القائمة الرئيسية

قائمة الترجمات

هيدغر ضِد كارناب

هيدغر ضِد كارناب

تتناول المقالة التوتر الفلسفي بين المنهج التحليلي والتجريبي الذي يمثله رودلف كارناب، والنهج الوجودي الذي يعتمده مارتن هيدغر، مشيرة إلى الخلافات الجوهرية بين الفلسفتين. تُظهر المقالة كيف أن كارناب كان يركز على المنطق والتجربة الملموسة كمفتاح لفهم الواقع، بينما كان هيدغر يركز على الأسئلة الوجودية والتجربة الإنسانية التي تتجاوز التحليل المنطقي، مع التشديد على ضرورة التفكير في أبعاد اللغة والمعرفة التي لا يمكن اختزالها إلى مفاهيم قابلة للتفسير المنطقي الصارم.

القبول الجذري

القبول الجذري

تتناول المقالة موضوع المعاناة البشرية وكيفية التعامل معها، مشيرة إلى أن الألم جزء لا مفر منه في الحياة، سواء كان ناتجًا عن أمراض عضال، إصابات جسدية، خيبات الأمل، أو فقدان علاقات مهمة. تناقش المقالة أيضًا أهمية قبول المعاناة بدلاً من الهروب منها، مستشهدةً بأبحاث علماء النفس مثل مارشا لينهان التي تؤكد على ضرورة مواجهة المشاعر السلبية بدلاً من محاربتها. كما تتطرق إلى أهمية «القبول الجذري» وكيفية تطبيقه في الحياة اليومية، باستخدام تقنيات مثل العلاج بالتعرض والتأمل، لتمكين الأفراد من تقليل معاناتهم والتكيف مع واقعهم المؤلم بشكل أكثر مرونة.

أُطُر الوعي

أُطُر الوعي

تتناول المقالة موضوع الوعي الدماغي من خلال استعراض تجارب مرضى يعانون من اضطرابات في الوعي، مثل فقدان المخيخ، وتسلط الضوء على التحديات التي يواجهها العلماء في تحديد مستوى الوعي لدى المرضى الذين لا يظهرون استجابة أو حركة إرادية. تناقش المقالة استخدام تقنيات مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لاكتشاف الوعي الخفي لدى هؤلاء المرضى، حيث تمكّن العلماء من اكتشاف حالات من الوعي عند المرضى الذين كان يُعتقد أنهم في غيبوبة. كما تستعرض المقالة نظريات علمية متعددة تفسر الوعي، مثل نظرية الفيزيائيين بنروز وهامروف المتعلقة بالتراكب الكمومي، وأيضًا نظرية جوليو تونوني التي تركز على السمات الأساسية للخبرة الواعية مثل التمايز والتكامل، مما يساعد على تفسير لماذا قد يكون بعض أجزاء الدماغ مهمة للوعي بينما تكون أخرى غير مهمة.

تحويل الأفكار إلى كلمات

تحويل الأفكار إلى كلمات

تتناول المقالة مفارقة التعبير التي تكشف عن التوتر بين الفكرة والكلمة، متسائلة عما إذا كانت الأفكار تُولد أثناء التعبير أو موجودة مسبقًا وتُترجم بالكلمات، مستعرضةً أمثلة فلسفية وأدبية للتأكيد على صعوبة تحويل الأفكار الضبابية إلى كلمات دقيقة. تناقش المقالة دور اللغة كوسيلة لاكتشاف الأفكار وتطويرها، مع التركيز على التحديات الإبداعية التي تنشأ عند محاولة التعبير عن أفكار معقدة أو غامضة، مشيرة إلى دور الفجوات بين التفكير واللغة في تشكيل الوعي الإبداعي. كما تستعرض الجدل الفلسفي المتعلق بكيفية استيضاح الأفكار عبر اللغة وأثر ذلك على الفهم الذاتي.

عجزُ الفلسفة عن التقدّم

عجزُ الفلسفة عن التقدّم

تتناول المقالة السؤال المحوري حول سبب استعصاء المشكلات الفلسفية على الحلول رغم تاريخ الفلسفة الطويل وغزارة نقاشاتها، حيث تسلط الضوء على الطبيعة الجدلية للفلسفة مقارنة بالتقدم الثابت للعلم، وتستعرض تجارب فكرية مثل ""مسألة مولينو"" وحجة المعرفة، التي تبرز تعقيدات التجربة البشرية وصعوبة التوصل إلى إجماع حول القضايا الفلسفية. كما تتطرق إلى نظريات فلسفية بارزة مثل أفكار كارل بوبر وتوماس كون حول تقدم المعرفة، مشيرة إلى أن الفلسفة غالبًا ما تعتمد على الحدس الذي قد يكون عرضة للأخطاء أو التحيزات. في الختام، تثير المقالة تساؤلات حول طبيعة المشكلات الفلسفية وما إذا كانت قابلة للحل أصلًا، مع تقديم أمثلة لمشكلات فلسفية يزعم البعض أنها حُلَّت أو لم تكن قابلة للحل من البداية.

أنتَِ العالَم

أنتَِ العالَم

تتناول المقالة قضية الإرادة الحرة من منظور فلسفي وعلمي، حيث تستعرض الحوار بين الكاتب تيم باركس والفيلسوف ريكاردو مانزوتي حول مفهوم الوعي والاختيار. يناقش مانزوتي نظريته عن ""تماهي العقل والموضوع""، التي تنقل مركز الوعي من الدماغ إلى الخبرة الناتجة عن التفاعل بين الجسد والعالم الخارجي، معتبرًا أن القرارات تُحددها الخبرة الحسية وليس الدماغ وحده. يطرح المقال تساؤلات حول ما إذا كانت الإرادة الحرة مجرد وهم ناتج عن عمليات فيزيائية في الدماغ، أو تعبيرًا عن ضرورة نابعة مما نكون عليه حقًا، في إطار سلسلة سببية تشمل العالم والجسد معًا.

 رَكِّز!

 رَكِّز!

تتناول المقالة تجربة كاتب وأستاذ شطرنج كبير في استكشاف العلاقة بين لعبة الشطرنج والتركيز كعنصر أساسي في الحياة المُرضية والفعّالة. يصف الكاتب الشطرنج كمجال للتكامل بين النظام والإبداع، حيث يتطلب التركيز المستمر لساعات وأيام وحتى سنوات، ويتجاوز كونه مجرد انتباه إلى كونه عملية متكاملة من الإدراك والرغبة والتطبيق العملي. يناقش المقال الفوارق بين الانتباه، التدفّق، والتركيز، مع تسليط الضوء على أهمية التركيز كحالة من التلاحم العقلي والعاطفي والهدف. ويعرض كيف يُمكن للشطرنج أن يكون نموذجًا لفهم التحديات المعقدة في الحياة وتقدير جمال القرارات الصحيحة تحت الضغط، ما يجعل اللعبة أكثر من مجرد تنافس، بل انعكاسًا فلسفيًا للعقل والروح.

طيفُ الحقيقة 

طيفُ الحقيقة 

تتناول المقالة حدود الإدراك البشري في فهم الكون المادي وتساؤلات حول ما إذا كان الذكاء البشري مقيدًا بطبيعته البيولوجية والتكنولوجية، حيث تستعرض العلاقة بين تطور الذكاء عبر التاريخ وتكلفته الأيضية، متسائلة عما إذا كنا نمتلك الحد الأدنى فقط من القدرات اللازمة لفهم الواقع، أو إذا كانت هناك مفاهيم وعوالم تتجاوز خيالنا. كما تناقش المقالة دور العلوم والرياضيات في توسيع إدراكنا، مع الإشارة إلى احتمالية وجود قيود متأصلة تمنعنا من الوصول إلى حقائق أعمق عن الكون، خاصة في ظل فرضيات مثل المحاكاة الكونية وحدود العقل البشري في استيعاب تلك المفاهيم.

فائضٌ من الكاريزما: حياة فرانز برنتانو

فائضٌ من الكاريزما: حياة فرانز برنتانو

تتناول المقالة العلاقة الفكرية العميقة بين الفيلسوف برينتانو وتلاميذه، مع التركيز على تأثيره الكبير فيهم رغم شخصيته المتحفظة والمتحيّزة أحيانًا. تشير المقالة إلى كيف كان برينتانو يتعامل مع معارضيه من التلاميذ، خاصة هوسرل، الذي بدأ كمتحمس لفلسفة أستاذه قبل أن يصبح مفكرًا مستقلًا. يتحدث هوسرل عن تأثير برينتانو عليه، معترفًا بأن محاولاته لمناقشة أفكاره لم تكن تؤدي دائمًا إلى التفاهم، ما خلق في النهاية نوعًا من القطيعة الفكرية. ومع ذلك، ظل تقديره لبرينتانو قائمًا، حيث ظل يعترف بمساهماته الكبيرة في الفلسفة.

