كيف تُغيّر تايجر غلوبال وجه وادي السيليكون؟
تمهيد
تعد التأثيرات التي تتركها شركة التحوط النشطة جداً ""تايجر غلوبال""، والتي تتخذ من نيويورك مقراً لها، أعمق بكثير من تلك التي أحدثها مستثمرون عابرون بأموال طائلة مثل شركة ""سوفت بانك SoftBank"" اليابانية. فقبل سنوات قليلة غيرت هذه الشركة قواعد لعبة رأس المال الاستثماري المغامر فقد بدأت بضخ الأموال بسخاء لتمويل الشركات الناشئة، مما أثار قلق كبار المستثمرين في هذا المجال، وعُقدت مؤتمرات لمناقشة كيف يمكن لرأس المال الاستثماري الصمود أمام استثمارات الشركة؟ ولكن مع مرور الوقت بدأ سحر تلك الاستثمارات يتلاشى، وتجلى ذلك بوضوح في انهيار الاكتتاب العام الأولي لشركة ""WeWork"" في سبتمبر 2019 وهي شركة متخصصة في مشاركة المكاتب، ما أبرز ضعف الاستراتيجية الاستثمارية للشركة.
خطف الأضواء
تتقدم الآن تايجر غلوبال مانجمنت وهي شركة تحوط في نيويورك، تستثمر أيضاً في شركات التكنولوجيا الخاصة، لتصبح اللاعب الجديد، الذي يزعج قواعد اللعبة في وادي السيليكون، فبين يناير ومايو 2021 ضخت الشركة أموالاً في 118 شركة ناشئة، وهو عدد يعادل عشرة أضعاف استثماراتها في المدة نفسها عام 2020، وتضم محفظتها الاستثمارية أكثر من 400 شركة.
أوضحت الشركة للمستثمرين أنها تبحث دائماً عن طرق التسريع دورة استثماراتها، وتخطط الآن لجمع مبلغ إضافي قدره 10 مليارات دولار، وهو مبلغ قد يكون أقل من صندوق ""سوفت بانك"" الذي يبلغ حجمه 100 مليار دولار، ولكنه لا يزال ضخماً مقارنة بمعايير رأس المال الاستثماري المغامر ومن المتوقع أن تترك الشركة بصمة أطول أمداً على وادي السيليكون مقارنة بنظيرتها اليابانية ""سوفت بانك SoftBank ذات الإنفاق السخي.
هناك أوجه تشابه واضحة بين الشركتين، فكلتاهما استثمرت في عملاق التجارة الإلكترونية ""علي بابا""، وغالباً ما يُوصف أسلوبهما الاستثماري بـ""العدواني"" أو حتى ""المجنون""، عندما تحدد الشركتان هدفاً، تنفذان بسرعة عقود الاستثمار، دون قضاء وقت طويل في التحقق التفصيلي.
لماذا تختلف تايجر غلوبال"" عن ""سوفت بانك"" ؟
تتحفظ تايجر غلوبال "" بشدة على مقارنتها بـ""سوفت بانك"". ولها ما يبرر ذلك، فهناك فروقات جوهرية بين الشركتين دخلت ""سوفت بانك مجال استثمارات التكنولوجيا بجدية قبل بضع سنوات فقط، بعد أن بدأت ببيع البرمجيات، ثم توسعت إلى الخدمات الإلكترونية والاتصالات. أما ""تايجر غلوبال"" فلديها تاريخ طويل في الاستثمار، إذ تنحدر من شركة تايجر مانجمنت""، وهي صندوق تحوط ناجح أسسه جوليان روبرتسون Julian Robertson، أحد عمالقة وول ستريت.
استثمرت تايجر غلوبال"" في شركات تكنولوجية رابحة منذ نحو 20 عاماً، بدءاً من الصين ولاحقاً في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كانت من أوائل المستثمرين في شركات مثل ""فيسبوك""، وخلال هذه المدة حققت صناديقها عائداً داخلياً متوسطاً بنسبة 26% سنوياً، أي ضعف ما تحققه صناديق رأس المال الاستثماري المغامر المماثلة.
