القائمة الرئيسية

كتاب تعلم ركوب الأفيال : تدريس السعادة والعافية في المدارس

كتاب تعلم ركوب الأفيال : تدريس السعادة والعافية في المدارس
ملخص الكتاب

يناقش هذا الكتاب أهمية تعزيز الصحة والعافية في البيئة التعليمية، مسلطاً الضوء على استراتيجيات متعددة لمساعدة الطلاب على التعبير عن أنفسهم والتغلب على التحديات النفسية والاجتماعية. يوضح الكتاب أن الكتابة عن التجارب الشخصية بوعي يمكن أن تسهم في تنظيم الأفكار واستخلاص الدروس، ويؤكد أهمية التشارك بين الطلاب لتعزيز التعلم من خلال تبادل الأفكار بشكل مجهول. كما يناقش الدور الحيوي للنقاشات المنظمة باستخدام أساليب مثل قبعات التفكير الست والحوار السقراطي في فهم الموضوعات وتطبيقها على الحياة اليومية، مشيراً إلى دور المواد البصرية مثل الأفلام والموسيقى والفنون في تقريب المفاهيم المعقدة. ويبرز الكتاب أيضاً قيمة التعلم من السير الذاتية كأداة لفهم التحديات الإنسانية والتغلب عليها، مع التشديد على ضرورة أن تكون اختبارات الصحة والعافية موجهة لدعم الطلاب وليس كوسيلة ضغط إضافية. وأخيراً، يسلط الكتاب الضوء على دور المعلمين كقدوة حسنة في تعزيز الإبداع والتوازن النفسي، مؤكدًا أن نجاح تدريس الصحة والعافية يعتمد على التزام المعلمين بإلهام الطلاب وتمكينهم من مواجهة مصاعب الحياة بثقة ووعي.

تعلم تدريب راكبي الأفيال : تدريس أساليب السعادة والعافية 

العرض المسبق للفصل 

  • ما الحاجة إلى تعليم ركوب الأقيال؟ 
  • تدريس الكارثة الكاملة
  • تعليم العافية العملية
  • بعض الأفكار لتدريس السعادة والعافية النفسية والجسمية
  • المعلمون والعافية
  • عافية المدرسة الشاملة 

أود في البداية أن أطلب إليك التخيل أنك على وشك الانطلاق في رحلة على ظهر فيل أفريقي ضخم في أذنين كبيرتين، بعد تسلق رقبته، أصبحت ممتطيا له، ورجلاك تتدليان على جلده السميك المغضن، ويداك على كتفيه أنت لا تعرف الفيل، ولكن الدليل السياحي يؤكد لك أنه حيوان أليف، وأنه يحب البشر، تنطلق في رحلتك وحيدا على ظهر فيلك خلف قافلة من راكبي الفيلة الأخرى، وبعد مدة تصبح معتاداً على خطوات الفيل المتثاقلة، وحركة كتفيه، وتمايل رأسه وخرطومه، وخواصره التي تنتفخ وتنكمش وهو يتنفس تحتك، وترفع رأسك من على رقبة فيلك، وتأخذ في ملاحظة الراكبين الآخرين، كان بعضهم أكثر ثباتاً منك، وبعضهم أقل ثباتا. وبعضهم الآخر يشعر بسعادة غامرة، وآخرون متوترون يتشبثون بفيلهم خوفا على حياتهم، وبعد ملاحظتك لكل هؤلاء، تعود إلى ذاتك، فتحس بالسعادة من محاولتك الأولى لركوب الفيل.

تبدأ بعد ذلك بالتفكير في وجهتك لتكتشف أنك لا تعرف إلى أين أنت ذاهب. تحاول البحث عن قائد القافلة، ولكن نظرا إلى كثافة سحابة الغبار المتطاير من الأقدام الضخمة وزملائك بملابسهم الملونة الذين يحجبون الرؤية أمامك، تدرك أن الدليل الذي اعتقدت أنه في مقدمة القافلة، قد لا يكون هناك على أي حال. 

ينتابك التوتر، فتتلفت حواليك بقلق، ولكن لا يبدو أن هناك من يشاطرك مخاوفك. وعندما تنظر وراءك تبتسم لك السيدة التي تمتطي فيلا خلفك ، وتلوح لك بيدها، تخطر على بالك فكرة إيقاف الفيل والنزول إلى الأرض، لكن السائس يتحدث إلى الفيلة باللغة السواحلية، وأنت لا تعرف هذه اللغة، ولا تمسك بعنان لتجعل الفيل يغير اتجاهه، فتدرك فجأة أن الفيل خارج سيطرتك في هذه الأثناء، كان الفيل يتهادى تاركاً عشر خطوات بينه وبين الفيل الذي أمامه، سائراً على الطريق المحدد له. 

تدرك في نهاية المطاف أن الفيل يعرف بالضبط إلى أين هو ذاهب، وأن كل ما عليك فعله هو الاسترخاء، وترك العنان للفيل ليحملك إلى هناك. 

لماذا نتعلم ركوب الأفيال ؟ 

إن استعارة ركوب الفيلة مأخوذة من كتاب جوناثان هایت Jonathan Haide ""، فرضية السعادة The Happiness Hypothesis ، وهي استعارة تساعد على إيضاح الهدف من تدريس السعادة والصحة والعافية النفسية والجسمية. يشرح هايت في هذا التشبيه كيف أن المفتاح الركوب الحيوان بنجاح هو انسجام العلاقة بين الراكب والركوبة وحتى تتمكن من قيادة الفيل إلى حيث تريد ، عليك أن تكون قادراً ليس على معرفة وجهتك فحسب بل على فهم الفيل أيضاً والجوانب الدقيقة من سلوكه التي قد تحرف رحلتك عن مسارها، وعليك الاقتناع أيضاً أن الفيل، في بعض الظروف، يعرف أفضل منك، وهو يقودك بنفسه. 

ما عناه هايت باستعارة الفيل وراكبه هو الإنسان، فالراكب، هذا المكون الصغير الذي يحاول السيطرة على كل شيء، يمثل الذات الواعية المفكرة، أما الفيل: مجموعة القوى الكبيرة التي يحاول الراكب السيطرة عليها، فيمثل كل شيء آخر العمليات الخفية الكثيرة كلها التي يقوم بها الدماغ، ومجموعة الأنشطة الرائعة كلها التي تحدث في الجسم، ويقول عن ذلك: 

تتألف أدمغتنا من اتحاد ضعيف بين الأجزاء، ولكننا ترتبط وتهتم كثيراً بجزء واحد هو: التفكير اللفظي الواعي، ونظراً إلى أننا لا تستطيع أن ترى إلا جزءاً صغيراً فقط من عمليات العقل الواسعة، فإننا ندهش عندما تبرز الرغبات والأمنيات والإغراءات من فراغ، كما يبدولنا. وأحيانا، لا يخطر ببالنا أننا في حرب مع وعينا، وهويتنا، أو ذاتنا الحيوانية، ولكننا في الواقع شيء واحد بكامله تحن الراكية، ونحن القبل. 