الإدراك في أصغرِ الخلايا

الإدراك في أصغرِ الخلايا

تتناول المقالة مفهوم التعاون في الكائنات الحية من خلال شبكة من الخلايا المتجاورة التي تعتمد على تواصل فيزيائي مباشر عبر وصلات خاصة تُعرف بالكونيكسين، مما يزيل الحدود بين الخلايا ويضمن تفاعلًا متبادلًا يتمثل في تبادل المعلومات والموارد. تشرح المقالة كيف يمكن لهذا التواصل أن يضمن التعاون التام بين الخلايا، حيث يصبح التعاون أساسًا لا يتطلب تضحيات فردية، بل يعزز مبدأ المصير المشترك. كما تطرح المقالة تطور هذا النظام الخلوي ليشمل تكوينات معقدة في الأنسجة والأعضاء، مع إشارات إلى دور هذه الديناميكيات في تجديد الأعضاء، محاكاة التكيفات الداروينية، والارتباط بين البيولوجيا والتكنولوجيا، وأهمية تفاعلات الخلايا في الحفاظ على التوازن الحيوي والتنظيم الداخلي.تحرير ومراجعة: بلقيس الأنصاريالأفقُ الكبير المُقبِل لعِلم الأحياء: فهم الخلايا والأنسجة والكائنات الحيَّة بوصفها وسائط لها جداول أعمالها الخاصة، (وإن لم تكن موجَّهةً استنادًا إلى الأفكار).يطيب لعلماء الأحياء النظر إلى أنفسهم بوصفهم سلوكيين عِلميين يفسِّرون ويتكهّنون بالطرق التي تسلكها البروتينات والعضلات والخلايا والنباتات والحيوانات وسائر الأحياء ضمن ظروفٍ معينة، وذلك بفضل أجزائها الصغرى. وهُم يحددون آلياتٍ سببية تنفّذ وظائف متنوّعة تنفيذًا موثوقًا من قبيل نسخ الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين- دي.إن.إيه، ومهاجمة المستضدات والتركيب الضوئي، وتقدير درجات الحرارة، وإمساك الفريسة، وإيجاد طريق العودة إلى المأوى وهلمّ جرًّا، بيدَ أنهم لا يعتقدون أنَّ هذا الإقرار بالوظائف يورّطهم في غايةٍ مذمومة، أو تنسيب للأسباب والأغراض، أو فهم للخلايا والأجزاء الأخرى من الآليات التي يتحرّونها.ولكن حين أدارت “العلوم الاستعرافية” -علوم الإدراك- ظهرها للسلوكية منذ ما يربو على 50 عامًا، وشرَعت في التعامل مع الإشارات والخراط الداخلية والأهداف والتوقعات والمعتقدات والرغبات، تعرَّضت صفوف علماء الأحياء للخلخلة والاهتزاز. فلا شكّ أنهم سلَّموا بأنَّ البشر وبعض الحيوانات يملكون عقولًا، وأنَّ أدمغتهم تجسِّد العقول المادية -بدلًا من كونها عقولًا  ثانوية مبهمة، تعالج المعلومات، ويستهدي بها السلوك الموجّه. وأمَّا الحيوانات التي لا أدمغة لها كالكيسيات، فإنها لا تمتلك عقولًا، وهو ما ينطبق أيضًا على النباتات والفطريات والجراثيم. فهم قد قاوموا اعتماد مصطلحات مفتعلة ضمن عملهم التنظيري إلاّ بوصفها مجازًا مفيدًا عند التعليم أو شرح الأفكار لجمهورٍ من غير المختصين، ومن ثَمَّ لم تكن الجينات تتسم بالأنانية حقًّا، ولم تبذل الأجسام المضادة مساعيَ حقيقيةً، ولم تدرك الخلايا مكان وجودها حقًّا، ولم تكن تلك الآليات البيولوجية الصغيرة وسائط تحمل جداول أعمالها الخاصة، وإن كان التفكير بأنها حقًّا وسائط لديها جداول أعمالها الخاصة غالبًا ما أفضى إلى إكسابنا المزيد من المعارف. ونعتقد أنَّ هذا الاحتراس العِلمي المحمود قد مضى بعيدًا حتى اللحظة، وهذا يكبّل أيدي علماء الأحياء، ويحول بينهم وبين استكشاف أبرز الفرضيات المبشِّرة، تمامًا كما منعت السلوكية علماء النفس من النظر في كيفية التمكّن من تفسير سلوكيات مرضاهم القابلة للقياس بصفتها مؤثّرات الآمال والمعتقدات والخطط والمخاوف والنيّات والاضطرابات العقلية، وهلمّ جرًّا. وذات مرّة، طرح  سيدني مورجنبيسر، الفيلسوف الفطن، على بي.إف سكينر السؤال التالي: “أتعتقد أنَّنا ينبغي ألا نؤنسِن البشر؟”. فيما نقول نحن إنه ينبغي لعلماء الأحياء التحلّي بالهدوء والنظر في فضائل أنسنَة جميع أنواع الكائنات الحيَّة. ففي نهاية المطاف، أليس علم الأحياء نوعًا من الهندسة العكسية لجميع أعضاء الكائنات الحيَّة وعملياتها؟ منذ التقدّم السيبراني الذي شهدته أربعينيات القرن المنصرم وخمسينياته، ألفى المهندسون أنفسهم إزاء علمٍ عمليّ راسخ يرتكز على آلياتٍ هادفة وموجَّهة لم تترك شيئًا للروحانيات والماورائيات؛ لذا نقترح نحن أن يدرك علماء الأحياء مَن سبقهم.لعلَّنا نوافق على أنَّ الإسراف في نسبِ الغايات للأشياء يعدّ خطأ، فإذا كانت قوانين نيوتن قد اهتمَّت بتوقّع الطريق الذي ستسلكه الكُرة من أعلى التلّ، ولكنَّ هذه القوانين عينها تعجز عن مساعدتنا على فهم ما قد يفعل فأر عند قمة التلّ. لذا تتمثّل الطريقة الأخرى لارتكاب الخطأ في الفشل في اعتبار نظامٍ ما موجّهًا  نحو هدفٍ محدد إذا كان حقًّا أيضًا، فهذا النوع من رهاب الخطط الغائيّة يُعيق بصورةٍ جوهرية المقدرة على توقّع الأنظمة المعقدة والسيطرة عليها ما دام أنه يحول دون اكتشاف ضوابطها الأكثر فعالية أم نقاط ضغطها الداخلية. ولعلَّنا نرفض الماهويّة البسيطة التي تفيد أنَّ للإنسان غاياتٍ “واقعية”، أمَّا كل ما عدَاه فله “ما يشبه” الغايات من الناحية المجازية فقط. ويظهر لنا التقدّم الأخير في المعرفة القاعدية والعلوم ذات الصِلة كيفية تجاوز هذا النوع من التفكير العدمي بشأن “الحيوان الإنسان”، من خلال تطبيع القدرات الإنسانية، ومقايضة تميّز مزدوج ساذج بسلسلةٍ متصلة لمقدار الوساطة التي تمارسها أيّ منظومة.ويعود الفضل لتشارلز داروين، في إعفاء علم الأحياء تمامًا من الاضطرار إلى استحضار “مصممٍ ذكيّ”، ينسب إليه خلق جميع تلك الآليات؛ فما زال التطوّر بالاصطفاء الطبيعي يتولّى مسؤولية النهوض بكل ذلك العمل القائم على التنقية والتركيز والتمايز. إذ إننا جميعًا آليات جسدية ذات آلياتٍ فيزيائية تخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء. بيدَ أنَّ ثمَّة فارقًا عميقًا بين الآليات الإبداعية الذكية التي يعدّها المصمم الإنسان الذكيّ، من قبيل ساعات الحائط والمحركات وأجهزة الكمبيوتر على سبيل المثال، والآليات المصممة والمركبة بواسطة الاصطفاء الطبيعي. ولعلَّنا قادرون على تحديد هذا الفارق بالاعتماد على شيءٍ يسير من المخيّلة. تصوّر أنك قد اشتريت سيارةً يتم التحكّم بها عن بُعد، ثمّ وصلتك في صندوقٍ كبيرٍ كُتِبَ عليه: “هذا المنتج بحاجةٍ لبعض أعمال التجميع”. وبمجرّد أن تفتح الصندوق ستجد مئات القطع المختلفة التي تفتقر إلى بطاقات التعريف، وأنك لن تجد كتيّبًا للتعليمات لمساعدتك على تجميع تلك القطع أيضًا. ستجد نفسك في مواجهة مهمةٍ مهولةٍ إذن، ولا تتعلّق المشكلة بمدى خفّة بنانك وقوتها، إنما بعدم درايتك بكيفية التركيب أصلًا. وفي هذه الحالة لا شك أنك كنت تثمّن عاليًا صنيع من يزودك بدليل تركيب حسن الإعداد مع مخططات بيانية وبطاقات تعريف لسائر القطع، ولكنَّ هذا ما كان ليتمّ لولا قدرتك على رؤية المخططات وقراءة التعليمات والبطاقات. فلو زُوِّدت بدليلٍ باللغة الروسية، لكان الأمر بلا طائل إن كنت لا تجيد قراءة هذه اللغة. علاوةً على ذلك، يجب عليك أن تعرف كيف تركّب الظفر “أ” ضمن الفتحة “ب”، والبرغي رقم “17” في الصمولة رقم “95” مثلًا.ولكن ها أنت تلمح قصاصةً ورق تفيدك أن تضع جميع القطع في إناءٍ كبيرٍ مملوءٍ بالماء، ثمّ تضعها على الموقد وتحرّكها حتى الغليان. وهكذا، تفعل أنت ما تطلبه منك الورقة لتذهلك القطع، وهي تلتحم ببضعها في كتلٍ صغيرةٍ لا تلبث أن تكبر شيئًا فشيئًا، وكل ظفرٍ يعثر على فتحته كما يدور كل برغيٍّ ضمن صمولته، ولا شيء يوجّه هذه القطع سوى الماء المغلي باهتياجه العشوائي. وفي بضع ساعات، ستكون مهمة تركيب سيارتك الجديدة قد تمَّت بنجاح، وليس عليك سوى أن تجفّفها من الماء قبل أن تشرع في قيادتها. يبدو أنَّ المخيّلة ذهبت بنا إلى المستحيل بالطبع، بيدَ أنها تردد صدى “معجزة” الحياة التي تأخذ قائمة القطع وكتيّب التعليمات الخاصَّيْنِ بالدي.إن.إيه، دون مساعدةٍ من “مجمِّعٍ ذكي”، وتتولّى تركيب كائنٍ جديدٍ من ملايين القطع المتحرّكة الموصولة ببعضها بصورةٍ صحيحة.لدينا بالفعل سرديةً مفصّلةً برّاقةً حول كيفية قراءة قائمة المكوّنات واستيفائها، من الجينات إلى البروتينات، بفضل تلك الأجهزة الرائعة والجسيمات الريبية والشابرونات وغيرها، ثمّ إننا نحرز تقدّمًا بارزًا في فهمنا لكيفية إصدار الدي.إن.إيه لتعليمات التجميع. وما دام هذا المنحى البحثي التصاعدي قد حقَّق نجاحًا كبيرًا حتى اللحظة، أفلن يميط اللثام عن تفاصيل جميع العمليات التي تؤدي وظيفة إناء الماء الساخن الذي جادت به مخيّلتنا في نهاية المطاف؟ وهل هذه مشكلة حقًّا؟نحن نعتقد أنها كذلك، فقد أُحرز التقدّم الكبير على صعيد التنقيب وصولًا إلى مستوى الجزيء بصورةٍ رئيسة، أمَّا على المستويات الأعلى، فليس التقدّم كبيرًا إلى هذه الدرجة بطبيعة الحال. فما زلنا ضعفاء نوعًا ما على صعيد التحكّم بالبنية التشريحية أو معرفة طريقة إعادتها إلى مسارها الصحيح في حالة السرطان، ولهذا ليس لدينا طب تجديدي حقيقي حتى الساعة. وإذا كنّا نعرف كيف نحدِّد مصائر الخلايا الفردية من خلال الخلايا الجذعية، فما زال علينا أن نقطع شوطًا كبيرًا قبل أن نتمكّن من صناعة أعضاءٍ معقدة غبّ الطلب. ولعلَّنا غير قادرين على صناعة تلك الأعضاء إلاّ في بضع حالاتٍ، وهي الحالات التي تعلَّمنا فيها التواصل مع مجموعة الخلايا التي توفّر منشطًا يسيرًا، من قبيل النمط الكهروحيويّ، الذي يصدر الأمر التالي، مثلًا: “ابنِ عينًا هنا”، ومن ثمّ نترك لذكاء مجموعة الخلايا تولّي المهمة الشاقة والتوقف لدى إنجاز العضوّ المطلوب.كلَّما ازدادت مقدرة الوسيط على التأقلم مع تدخّلك؛ ارتفع مستوى الكفاءة التي يظهرها.