبغي للمدارس البحث عنها ، ولأولياء الأمور توفيرها.
وبصورة عامة، فإن البيوت التي عمادها الدعم والتحفيز والاستكشاف، والتي تتميز بتماسكها على نحو فاعل، هي القادرة على تطوير قدرات الطفل الموهوب ورعايتها، وبهذا الخصوص، فإن الإمكانات المادية ليست مهمة جداً، مع أن الدروس والخدمات الخصوصية يمكن أن تكون مكلفة. وقد أكدت دراسة جويس فانتاسل باسكا عن المراهقين الموهوبين المحرومين، صحة التأثير الفاعل لأولياء الأمور الذي يفوق الوضع المادي المريح، أو حتى مستوى تعليمهم. وبالمثل، فمن المفيد جداً للأطفال العيش في بيت يولي جل عنايته لهم بحيث يقضي الآباء بعض الوقت معهم، ويشاركونهم في النقاش والأحاديث والقراءة، واللعب، وممارسة الأنشطة اليومية . وعادة ما يتخطى هذا المفهوم الخطوط والحواجز الثقافية والاقتصادية. وقد توصلت دراسة حالة متعمقة لثمانية طلاب من ذوي الأقليات، يعاني أفراد عائلاتها أوضاعاً مادية صعبة ( توملينسون كالاهان، وليلي ) ، إلى معلومات مثيرة عن أهمية هذا النوع من المشاركة. فقد كان لهؤلاء الطلاب - على الأقل - أمهات أو آباء يبادلونهم الاهتمام والحب، ويسعون إلى الإسهام بفاعلية في حياتهم. وقد كان الآباء مصممين على مساعدة أبنائهم في عملية التعلم، والبحث عن طرائق تتيح لهم القيام بذلك بصورة جيدة. وفي المقابل، فإن العكس صحيح أيضاً؛ إذ تبين أن الأطفال الذين يعانون الإهمال واللامبالاة من الآباء كانوا ضعافاً نمائياً ودراسياً. وقد وجد أن انعدام احترام الذات والكفاية الناجمين عن ذلك يتضاعف طوال سنوات المدرسة.
من جانب آخر، تعد الدراسة النوعية التي أجريت على 34 طفلاً من الموهوبين وأسرهم مثالاً على البحوث الخاصة بتحديد تأثير مشاركة الوالدين في النجاح المدرسي. وقد كشفت النتائج التي توصل إليها الباحثان أن الطلاب الذين أظهروا تفوقاً كانوا يحظون بآباء سعوا إلى معرفة النظام التعليمي، وتعزيز العلاقة بالمدرسة. فضلاً عن الوعي بأهمية التعليم، وتوقع تميز الأداء لهم ولأطفالهم، وإنشاء علاقة وطيدة بالمعلمين والترفع عن الخلافات الزوجية، والحيلولة دون وقوفها عائقاً يثنيهم عن رعاية أطفالهم. وفي السياق نفسه، أظهرت النتائج التي توصل إليها كلارك وجود دليل إضافي يبرز الطرائق التي تؤثر فيها سلوكات الوالدين في حياة الأطفال، وقد تمثل ذلك في: توفير الدعم العاطفي، خاصة عند مرور الأطفال بتجربة فاشلة وتوعيتهم بأهمية الممارسة والعمل، ومراقبة أنشطتهم وكيفية قضائهم الوقت (مثل: مشاهدة التلفاز، ومخالطة الرفاق والأصدقاء)، ومناقشة أي تطورات تخصهم في المدرسة، وتحمل مسؤولية تعلمهم في البيت . ويظهر أثر هذه النتائج جلياً في البحوث التي تعنى بتنمية الطفل وتعليمه، مثل دراسة مارتيني التي تشير إلى أن تحفيز التحضير في البيت أمر ضروري للنجاح في المدرسة. وقد لاحظ مارتيني