ينبغي أن تتمثَّل القطع بحدّ ذاتها الخبرة اللازمة للعثور على أمكنتها المناسبة والقيام بمهامها الصحيحة.
لاحظ كيف يكون “بمقدورك” أن تكون خليَّةً مفردة، أو كائنًا متعدد الخلايا، أو عضوًا، أو نسيجًا ضمن كائنٍ متعدد الخلايا، بينما تحافظ على كفاءاتك المعلوماتية المكوّنة من “البراغي والصامولات” الأساسية الخاصة ببنى معالجة المعلومات. وضمن هذا المنظور الذي حرصنا على أن يكون محدودًا، ليست الوسائط بحاجةٍ لأن تتحلّى بالوعي والفهم والعقل، ولكنها بحاجةٍ لأن تنتظم في بنى لاستثمار الأنساق الفيزيائية التي تمكّنها من استخدام المعلومات -تبعًا لقوانين الحساب- لتنفيذ المهام، بدءًا بالمهمة الجوهرية المتمثّلة في حفظ الذات التي لا تتطلب منها إمداد نفسها بالطاقة اللازمة للسيطرة على أدواتها فحسب، بل أن تكون قادرة على التكيّف مع بيئاتها المحليَّة بطرقٍ تقوي إمكاناتها.
إذا عدنا إلى السيارة ذاتية التجميع، فأين تكمن الخبرة اللازمة لهذا التجميع؟ في القطع دون أدنى شك، لا في جزيئات الماء المتقافزة تقافزًا عشوائيًّا بينما تخلو الصورة من أيّ عاملٍ آخر. فينبغي أن تتمثّل القطع بحد ذاتها الخبرة اللازمة للعثور على أمكنتها المناسبة والقيام بمهامها الصحيحة. ويجوز أن يتم التعامل معها بوصفها وسائط ذات كفاءات تغنيها عن الحاجة إلى الفهم. وكما أظهر داروين كيف يُستغنى عن العمل الفكري الإعجازي لـ “المصمم الذكي”؛ ليحلّ محله مجرد ترتيب تعاقبي مرجح لتريليونات النسخ المتباينة للكائنات الحيَّة التي صَمَّمَتْ تدريجيًّا -دون علمٍ أو نيّةٍ منها- جميع الترتيبات الأنيقة للطبيعة. وهكذا ينبغي لنا الآن أن نستعيض عن المجمِّع الذكي الذي اعتاد أن يقرأ دليل التعليمات الذي أعده “المصمم الذكي” إن وجد، بسيرورةٍ تصاعدية توزع كل الذكاء اللازم على خواص التصميم الجيدة- الكفاءات- على مئات المستويات.
لا تعرف الخلايا المخروطيّة في شبكية العين كيف تحوّل الفوتونات إلى نبضات عصبية فحسب، بل تعرف أيضًا كيف تتصل بالعصبونات المناسبة لتضعها في تماسٍ مباشر مع الشبكات العصبية التي تنجز الرؤية لدى الكائنات الحيَّة المبصرة. ولكنَّ معرفة الخليَّة المخروطية -خلافًا المجمِّع الذكي فالذي يقرأ كتيّب التعليمات ليعرف كيف يصِل الأسلاك بين المصباحين في مقدمة السيارة والمدخرة في مؤخرتها- تتسم بكونها حسيرةً للحد الأقصى، فبيئتها مجهرية، وهي بمثابة الحكيم المجنون الذي يتمتع ببعض المواهب المذهلة بيد أنه لا يدرك تلك المواهب على الإطلاق. ولكن بفضل التواصل- بإرسال الإشارات- مع الجيران، يمكن لتلك الخليَّة الإسهام بكفاءتها المحلية الخاصة في نظامٍ موزّع يتمتع بقدراتٍ موجهة بالاستناد إلى المعلومات ويتمتع بمجال طويل من حيث المكان والزمان.