إذا ما التزمنا بالمقاربة التصاعدية، فإنَّ جميع الجهود التي نبذلها على صعيد الهندسة الحيويَّة ستتوقّف إثر قطاف الثمرة التي كانت في المتناول (المثانات المصنّعة بالطباعة ثلاثية الأبعاد وما شابهها). لعلَّ جيلنا لن يتمتع بالقدرة على الإدارة الدقيقة والمفصّلة لأنواع الخلايا وصولًا إلى تكوين يدٍ أو عينٍ بشريةٍ قادرةٍ على تأدية وظائفها، ولن تكون لدى مقاربات التحرير الجينومي أيَّة فكرة عمَّا ستحرّره الجينات لبناء الأعضاء المعقدة اللازمة للترميم أو الازدراع. التعامل مع الخلايا يبدو كأنه قطع من الطوب الأبكم التي يجب إدارتها بصورةٍ مفصّلة بمثابة ممارستنا للعبة ما بأيدٍ مكبّلة خلف ظهورنا بما يفضي إلى “شتاءٍ جينومي”، فيما لو توقّفنا عند هذا المستوى الجزيئي على وجه الحصر، فهذا ما يثبت لنا من خلال غياب التقدّم في التحكّم التخلّقي العقلاني. فمثلًا رغم سائر الأبحاث الجيدة في العلوم بشأن تنظيم الخلايا الجذعية المستندة إلى الدي.إن.إيه في المستورقات، إلّا أنَّ جميع النماذج البيولوجية الجزيئية المستخدمة في هذه الأبحاث لا يقدّم أيّ توقعٍ بشأن هذه التجربة الفكرية اليسيرة.فلنأخذ دودة مسطحة الرأس ولنزرع فيها خلايا جذعية من ديدانٍ مثلثة الرأس بنسبة قدرها 50%، فإذا ما قمنا بقطع رأسها بعد اختلاط الخلايا الجذعية، ما الشكل الذي سنحصل عليه حين يتجدد الرأس؟ ما الذي سيحدث حين ترغب 50% من الخلايا الجذعية بتشكيل رأسٍ مستوٍ بينما ترغب النسبة المتبقية بتكوين رأسٍ مثلث؟ هل سيربح أحد الجانبين أم سيكون للرأس شكلٌ وسط ما بينهما؟ أو لعلَّ عملية التشكّل لن تنتهي ما دام بعض الخلايا لن يرضى بشكل الرأس الناجم على الإطلاق.تعجز تفاصيل علم الأحياء الجزيئي عن دعم توقّع محدد؛ لأنها تتصدى للمسائل على المستوى الخلوي بينما لا تقارب الإشكالية المتعلّقة بكيفية تحديد المجموعة للشكل الكبير الذي ستبنيه وكيفية تحديدها لحظة التوقف حين يتم إنجاز هذا الشكل. وإنه لمن الجائز تجريبيًّا طرح السؤال بشأن تمثيل الأشكال التشريحية المستهدفة في النسج -وقد تم طرحه تجريبيًّا حقًّا- فقط عندما ينظر المرء نظرة جادَّة إلى أنَّ المجموعة لا تتمتع بمستوى تحليل آلي فحسب، بل بمستوى تحليل قائم على معالجة المعلومات أيضًا. وذلك أساس ما كانت عليه حال علوم الأعصاب حين اقترح ديفيد مار في كتابه البارز: “رؤية”، الصادر عام 1982، أنَّ التقدم يعتمد على تحرّي ما أسمَاه بـ “المستوى الحسابي”، وقد عنَى به المستوى الذي يحدد عنده المرء المهام الاستعرافية؛ كي يتمكّن من البحث عن السيرورات المعلوماتية المساعدة على تنفيذ تلك المهام. ينطوي التفكير في مكوّنات الكائنات الحيَّة بوصفها وسائط تتحيّن الفرص ساعيةً إلى إنجاز مهام معينةٍ على المجازفة، بيد أنَّ المردود المعرفي الذي قد يعود به، قد يكون كبيرًا حقًّا. فلنفترض أنك تتدخل بالخليَّة أو التركيب الخلوي أثناء التطور، فتقوم بتحريكها أو انتزاعها من بين جيرانها المعتادين لتتبيّن هل هي قادرةً على التعافي والعودة إلى أداء دورها الطبيعي. هل تستطيع الخليَّة تحديد مكانها؟ هل ستحاول العثور على جيرانها؟ أو لعلَّها ستشرع في تنفيذ مهامها العادية حيثما هي الآن؟ أو لربما ستجد لنفسها عملًا آخر لتقوم به. كلّما ازدادت مقدرة الوسيط على التأقلم مع تدخّلك ارتفع مستوى الكفاءة التي يظهرها. وحين “ترتكب [الخليَّة] خطأً”، فما الذي يجعلها ترتكبه؟ أيمكنك أن “تخدع” تلك الخليَّة لتبكّر أو تتأخر في تصرفاتها؟ ولهذه التجارب على مستوى النسج والأعضاء آلاف التجارب التي تشبهها ضمن مجال العلوم الاستعرافية التي تفضي إلى أوهامٍ أو تشوّشاتٍ غريبةٍ أو عمىً محليّ بحثها علم الأمراض الذي يوفّر الأفكار حول كيفية إنجاز “السِحر”، ولكن فقط من خلال الحفاظ على مسارٍ يعرفه الوسيط ويريده. وفيما يلي طريقة يسيرةٌ أخرى للتفكير في المشكلة، فبمجرد ولادة الخلايا المبكرة الفردية (الخلايا الجذعية على سبيل المثال)، من الواضح أنها تتولّى مسؤولية الاهتمام بتطوّرها الخاص، فتشرع بتشكيل نفسها والوسط المحيط بها في الآونة نفسها دون حاجةٍ لتعليماتٍ أخرى من والديها. وتصبح هذه الخلايا مستقلّة ذاتيًّا إلى حدٍّ ما بخلاف التروس والمكابس (المفتقرة للعقل) في محرّكٍ مصمّم بذكاء. تجد الخلايا طريقها، فما الذي يمكنه أن يفسِّر الأمر؟ أهو مسارٌ مماثل لمسارٍ محدد بفتات الخبز؟ نعم، في بعض الحالات، بيدَ أنه ينبغي أن تتحلَّى الخلايا بالذكاء الكافي لتحرّي المسار واقتفاء الفتات. لعلَّنا قد نأمل بتفسيرٍ فيزيائيّ يسير نسبيًّا.فلندع المخيّلة تتفتّق عن صورةٍ أخرى. يستند الأمر برمته إلى قوة الجذب المغناطيسية، إذ تنتقل الأجزاء إلى مواطنها المناسبة من خلال آلاف المجموعات المتنوعة والمولّفة توليفًا مختلفة للجذب المغنطيسي. وقد أشار طاليس الفيلسوف الإغريقي إلى أنَّ حجر المغناطيس لديه “روح” ترغب ببرادة الحديد وتحتاج للاقتراب منها. لا شكّ أنه كان مخطئًا، ولكن هل لنا أن نفسِّر المساعي الحثيثة والرغبة القويّة البيّنة لدى الخلايا من خلال الاحتجاج بشيءٍ من هذه القوى الفيزيائية الانكماشية؟ لا يبدو أنَّ ثمَّة مجالًا لذلك؛ إذ لم يُكتشف أيّ من هذه القوى الفيزيائية الأساسية الموسومة بالتمييز المتعدد، ثمّ إنَّ ثمَّة أسبابًا نظريةً عميقةً تكمن وراء استنتاج أنه من المتعذر وجود أيّ قوى كهذه. ولكن ماذا عن المغناطيس الافتراضي؟نستطيع الآن أن نصنع مغناطيسًا افتراضيًّا يجتذب أيّ شيئين مما قد يحلو لكم، فنستطيع صنعه من برمجيات الكمبيوتر. ولعلَّ طريقة التصاق مؤشّر الفأرة على الجزء المستهدف ضمن برنامج “وورد”، وطريقة التصاق لون الخلفية المستخدم للتشديد بعددٍ من الكلمات ضمن السطر؛ تجسّدان مثالين على مغناطيسين افتراضيين يَسِيرَيْن يعملان من خلال توزيع المعلومات.وقد غدا وصف هذه الظاهرة بمساعدة الاصطلاحات المؤنسِنة على نحوٍ متعمّد ممارسةً معيارية، فحين ننقر بالفأرة، نأمر المؤشر بإمساك الشيء المستهدف على الشاشة، وحين نحرّك الفأرة ننقل الشيء المعني على الشاشة حتى نشير للمؤشر بإفلات ذلك الشيء من خلال النقر بالفأرة مجددًا. وقد خضع هذا الحديث حول إرسال الإشارات ومعالجة المعلومات للتبسيط بشكلٍ واضح بفضل أجهزة الكمبيوتر؛ حيث لا وجود لقوى الفيزياء المُبهمة. وقد قُوبل هذا الأمر مقابلة صحيحة بوصفه ترخيصًا لاعتماد هذا الحديث بشأن المعلومات في شتى أقسام علم الأحياء. وقد غدت الكشّافات والإشارات ودارات التغذية الراجعة وسيرورات صنع القرار لَبِنَات بناءٍ فيزيائي لا جدال عليها في علم الأحياء المعاصر، مثلما هو حالها في مجال الكمبيوتر. بيد أنَّ ثمَّة فارقًا ينبغي التطرّق إليه؛ إذ يفضي إخفاقنا في الانتباه له إلى تعويق مخيّلة المنظّرين. فبتعبير يستوجب منّا تحليله بعنايةٍ أقول: ليست الخلايا الفردية مجرّد لبنات بناءٍ فحسب -كحال الترس في الآلة أو المضخة- بل تتمتع الخلايا بكفاءاتٍ أخرى تجعل منها وسائط (غير موجهة) تعتمد على المعلومات التي تحملها في طياتها للمساعدة على تجميع نفسها ضمن بنًى أكبر، وفي مشاريع أخرى واسعة النطاق مما لا تحتاج إلى فهمه. ويميل “الإنسان العاقل” Homo sapiens”، إلى التسليم جدلًا بمَلَكَات الهندسة، فعلى مرّ آلاف السنين تطلّع أسلافنا إلى الأنساق الفيزيائية التي ألفوا في أنفسهم القدرة على استغلالها من خلال تصميم البنى والهياكل القادرة على تنفيذ موثوق لوظائف معينة. فما الذي يصنع حبلًا جيدًا أو غراءً جيدًا أو مشعلًا جيدًا للنار؟ فالبرغي والصمولة كوسيلةٍ للتثبيت يجسّدان استغلالًا مصمَّمًا بأناقةٍ للعتل والمرونة وقوة الشد والاحتكاك، وقد تطوّرت هذه الأداة على مدى ألفي عام، وتعرّضت لتعديلاتٍ جوهريةٍ خلال المئتي سنة المنصرمة. ما زال التطوّر بـ “الاصطفاء الطبيعي” يضطلع بالتطلّع ذاته على المستوى الجزيئي منذ مليارات السنين، ومن بين مكتشفاته ثمَّة آلاف الأدوات الجزيئية المخصصة للخلايا لتستخدمها لمهام محددة. وتنتصب الهوائيات والكلّابات بين تلك الأدوات المخصصة لاستغلال قوانين الفيزياء والحساب. فعلى سبيل المثال، إذا كنت خليَّةً بين عددٍ من الخلايا التي تحصل على بروتينٍ لاصق، فسرعان ما ستبدأ بتشكيل مداراتٍ متداخلة، فتأخذ الخلايا عالية الالتصاق موضعًا في الوسط بينما تتواجد الخلايا منخفضة الالتصاق في المحيط الخارجي. ولا يحتاج أحدٌ لتوجيه هذه العملية، إذ إنها ناجمةٌ عن القوانين الفيزيائية، بيدَ أنك لن تتمكن من الوصول إلى تلك الأحياء البنيوية ما لم تكن بحوزتك البروتينات الصحيحة لتستثمرها في هذا الخصوص. وإذا كنت جزءًا من كائنٍ متعدد الخلايا وكانت خلاياك تصنع جسيمات حديدية وترتبها على نحوٍ متراصف، فستجد نفسك فجأةً مشاركًا في قوة تسحبك إلى الشمال المغناطيسي. وقد كان الحقل المغناطيسي من قَبلُ غير مرئيّ لك، ولكن من خلال ترتيبك للبروتينات المناسبة بطريقةٍ معينة، ها أنت تحصل مجانًا على كفاءةٍ جديدة على حين غِرّة. وإذا ما اكتشفت قناةً أيونية ستتمكّن فجأةً من المشاركة في جميع أنوع الديناميات الكهربائية. وإذا ما حصلت على النوع المناسب من القنوات الأيونية، فسيغدو بمقدورك فورًا الحصول على دارة تغذية راجعة تمنحك الذاكرة الكهروحيويَّة/ بينما ستمنحك قنواتٌ أخرى بوابة لا- NOT المنطقية وبوابة الاقتران- AND، وهذا يمكّنك من تشكيل أيّ نوع من الوظيفة البوليانية- Boolean التي توفّر لك طرقًا لاستثمار قوانين المنطق أو الحساب. هذه ليست بقوانين فيزيائية، وإنما هي قوانين رياضية، وأنت لست بحاجةٍ لفهمها كي تتمكّن من استثمارها، فكل ما تحتاجه هو تطوير بروتينات تتيح لأنظمتك الفرعية فرصة الاقتران بتلك الديناميات. يشبه الأمر الطرق العديدة للقيام بالحساب، من رسم الأرقام الرومانية بواسطةً عصىً في الرمال، وكتابة الأرقام العربية على الورقة