وجود بعض الممارسات الأبوية المحددة التي تفوق الوضع الاجتماعي الاقتصادي، ومعامل ذكاء (IQ) الأم أو الأب ومستواهما التعليمي. وتشمل هذه الممارسات نمذجة إستراتيجيات الحياة التي أثبتت نجاعتها بالنسبة إليهم، ومشاركة الآباء - على نطاق واسع في تنظيم حياة أطفالهم، والتواصل المتكرر مع المعلمين. وقد وجد موس وستراير (1990 ,Moss & Strayer) أيضاً ممارسات أبوية مماثلة؛ حتى مع أمهات وأطفال ما قبل المدرسة. وأيدت دراسة كرين (1996,Crane) نتائج والبرغ (1991,Walberge) التي أبرزت الدور الذي يلعبه الوالدان في نجاح تعلم أطفالهم، عن طريق توفير بيئة أسرية ملؤها الحب، والتوقعات، والفرص، والتوجيه - تشجع على تطوير المهارات المعرفية. وقد درس إنتويزل وألكسندر (1990 ,Entwisle & Alexander ) هذه البيئة نفسها ، من حيث الأثر الواسع والمهم لهذه البيئة في تحصيل الأطفال في الرياضيات. ثم توسع داي وسكادر (Dai 2000 ,Schader & في بحث أثر هذه الجهود لتشمل التدريب الموسيقي.
بعد ذلك، واصل كولمان وكروس (2005 ,Coleman & Cross) تأكيد الآثار التي لا مثيل لها لمشاركة الوالدين في النجاح الأكاديمي.
وفي الحالات جميعها ، فإن الأطفال يستفيدون من مشاركة والديهم في تعليمهم، عن طريق إظهار الاهتمام بواجباتهم البيتية، واستقصاء الموضوعات ذات الاهتمام معاً، والتواصل مع المعلمين وإدارة المدرسة بانتظام، والوقوف إلى جانب أطفالهم في المسابقات التي تقام في ملاعب المدرسة. ومن المهم أيضاً ملاحظة أن المعلمين الذين يحفزون أولياء الأمور إلى المشاركة بنشاط، يحصدون أعلى التقديرات من مديريهم لقاء قدراتهم التدريسية العامة ومهارات التواصل الاجتماعي. كما تحظى أي مدرسة تنال علامات جيدة في هذا المجال بالتكريم والدعاية الإيجابية (1985 ,Epstein).
وعلى الرغم من ثبوت التأثير الإيجابي لمشاركة الآباء في حياة أطفالهم وتعليمهم، إلا أن الأحداث الفعلية لا تسير دائماً على هذا المنوال. فقد توحي السياسات المدرسية أن الأطفال جميعاً متساوون، وأنه لا توجد فروق تحتاج إلى تعديل في العملية التعليمية. أضف إلى ذلك، فقد ينظر بعض المدرسين إلى أولياء الأمور المطلعين والأذكياء بوصفهم مزعجين»، ويجعلونهم يشعرون بأنه غير مرحب بهم في غرفة الصف (1992 ,Cole & Della Vecchia) ، في حين يشعر بعضهم الآخر بأنهم مهددون، وأن عليهم اتخاذ موقف دفاعي بسبب أساليب تدريسهم ( 1993 ,Enersen) .
وفي المقابل، فقد تضم المدرسة بين جنباتها بعض الأطفال الموهوبين، لكن مصادرها لا تكفي لتلبية احتياجاتهم (2004 ,Gross) . ففي دراسة مفصلة شملت 15 طفلاً موهوباً مأخوذة من دراسة أوسع لـ 40 طفلاً موهوباً ، تتبع غروس خبرات الأسرة والمدرسة | التي تظهر حجم العبء الذي يتحمله الآباء، ومدى الصعوبة التي يواجهونها في التواصل مع المعلمين وإدارات المدارس.