ولذلك، فإن تعليم السعادة والعافية يدور حول مساعدة الأطفال على الجمع بين الفيل والراكب، في كل واحد متناغم، بحسب وصف هايت السابق، لكن خطأنا يكمن غالباً في اعتقادنا أن الراكب الذات الواعية المفكرة تملك الأجوبة كلها، وهي سيدة المواقف جميعها، وهي التي تعرف ما هو أفضل دائماً، إن الهدف من تدريس السعادة والعافية النفسية والجسمية هو تعليم الراكب لا ليعرف نفسه فحسب، وإنما الفيل الذي يركبه. ولا شك في أن كثيراً من الناس يمرون في مسيرة حياتهم بعلاقة عدوانية بين الفيل والراكب، على سبيل الاستعارة، وهذه العدوانية هي مصدر المشكلات النفسية والجسدية. 

وإذا ما استطعنا أن نوفر للشباب ليلاً لراكب الفيل، أو بعبارة أخرى، أن تعلمهم كيف يعملون بوصفهم بشراً، ثم تعلمهم بعد ذلك كيف يكونون بشراً ليسوا مجرد عاملين فحسب. وإنما بشر رائعون فلربما تكون قادرين على مساعدتهم على تجاوز العقبات المفاجئة الناجمة عن الراكب الذي يحاول ممارسة سيطرة زائدة، أو عن قبل قالت من عقاله. 

تعليم الكارثة كاملة

 ..... يتعين أن يكون التعليم أكثر من مجرد تراكم للمعرفة سواء كانت علمية، أو تقنية، أو تاريخية، أو خلافها، يجب أن يكون تعليماً في كيف تكون. 

سوف يجد القارئ أن معظم المادة التي يشملها هذا الكتاب مأخوذة من جزء صغير من المنهاج، أو من ملاحظات المشرف أو الموجه، أو إنها جاءت مصادفة من معلمين جيدين من الذين يطبقون مهارات ركوب الفيلة. ولهذا، فإن على المادة الواردة في هذا الكتاب، كما يقول الاقتباس المأخوذ من ماثيو ريكارد Matthieu Ricard أعلاه، أن تتنافس مع التعليم الإلزامي الذي يركز على اكتساب المهارات والمؤهلات المطلوبة للعمل أو لدخول الجامعة. أكثر من التركيز على اكتساب الطالب المهارات اللازمة ليكون إنسانياً، وهي المهارات التي يحتاج إليها عندما يلتحق بالعمل أو بالجامعة. 

وعندما تصبح هذه المادة التعليمية جزءاً من المنهاج، فإنها غالباً ما تتبع نموذج الكارثة في التعليم، وبعبارة أخرى عرض أسوأ حالة سيناريو للطلاب إلى جانب الطرائق المختلفة الكفيلة بتلافيها، فمثلاً، غالباً ما يركز تعليم سوء تعاطي المخدرات، وإساءة استخدام المواد على أسوأ المواقف، أي الإدمان على المخدرات، مثل الهروين أو الكوكايين الذي يترافق مع الجريمة والتشرد والبغاء والموت. وبالمثل، فإن التوعية الجنسية سوف تركز على حمل المراهقات وانتقال العدوى عن طريق ممارسة الجنس مع صور مرعبة)، وعلى الرغم من أهمية توعية الشباب بالأخطار التي تتهددهم في هذا العالم من حولهم، فإن الأخطار النهائية يجب ألا تكون بؤرة تركيز التعليم: لأنها ببساطة لا تهدد غالبية الطلاب.

يضاف إلى ذلك عدم وجود فلسفة مفيدة من وراء تدريس الكارثة الكاملة لأنها ببساطة تعلم الشباب أن العالم مكان خطير يتهددهم :""Full Catastrophe Teaching"" بالأذى، وبالتأكيد، فإن هذا لن يكون العالم الذي سوف يعرفونه. ونظراً إلى أن التركيز ينصب على إعداد الأطفال لأسوأ المواقف، فإنه يمكننا تجاهل توعيتهم في كيفية تحقيق أفضل المواقف. وتتجاهل تعليمهم المهارات الضرورية بانتظام، ليصبحوا ناجحين في طريقة تكوين علاقات مفيدة ومحافظتهم عليها، وكيف يكتشفون الذي يجيدونه ويعملون على تطويره، وكيف يهتمون بعقولهم وأجسامهم. في ضوء كل هذا، يتعين علينا أن نقلب نموذج الكارثة رأسا على عقب. وأن تعلم الأطفال معنى النجاح والازدهار، أن نعلمهم كيف يصبحون راكبي فيلة أكفاء، كيف يصبحون بشراً رائعين وألا يحاولوا بسبل شتى حماية الفيل لدرجة تجعل الراكب ملولاً ومحيطاً. أو السماح للفيل بالحرية الكاملة ليفعل ما يريد.

 

تعليم العافية : العملية 

لا يعد تعليم الصحة والعافية العقلية والجسمية مثل أي مجال أكاديمي آخر؛ لأنه في حين تظل المهارات المكتسبة من خلال الدراسة الأكاديمية تستخدم باستمرار، فإنه من المحتمل وجود المفاهيم المتعلمة في العقل فقط، بمعزل عن التطبيق حيث تختفي في نهاية المطاف بسبب عدم استخدامها هل تستطيع أن تتذكر كل شيء قرأته لامتحانات نهاية العام الدراسي؟). إن العافية شيء مختلف لأنها ترتبط مباشرة بالخبرة التي سوف يمر بها الطلاب في حياتهم اليومية من الممكن تعليم طلابنا كل شيء عن العافية، ولكننا سوف نخطئ الهدف الرئيس التعليم العافية المتمثل بالخبرة، أي إن علينا أن نعلمهم كيف يكونون أصحاء ومعافين، فإذا كنت تدرس الطلاب فوائد التمارين الرياضية، فعليك أن تجعلهم يمارسون بعض التمارين ليختبروا هذه الفوائد بأنفسهم، وإذا كنت تدرسهم المهارات المعرفية ( مثل تلك المتعلقة بالتحمل والمرونة) ، فعليك أن تجعلهم يتدربون عليها. ويطبقونها في مواقف حياتية واقعية، إذ إن الحديث وحده لا يفيد. 

ويتضمن هذا النوع من التعليم إشراك الطلاب في عملية دائرة بسيطة من ثلاث مراحل: 

تبدأ العملية بالإدراك، أو الملاحظة: الطلب إلى الطلاب أن يلاحظوا أشياء عن أنفسهم وعن العالم من حولهم، بما في ذلك الناس الآخرون، سوف تكون مصادر هذه الملاحظة واسعة، وسوف تتراوح من إدراك التغيرات في العقل أو الجسم بفعل الحالات الإيجابية أو السلبية، مثل التدفق Flow، أو الحزن إلى ملاحظة لغة الجسد عند الآخرين، أو الأشياء في بيئة طبيعية أو بيئة من صنع الإنسان، وهذه هي المهارة الأساسية في الوصول إلى العافية إنها نظام الإنذار الذي يخبرنا أن الأشياء تسير على ما يرام، أو أنها عكس ذلك: إنها نظام التدقيق أو جرد المخزون الذي نحتاج إليه لندرك أن علينا إجراء تغييرات في حياتنا.