 «بيبي»، و«المومين»

 «بيبي»، و«المومين»

تتناول المقالة تأثير الحرب العالمية الثانية على الأدب السكندنافي، مع التركيز على الكاتبتين توف جانسون وأستريد ليندغرين. تشارك الكاتبتان تجربتهما خلال الحرب، حيث كتبت جانسون عن مخلوقات المومين التي تأثرت بفكرة اللجوء والصراع، بينما قدمت ليندغرين شخصية بيبي ذات الجوارب الطويلة، التي كانت تمثل القوة الطفولية والنقد الساخر للسلطة الاستبدادية. تعرض المقالة كيف شكلت الحرب خلفية لهذه الأعمال الأدبية التي ساعدت على تكوين أدب الأطفال في شمال أوروبا، وكيف أن الحرب كانت محركًا لتوجهات ثقافية جديدة، حيث كان الأدب بمثابة رد فعل على القمع والنزاع، وجاء ليعكس آمالًا وأحلامًا في مستقبل أفضل للأطفال، بعيدًا عن تأثيرات الدعاية النازية.

المشاعر في موضعها

المشاعر في موضعها

تتناول المقالة تطور فهم العواطف من خلال منظور التنوع الثقافي، حيث تدافع ليزا فيلدمان باريت عن فكرة أن العواطف ليست فطرية بل تُبنى وتُشكل من خلال تجاربنا الثقافية والمعرفية. يشير البحث الذي أجرته كريستين ليندكويست إلى أن الدماغ يبني العواطف بشكل فوري بناءً على التصورات والمفاهيم التي يكوّنها الأفراد حول مشاعرهم. توضح الدراسات الأخرى تأثير الثقافة في تشكيل العواطف، كما يظهر من خلال المقارنة بين الثقافات الغربية وغير الغربية مثل اليابان والصين. يتناول البحث أيضًا كيف يُعبّر الأفراد عن العواطف بناءً على خلفياتهم الثقافية، مثل الطريقة التي يعبّر بها الأمريكيون عن الحزن بينما يصفه الصينيون بتغيرات جسدية. يُظهر هذا التباين أن العواطف ليست مجرد ردود فعل فسيولوجية، بل هي ممارسات اجتماعية تُشكل من خلال القيم والمفاهيم الثقافية.