مع ذلك، يبدو أنَّ ثمَّة مشكلةً جوهريةً في هذا الصدد؛ إذ يستند التطوّر إلى مبدأ الأنانية، فكيف يمكن لأنظمة حية معقدة أن تنفذ أهدافًا جماعيةً ستعمل لأجلها وحداتها الخلوية الثانوية؟ وكيف يمكن لهذا التعاون أن ينشأ من أفعال الوسائط المتكاثرة الأنانية؟ ولنتأمل فيما يلي أداة التفكير التي ما زالت تستخدم منذ عقود لتحليل هذا اللغز، أو معضلة السجين، كما ورد في كتاب دانييل دينيت: “فكرة داروين الخطيرة”، الصادر عام 1995:
“تمثِّل “معضلة السجين” المثال الأشهر في نظرية الألعاب، وهي لعبة يسيرة تمارسها أنت وشخص آخر على سبيل المثال، فيزجّ بكما في السجن ريثما تخضعان للمحاكمة (على خلفية تهمة ملفّقة)، ويعرض الادعاء على كليكما صفقةً خاصة بمعزلٍ عن الآخر، فإذا تحلّى كل منكما بالصمود ولم تدليا بأيّ اعتراف ولم يورّط أحدكما الآخر، فعندئذٍ سيحظى كل منكما بحكمٍ مخفّف؛ إذ لا يتمتع المتهم الشاهد بتلك القوة، وإذا ما اعترفت أنت وورطت المتهم الآخر الذي بقي صامدًا، فعندئذٍ سيُخلي سبيلك ويسجن هو مدى الحياة، وإذا اعترف كلاكما وورَّط كلّ منكما الآخر، فستعاقبان جميعًا بالسجن لمدةٍ متوسطة. أمَّا إذا صمدت أنت، واعترف السجين الآخر، فلا شك أنه سيطلق سراحه وتسجن أنت مدى الحياة. فما الذي عليك أن تفعله؟”.
إذا تمكّنتما جميعًا من الصمود، فلا شك أنَّ هذا سيكون خيرًا لكما من أن تعترفا كلاكما. إذن، أليس بمقدور كل منكما أن يتعهّد للآخر بالصمود؟ (يشار إلى خيار الصمود وفقًا للمصطلحات المعتمدة في لعبة “معضلة السجين” بخيار “التعاون”). لا شكّ أنكما تستطيعان التعهّد لبعضكما، ولكنَّ الغواية ستأتيك لاحقًا بنقض العهد والخروج من السجن وترك المتهم الآخر الساذج يقع في مشكلةٍ عويصة، سواءً أخذت بهذه الغواية أم لا. وما دامت هذه اللعبة تقوم على مبدأ التناظر، فسيخالج المتهمَ الآخر إذن إغواءُ نفسه بأن يخدعك لتكون أنت الساذج. أفتستطيع أن تتكلّ على وفاء الآخر بوعده مجازفًا بقضاء بقيّة عُمرك في السجن؟ لعلّك ستكون بأمانٍ أكبر في حال طعنت أنت به، أليس كذلك؟ فبتلك الطريقة ستتلافى أسوأ النتائج قاطبةً، لا، بل قد يطلق سراحك. ولا ريب أنَّ المتهم الآخر سيفكّر في هذا الأمر، ولذلك قد يتخذ آمن خيار بخيانتك، وفي هذه الحالة سيتوجب عليك أنت أيضًا خيانته تلافيًا للكارثة، ما لم يكن كلاكما تقيًّا تقى يجعله يفضل قضاء حياته في السجن ولا ينكث العهد، وعندها سينتهي بكما الحال إلى قضاء فترة حكمٍ متوسطة. ليتكما تقدران على تجاوز هذه الأفكار وتتعاونا.