وفي حالات كثيرة، سوف يتطلب الأمر تعلم الطلاب ما عليهم البحث عنه، وسوف يحتاجون إلى معرفة أن أجسادهم تبعث لهم برسائل بوجود خطأ ما، أو عندما تقول لهم لغة جسد الآخرين إنهم اقترفوا خطأ اجتماعياً، ولا شك في أن الملاحظة مهارة يجب علينا أن تتعلمها، وهي تنشأ عن الهدوء والسكينة والصبر فإذا بقينا نتعرض لضغط متواصل من ضجيج الحواس، وإذا لم تتوقف بعد أداء شيء ما قبل الانتقال إلى شيء آخر، فلن نلاحظ أشياء عن أنفسنا وعن الآخرين. 

أما المرحلة الثانية، فهي التدخل، أو الفعل الذي سوف يمكن الطلاب من التفتح أي الأشياء العملية التي تلي الملاحظة التي يحتاج الطلاب إلى تعلم ممارستها ليظلوا أصحاء وسعداء: إنها تشخيص الطبيب ووصفة الدواء. إن التدخلات والإثبات الذي يدعم استعمالاتها تشكل العمود الفقري لبقية هذا الكتاب. 

المرحلة الثالثة والأخيرة في العملية هي التقويم والتأمل: إلى أي مدى كان التدخل ناجحاً؟ يجب على الطلاب أن يعتادوا على التناغم مع آثار التدخلات، مثل الامتنان والشكر والشعور بالتدفق أو أداء التمارين الرياضية، لمعرفة كيف تؤثر في العقل والجسد ؟ كيف تؤثر في العلاقات؟ كيف تؤثر في التقدم على الطلاب أن يتصرفوا في هذه المرحلة من العملية بوصفهم خبراء في أنفسهم، وأن يقوموا فاعلية العلاج الذي وصفوه لأنفسهم في المرحلة الثانية، وعلى الطلاب أن يكونوا مستعدين للاعتراف بأن التدخل نجح أو لم ينجح، وخاصة إذا كان علاجاً ( مثل تقليل وقت مشاهدة التلفاز) لا يحبون وصفه لأنفسهم. وتعد صحائف الطلاب جزءاً مهماً من هذه العملية، ويجب تشجيعهم على التأمل بتركيز في فاعلية التدخلات، وتسجيل ذلك في صحائفهم. 

وفي نهاية هذه العملية، على الطلاب أن يكونوا قادرين على إجراء هذا الحوار الداخلي مع الذات:

 

«أعرف متى يحدث شيء مفيد / ضار في حياتي. أعرف ذلك؛ لأن ...». 

(الملاحظة) 

«عندما يحدث (أ) في حياتي، أعرف أن علي أن أفعل (ب)». 

«الفعل والتصرف»

«أعرف مدى نجاح (ب) ؛ لأن ......» 

(التأمل)

 

بعض الأفكار لتدريس السعادة والعافية 

لا يختلف تدريس العافية عن تدريس الموضوعات الأخرى، إلا في جانب واحد مهم. فالموضوع يرتبط بالطلاب مباشرة وبإنسانيتهم، أكثر من ارتباطه بالأفكار عموما وكيفية الابتعاد عنها، ما يعني ترجمة ما تعلمناه إلى فعل ذي علاقة بهدف الموضوع، ويتمثل الموضوع في السماح للطلاب بمعرفة شيء يستطيعون تطبيقه في حياتهم الخاصة، وهناك إستراتيجيات عدة يمكن تطبيقها لإعداد منهاج للافيا، لكن المبدأ الإرشادي يجب أن يركز أولاً على تعلم الطلاب للأفكار مباشرة، ثم التأمل في جدواها عندهم. 

أساليب اكتساب الخبرة 

هناك مثل دارج، ولكنه صحيح، يقول إن أفضل صور التعليم هو الذي يجعل الناس يطبقون ما تعلموه أو التجربة أكبر برهان، ولذا، فإن اكتساب الخبرة أو المعرفة يعد إستراتيجية فاعلة في تدريس موضوع العافية. فإذا لم تتوافر للطلاب الفرصة لإدراك كيف يمكن للموضوع أن يؤثر فيهم، فإن قيمة التدريس لن تكون كبيرة، ولن يحصلوا منه إلا على أفكار سريعة وليس على فهم مغروس في صميم ذواتهم. 

المختبر 

تكمن الفكرة من وراء أسلوب التدريس هذا في الطلب إلى الطلاب أن يلعبوا دور ( العلماء)، ويجربوا النظريات التي طرحتها عليهم مستخدمين العملية البسيطة المكونة من الملاحظة والفرضية والتجربة والتأمل لنأخذ مثلاً، تدريس النقطة المقلية الكاملة Mindfulness طريقة للتعامل مع الإجهاد. يجب في هذه الحالة ربط الطالب بمفهوم الإجهاد. وأنا غالباً ما أعرض على الطلاب القطات من فيلم يظهر فيها شخص يفقد أعصابه، والهدف من ذلك هو تقريب المعنى، وربطه بالإجهاد، ومعرفة إن كان الطلاب يعرفون هذا السلوك. أما الخطوة الآتية، فهي وصف علاج للمشكلة. أسأل الطلاب إن كانت لديهم أي أفكار، وربما تطلب إليهم التفكر والتدير Meditation إذا خلت أمثلتهم من الأفكار مارس عملية التفكر. واطلب إلى الطلاب أن يفكروا في إن كان ذلك قد يخفف من الإجهاد. واطلب إليهم أيضاً أن يتحققوا من صحة الفرضية القائلة إن التفكر يخفض أعراض الإجهاد من خلال ممارسته بين الدروس، ثم كتابة استنتاجاتهم.

وعندما يقوم الطلاب فائدة الأساليب المختلفة لتحقيق العافية، فإنهم بهذه الطريقة يسلحون أنفسهم بالأساليب المناسبة لهم ولذلك يجب ألا يستبعد المعلم إمكانية أن الطلاب سوف يرفضون الأسلوب الذي يدرسهم به، وهذا أمر غير مألوف للمعلمين لأنهم في الأغلب يطلبون إلى الطلاب تقبل كل شيء يعلمونه لهم. وعلى هذا الأسلوب أن يترك مساحة لتقويم النقاش اللاحق، عندما يناقش الطلاب الجدوى بعضهم مع بعض، وكذلك الصعوبات التي واجهوها، وكيف تغلبوا عليها، ومن غير المعتاد للطلاب أن يكلفهم المعلم بواجبات بيئية ليكتشفوا بعد أسبوع من هذا التكليف، أن المعلم لا يعاقبهم لأنهم لم ينجزوا هذه الواجبات. 

طلبت إلى طلاب أحد الصفوف أن يكتبوا مدة أسبوع الأشياء التي تشعرهم بالشكر والامتنان، ولم يلتزم نصف الصف بهذا الواجب، ولم يدهشوا عندما لم أظهر لهم انزعاجي من ذلك، ولكنهم فوجئوا عندما قلت لهم إنهم في الحقيقة يجربون جدوى هذه الأساليب فإذا لم تنجح، فلا تستخدموها. 