هيدغر ضِد كارناب

تتناول المقالة التوتر الفلسفي بين المنهج التحليلي والتجريبي الذي يمثله رودلف كارناب، والنهج الوجودي الذي يعتمده مارتن هيدغر، مشيرة إلى الخلافات الجوهرية بين الفلسفتين. تُظهر المقالة كيف أن كارناب كان يركز على المنطق والتجربة الملموسة كمفتاح لفهم الواقع، بينما كان هيدغر يركز على الأسئلة الوجودية والتجربة الإنسانية التي تتجاوز التحليل المنطقي، مع التشديد على ضرورة التفكير في أبعاد اللغة والمعرفة التي لا يمكن اختزالها إلى مفاهيم قابلة للتفسير المنطقي الصارم.

القبول الجذري

تتناول المقالة موضوع المعاناة البشرية وكيفية التعامل معها، مشيرة إلى أن الألم جزء لا مفر منه في الحياة، سواء كان ناتجًا عن أمراض عضال، إصابات جسدية، خيبات الأمل، أو فقدان علاقات مهمة. تناقش المقالة أيضًا أهمية قبول المعاناة بدلاً من الهروب منها، مستشهدةً بأبحاث علماء النفس مثل مارشا لينهان التي تؤكد على ضرورة مواجهة المشاعر السلبية بدلاً من محاربتها. كما تتطرق إلى أهمية «القبول الجذري» وكيفية تطبيقه في الحياة اليومية، باستخدام تقنيات مثل العلاج بالتعرض والتأمل، لتمكين الأفراد من تقليل معاناتهم والتكيف مع واقعهم المؤلم بشكل أكثر مرونة.

أُطُر الوعي

تتناول المقالة موضوع الوعي الدماغي من خلال استعراض تجارب مرضى يعانون من اضطرابات في الوعي، مثل فقدان المخيخ، وتسلط الضوء على التحديات التي يواجهها العلماء في تحديد مستوى الوعي لدى المرضى الذين لا يظهرون استجابة أو حركة إرادية. تناقش المقالة استخدام تقنيات مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لاكتشاف الوعي الخفي لدى هؤلاء المرضى، حيث تمكّن العلماء من اكتشاف حالات من الوعي عند المرضى الذين كان يُعتقد أنهم في غيبوبة. كما تستعرض المقالة نظريات علمية متعددة تفسر الوعي، مثل نظرية الفيزيائيين بنروز وهامروف المتعلقة بالتراكب الكمومي، وأيضًا نظرية جوليو تونوني التي تركز على السمات الأساسية للخبرة الواعية مثل التمايز والتكامل، مما يساعد على تفسير لماذا قد يكون بعض أجزاء الدماغ مهمة للوعي بينما تكون أخرى غير مهمة.

تحويل الأفكار إلى كلمات

تتناول المقالة مفارقة التعبير التي تكشف عن التوتر بين الفكرة والكلمة، متسائلة عما إذا كانت الأفكار تُولد أثناء التعبير أو موجودة مسبقًا وتُترجم بالكلمات، مستعرضةً أمثلة فلسفية وأدبية للتأكيد على صعوبة تحويل الأفكار الضبابية إلى كلمات دقيقة. تناقش المقالة دور اللغة كوسيلة لاكتشاف الأفكار وتطويرها، مع التركيز على التحديات الإبداعية التي تنشأ عند محاولة التعبير عن أفكار معقدة أو غامضة، مشيرة إلى دور الفجوات بين التفكير واللغة في تشكيل الوعي الإبداعي. كما تستعرض الجدل الفلسفي المتعلق بكيفية استيضاح الأفكار عبر اللغة وأثر ذلك على الفهم الذاتي.

عجزُ الفلسفة عن التقدّم

تتناول المقالة السؤال المحوري حول سبب استعصاء المشكلات الفلسفية على الحلول رغم تاريخ الفلسفة الطويل وغزارة نقاشاتها، حيث تسلط الضوء على الطبيعة الجدلية للفلسفة مقارنة بالتقدم الثابت للعلم، وتستعرض تجارب فكرية مثل ""مسألة مولينو"" وحجة المعرفة، التي تبرز تعقيدات التجربة البشرية وصعوبة التوصل إلى إجماع حول القضايا الفلسفية. كما تتطرق إلى نظريات فلسفية بارزة مثل أفكار كارل بوبر وتوماس كون حول تقدم المعرفة، مشيرة إلى أن الفلسفة غالبًا ما تعتمد على الحدس الذي قد يكون عرضة للأخطاء أو التحيزات. في الختام، تثير المقالة تساؤلات حول طبيعة المشكلات الفلسفية وما إذا كانت قابلة للحل أصلًا، مع تقديم أمثلة لمشكلات فلسفية يزعم البعض أنها حُلَّت أو لم تكن قابلة للحل من البداية.

أنتَِ العالَم

تتناول المقالة قضية الإرادة الحرة من منظور فلسفي وعلمي، حيث تستعرض الحوار بين الكاتب تيم باركس والفيلسوف ريكاردو مانزوتي حول مفهوم الوعي والاختيار. يناقش مانزوتي نظريته عن ""تماهي العقل والموضوع""، التي تنقل مركز الوعي من الدماغ إلى الخبرة الناتجة عن التفاعل بين الجسد والعالم الخارجي، معتبرًا أن القرارات تُحددها الخبرة الحسية وليس الدماغ وحده. يطرح المقال تساؤلات حول ما إذا كانت الإرادة الحرة مجرد وهم ناتج عن عمليات فيزيائية في الدماغ، أو تعبيرًا عن ضرورة نابعة مما نكون عليه حقًا، في إطار سلسلة سببية تشمل العالم والجسد معًا.

 رَكِّز!

تتناول المقالة تجربة كاتب وأستاذ شطرنج كبير في استكشاف العلاقة بين لعبة الشطرنج والتركيز كعنصر أساسي في الحياة المُرضية والفعّالة. يصف الكاتب الشطرنج كمجال للتكامل بين النظام والإبداع، حيث يتطلب التركيز المستمر لساعات وأيام وحتى سنوات، ويتجاوز كونه مجرد انتباه إلى كونه عملية متكاملة من الإدراك والرغبة والتطبيق العملي. يناقش المقال الفوارق بين الانتباه، التدفّق، والتركيز، مع تسليط الضوء على أهمية التركيز كحالة من التلاحم العقلي والعاطفي والهدف. ويعرض كيف يُمكن للشطرنج أن يكون نموذجًا لفهم التحديات المعقدة في الحياة وتقدير جمال القرارات الصحيحة تحت الضغط، ما يجعل اللعبة أكثر من مجرد تنافس، بل انعكاسًا فلسفيًا للعقل والروح.

طيفُ الحقيقة 

تتناول المقالة حدود الإدراك البشري في فهم الكون المادي وتساؤلات حول ما إذا كان الذكاء البشري مقيدًا بطبيعته البيولوجية والتكنولوجية، حيث تستعرض العلاقة بين تطور الذكاء عبر التاريخ وتكلفته الأيضية، متسائلة عما إذا كنا نمتلك الحد الأدنى فقط من القدرات اللازمة لفهم الواقع، أو إذا كانت هناك مفاهيم وعوالم تتجاوز خيالنا. كما تناقش المقالة دور العلوم والرياضيات في توسيع إدراكنا، مع الإشارة إلى احتمالية وجود قيود متأصلة تمنعنا من الوصول إلى حقائق أعمق عن الكون، خاصة في ظل فرضيات مثل المحاكاة الكونية وحدود العقل البشري في استيعاب تلك المفاهيم.

فائضٌ من الكاريزما: حياة فرانز برنتانو

تتناول المقالة العلاقة الفكرية العميقة بين الفيلسوف برينتانو وتلاميذه، مع التركيز على تأثيره الكبير فيهم رغم شخصيته المتحفظة والمتحيّزة أحيانًا. تشير المقالة إلى كيف كان برينتانو يتعامل مع معارضيه من التلاميذ، خاصة هوسرل، الذي بدأ كمتحمس لفلسفة أستاذه قبل أن يصبح مفكرًا مستقلًا. يتحدث هوسرل عن تأثير برينتانو عليه، معترفًا بأن محاولاته لمناقشة أفكاره لم تكن تؤدي دائمًا إلى التفاهم، ما خلق في النهاية نوعًا من القطيعة الفكرية. ومع ذلك، ظل تقديره لبرينتانو قائمًا، حيث ظل يعترف بمساهماته الكبيرة في الفلسفة.