وبصفةٍ خاصة، فلنتأمل معضلة سجين محددة الحيّز المكاني من خلال شبكة وسائط (خلايا) تمارس كل منها لعبة معضلة السجين ضد جيرانها. وتتمثّل الطريقة التقليدية للتفكير في هذا الصدد في أنَّ عدد الوسائط ثابت، وهي متميزةٍ بصورةٍ دائمة، بينما تجد أنَّ الشيء الوحيد الذي يتغيّر ويتطوّر هو السياسة التي يتبعها كل وسيط لاتخاذ القرار بالتعاون مع جيرانه أو خيانتهم. ولكن لنتخيّل أنَّ بروتينًا خاصًّا (كونيكسين) اُكتشف من خلال التطوّر، وهو يتيح للبيئتين الداخليّتين لخليّتين متجاورتين أن تتواصلا تواصلًا مباشرًا عن طريق ما يشبه النفق الذي يتيح للجزيئات الصغيرة الانتقال عبره. وهكذا، يتيح اكتشاف التطوّر لنوع البروتين المعنيّ للنظام الفرصة لاستثمار ديناميات هامة.
فتواصل الأجزاء الداخلية لخليّتين يضمن مشاركتهما مناصفةً فيما بينهما للعناصر الغذائية وإشارات المعلومات والسموم وغيرها بسرعةٍ كبيرة. وبصورةٍ حاسمة، يجسّد هذا الاندماج نوعًا مباشرًا من “المصير المشترك”، فكلَّما حدث لأحدٍ شقي الوسيط المركب خير أو شر، أَثَّرَ على الشقّ الآخر تأثيرًا سريعًا. وفي ظلّ هذه الظروف، لا يستطيع أيّ شقّ أن يخون الشقّ الآخر أو أن يتجاهل رسائله، فإنه لمن سوء التكيّف بالنسبة لأحد الشقّين؛ إذ يقوم بأيّ أمرٍ سيئٍ تجاه الشقّ الآخر ما داما يتشاركان قدرهما ونصيبهما من الحياة. وهكذا يغدو التعاون التام مضمونًا على خلفية استحالة الخيانة نتيجة إزالة الحدود بين الوسيطين المعنيين. ويكمن العامل الرئيس على هذا الصعيد في كون التعاون لا يتطلب أيّ تخفيضٍ في مستوى الأنانية، فكلا الوسيطين المعنيين يحتفظ بأنانيته كاملةً مثلما كانت عليه من قبل؛ إذ تصبو الوسائط دائمًا إلى أن تكون في الصدارة، بيدَ أنَّ حدود الصدارة والذات التي تزود عنها بكل ما تملك ربما توسَّعت جذريًّا لتشمل نسيجًا أو عضوًا كاملًا.
المستورقات كائنات تلعب دور البطولة على صعيد إعادة تجديد الأعضاء، فكلَّما تعرَّضت للبتر أعادت التشكيل بصورةٍ مطابقةٍ تمامًا من الناحية التشريحية.
تزيل هذه الشبكة الفيزيولوجية بصورةٍ جوهرية الحدود بين الوسائط الصغرى، مشكّلةً نوعًا من الوسيط الخارق الذي يصعب فيه الاحتفاظ بالهُويَّة الفردية للوسائط الأصلية. ولا شكّ أنَّ هذه الحدود ليست بالحدود التشريحية، وإنما هي حدود فيزيولوجية أو وظيفية، وهي تتولّى مسؤولية فرز المقصورات الحسابية التي تتدفق البيانات داخلها بحرية بمضامين كثيرة من منظور نظرية الألعاب. وهكذا، تغدو المعلومات (الذاكرة) موضوعًا للمشاركة بين المجموع، ولا شكّ أنَّ هذا هو السبب الرئيس للاتصال بجارك؛ إذ إنك ترث مجانًا خلاصة ما تعلَّمه والدروس التي استخلصها من تاريخه، ولهذا قد دفع هو ثمن ذلك في سياق الجهود الاستقلابية.