وإذا كنا نأمل في أن الطلاب سوف يطبقون مهارات العافية، فيجب إعطاؤهم كل الفرص الممكنة لممارستها وتجربتها واختبارها، إن مجرد قراءتك نصاً مكتوباً عن فوائد الإيثار سوف يكون له تأثير قليل، أما جعل الطلاب يمارسون عملاً إنسانياً عشوائيا ويكتبون عن أثره، ضوف يزيد من احتمالات استخدامهم تلك المهارة باستمرار. 

ممارسة الألعاب 

تعد ممارسة الألعاب طريقة رائعة لتقريب معنى مفهوم صعب من خلال الخبرة. وهي شيء متجذر في الطبيعة الإنسانية، وتوفر الألعاب فرصة للتعلم التجريبي الذي يمكن أن يساعد الطلاب على فهم فكرة أو مفهوم ما بطريقة مختلفة ومكتملة بدلا من الاكتفاء باستخدام العقل فقط لأن الألعاب يمكن أن تعمق الأفكار والمفاهيم أكثر من التدريس النظري، وهناك بعض الكتب الجيدة تتوافر في السوق وتحتوي على أفكار ممتازة للألعاب. التي يمكن أن يمارسها المعلم لكسر الحاجز بينه وبين الطلاب، أو للتمهيد للدرس، أو العلاقتها بدروس تعليم العافية .

صنع الأشياء 

هل تريد أن تري الطلاب كيف يعمل الدماغ العاطفي (Emotional Brain)؟ فلماذا لا تجعلهم يصنعون أدمغة من صلصال ملون براق سهل التشكيل؟ هل تريد أن تدرسهم الامتنان وشكر النعم؟ اطلب إليهم أن يكتبوا لك رسائل شكر هل تريد أن تعلمهم التدفق؟ أحضر بعض الآلات الموسيقية إلى غرفة الصف، واجعلها تصدر أصواتا وضجيجا، إن هذه النصيحة لا تخص الأطفال الصغار فقط، فنحن قد تعتقد أن الأطفال من عمر ست عشرة سنة يحبون أن يجلسوا ويشاهدوا التلفاز، ولكنهم في الحقيقة يحبون اللعب والمرح، تماماً مثل الأطفال من عمر ست سنوات. ولا شك في أن كل تمرين ( الصنع أو عمل الأشياء له قيمة كبيرة لأنها توفر للطلاب فرصة الانغماس في مهمة بسيطة لها تأثيرات مهمة في فهمهم الإنسانيتهم. وبهذه الطريقة، فإن الدرس سوف يظل عالقا في ذاكرتهم مدة طويلة، وما زلت أشير في محاضراتي إلى شكل الدماغ الذي صنعته من الكعك وبعض الحلوى والقرنبيط في أحد الدروس لتذكير نفسي بأجزاء الدماغ المسؤولة عن اتخاذ القرار العاطفي. 

إعادة تمثيل التجارب 

يأتي معظم فهمنا للعافية الإنسانية من التجارب التي تجري في عالم مختبر عالم النفس، ومنها التجارب التي يسهل إعادة تمثيلها مع الطلاب، وبقليل من الإعداد، واستخدام المتواطئين ( الطلاب الذين تستخدمهم لتضليل الممثل الرئيس)، يمكن أن يتعلم الطلاب دروساً مهمة عن أنفسهم، وكيف يكونون ميالين إلى التصرف في حالات وأوضاع معينة. ويمكن أن تكون هذه طريقة رائعة لتوضح للطلاب بعض العقبات التي يتعين التغلب عليها. التستطيع الاستمتاع بعافية كاملة. 

أساليب التمثيل ولعب الأدوار 

ظل استخدام التمثيل ولعب الأدوار أمراً شائعاً في التدريس سنوات طويلة الأسباب جوهرية، ولكن إحدى المشكلات الرئيسة التي تصطدم بها أساليب التدريس بالتمثيل تتعلق بالمصداقية، ولذلك من المهم عند استخدام التمثيل وضع مجموعة معايير محددة للإعداد والعرض، لتجنب الوقوع المحتوم في محاولات الإضحاك والتسلية.

وإذا ما أخذنا الأمر بجدية، فإن أفضل الأساليب المستخدمة هو مسرح المنتدى Forum Theatre، كان أول من استخدم هذا الأسلوب أحد ممثلي المسرح الأرجنتينيين يدعى أوغستو بول Augusto Boal بهدف ربط شعوب أمريكا اللاتينية المضطهدة بالقضايا التي تتحكم في حياتهم، وتتمثل الفكرة الأساس في وضع قصة مسرحية تمثلها فرقة من الممثلين. وتنتهي فكرة المسرحية بنوع من اللاقرار، ثم يطلب إلى الجمهور من خلال مهرج، أن يقرر الواجب حدوثه في الخطوة الآتية من القصة، أو بالأحرى الواجب تغييره في الأجزاء الأولى من القصة ما قد يؤثر في النهاية. ويحتل أعضاء من الجمهور مكان الممثلين الحقيقيين. ثم يعيدون تمثيل القصة لمعرفة احتمال وجود نهاية مختلفة. ومن الواضح أن هذه المهمة كبيرة، ولكن يمكن استخدام عناصر هذا الأسلوب في دروس قصيرة، حيث يطرح السؤال ماذا حدث لاحقاً؟، ما يثير نقاشاً وحواراً حول الأفكار الرئيسة التي كنت تبحث عنها، مثلاً. يمكن أن تمثل مجموعة من الطلاب مشهد نزاع على المسرح، ثم تدعو الجمهور لاقتراح حلول لذلك النزاع بناء على الأساليب التي علمتهم إياها. 

ولا شك في أن لعب الدور مهم جداً لجعل الطلاب يطورون إحساسهم بالتعاطف مع الآخرين، وهذه إحدى أهم المهارات التي يمكن أن تعلمها للشباب، وكلما استخدمت هذه الطريقة أكثر، تحسنت أكثر، وإذا كان أعضاء المجموعات بارعين في لعب الأدوار، فيمكن الاستفادة منهم في تدريس الأطفال الذين هم أصغر منهم سناً. 

الأساليب التأملية

بعد التأمل مكوناً مهماً من حياة العافية، على نحو ما ذكرنا سابقاً، ولذلك يتعين تدريس الطلاب التأمل، وليس إطالة التفكير في أقرب فرصة ممكنة. وبهذا الخصوص، كم مرة وجدنا أنفسنا نتساءل: لماذا لا يتوقف الطلاب وحتى الزملاء) ويفكرون قبل الإقدام على فعل هذا الشيء أو ذاك؟ 

يعرف التأمل بأنه مهارة ترمي إلى المساعدة على وضع فواصل مهمة بين الأحداث. ويجب التفريق بين التأمل Reflection واجترار الأفكار Rumination. فإذا ما تأملنا في حدث ما، فإننا ندرسه ثم تستمد دروساً منه يهدف إحداث تغييرات أو اتخاذ قرارات.