الإدراك في أصغرِ الخلايا

تتناول المقالة مفهوم التعاون في الكائنات الحية من خلال شبكة من الخلايا المتجاورة التي تعتمد على تواصل فيزيائي مباشر عبر وصلات خاصة تُعرف بالكونيكسين، مما يزيل الحدود بين الخلايا ويضمن تفاعلًا متبادلًا يتمثل في تبادل المعلومات والموارد. تشرح المقالة كيف يمكن لهذا التواصل أن يضمن التعاون التام بين الخلايا، حيث يصبح التعاون أساسًا لا يتطلب تضحيات فردية، بل يعزز مبدأ المصير المشترك. كما تطرح المقالة تطور هذا النظام الخلوي ليشمل تكوينات معقدة في الأنسجة والأعضاء، مع إشارات إلى دور هذه الديناميكيات في تجديد الأعضاء، محاكاة التكيفات الداروينية، والارتباط بين البيولوجيا والتكنولوجيا، وأهمية تفاعلات الخلايا في الحفاظ على التوازن الحيوي والتنظيم الداخلي.تحرير ومراجعة: بلقيس الأنصاريالأفقُ الكبير المُقبِل لعِلم الأحياء: فهم الخلايا والأنسجة والكائنات الحيَّة بوصفها وسائط لها جداول أعمالها الخاصة، (وإن لم تكن موجَّهةً استنادًا إلى الأفكار).يطيب لعلماء الأحياء النظر إلى أنفسهم بوصفهم سلوكيين عِلميين يفسِّرون ويتكهّنون بالطرق التي تسلكها البروتينات والعضلات والخلايا والنباتات والحيوانات وسائر الأحياء ضمن ظروفٍ معينة، وذلك بفضل أجزائها الصغرى. وهُم يحددون آلياتٍ سببية تنفّذ وظائف متنوّعة تنفيذًا موثوقًا من قبيل نسخ الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين- دي.إن.إيه، ومهاجمة المستضدات والتركيب الضوئي، وتقدير درجات الحرارة، وإمساك الفريسة، وإيجاد طريق العودة إلى المأوى وهلمّ جرًّا، بيدَ أنهم لا يعتقدون أنَّ هذا الإقرار بالوظائف يورّطهم في غايةٍ مذمومة، أو تنسيب للأسباب والأغراض، أو فهم للخلايا والأجزاء الأخرى من الآليات التي يتحرّونها.ولكن حين أدارت “العلوم الاستعرافية” -علوم الإدراك- ظهرها للسلوكية منذ ما يربو على 50 عامًا، وشرَعت في التعامل مع الإشارات والخراط الداخلية والأهداف والتوقعات والمعتقدات والرغبات، تعرَّضت صفوف علماء الأحياء للخلخلة والاهتزاز. فلا شكّ أنهم سلَّموا بأنَّ البشر وبعض الحيوانات يملكون عقولًا، وأنَّ أدمغتهم تجسِّد العقول المادية -بدلًا من كونها عقولًا  ثانوية مبهمة، تعالج المعلومات، ويستهدي بها السلوك الموجّه. وأمَّا الحيوانات التي لا أدمغة لها كالكيسيات، فإنها لا تمتلك عقولًا، وهو ما ينطبق أيضًا على النباتات والفطريات والجراثيم. فهم قد قاوموا اعتماد مصطلحات مفتعلة ضمن عملهم التنظيري إلاّ بوصفها مجازًا مفيدًا عند التعليم أو شرح الأفكار لجمهورٍ من غير المختصين، ومن ثَمَّ لم تكن الجينات تتسم بالأنانية حقًّا، ولم تبذل الأجسام المضادة مساعيَ حقيقيةً، ولم تدرك الخلايا مكان وجودها حقًّا، ولم تكن تلك الآليات البيولوجية الصغيرة وسائط تحمل جداول أعمالها الخاصة، وإن كان التفكير بأنها حقًّا وسائط لديها جداول أعمالها الخاصة غالبًا ما أفضى إلى إكسابنا المزيد من المعارف. ونعتقد أنَّ هذا الاحتراس العِلمي المحمود قد مضى بعيدًا حتى اللحظة، وهذا يكبّل أيدي علماء الأحياء، ويحول بينهم وبين استكشاف أبرز الفرضيات المبشِّرة، تمامًا كما منعت السلوكية علماء النفس من النظر في كيفية التمكّن من تفسير سلوكيات مرضاهم القابلة للقياس بصفتها مؤثّرات الآمال والمعتقدات والخطط والمخاوف والنيّات والاضطرابات العقلية، وهلمّ جرًّا. وذات مرّة، طرح  سيدني مورجنبيسر، الفيلسوف الفطن، على بي.إف سكينر السؤال التالي: “أتعتقد أنَّنا ينبغي ألا نؤنسِن البشر؟”. فيما نقول نحن إنه ينبغي لعلماء الأحياء التحلّي بالهدوء والنظر في فضائل أنسنَة جميع أنواع الكائنات الحيَّة. ففي نهاية المطاف، أليس علم الأحياء نوعًا من الهندسة العكسية لجميع أعضاء الكائنات الحيَّة وعملياتها؟ منذ التقدّم السيبراني الذي شهدته أربعينيات القرن المنصرم وخمسينياته، ألفى المهندسون أنفسهم إزاء علمٍ عمليّ راسخ يرتكز على آلياتٍ هادفة وموجَّهة لم تترك شيئًا للروحانيات والماورائيات؛ لذا نقترح نحن أن يدرك علماء الأحياء مَن سبقهم.لعلَّنا نوافق على أنَّ الإسراف في نسبِ الغايات للأشياء يعدّ خطأ، فإذا كانت قوانين نيوتن قد اهتمَّت بتوقّع الطريق الذي ستسلكه الكُرة من أعلى التلّ، ولكنَّ هذه القوانين عينها تعجز عن مساعدتنا على فهم ما قد يفعل فأر عند قمة التلّ. لذا تتمثّل الطريقة الأخرى لارتكاب الخطأ في الفشل في اعتبار نظامٍ ما موجّهًا  نحو هدفٍ محدد إذا كان حقًّا أيضًا، فهذا النوع من رهاب الخطط الغائيّة يُعيق بصورةٍ جوهرية المقدرة على توقّع الأنظمة المعقدة والسيطرة عليها ما دام أنه يحول دون اكتشاف ضوابطها الأكثر فعالية أم نقاط ضغطها الداخلية. ولعلَّنا نرفض الماهويّة البسيطة التي تفيد أنَّ للإنسان غاياتٍ “واقعية”، أمَّا كل ما عدَاه فله “ما يشبه” الغايات من الناحية المجازية فقط. ويظهر لنا التقدّم الأخير في المعرفة القاعدية والعلوم ذات الصِلة كيفية تجاوز هذا النوع من التفكير العدمي بشأن “الحيوان الإنسان”، من خلال تطبيع القدرات الإنسانية، ومقايضة تميّز مزدوج ساذج بسلسلةٍ متصلة لمقدار الوساطة التي تمارسها أيّ منظومة.ويعود الفضل لتشارلز داروين، في إعفاء علم الأحياء تمامًا من الاضطرار إلى استحضار “مصممٍ ذكيّ”، ينسب إليه خلق جميع تلك الآليات؛ فما زال التطوّر بالاصطفاء الطبيعي يتولّى مسؤولية النهوض بكل ذلك العمل القائم على التنقية والتركيز والتمايز. إذ إننا جميعًا آليات جسدية ذات آلياتٍ فيزيائية تخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء. بيدَ أنَّ ثمَّة فارقًا عميقًا بين الآليات الإبداعية الذكية التي يعدّها المصمم الإنسان الذكيّ، من قبيل ساعات الحائط والمحركات وأجهزة الكمبيوتر على سبيل المثال، والآليات المصممة والمركبة بواسطة الاصطفاء الطبيعي. ولعلَّنا قادرون على تحديد هذا الفارق بالاعتماد على شيءٍ يسير من المخيّلة. تصوّر أنك قد اشتريت سيارةً يتم التحكّم بها عن بُعد، ثمّ وصلتك في صندوقٍ كبيرٍ كُتِبَ عليه: “هذا المنتج بحاجةٍ لبعض أعمال التجميع”. وبمجرّد أن تفتح الصندوق ستجد مئات القطع المختلفة التي تفتقر إلى بطاقات التعريف، وأنك لن تجد كتيّبًا للتعليمات لمساعدتك على تجميع تلك القطع أيضًا. ستجد نفسك في مواجهة مهمةٍ مهولةٍ إذن، ولا تتعلّق المشكلة بمدى خفّة بنانك وقوتها، إنما بعدم درايتك بكيفية التركيب أصلًا. وفي هذه الحالة لا شك أنك كنت تثمّن عاليًا صنيع من يزودك بدليل تركيب حسن الإعداد مع مخططات بيانية وبطاقات تعريف لسائر القطع، ولكنَّ هذا ما كان ليتمّ لولا قدرتك على رؤية المخططات وقراءة التعليمات والبطاقات. فلو زُوِّدت بدليلٍ باللغة الروسية، لكان الأمر بلا طائل إن كنت لا تجيد قراءة هذه اللغة. علاوةً على ذلك، يجب عليك أن تعرف كيف تركّب الظفر “أ” ضمن الفتحة “ب”، والبرغي رقم “17” في الصمولة رقم “95” مثلًا.ولكن ها أنت تلمح قصاصةً ورق تفيدك أن تضع جميع القطع في إناءٍ كبيرٍ مملوءٍ بالماء، ثمّ تضعها على الموقد وتحرّكها حتى الغليان. وهكذا، تفعل أنت ما تطلبه منك الورقة لتذهلك القطع، وهي تلتحم ببضعها في كتلٍ صغيرةٍ لا تلبث أن تكبر شيئًا فشيئًا، وكل ظفرٍ يعثر على فتحته كما يدور كل برغيٍّ ضمن صمولته، ولا شيء يوجّه هذه القطع سوى الماء المغلي باهتياجه العشوائي. وفي بضع ساعات، ستكون مهمة تركيب سيارتك الجديدة قد تمَّت بنجاح، وليس عليك سوى أن تجفّفها من الماء قبل أن تشرع في قيادتها. يبدو أنَّ المخيّلة ذهبت بنا إلى المستحيل بالطبع، بيدَ أنها تردد صدى “معجزة” الحياة التي تأخذ قائمة القطع وكتيّب التعليمات الخاصَّيْنِ بالدي.إن.إيه، دون مساعدةٍ من “مجمِّعٍ ذكي”، وتتولّى تركيب كائنٍ جديدٍ من ملايين القطع المتحرّكة الموصولة ببعضها بصورةٍ صحيحة.لدينا بالفعل سرديةً مفصّلةً برّاقةً حول كيفية قراءة قائمة المكوّنات واستيفائها، من الجينات إلى البروتينات، بفضل تلك الأجهزة الرائعة والجسيمات الريبية والشابرونات وغيرها، ثمّ إننا نحرز تقدّمًا بارزًا في فهمنا لكيفية إصدار الدي.إن.إيه لتعليمات التجميع. وما دام هذا المنحى البحثي التصاعدي قد حقَّق نجاحًا كبيرًا حتى اللحظة، أفلن يميط اللثام عن تفاصيل جميع العمليات التي تؤدي وظيفة إناء الماء الساخن الذي جادت به مخيّلتنا في نهاية المطاف؟ وهل هذه مشكلة حقًّا؟نحن نعتقد أنها كذلك، فقد أُحرز التقدّم الكبير على صعيد التنقيب وصولًا إلى مستوى الجزيء بصورةٍ رئيسة، أمَّا على المستويات الأعلى، فليس التقدّم كبيرًا إلى هذه الدرجة بطبيعة الحال. فما زلنا ضعفاء نوعًا ما على صعيد التحكّم بالبنية التشريحية أو معرفة طريقة إعادتها إلى مسارها الصحيح في حالة السرطان، ولهذا ليس لدينا طب تجديدي حقيقي حتى الساعة. وإذا كنّا نعرف كيف نحدِّد مصائر الخلايا الفردية من خلال الخلايا الجذعية، فما زال علينا أن نقطع شوطًا كبيرًا قبل أن نتمكّن من صناعة أعضاءٍ معقدة غبّ الطلب. ولعلَّنا غير قادرين على صناعة تلك الأعضاء إلاّ في بضع حالاتٍ، وهي الحالات التي تعلَّمنا فيها التواصل مع مجموعة الخلايا التي توفّر منشطًا يسيرًا، من قبيل النمط الكهروحيويّ، الذي يصدر الأمر التالي، مثلًا: “ابنِ عينًا هنا”، ومن ثمّ نترك لذكاء مجموعة الخلايا تولّي المهمة الشاقة والتوقف لدى إنجاز العضوّ المطلوب.كلَّما ازدادت مقدرة الوسيط على التأقلم مع تدخّلك؛ ارتفع مستوى الكفاءة التي يظهرها.