علاوةً على ذلك، ثمَّة شيءٌ آخر مذهل يحدث حين توصّل الخلايا شبكات تراسل الإشارات الداخلية بينها؛ إذ تتصاعد قيم الضبط الفيزيولوجية التي تمثل الأهداف الفطرية في الدارات الخلوية الاستتبابية، وتزداد عمليات القياس التي تتحرى الانحرافات عن المجال الصحيح، فهي تُقاسُ في المجمعات الخلويَّة الكبيرة بصورةٍ أساسية ضمن المكان (النسيج أو العضو)، والزمان (الذاكرة وقدرات التوقع الأعلى ما دامت الشبكة المركبة من خلايا كثيرة تتمتع بقدرةٍ حسابية أكبر جدًّا من القدرات الخلويَّة الفردية)، وهذا يعني أنَّ أهدافها -الحالات الفيزيوكيميائية التي تمثّل عناصر الجذب في حيّز الحالة الخاص بها- ترتقي من الأهداف الاستتبابية الفيزيولوجية الدقيقة الخاصة بكل الخلايا على حدة نحو الاستتباب التشريحي الأكبر للتجديد والتطوير، فيمكنه تحقيق القوام المستهدف الصحيح من جميع أنواع التكوينات البدائية الغريبة، رغم الصخب والإرباكات الخارجية الهائلة على طول الطريق (انظر: الشكل رقم “1” أدناه)، وهذا هو النظام الذي انضم لاحقًا إلى النشاط الأكبر والأسرع والموجّه للأدمغة مع تطوّر الوصلات العصبية الكهربائية القديمة (الوصلات العابرة للثغرات المستندة إلى الكونيكسين)، إلى وصلاتٍ عصبيةٍ كيميائية حديثة، ومع تحوّل الخلايا (التي كانت تستخدم تراسل الإشارات الفيزيولوجي لتنسيق التخلّق) إلى عصبونات نحيلة محسَّنة السرعة.
شرح الصورة1: تتعاون الخلايا بشكلٍ مرنٍ للوصول إلى بنى تشريحية معقدةٍ خاصة، كحال أعضاء وجه الشرغوف التي تعيد ترتيب نفسها إذا وُضِعَ في ظروفٍ غير طبيعية حتى تتمكن من تشكيل وجه ضفدعٍ طبيعي، أو مثلما يتحول ذيل السمندر الملتحم بخاصرة الحيوان إلى بنية أكثر ملائمة، أي حين يتحول الذيل إلى طرف. صورتا (الشرغوف الطبيعي) في اللوحة “أ” بواسطة دوغلاس جيه. بلاكيستون، مختبر ليفين لاب. وصورة الشرغوف المغير ترتيبه بواسطة فاندنبرغ وآخرون. أما الصور التي في اللوحة “ب” فهي بواسطة فارينيلا- فيروزا 1956م.
ثمَّة ارتباطٌ شديد بين مشكلة التعاون وبين مشكلة أصل العقول الموحدة المدمجة ضمن مجموعة (الخلايا، أو النمل، أو غيرها). والدينامية الرئيسة التي كشف التطوّر النَّقَّاب عنها هي نوعً من التواصل الذي يمنح الوسائط امتياز الوصول إلى منظومة المعلومات نفسها التي أتاحت المجال لقياس الذوات، وهذا ما شكّل نقطة الانطلاق للسلسلة المتصِلة من الوساطة المطردة. ولهذا أيضًا مؤداه الطبي، إذ أنَّ منع هذا التواصل الفيزيولوجي ضمن الجسد من خلال تعطيل عمل الوصلات العابرة للثغرات أو إدخال قطعٍ من البلاستيك بين الأنسجة بكل سهولة، هو ما يطلق العنان للسرطان، أيّ: الانعكاس الموضعي إلى حالة وحيد الخليَّة القديمة التي تغدو معها حدود الذات سطحَ الخليَّة المفردة وحده فيما بقيّة الجسم يغدو من منظورها مجرد “بيئة” صالحةٍ للاستثمار المحتكِر. وقد بتنا الآن نعلم أنَّ دفع الخلايا اصطناعيًّا للعودة إلى الاتصال الكهروحيويّ مع جيرانها، قد يؤدي إلى استرداد الحالة الطبيعية للخلايا السرطانية من خلال حثّها نحو الهدف الجماعي المتمثّل في حفظ النسيج وصونه.