أما اجترار الأفكار، فيعني الإسهاب وإطالة التفكير، وهذا نادراً ما يكون منتجاً، وعادة ما يترك الأوضاع على حالها دون تغيير أما التأمل، فيؤدي إلى المهارة فوق المعرفية Meta Cognition: أي التفكير في التفكير كثيراً ما تكون القفزات التي يحققها شخص ما في حياته ناجمة عن التأمل في ذاته ووضعه، وكيف يمكن أن يغير ذلك إلى الأفضل في ضوء تعلم شيء عن كيفية السلوك الإنساني. 

الاحتفاظ بمفكرة 

من المهم الاحتفاظ بمفكرة للدروس ويجب أن ينتهي كل درس بتحديد (تمرين تأملي) ""Reflective Exercise"" حيث يشجع الطلاب على الكتابة عن خيراتهم مع أسلوب بعينه باستخدام طريقة ( المختبر ) The Lab Method"" ، أو ربما كتابة ملاحظات بالأشياء التي يلاحظونها عن أنفسهم، والآخرين والمواقف، مثلاً، إذا كنت تدرس فوائد الإيثار Alrruism، فاسأل الطلاب أن يمارسوا عملاً من أعمال اللطف العشوائية، ثم الكتابة بعد ذلك عن شعورهم، مقارنة بأي عمل مفرح آخر، مثل تناول الشوكولاتة، وإذا كنت ستدرس العواطف في الأسبوع اللاحق، فأطلب إلى الطلاب أن يلاحظوا أوضاعهم العاطفية، وما الذي يسبب هذه الأوضاع ؟ وما الأعراض الجسدية المرافقة لها ؟ وكيف يتخلصون من هذه الحالة ؟ 

ولكن، ما الحاجة إلى أن يكتب الطلاب؟ تدل البحوث التي أجراها جيمس بينيبيكر James Pennebaker أن الكتابة عن الأحداث التي نمر بها في حياتنا، وخاصة السيئة منها. يمكن أن تجعلنا أكثر عافية وقوة. ولكن هذه الكتابة ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي كتابة ذات مغزى توضح الأحداث المهمة لأنه لا فائدة من التنفيس عن الغضب والكتابة؛ لأن ذلك يشجعنا على تذكر الأحداث السلبية، بدلا من إيجاد تفسيرات تمكننا من منع تكرارها. إن معالجة أفكارنا من خلال صياغتها في لغة مكتوبة يساعدنا على تنظيمها، وتعلم دروس مهمة منها، ولا جرم أنك سوف تجد طلاباً يصابون بالرعب عندما تطلب إليهم أن يكتبوا. ولكنك قد تكتشف عندما تعطيهم تمريناً عن أنفسهم، وتقول لهم إنه ليس امتحاناً، ولن تعطيهم علامات عليه، أنهم قد تغلبوا على خوفهم، وأخذوا يستمتعون بالتمرين.

التشارك

إن التمرين المرتبط بالاحتفاظ بمفكرة هو الذي يؤدي إلى التشارك في الأفكار من خلال تغذية راجعة مجهولة المصدر. ومن الثابت أن الطلاب يتقدمون في تعلمهم بدرجة كبيرة عندما يتعرفون إلى ما يمكن لزملائهم القيام به، وأنت عندما تطلب إلى الطلاب أن يقرؤوا لزملائهم بعض التأملات التي كتبوها في صحائفهم، وعندما تجعل طلا با آخرين في المجموعة يقرؤون عينات عشوائية دون ذكر أسماء من كتبوها ، فسوف تشاهد طلا با يعربون عن دهشتهم لسماعهم أفكاراً لم يسمعوها من قبل مثلاً، لقد راقبت مرة أحد الدروس الطلاب تتراوح أعمارهم من 14 - 15 عاماً، طلب المعلم فيه إليهم أن يكتبوا عن خبرة إجراء محادثة مع شخص التقوه في المدرسة ولا يعرفونه جيداً، بعث الطلاب بملاحظاتهم إلى المعلم بالبريد الإلكتروني، قطبعها ثم وزعها على طلاب الصف عشوائياً، وعند قراءة هذه الملاحظات، وخاصة تلك التي احتوت أفكاراً ذكية، قال الطلاب: إنهم تعلموا من الطريقة. التي عالج بها بعض زملائهم هذا الواجب بطريقة مختلفة، وأن عدم ذكر الأسماء يحفظ سلامة الأفراد، ولا يعرض أحداً للحرج. 

النقاش 

ترتكز الدروس الجيدة كلها على التدفق الانسيابي الحر والموجه للأفكار من خلال الحوار، وفيما يخص الصحة والعافية، فالمهم هو أن يعطى الطلاب الفرصة لمناقشة خبراتهم في تطبيق هذه الأساليب في حياتهم، وأن يسمح لهم بانتقاد هذه الأساليب، ويعتمد نجاح الموضوع أو فشله على ما إذا كان الطلاب يشعرون أو لا يشعرون بأنهم يتعرضون للتلقين أو المواعظ. 

ويمكن أن يجري النقاش بطرائق عدة إذ بإمكانك أن تجريه في مجموعة ثنائية. أو مجموعة صغيرة، أو الصف كاملا، وتطرح أسئلة تتطلب إجابات، وتستطيع أن تستخدم طريقة قبعات التفكير الست التي ابتكرها ديبونو Edward De Bono التي تحدد نوع النقاش من أجل حل مشكلات التفكير تماماً.

المثير

غالباً ما تكون أفضل طريقة لتقريب معنى الأفكار المعقدة من خلال عرض لقطات قصيرة من أفلام أو برامج تلفاز، أو معزوفة موسيقية، أو قطعة فنية أو مقتطفات من كتاب. وهناك أفلام كثيرة تغطي كثيراً من الموضوعات التي تدرسها في صفوف الصحة والعافية. وما على المعلم إلا أن يتابع البرامج والأفلام على التلفاز وشبكة الاتصالات ( الإنترنت). ويتذكرها، ويستخدمها إذا كانت ذات علاقة بموضوع الدرس 

إن أي مادة بصرية جاذبة يمكن استخدامها لإيضاح الأفكار المختلفة في مساق الصحة والعافية، وغالبا ما يكون الطلاب أفضل مصدر للأفكار عن الأشياء التي يمكن استخدامها لإيضاح موضوع معين. 

الحوارات السينمائية 

هناك طريقة فاعلة تمكن الطلاب من مناقشة أوضاع ( الحياة الواقعية) ، هي استخدام المشاهد والحوارات السينمائية، أعطهم موقفا قصيرا، واسألهم أن يخمنوا الأسباب التي جعلت الممثلين يفعلون ما فعلوه، وأيضا كيف يمكن أن يتصرفوا في ذلك الموقف، ولماذا ؟

 التعلم من السير الذاتية 

لا شك في أن التعلم من الآخرين : يعد مهارة إنسانية مهمة، ومع ذلك يبدو أن الشباب يميلون إلى حد كبير إلى عدم الاكتراث بنصيحة الآخرين، وإلى تكرار أخطائهم، وهذا جزء من الطبيعة البشرية، وأحد متطلبات النمو. ولكن إذا ما صار التعلم من الآخرين جزءاً لا يتجزأ من نظرة شخص ما للحياة، وبالآتي من شخصيته، فإن بعض تلك الأخطاء الشخصية يمكن تجنبها. 