يدور منذ زمن طويل جدل حول مفهوم الالتحاق المبكر بالمدرسة ( كما هو الحال بالنسبة إلى جوانب التسريع جميعها ) : إذ يأتي أولياء الأمور إلى المدرسة وهم يحملون تقارير عن إجادة أطفالهم القراءة في عمر 3 سنوات أو 4 ، ويتحدثون بإسهاب عن الديناصورات، أو الفضاء، أو موضوع ما ، ويدركون جيداً القيمة المكانية، ويستطيعون القيام بالعمليات الحسابية، أو ربما يظهرون موهبة فنية أو موسيقية. وفي بعض الحالات، تكون معلمة مرحلة ما قبل المدرسة قد نبهت الأهل الجوانب النبوغ لدى أطفالهم. وبسبب هذه التشجيع وأدلة الملاحظة اليومية في البيت، يعتقد الآباء أن أطفالهم مستعدون لدخول المدرسة. وفي الحقيقة، فإن البحوث التي تعرضت لنجاح الأطفال الذين يدخلون المدرسة في وقت مبكر، هي بحوث متباينة ويستشهد بها - في كثير من الأحيان بحذر بخصوص التكيف والفوائد الطويلة الأمد. لذا، تظهر مدارس عدة في المناطق التعليمية بالولايات المتحدة تردداً بخصوص القبول المبكر. أو تعارضه بشدة. وفي معظم الحالات، يبذل أولياء الأمور جهوداً حثيثة لتأمين القبول المبكر أو غيره من الخدمات لأطفالهم. وهكذا ، تبدأ عملية تستمر سنوات عدة، وتؤدي غالباً إلى تردي العلاقات بين البيت والمدرسة (1993 ,Enersen).
وقد يقرر الآباء ملء الفجوة بأنفسهم، وتوفير تدريس لأبنائهم في البيت في تلك السنوات المبكرة، ولاحقاً في ساعات ما بعد انتهاء الدوام المدرسي، وقد يلجؤون إلى إحداث تغييرات قسرية ( بالقوة ) في المدرسة. وفي أثناء محاولاتهم حل المشكلة، فإنّهم يحتاجون إلى أمرين أساسيين، هما: مساندة الآخرين الذين يعانون الصعوبات نفسها ، وتوفير بيانات عن الأطفال الموهوبين والموارد المتاحة لهم. وحين تعلم المدارس بمثل هذه المحاولات، فإنها تستطيع اغتنام الفرصة من أجل تمكين الآباء والمعلمين من بناء شراكة عن طريق التدخلات التعليمية علماً بأن معظم الخطط الناجحة والقابلة للتنفيذ، تركز على بناء مهارات التواصل، وتبادل المعلومات عن طبيعة الأطفال الموهوبين وحاجاتهم، وتعرف وجهات نظر الآخرين. وتوجد نماذج عدة يمكن الاعتماد عليها في مثل هذه التدخلات، تؤدي جميعاً إلى إيجاد بيئة مناسبة لفتح النقاش، وطرح الأسئلة، وإنشاء تجمعات الأولياء الأمور، مثل برنامج دعم الحاجات العاطفية للموهوبين"". وغالباً ما يُدعى الخبراء إلى تقديم بيانات عن موضوعات معينة، مثل: طرائق التعرف إلى الموهوبين، وتقديم المشورة المهنية، والحاجات العاطفية للأطفال الموهوبين.
يمكن عقد هذه الجلسات خلال النهار، أو في المساء ، أو في أثناء مشاركة الأطفال في الدروس الإثرائية. ومن المثير للاهتمام أن المشاركين يعدون حتى مجرد عقد دورة قصيرة أمراً مفيداً جداً، وأن الجزء المهم في هذا كله هو العثور على أولياء أمور آخرين يشاطرونهم الخبرات والهموم ( إينرسين) . ويشعر الآباء بعد عقد مثل هذه الجلسات أنهم أصبحوا أكثر استعداداً للتواصل مع المدارس بفهم ودفاع مناسبين.