ولهذا الرأي مؤدىً آخر بارز أيضًا يتمثّل في كون التعاون لا يتركز على الارتباطية الجينية بقدر ما يتعلّق بالتشغيل البيني الفيزيولوجي. فما دامت القطع الصلبة- Hardware تتمتع بالقدر الكافي من الجودة لتمكين التواصل الفيزيولوجي لهذا النوع، فلن تكتسي التفاصيل الدقيقة إذن الأهمية ذاتها التي تحظى بها الديناميات الاستتبابية متعددة النطاق مما تضمنه لها قوانين الفيزياء والحساب. فعلى سبيل المثال: بخلافنا نحن البشر الذين لا نورث أبناءنا التغييرات الأساسية الجارية في أجسامنا خلال مسيرة حياتنا، ديدان العريضات المستورقة غالبًا ما تتكاثر بالانشطار والتجديد، وهذا يعني أنها تمارس عملية التوريث الجسدي؛ إذ ينتقل كل تحوّل أساسي لا يقتل الخليَّة الجذعية إلى الجيل الجديد، إذ تتكاثر الخليَّة الجذعية للمساعدة على ملء النصف المفقود من الدودة. وتحمل خرائطها الجينية الدليل على تراكم مخلَّفاتٍ تعود لزمنٍ سحيق يربو على 400 مليون عام. لا بد أنها خرائط تعمّها الفوضى إذن. فما زلنا نفتقر لمعرفة التركيب الوراثي الصحيح لديدان دوجيسة جابونيكا- Dugesia japonica، ولذلك ثمَّة اختلاط في الصيغ الصبغية لهذه الديدان، لا، بل إنها لا تملك جميعًا عدد الصبغيات نفسه. ومع ذلك، فالمستورقات كائنات لها البطولة على صعيد إعادة تجديد الأعضاء، فكلَّما تعرَّضت للبتر أعادت التشكيل بصورةٍ مطابقةٍ تمامًا من الناحية التشريحية بدقةٍ متناهية بنسبة 100% رغم فوضى الخريطة الصبغية، وهذا ما يدعوه مهندسوّ الكمبيوتر باستقلالية القطع الصلبة، وإنه من الممكن ضمن مجال تحمّل واسع، تشغيلُ البرمجيات نفسها التي تبني الديدان على قطعٍ صلبة جزيئية مختلفة تمامًا؛ لأنَّ البرمجيات تتمتع بقوةٍ هائلة، وهي مصممة لبناء الناتج واسع النطاق ذاته مهما كلَّف الأمر (من حيث إبلاغ الخلايا المتنوعة بما ينبغي فعله لتحقيق ذلك).
كيف “تتبيّن” الخليَّة “المناسبة” هُويَّة مَن يجب عليها الوثوق به كشريك حياةٍ لها؟ فنحن لا نرى كل خليَّة تقيم الشراكة مع كل خليَّةٍ أخرى من جاراتها. ولذا يبدو أنَّ معضلة السجين ما زالت تطلّ برأسها، فهل ثمَّة نوع من سيرورة “التجربة والخطأ” الداروينية مما هو كامن في أفضل الوصلات العابرة للثغرات للالتزام بها؟ وكيف للخلايا الفردية أن تحدد الطريق التي يجب المضيّ منها؟ يمكن لأكثر الخلايا -على المستوى الخلوي- الاقتران بأكثر الخلايا الأخرى. وما يحدد كيفية حدوث ذلك هو البرمجيات الفيزيولوجية التي تحدد ما إذا كانت الوصلات العابرة للثغرات بين أيّ خليّتين متاحةً أم لا. وتجدر الإشارة إلى أنَّ البرمجيات الفيزيولوجية غير “مترابطة بالأسلاك”، وهي أيضًا ليست “برمجيات ثابتة”، فالوصلات العابرة للثغرات -شأنها شأن الوصلات العصبية- تتمتع بذاكرة وتتأثّر بالحالات السابقة للخلايا.