وكما جاء في القول المأثور أن لا جديد تحت الشمس، فعليك أن تثق أنك ستجد لكل شيء تريد تدريسه بخصوص الصحة والعافية. أمثلة كثيرة عليه، ولا يحتاج الأمر لتكون قارئاً نهما للسير الحياتية لتعثر على هذه الأمثلة (مع أن قراءة السير قد تساعدك على ذلك) ، إذ يمكنك أن تجد في ملاحق الصحف مقالات عن أشخاص يمثلون شيئا نود تدريسه، فمثلاً. نشرت مجلة الأبزيرفر The Observer Magazine في أبريل 2006 مقالة عن الفرنسي جان كريستوف لافييل Jean - Christophe Lefaille، أحد أعظم متسلقي الجبال في العالم، الذي مات وهو يدفع نفسه إلى الحد الأقصى بقدر ما يستطيع. لقد استخدمت قصته للتدريس عن فكرة تحدي أنفسنا، ولكن أيضاً مع الاحتفاظ بالتوازن، ونحن نجد في حياة ( المشاهير ) بعض الأمثلة على كيفية العيش أو كيفية الموت، ومنهم من ماتوا بالإفراط في تعاطي المخدرات. 

الاختبار 

لقد تركت هذا الموضوع إلى النهاية لأنه قضية شائكة، فنحن نرى أن التعليم الحديث مثقل بالاختبارات التي تجعل الطلاب ينوء ون تحتها، ولذلك، أعتقد أن دروس الصحة والعافية يجب أن تكون ملاذاً من ضغوطات الإعداد للاختبارات، يتعلم فيها الطلاب إستراتيجيات التكيف مع الضغوط المتراكمة عليهم من الجوانب الأخرى في حياتهم الدراسية. 

ومع ذلك من المفيد أن يكون لدينا بعض أنواع القياسات المعرفة التقدم الذي أحرزه الطلاب في دروس الصحة والعافية، وخاصة إذا كانت القيادات العليا غير مستعدة التخصيص الموارد دون التثبت التجريبي من قيمة أي برنامج جديد ، حتى وإن كانت مجالات المنهاج الأخرى غير مضطرة إلى تبرير وجودها. 

علينا ألا ننسى سؤال أنفسنا، لماذا تعقد الاختبارات في المقام الأول؟ فإذا كانت تستخدم لمساعدة الطلاب على التقدم إلى الأمام وتحقيق ذواتهم، فلا بأس إذا من إجرائها. أما إذا كانت تستخدم لتبرير وجودنا في المدرسة، فإني أعتقد أننا نعاني مشكلات أخلاقية عندما تستنفد وقت الطلاب لتحقيق مسعى أناني. ه

ناك كثير من الأدوات المستخدمة في اختبار (السعادة)، ويمكن استخدام بعضها مجاناً على شبكة الاتصالات ( الإنترنت) ، وبعضها متوافر بكثرة ، في حين يحتاج بعضها الآخر إلى تدريب على استعمالها، وتحتاج أيضاً إلى إذن وترخيص، وتترتب عليها بعض التكاليف . ومعظم هذه الاختبارات تعرف بقياسات ( التقارير الذاتية ) Self - Reporting حيث تكون نتيجة الاختبار صورة موضوعية لما نعتقده عن أنفسنا في وقت الاختبار، وهناك اختبارات تعطي صورة أكثر موضوعية، ولكنها تستغرق وقتاً طويلاً.

إن أفضل الاختبارات هي التي تعطي الطالب فكرة أفضل عما في داخله، وبهذا الخصوص، فإن اختبار بطارية القيم العاملة لقياس مواطن القوة - Values in Action In ventory بعد متميزا : بين هذه الاختبارات لأنه يوفر للطلاب فهما لما يجيدونه من منظور القيم. ولما يقدرونه، بدلاً من قياس قدرتهم على إنجاز الواجبات Of Strengths (Via) فقط. 

ومن وجهة نظر القياس الختامي Summative Assessment ( والقياس التكويني أيضاً Formative Assessment) للمساق، فإن إحدى الطرائق يمكن أن تكون طريقة المقابلة الحوار السقراطي Interview / Socratic Dialogue التي يعطى فيها الطلاب مشكلة خاصة تتعلق بالصحة والعافية ليعملوا على حلها، وتطبيق ما تعلموه في الدروس عليها، ولما كان هذا الاختبار الذي لا تعطى عليه علامات، هو مجرد حوار بين الطلاب والمعلم، فإن الطلاب الذين يظهرون أنهم استوعبوا المواد وطبقوها سوف يتلقون التهنئة والشكر، أما الآخرون الذين فشلوا في ذلك، فيمكن توجيه نصيحة لهم، ومساعدتهم على فهم ارتباط المادة الدراسية بحياتهم وشخصيتهم. 

ويمكن للحوار أن يأخذ شكل الجلسة التعليمية، ومن الضروري عدم إعطاء علامات على المقابلة، ولكن يمكن كتابة تقرير عنها، وبناء على ما تقدم، يجب أن يكون تعلم الصحة والعافية استثناء من هوس الرغبة في إجراء القياسات وإعطاء العلامات الذي ينخر في جسم العملية التربوية.

المعلمون والصحة والعافية 

إن المعلمين المجهدين يعطون للشباب مثالاً سيئاً. 

كنت محظوظاً جداً لأني حظيت بكثير من المعلمين الجيدين في المدرسة. أما أفضلهم، فهو الذي علمني اللغة الإنجليزية، ولا أذكر أنه فقد أعصابه ولو مرة واحدة، ولا أذكر أنه كان محبطاً أبداً. كان يلجأ إلى الفكاهة بسرعة، وكان قادراً بذكائه على وقف أسوأ سلوك مشاغب في الصف: ليس من خلال الإذلال، بل بإفهام الطالب المشاغب أن لا فائدة من الاستمرار في سوء السلوك، كان هذا المعلم مدهشاً وماهراً في أسلوب العرض عند رواية القصص، وكان يعطينا ومضات عن حياته من حين إلى آخر، ولكنه لم يبالغ في ذلك حتى لا نظنه مغروراً وترجياً، وكان يقدم عملاً رائعاً يدفعنا جميعاً لتقديم أفضل ما عندنا، وبذل أقصى جهد ممكن كان يمدحنا عندما تستحق ذلك، وكان يقدم التوجيه والمساعدة عندما نحتاج إليها. لم تكن هناك أي أنانية أو صدامات شخصية، بل حوار واستمتاع بالموضوع كنا نجد في صفه المكان الذي يشجع الإبداع، وكان يفتح لنا مصدره. ويصير علينا ونحن نحاول شرح أحد النصوص الصعبة، ثم يقودنا بلطف إلى المعنى المطلوب 