ماذا يمكننا أن نفعل؟
إن الدليل القاطع على نجاعة مشاركة الآباء وفوائدها للطفل والمدرسة، يتطلب وجود اتصالات إيجابية وشبه جماعية بين المربين وأولياء الأمور، بحيث يمكن مساعدة أولياء الأمور على تطوير مهارات الرعاية الأبوية الفاعلة، بالتزامن مع تطوير المعلمين وسائل فاعلة المشاركة أولياء الأمور في تعليم أطفالهم.
وفيما يأتي أبرز الإجراءات التي يتعين مراعاتها . في هذا المجال:
في المدرسة :
- تضمين دورات تدريب المعلمين قبل الخدمة كلاً من: المسوغ، وأساليب العمل البناء مع أولياء أمور الطلاب الموهوبين على أن يكون ذلك جزءاً من مشروع أكبر لإثراء دورات إعداد المعلمين بالوعي وأساليب تعليم الطلاب الموهوبين.
- تزويد المعلمين الممارسين بإستراتيجيات فاعلة تتيح التعامل مع أولياء أمور الطلاب الموهوبين. فضلاً عن تنظيم ورش عمل تركز على التواصل والتعاون الفاعلين.
- تبني إستراتيجيات محددة تتيح للمعلمين إشراك أولياء الأمور من العائلات المتنوعة ثقافياً في عملية التعلم ( انظر 2003 ,Ford & Grantham من بين الكتاب الذين تناولوا ضرورة تطوير علاقات أفضل بأولياء أمور الطلاب السود، وذوي الأصول الأمريكية اللاتينية، والطلاب الأميركيين الأصليين).
- عقد دروس عن الرعاية الأبوية عند بدء تقديم الخدمات الخاصة بالطلاب الموهوبين، بحيث تشمل الآتي:
- توفير بيانات عن الإجراءات والتدابير اللازمة للتعرف إلى الموهوبين.
- تحديد طبيعة الطلاب الموهوبين وحاجاتهم.
- تعرف الموارد والخيارات المتاحة محلياً.
- تعزيز مهارات التواصل، مثل: التحاور الفاعل، والإصغاء الجيد.
- التركيز على مهارات التنشئة الخاصة بالطالب.
- عقد دورات تدريبية خاصة تُعنى بكيفية تشجيع التعلم في البيت
- إعداد خطط تتيح الاستفادة من خبرات أولياء الأمور عن طريق المشاركة في الفصول الدراسية.
- تدريب المعلمين على الاستفادة القصوى من خبرات أولياء الأمور المتطوعين علماً بأن العمل معاً يؤدي إلى بناء علاقة يمكن بوساطتها تبين الوقت الذي يصبح فيه الوضع متوتراً.
- تشجيع الإداريين ( خاصة مديري المدارس على حضور دورات تدريب المعلمين وأولياء الأمور، وتأكيد تعزيز مفهوم الشراكة بحضورهم القيادي.
- افتراض أن أولياء الأمور والمعلمين والإداريين يسعون جميعاً إلى ما فيه مصلحة الطلاب ، وعدم توقع إحاطة أي فرد بالمعلومات الضرورية لاتخاذ أفضل القرارات ما يتطلب توفير الوسائل المناسبة التي تتيح لأولياء الأمور الحصول على المواد المرجعية، والتواصل مع المهنيين، وأولياء الأمور الآخرين. على سبيل المثال، يمكن فتح مكتبة صغيرة، وتخصيص غرفة للاجتماعات في المدرسة، وعقد ورش عمل واستضافة المحاضرين، وإنشاء موقع على الشبكة العنكبوتية، أو غيرها من مراكز تبادل المعلومات والتواصل الاجتماعي.
- حفظ الإستراتيجيات والأنشطة الخاصة بهذا العمل. فبعد تنقل الطلاب بين الصفوف وتخرجهم في المدرسة ، سيفد إلى المدرسة طلاب آخرون من ذوي الاحتياجات الخاصة وينضم معلمون جدد إلى هيئة التدريس في المدرسة وبين هذا وذاك يجب تجديد العملية التربوية والدفاع عن الأطفال الموهوبين .(Robinson & Moon, 2003)