وكونها موصلات تيار ذات جهد كهربائي، فهي في واقع الأمر ترانزستورات. وإننا نعلم بالفعل مدى قوة الترانزستورات بوصفها عنصرًا أساسيًّا للذاكرة ودارات التغذية الراجعة (الاستتباب الأساسي أو التضخيم) وصناعة القرار المنسقة. للخلايا سياساتها الرامية إلى الارتباط بالخلايا الأخرى استنادًا إلى تشارك العناصر الغذائية وإضعاف السموم -وهي خدعة تعلّمتها من الأجسام الأوّليّة في الأغشية الحيويَّة للبكتريا-، فضلًا عن مشاركة المعلومات التي تمكّن من الارتقاء بمستوى التوقعات، ومن ثَمَّ إحراز النجاح الاستتبابي. وهي في واقع الأمر تتحدّ أمام أيّة معارضة ضمن سيرورة تعرف بالتطبيع، ومن ثَمَّ ستتعرض أيّة خليَّةٍ شاذة فيزيولوجيًّا لمحاولة جاراتها لإعادتها إلى جادة المخطط الفيزيولوجي واسع النطاق، إذ تحاول الخلايا المجاورة باختصارٍ تعديل جهدها عن طريق التوصيلات العابرة للثغرات مثلاً.
لعلَّها حكايةٌ ميكانيكية معقولة، ولكن ألا يتعلّق الحديث برمته حول الذاكرة وصنع القرار والتفضيلات والسلوك الموجّه بالتجسد فحسب؟ قد يودّ كثيرون التمسك برأيهم أنَّ المعرفة الحقيقية تكمن فيما يفعله الدماغ، وأمَّا ما يجري في الكيمياء الحيويَّة فيبدو أنه مجرد القيام بأمورٍ متماثلة. ولعلَّنا نقترح قلب هذه الفكرة المألوفة، فلا تكمن النيّة في تجسيد التكوينات الشكلية، بل في تطبيع المعرفة. ليس ثمَّة شيءٌ سحريّ مما يفعله الإنسان أو أيّ كائن حيّ ذكيّ آخر يفتقر للتاريخ التطوري، إذ يعني تناول التطور على محمل الجد طرح السؤال حول ما بدت عليه المعرفة طوال تاريخها. تحول البيانات الحديثة ضمن مجال المعرفة القاعدية دون إمكانية التمسك بتقسيم مصطنع للمعرفة “الحقيقية” ومعرفة “كأن- as if”، إذ إنَّ ثمَّة سلسلة متصلة نستطيع أن نحدد عليها مواقع جميع الأنظمة الحيَّة (وكثير من الأنظمة غير الحيَّة)، فيما يخصّ مقدار التفكير الذي قد ينتج عنها.
تكوّن الأنسجة والأعضاء والأدمغة والحيوانات والمجموعات مختلف أنواع العقول التي يمكنها إحراز أهداف أكبر.
بينما تتعلّق أكثر الحكايات شعبية حول كيفية تعاون الخلايا لتحقيق أهداف هائلة بالخلايا العصبية، ينبغي لك ألا تنسى أنَّ ثمَّة فارقًا جوهريًّا صغيرًا بين العصبونات وغيرها من الخلايا على اختلاف أنواعها. فإنه لمن المعلوم الآن أنَّ البروتينات المتصلة عصبيًّا والقنوات الأيونية والوصلات العابرة للثغرات على سبيل المثال، قد كانت بالفعل موجودةً لدى أسلافنا من وحيديّ الخليَّة، وكذا كانت تستخدمها الخلايا النشطة كهربائيُّا لتنسيق الأفعال في الحيّز التكويني التشريحي -إعادة النمذجة والتطور- قبل زمنٍ طويل من انضمامها إلى بعضها بغية إدارة نشاطٍ أسرع ضمن الحيز ثلاثي الأبعاد. وإذا كنت تؤيد أنَّ ثمَّة آلية يمكن من خلالها للخلايا النشطة كهربائيًّا أن تمثّل ذكريات الماضي، والحقائق المستقبلية المضادة، والأهداف واسعة النطاق، إذن فليس ثمَّة سببٌ يمنع الشبكات الكهربائية غير العصبية من تنفيذ نسخةٍ سهلة من الأمر عينه لإنجاز الاستتباب التشريحي. وقد أوضح علم تطور السلالات أنَّ العصبونات تطورت من أنواعٍ أبسط كثيرًا من الخلايا، وأنَّ بعض حيل الدماغ محسّنة السرعة قد اكتشفت في زمن الأغشية الحيويَّة البكتيرية على وجه التقريب، (ولعلَّ الحيلة الكبرى تتمثّل في التنامي نحو شبكات يمكنها أن تمثّل باطرادٍ حالاتٍ مستهدفةً أكبر وأوسع، وأن تنسق دارة “اختبر- شغِّل- اختبر- اخرج” عبر الأنسجة. إذن، ما زالت مسيرة المعرفة أشبه بالتسلّق البطيء البعيد كل البعد عن أيّ قفزةٍ سِحرية.