إذا ما التزمنا بالمقاربة التصاعدية، فإنَّ جميع الجهود التي نبذلها على صعيد الهندسة الحيويَّة ستتوقّف إثر قطاف الثمرة التي كانت في المتناول (المثانات المصنّعة بالطباعة ثلاثية الأبعاد وما شابهها). لعلَّ جيلنا لن يتمتع بالقدرة على الإدارة الدقيقة والمفصّلة لأنواع الخلايا وصولًا إلى تكوين يدٍ أو عينٍ بشريةٍ قادرةٍ على تأدية وظائفها، ولن تكون لدى مقاربات التحرير الجينومي أيَّة فكرة عمَّا ستحرّره الجينات لبناء الأعضاء المعقدة اللازمة للترميم أو الازدراع. التعامل مع الخلايا يبدو كأنه قطع من الطوب الأبكم التي يجب إدارتها بصورةٍ مفصّلة بمثابة ممارستنا للعبة ما بأيدٍ مكبّلة خلف ظهورنا بما يفضي إلى “شتاءٍ جينومي”، فيما لو توقّفنا عند هذا المستوى الجزيئي على وجه الحصر، فهذا ما يثبت لنا من خلال غياب التقدّم في التحكّم التخلّقي العقلاني. فمثلًا رغم سائر الأبحاث الجيدة في العلوم بشأن تنظيم الخلايا الجذعية المستندة إلى الدي.إن.إيه في المستورقات، إلّا أنَّ جميع النماذج البيولوجية الجزيئية المستخدمة في هذه الأبحاث لا يقدّم أيّ توقعٍ بشأن هذه التجربة الفكرية اليسيرة.فلنأخذ دودة مسطحة الرأس ولنزرع فيها خلايا جذعية من ديدانٍ مثلثة الرأس بنسبة قدرها 50%، فإذا ما قمنا بقطع رأسها بعد اختلاط الخلايا الجذعية، ما الشكل الذي سنحصل عليه حين يتجدد الرأس؟ ما الذي سيحدث حين ترغب 50% من الخلايا الجذعية بتشكيل رأسٍ مستوٍ بينما ترغب النسبة المتبقية بتكوين رأسٍ مثلث؟ هل سيربح أحد الجانبين أم سيكون للرأس شكلٌ وسط ما بينهما؟ أو لعلَّ عملية التشكّل لن تنتهي ما دام بعض الخلايا لن يرضى بشكل الرأس الناجم على الإطلاق.تعجز تفاصيل علم الأحياء الجزيئي عن دعم توقّع محدد؛ لأنها تتصدى للمسائل على المستوى الخلوي بينما لا تقارب الإشكالية المتعلّقة بكيفية تحديد المجموعة للشكل الكبير الذي ستبنيه وكيفية تحديدها لحظة التوقف حين يتم إنجاز هذا الشكل. وإنه لمن الجائز تجريبيًّا طرح السؤال بشأن تمثيل الأشكال التشريحية المستهدفة في النسج -وقد تم طرحه تجريبيًّا حقًّا- فقط عندما ينظر المرء نظرة جادَّة إلى أنَّ المجموعة لا تتمتع بمستوى تحليل آلي فحسب، بل بمستوى تحليل قائم على معالجة المعلومات أيضًا. وذلك أساس ما كانت عليه حال علوم الأعصاب حين اقترح ديفيد مار في كتابه البارز: “رؤية”، الصادر عام 1982، أنَّ التقدم يعتمد على تحرّي ما أسمَاه بـ “المستوى الحسابي”، وقد عنَى به المستوى الذي يحدد عنده المرء المهام الاستعرافية؛ كي يتمكّن من البحث عن السيرورات المعلوماتية المساعدة على تنفيذ تلك المهام. ينطوي التفكير في مكوّنات الكائنات الحيَّة بوصفها وسائط تتحيّن الفرص ساعيةً إلى إنجاز مهام معينةٍ على المجازفة، بيد أنَّ المردود المعرفي الذي قد يعود به، قد يكون كبيرًا حقًّا. فلنفترض أنك تتدخل بالخليَّة أو التركيب الخلوي أثناء التطور، فتقوم بتحريكها أو انتزاعها من بين جيرانها المعتادين لتتبيّن هل هي قادرةً على التعافي والعودة إلى أداء دورها الطبيعي. هل تستطيع الخليَّة تحديد مكانها؟ هل ستحاول العثور على جيرانها؟ أو لعلَّها ستشرع في تنفيذ مهامها العادية حيثما هي الآن؟ أو لربما ستجد لنفسها عملًا آخر لتقوم به. كلّما ازدادت مقدرة الوسيط على التأقلم مع تدخّلك ارتفع مستوى الكفاءة التي يظهرها. وحين “ترتكب [الخليَّة] خطأً”، فما الذي يجعلها ترتكبه؟ أيمكنك أن “تخدع” تلك الخليَّة لتبكّر أو تتأخر في تصرفاتها؟ ولهذه التجارب على مستوى النسج والأعضاء آلاف التجارب التي تشبهها ضمن مجال العلوم الاستعرافية التي تفضي إلى أوهامٍ أو تشوّشاتٍ غريبةٍ أو عمىً محليّ بحثها علم الأمراض الذي يوفّر الأفكار حول كيفية إنجاز “السِحر”، ولكن فقط من خلال الحفاظ على مسارٍ يعرفه الوسيط ويريده. وفيما يلي طريقة يسيرةٌ أخرى للتفكير في المشكلة، فبمجرد ولادة الخلايا المبكرة الفردية (الخلايا الجذعية على سبيل المثال)، من الواضح أنها تتولّى مسؤولية الاهتمام بتطوّرها الخاص، فتشرع بتشكيل نفسها والوسط المحيط بها في الآونة نفسها دون حاجةٍ لتعليماتٍ أخرى من والديها. وتصبح هذه الخلايا مستقلّة ذاتيًّا إلى حدٍّ ما بخلاف التروس والمكابس (المفتقرة للعقل) في محرّكٍ مصمّم بذكاء. تجد الخلايا طريقها، فما الذي يمكنه أن يفسِّر الأمر؟ أهو مسارٌ مماثل لمسارٍ محدد بفتات الخبز؟ نعم، في بعض الحالات، بيدَ أنه ينبغي أن تتحلَّى الخلايا بالذكاء الكافي لتحرّي المسار واقتفاء الفتات. لعلَّنا قد نأمل بتفسيرٍ فيزيائيّ يسير نسبيًّا.فلندع المخيّلة تتفتّق عن صورةٍ أخرى. يستند الأمر برمته إلى قوة الجذب المغناطيسية، إذ تنتقل الأجزاء إلى مواطنها المناسبة من خلال آلاف المجموعات المتنوعة والمولّفة توليفًا مختلفة للجذب المغنطيسي. وقد أشار طاليس الفيلسوف الإغريقي إلى أنَّ حجر المغناطيس لديه “روح” ترغب ببرادة الحديد وتحتاج للاقتراب منها. لا شكّ أنه كان مخطئًا، ولكن هل لنا أن نفسِّر المساعي الحثيثة والرغبة القويّة البيّنة لدى الخلايا من خلال الاحتجاج بشيءٍ من هذه القوى الفيزيائية الانكماشية؟ لا يبدو أنَّ ثمَّة مجالًا لذلك؛ إذ لم يُكتشف أيّ من هذه القوى الفيزيائية الأساسية الموسومة بالتمييز المتعدد، ثمّ إنَّ ثمَّة أسبابًا نظريةً عميقةً تكمن وراء استنتاج أنه من المتعذر وجود أيّ قوى كهذه. ولكن ماذا عن المغناطيس الافتراضي؟نستطيع الآن أن نصنع مغناطيسًا افتراضيًّا يجتذب أيّ شيئين مما قد يحلو لكم، فنستطيع صنعه من برمجيات الكمبيوتر. ولعلَّ طريقة التصاق مؤشّر الفأرة على الجزء المستهدف ضمن برنامج “وورد”، وطريقة التصاق لون الخلفية المستخدم للتشديد بعددٍ من الكلمات ضمن السطر؛ تجسّدان مثالين على مغناطيسين افتراضيين يَسِيرَيْن يعملان من خلال توزيع المعلومات.وقد غدا وصف هذه الظاهرة بمساعدة الاصطلاحات المؤنسِنة على نحوٍ متعمّد ممارسةً معيارية، فحين ننقر بالفأرة، نأمر المؤشر بإمساك الشيء المستهدف على الشاشة، وحين نحرّك الفأرة ننقل الشيء المعني على الشاشة حتى نشير للمؤشر بإفلات ذلك الشيء من خلال النقر بالفأرة مجددًا. وقد خضع هذا الحديث حول إرسال الإشارات ومعالجة المعلومات للتبسيط بشكلٍ واضح بفضل أجهزة الكمبيوتر؛ حيث لا وجود لقوى الفيزياء المُبهمة. وقد قُوبل هذا الأمر مقابلة صحيحة بوصفه ترخيصًا لاعتماد هذا الحديث بشأن المعلومات في شتى أقسام علم الأحياء. وقد غدت الكشّافات والإشارات ودارات التغذية الراجعة وسيرورات صنع القرار لَبِنَات بناءٍ فيزيائي لا جدال عليها في علم الأحياء المعاصر، مثلما هو حالها في مجال الكمبيوتر. بيد أنَّ ثمَّة فارقًا ينبغي التطرّق إليه؛ إذ يفضي إخفاقنا في الانتباه له إلى تعويق مخيّلة المنظّرين. فبتعبير يستوجب منّا تحليله بعنايةٍ أقول: ليست الخلايا الفردية مجرّد لبنات بناءٍ فحسب -كحال الترس في الآلة أو المضخة- بل تتمتع الخلايا بكفاءاتٍ أخرى تجعل منها وسائط (غير موجهة) تعتمد على المعلومات التي تحملها في طياتها للمساعدة على تجميع نفسها ضمن بنًى أكبر، وفي مشاريع أخرى واسعة النطاق مما لا تحتاج إلى فهمه. ويميل “الإنسان العاقل” Homo sapiens”، إلى التسليم جدلًا بمَلَكَات الهندسة، فعلى مرّ آلاف السنين تطلّع أسلافنا إلى الأنساق الفيزيائية التي ألفوا في أنفسهم القدرة على استغلالها من خلال تصميم البنى والهياكل القادرة على تنفيذ موثوق لوظائف معينة. فما الذي يصنع حبلًا جيدًا أو غراءً جيدًا أو مشعلًا جيدًا للنار؟ فالبرغي والصمولة كوسيلةٍ للتثبيت يجسّدان استغلالًا مصمَّمًا بأناقةٍ للعتل والمرونة وقوة الشد والاحتكاك، وقد تطوّرت هذه الأداة على مدى ألفي عام، وتعرّضت لتعديلاتٍ جوهريةٍ خلال المئتي سنة المنصرمة. ما زال التطوّر بـ “الاصطفاء الطبيعي” يضطلع بالتطلّع ذاته على المستوى الجزيئي منذ مليارات السنين، ومن بين مكتشفاته ثمَّة آلاف الأدوات الجزيئية المخصصة للخلايا لتستخدمها لمهام محددة. وتنتصب الهوائيات والكلّابات بين تلك الأدوات المخصصة لاستغلال قوانين الفيزياء والحساب. فعلى سبيل المثال، إذا كنت خليَّةً بين عددٍ من الخلايا التي تحصل على بروتينٍ لاصق، فسرعان ما ستبدأ بتشكيل مداراتٍ متداخلة، فتأخذ الخلايا عالية الالتصاق موضعًا في الوسط بينما تتواجد الخلايا منخفضة الالتصاق في المحيط الخارجي. ولا يحتاج أحدٌ لتوجيه هذه العملية، إذ إنها ناجمةٌ عن القوانين الفيزيائية، بيدَ أنك لن تتمكن من الوصول إلى تلك الأحياء البنيوية ما لم تكن بحوزتك البروتينات الصحيحة لتستثمرها في هذا الخصوص. وإذا كنت جزءًا من كائنٍ متعدد الخلايا وكانت خلاياك تصنع جسيمات حديدية وترتبها على نحوٍ متراصف، فستجد نفسك فجأةً مشاركًا في قوة تسحبك إلى الشمال المغناطيسي. وقد كان الحقل المغناطيسي من قَبلُ غير مرئيّ لك، ولكن من خلال ترتيبك للبروتينات المناسبة بطريقةٍ معينة، ها أنت تحصل مجانًا على كفاءةٍ جديدة على حين غِرّة. وإذا ما اكتشفت قناةً أيونية ستتمكّن فجأةً من المشاركة في جميع أنوع الديناميات الكهربائية. وإذا ما حصلت على النوع المناسب من القنوات الأيونية، فسيغدو بمقدورك فورًا الحصول على دارة تغذية راجعة تمنحك الذاكرة الكهروحيويَّة/ بينما ستمنحك قنواتٌ أخرى بوابة لا- NOT المنطقية وبوابة الاقتران- AND، وهذا يمكّنك من تشكيل أيّ نوع من الوظيفة البوليانية- Boolean التي توفّر لك طرقًا لاستثمار قوانين المنطق أو الحساب. هذه ليست بقوانين فيزيائية، وإنما هي قوانين رياضية، وأنت لست بحاجةٍ لفهمها كي تتمكّن من استثمارها، فكل ما تحتاجه هو تطوير بروتينات تتيح لأنظمتك الفرعية فرصة الاقتران بتلك الديناميات. يشبه الأمر الطرق العديدة للقيام بالحساب، من رسم الأرقام الرومانية بواسطةً عصىً في الرمال، وكتابة الأرقام العربية على الورقة