كان هذا المعلم قدوة مهمة لي. فأنا لم أتعلم من بهجة شرح النص فحسب، بل أشياء كثيرة عن الحياة التي أصبحت جزءاً من شخصيتي إن أفضل المعلمين هم الذين لا يكتفون بنقل المهارة إلى مجال أكاديمي معين، بل الذين ينجحون بذكاء في إعطاء صورة عن مهاراتهم كونهم بشرا يترك المعلمون الطباعات قوية على من يعلمونهم، ويفتتن بهم الأطفال كثيراً، وهم لا يبحثون عن قيادة معلميهم في القضايا الأكاديمية فقط، بل في القضايا الاجتماعية أيضا، كم مرة شاهدت فيها طلابا يقلدون معلمين سواء أحبوهم أو كرهوهم؟ كم يستفرق الطلاب ليلا حظوا هقواتنا الصغيرة بصفتها معلمين، والسمات الشخصية التي تميزنا عن زملائنا في طريقة لفظنا للكلمات، وتفسير أفكار معينة، أو حتى وقفتنا عند السبورة؟ وعندما يبذل الأطفال جهدا المحاكاة معلميهم لكسب الاعتراف من زملاء صفهم، فإن هذه إشارة أكيدة على التأثير القوي الذي يحدثه المعلمون في الطلاب. ولذلك، فعندما ندرس السعادة والصحة والعافية أكثر من أي موضوع آخر، فعلينا أن نتذكر أننا تمثل القدوة لطلابنا. 

ومع أنه ربما يوجد محتوى جديد لتدريس السعادة والعافية جرى تطويره على مدى السنوات القليلة الماضية، فإن أهم محتوى هو الذي يتطور في المدارس سنوات، حيث يبين المعلمون الملتزمون والممتازون للشباب كيف يصبحون راكبي أقيال ماهرين مثل طريقة تفوقهم في الأشياء التي يجيدونها، أو كيف يتغلبون على المصائب دون التعرض للأذى النفسي أو الجسدي، لقد قيل إنه بالتقاضي عن مجالنا، فنحن جميعا معلمو لغة إنجليزية. وأنا أقول: حسناً، بالتغاضي عن مجالنا، فنحن جميعاً معلمو سعادة أيضاً.

عندما أفكر في المعلمين الذين أعجب بهم أكثر من غيرهم، فإني أجد أنهم الذين كانوا يحلون النزاعات بصبر واهتمام وهم الذين لم يهينوا الطلاب أبداً في محاولة للحفاظ على (الأنا) في داخلهم أمام بقية طلاب الصف، وهم الذين فعلوا أشياء مثيرة خارج المدرسة، وهم الذين اعتنوا بأنفسهم ولم ينغمسوا في تناول الشراب للتغلب على متاعب يوم صعب عانوه في غرفة الصف. إن التدريس هو مهنة اختبار، ولكن لكوننا أفراداً مسؤولين عن تدريس السعادة. يجب علينا أن نستجيب لتلك الاختبارات بطريقة تبرز السلوك الذي نحب أن ترى شبابنا يقلدونه. 

إذا كنا نطمح إلى استخدام الفرص التربوية لغرس المهارات المهمة للسعادة والعافية في طلابنا، فعلينا أن نكون نماذج لتلك المهارات، وهذا يعني أنه من أجل أن تنظر أي مدرسة لتدريس السعادة والعافية بجدية، فعليها أن تضمن حصول المعلمين على فرصة التعلم مهارات السعادة والعافية من خلال التطوير المهني المستمر، والمثال المثير على هذه الممارسة هو مدرسة جيلونغ الابتدائية في أستراليا Geelong Grammar School. في يناير 2008، التحق أعضاء هيئة التدريس جميعهم تقريباً، وعدد لا بأس به من موظفي طاقم الدعم والإسناد، ببرنامج تدريبي مدة أسبوع في مهارات المرونة Resilience، وعلم النفس الإيجابي Positive Psychology ، ثم قضت المدرسة سبعة أشهر وهي تدرس كيف تدمج المهارات التي اكتسبها المعلمون في كل جانب من جوانب الحياة المدرسية، بدءاً من المنهاج وانتهاء بالرسائل التي تبعثها إلى أولياء الأمور، وقد وصف المعلمون في المدرسة هذا الاستثمار في مهارات هيئة التدريس وطاقم الدعم والإسناد بالعملية التحويلية. لقد كانت هذه المدرسة رائدة في إدراك أن لا فائدة من وجود موضوعات السعادة والصحة والعافية في المنهاج إذا كانت تمثل جزءاً صغيراً فقط من خبرة الطالب المدرسية. وهنا يبرز السؤال: لماذا تعلم الطلاب مهارات السعادة والعافية إذا كانت هذه لا تمتد إلى الجوانب الأخرى من حياتهم؟ 

لذلك، فإن هذا لن يتحقق إلا إذا طبقنا مفهوم السعادة والعافية على مستوى المدرسة كلها، بحيث يرى الطلاب هذه السعادة تنعكس عليهم في كل مكان يذهبون إليه، وفي أي نشاط أو تفاعل اجتماعي وفي كل نظام، وهذا ما سنبحثه لاحقاً.

سعادة المدرسة الشاملة 

على الرغم من أن قلة . من المعلمين قد لا يوافقون على الفرضية القائلة إن تحسين أجواء السعادة يجب أن يكون إحدى وظائف التعليم، فإنني أعتقد أن علينا الذهاب إلى أبعد من ذلك، ونصر على أن تكون السعادة الوظيفة الأساس لمهنة التدريس، وأن على المدارس كلها أن تكون مهيأة للارتقاء بازدهار الطلاب والمعلمين فيها. 

إن من السهل في الثقافة السائدة المهوسة بالنتاجات القابلة للقياس أن تفقد رؤيتنا للوظيفة الحقيقية لجوانب الحياة، مثل الرعاية الصحية والتعليم. يتعلق التعليم باكتشاف نقاط القوة في الأفراد وإبرازها والبناء عليها، وتمكينهم من التفوق، وهناك طرائق القياس ذلك، مثل الاختبارات أو الحصول على قبول في الجامعة، ولكن هذه القياسات لا تؤثر كثيراً فيما يجري قياسه وهو التفوق والتميز، وفي بعض الأماكن، ولاسيما تلك التي استجيبت فيها المطالبة برفع المعايير، أصبح القياس هو المحرك والدافع، وهذا خطأ، إن الاختبارات لن تختفي إلى الأبد، وهي تؤدي وظيفة مهمة، ولكن علينا أن نتحلى بالشجاعة والجرأة ونجعل السعادة والعافية من صميم عملية التدريس، لا أن ندرسها في الخفاء في أحد الصفوف مرة كل أسبوعين. 