ولعلَّ النقطة المركزية في المنظومات الاستعرافية -وإن كان تنفيذها ماديًّا حتى الحيوانات والخلايا وأشكال الحياة المركبة والذكاء الاصطناعي والكائنات الفضائية المُحتملة- تتمثّل فيما تعرف كيف تكتشفه وتتمثّله كذاكرة، وتتوقعه، وتحدده، وبصورةٍ حاسمة تحاول أن تؤثّر عليه. ولندعُ هذا بالأفق الاستعرافي للنظم. ومن الطرق المُستخدمة في تصنيف النُظم الاستعرافية ومقارنتها -سواءً أكانت نظمًا استعرافية صناعية ومتطورة أو بسيطة أو معقدة- وضع الخرائط الخاصة بأحجام وأشكال الأهداف التي تستطيع أن تدعمها، فتتمثلها وتسعى إلى تحقيقها). ويتكوّن عقل كل وسيط من أحد أنواع الأشكال ضمن الحيّز الافتراضي للأحداث الماضية والمستقبلية الممكنة. وتتحدد درجة حيز هذا الشكل بالمدى الذي يمكن للوسيط خلاله أن يشعر بالأفعال وينفذها، فهل يعرف الأحداث ويتصرّف بغية التحكم بها ضمن مسافة قدرها سنتيمتر واحد أو لعلّها تمتد أمتارًا أو أميالًا؟ أمَّا البُعد المكاني، فيتحدد من خلال العمق الذي يمكن للوسيط أن يتذكّره في الماضي، والمدى الذي يمكن له أن يستشرفه في المستقبل، فهل يمكنه استهداف أمورٍ ستحدث بعد دقائق أم أيام أم عقود؟
لا شكّ أنَّ البشر يحظون بآفاقٍ استعرافية واسعة جدًّا، وهُم يعملون أحيانًا بجدٍ في سبيل أمورٍ ستحدث بعد فترة طويلة من رحيلهم وفي أماكن بعيدةٍ جدًّا. أمَّا الديدان فتصبو إلى أهدافٍ محلية فورية فقط. وما بين البشر والديدان، سنجد مجالًا واسعًا من الوسائط الأخرى الطبيعية والصناعية. وتمثّل هذه الطريقة في تحديد الأفق الاستعرافي للمنظومة نوعًا من التناظر البياني الزمكاني مع الطرق التي تمثّل فيها الفيزياء النسبوية مخروطًا ضوئيًّا للمراقب، بما معنَاه الحدود الأساسية لما يمكن لأيّ مراقب أن يتفاعل معه عن طريق التأثير أو المعلومات. ويُظهِر الشكل رقم “2” أدناه الأمثلة ذات الصِلة. يتعلّق الأمر برمته إذن بالأهداف، فالأهداف الاستتبابية للخلايا المفردة تتراوح حول حجم خليَّةٍ واحدة تقريبًا، ولديها ذاكرة محدودة وقدرة محدودة على التوقع أيضًا. تكوّن الأنسجة والأعضاء والأدمغة والحيوانات والمجموعات -كثيب النمل على سبيل المثال- مختلف أنواع العقول التي يمكنها تمثُّل أهداف أكبر وتذكُّرها وإحرازها. ويمكّننا هذا المخطط المفهومي من النظر في تفاصيل الماضي التي لا صِلة لها بما يخصّ المواد أو خلفية إنشائها، فضلًا عن التركيز على ما هو هام لتكوين وسيطٍ استعرافي على درجةٍ ما من التعقيد، أيّ: نطاق أهدافه. يمكن للوسائط أن تتآلف في شبكاتٍ مرتقيةً بأهدافها المحدودة والمحلية لتغدو أهدافًا أجلّ وأكثر مهابةً تنتمي إلى ذاتٍ موحدة أكبر حجمًا. ولا شك أنَّ أيَّ وسيط استعرافي قد يتكوّن من وسائط أصغر، لكل منها حدوده الخاصة بشأن حجم وتعقيد ما يصبو إليه ويعمل لأجله.