 «بيبي»، و«المومين»

تتناول المقالة تأثير الحرب العالمية الثانية على الأدب السكندنافي، مع التركيز على الكاتبتين توف جانسون وأستريد ليندغرين. تشارك الكاتبتان تجربتهما خلال الحرب، حيث كتبت جانسون عن مخلوقات المومين التي تأثرت بفكرة اللجوء والصراع، بينما قدمت ليندغرين شخصية بيبي ذات الجوارب الطويلة، التي كانت تمثل القوة الطفولية والنقد الساخر للسلطة الاستبدادية. تعرض المقالة كيف شكلت الحرب خلفية لهذه الأعمال الأدبية التي ساعدت على تكوين أدب الأطفال في شمال أوروبا، وكيف أن الحرب كانت محركًا لتوجهات ثقافية جديدة، حيث كان الأدب بمثابة رد فعل على القمع والنزاع، وجاء ليعكس آمالًا وأحلامًا في مستقبل أفضل للأطفال، بعيدًا عن تأثيرات الدعاية النازية.

المشاعر في موضعها

تتناول المقالة تطور فهم العواطف من خلال منظور التنوع الثقافي، حيث تدافع ليزا فيلدمان باريت عن فكرة أن العواطف ليست فطرية بل تُبنى وتُشكل من خلال تجاربنا الثقافية والمعرفية. يشير البحث الذي أجرته كريستين ليندكويست إلى أن الدماغ يبني العواطف بشكل فوري بناءً على التصورات والمفاهيم التي يكوّنها الأفراد حول مشاعرهم. توضح الدراسات الأخرى تأثير الثقافة في تشكيل العواطف، كما يظهر من خلال المقارنة بين الثقافات الغربية وغير الغربية مثل اليابان والصين. يتناول البحث أيضًا كيف يُعبّر الأفراد عن العواطف بناءً على خلفياتهم الثقافية، مثل الطريقة التي يعبّر بها الأمريكيون عن الحزن بينما يصفه الصينيون بتغيرات جسدية. يُظهر هذا التباين أن العواطف ليست مجرد ردود فعل فسيولوجية، بل هي ممارسات اجتماعية تُشكل من خلال القيم والمفاهيم الثقافية.