وعندما تصبح السعادة والعافية من جوهر عملية التدريس، هناك ستة مبادئ يمكن أن تساعد على توجيه المدرسة إلى تمكين كل من ينتمي إليها من الازدهار، كما يوضح الرسم الآتي:

السكينة ( الهدوء) 

ربما تكون السكينة أهم المتطلبات التي يجب مراعاتها في البيئة المدرسية، وسبب ذلك أن المدارس أماكن مزدحمة ومفعمة بالنشاط والضجيج، ويسهل أن ينجرف الإنسان مع هذه الأجواء، أو أن يشعر بالحاجة إلى أن يبدو مشغولا، أو أن يهرع من مهمة إلى أخرى. وأن يشعر بالندم في كل مرة يتوقف فيها عن الحركة، ويكتشف المعلمون أن ضغط الدم بين الساعة التاسعة صباحاً حتى الساعة الثالثة بعد الظهر يكون أعلى من ساعات بقية اليوم، وقد يشعرون بأن لا وقت لديهم للتوقف يبحث الفصل العاشر من هذا الكتاب السكينة والتفكر بالتفصيل، ويكفي للوقت الحالي أن نشير إلى ثلاث فوائد من هذه الممارسة: 

1 تقليل القلق والتوتر. 2

 زيادة جهاز المناعة. 

3 زيادة الإبداع. 

هناك إحصائية مثيرة للقلق ومتداولة كثيراً تقول: إن المعلم الذي يتقاعد في عمر 60 سنة، يكون أمامه متوسط عمر متوقع مقداره 20 سنة، ولكن المعلم الذي يتقاعد في عمر 65 سنة يكون متوسط عمره المتوقع 20 شهراً.

ومع أن هذه الإحصائية مشكوك فيها وقد تكون مجازية، فإن هناك اعتقاداً سائداً أن التدريس مهنة مرهقة ومسببة للقلق والمرض، وربما تكون قد شاهدت عدداً من المعلمين يمرضون ويصابون بالإعياء في اليوم الأول من العطلة نتيجة لما مروا به طوال العام الدراسي. وأعتقد أن لا ضرورة لهذا الوضع، ويتعين على المدارس أن تخصص أوقاتاً للسكون خلال النهار، ولو لمجرد ممارسة عملية التنفس العميق ثلاث مرات لأن من شأن ذلك أن يوجد دورة هدوء فاعلة تنعكس آثارها على الجميع. 

والسكينة مهمة أيضاً للطلاب والمعلمين الممارسة التأمل. ونحن كثيراً ما نجد أنفسنا تسرع من نشاط إلى آخر دون أن نفي أيا منهما حقه لأننا في حالة الهرولة هذه تكون منشغلين دائما بالتفكير في المهمة الآتية، وساخطين من المهمة الأخيرة ( التي لم تكن كما. يجب لأنك كنت تفكر في كيفية تنفيذ النشاط اللاحق). 

إن الخطوة الأولى لإيجاد جو عافية مستدام في المدارس هي اعتماد أوقات سكينة في أثناء اليوم الدراسي، وهو أمر تراعيه المدارس الدينية سنوات طويلة، وليس من الضروري أن تكون هذه ا الأوقات للتفكر، ولكنها يمكن أن تكون على الأقل وقتاً منظماً، حيث لا يتوقع من أي فرد أن يقوم خلاله بأي شيء سوى السكون، وإذا ما استطعنا أن تدخل السكينة إلى حياة زملائنا المعلمين وطلابنا، فربما يكون ذلك علاجاً ناجعاً لمشكلة وقع الحياة العصرية المتسارع. 

الوعي ( الإدراك) 

عندما نعطي أنفسنا وقتا للتوقف، فإننا يمكن أن ندرك الأشياء التي ربما لم تكن قد لاحظناها من قبل، ويعد الوعي أساسياً لأداء الأفراد وعلاقاتهم الناجحة، لأننا بدلاً من أن نسير بعجلة، ونحن منكسو الرؤوس ولا تركز انتباهنا إلى أبعد من أنوفنا، تتوقف وترفع رؤوسنا، وتعطي أنفسنا استراحة لتقدير ما بداخلنا وما حولنا. إن الشخص اليقظ الواعي الذي يستفيد من وعيه هو الذي لا يفهم ذاته فحسب، بل يوجد لنفسه الوقت لتقدير الآخرين وفهمهم. وأنت تعرف فوراً عندما تلتقي شخصاً يمارس الوعي، أنه يستمع إليك ويتقبلك كما أنت، والمدارس لا تشجع ممارسة الوعي دائماً نظراً إلى الأعباء الملقاة على عواتقنا، وانشغالنا بإنهاء ( المهمات) المنوطة بنا دون سواها، ويمكن أن يكلفنا ذلك ثمناً باهظاً : لأننا بتركيزنا فقط على المهمة التي بين أيدينا، لن تستطيع رؤية الأشياء الأخرى التي هي أكثر أهمية.

يوجد في هذا العالم مؤسسات كثيرة للسعادة بما يساعدنا ويساعد الآخرين لنكون بشراً، وكما سيوضح هذا الكتاب، فإن هناك كثيراً مما يتعلق بإنسانيتنا أكثر مما تراه العين. لأن كثيراً من العمليات التي تجري لإبقائنا أحياء تحدث خارج سيطرة العقل الواعي، وهذا ما يتركنا في بعض الأحيان تحت رحمة أشياء سوف يكون بمقدورنا السيطرة الكاملة عليها قريباً، مثل: ثورات الغضب التي تندم عليها، والتعب الذي يصيبنا في وقت نحتاج فيه إلى اليقظة، والشعور برغبة عارمة، وقول أشياء وممارستها للحفاظ على ( الأنا ) وهكذا. وتنصح الدراسات بأن علينا العيش بناء على القوانين الطبيعية التي تحركنا، وإن لم تفعل، فستكون كمن يحاول تجاهل قانون الجاذبية. وإذا ما أدركنا كيف يعمل الكائن الحي جسدياً ونفسياً، فسوف نأخذ ذلك في الحسبان، وتتساهل مع الناس الذين يسيئون الفهم، وهذا ما يفعلونه حتماً. 

وهناك وجه آخر المسألة الوعي والإدراك هذه، ففي الوقت الذي يتعين علينا أن نكون لطفاء ومتفهمين مع الأشخاص الذين يحتاجون إلى ذلك، فإن ذلك لا يعني أن تكون غير مبالين، أو متهاونين أو أن نسمح للناس بالهبوط إلى أحط مستويات السلوك الإنساني المتعارف عليه، إن البشر خطاؤون ومليئون بالعيوب فلدينا نقاط ضعفنا ونقع في أخطاء. لكننا نملك أيضاً مهارات التأمل الرائعة والوعي الذاتي. ويمكننا أن تنطلق إلى خارج ذواتنا التراجع ما فعلناه في ماضينا، ونتخذ قرارات بما ستفعله في المستقبل، فنحن لسنا أسرى لحظة حاضرة أبدية مثل بقية المخلوقات، ويتمتع البشر أيضاً بقدرات استثنائية، مثل الجنان والشفقة والعطف، والبراعة والإبداع والشجاعة والمثابرة، ويمكننا أن نضع هذه القدرات جميعها ضمن سياق تاريخي وتتعلم دروسا منها، ويمكننا أن ندرك طائفة المواهب المتنوعة التي تتمتع بها بصفتنا بشراً، وعلينا أن نشجع أنفسنا والآخرين على تطوير هذه المواهب وإظهارها، ولذلك، يجب الأيبنى الوعي فقط على حقك في أن تكون إنساناً ، وإنما أيضاً على توقع الإنسانية منك.

كتب ذات صلة