شرح الصورة 2: يجوز أن تتوسع الحدود الاستعرافية للذات من نطاقٍ زمكاني صغير لاستبباب فيزيولوجي أحادي الخلية إلى أهداف تشريحية أكبر لتخلّق الأعضاء من خلال ربط الخلايا عن طريق الوصلات العصبية الكهروحيوية لتكوّن منظومةً مفردة متماسكة. الرسم جيرمي غواي من مؤسسة بيرغرين كرييتيف انك.
إذا استندنا إلى هذا المنظور، نستطيع أن نتصوّر الإسهام الاستعرافي الدقيق للخليَّة المفردة في المشاريع الاستعرافية ومواهب مستكشفٍ يعمل على اكتشاف أراضٍ جديدة، فضلًا عن إسهامها أيضًا في قبيلة المُستكشف التي أمدّته بالتعليم والدعم، وذلك بفضل اللغة، وإسهامها -في نهاية المطاف- في فريقٍ من العلماء وغيرهم من المفكرين ممن يؤلّفون بين معارفهم وخبراتهم الاستكشافية، بفضل الأدوات الجديدة وإسهامها في الكون برمته، بل وفي الفضاءات المجرّدة الرياضية والشِّعرية والموسيقية. وبدلًا من التعامل مع “العبقرية” الإنسانية بصفتها أحد أشكال الصندوق الأسود المصنوع من مواد ذكيّة سِحرية، نستطيع أن نعيد تفسيرها على أنها توسعًا انفجاريًّا لحقيبةٍ من الحيل الميكانيكية، (ولكنها الاستعرافية المكتشفة بالاصطفاء الطبيعي على مدى مليارات السنين. ومن خلال توزيع الذكاء على الزمان -أو عصور التطوّر وسنوات التعلّم والنماء، وأجزاء الثواني الحسابية-، والمكان الذي لا يقتصر على الأدمغة والعصبونات الذكية فحسب، بل يشمل الأنسجة والخلايا الذكيّة والأنزيمات والجسيمات الريبية التي تتولَّى عملية التدقيق؛ سنصبح قادرين على توحيد ألغاز الحياة ضمن رؤية واحدةٍ تخطف الأنفاس.
————————————————————–
1- مايكل ليفين، رئيس قسم فانيفار بوش، وأستاذ متميز لعِلم الأحياء، في جامعة تافتس في ماساشوستس، ومدير مركز آلن للاكتشاف ومركز تافتس لعِلم الأحياء التجددي والنمائي.
2- دانييل دينت، أستاذ الفلسفة في قسم أوستن بي. فلتشر، والمدير المشارك لمركز الدراسات المعرفية في جامعة تافتس. وقد ألَّف ما يزيد على اثني عشر كتابًا، كان آخرها الكتاب الموسوم: “من البكتريا إلى باخ والعكس: تطوّر العقول”، الصادر عام 2017. وهو يعيش في ماساشوستس.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومجلة إيون).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.