بخلاف ""سوفت بانك"" فإن تايجر غلوبال "" لا تعتمد على شخص واحد، إذ يعمل شركاؤها وفق استراتيجية منضبطة تهدف إلى بناء محفظة متنوعة من الشركات في أسواق واعدة متجنبين الاعتماد على القرارات العاطفية أو الحدس الشخصي كما أن الشركة لم تثر قلقاً كالذي أحدثته ""سوفت بانك"" عند دخولها وادي السيليكون. يعتقد العديد من المستثمرين في أن ""تايجر"" تمثل قوة إيجابية، إذ تعد مصدراً لرأس المال الذي يساعد شركاتهم على النمو أسرع، أو بدء مشروعات ربما قد تخلوا عنها لولا ذلك.
عوامل نجاح تايجر جلوبال
هناك ثلاثة عوامل ساهمت في نجاح الشركة:
- تسارع صفقات الاستثمار: قبل جائحة كوفيد 19، كانت المفاوضات تتم غالباً شخصياً، مما كان يحد من عدد اللقاءات الإلكترونية، لكن خلال الجائحة فإن الاجتماعات عبر منصة ""زووم"" والمنصات الأخرى لا تتطلب جهداً كبيراً مما يسمح للمؤسسين والمستثمرين بالتحدث مع العديد من الشركاء المحتملين.
- منهجية تقييم الشركات تحاول تايجر غلوبال"" أن تكون أكثر منهجية في تقييم الشركات الناشئة، على الرغم من أن الشركة لا تطلب مقاعد في مجالس الإدارة، إذ تراها مضيعة للوقت، إلا أنها تمتلك معرفة واسعة باستثماراتها بفضل مجموعة متزايدة من المقاييس، التي تستخدم لقياس أداء الشركات، وأنشأت شبكة إنذار مبكر خاصة بها، للتعرف على الشركات الواعدة، فإذا بدأت خدمة عبر الإنترنت في إحدى المناطق - على سبيل المثال - قد يكون الوقت مناسباً لاستثمار أموالها في شركة مشابهة في مكان آخر.
- تغيير العلاقة بين المستثمرين والمؤسسين كان المستثمرون يتمتعون بالسلطة الأكبر في اختيار الشركات التي يدعمونها، مع دخول تايجر غلوبال"" وشركات أخرى تغير هذا التوازن، وأصبح المؤسسون أكثر قوة وثقة في تحديد من يمكنه الاستثمار في شركاتهم.
أثر "" تايجر غلوبال"" في العلاقة بين المستثمرين والمبدعين
أثر ""تايجر غلوبال"" في العلاقة بين المستثمرين والمؤسسين، قد يكون الأعمق على الإطلاق، فهو يعكس تحوّلاً في توازن القوى بين المستثمرين والمؤسسين، في الماضي كان للمستثمرين اليد العليا، وكان مؤسسو الشركات الناشئة يسافرون للحصول على المال والنصائح من أفضل المستثمرين لكن المنافسة من تايجر غلوبال"" وأشخاص آخرين جعلت المستثمرين في وادي السيليكون يضطرون لتقديم شروط أفضل وأكثر سخاء، سواء من ناحية المال أو غيره، وهذا بدوره جعل المؤسسين يشعرون بثقة أكبر، وأصبح السؤال بالنسبة للمستثمرين أقل حول اختيار الشركة الناشئة، وأكثر حول ما إذا كانت الشركة ستسمح لهم بالاستثمار فيها.
خاتمة
في الختام، يظهر بوضوح أن التغيرات في استراتيجيات الاستثمار داخل وادي السيليكون ليست مجرد تعديلات عابرة بل تعكس تحولاً أعمق في توازن القوى بين المستثمرين والمؤسسين، حيث باتت الشركات الناشئة تستفيد من نهج أكثر شمولية ومنهجية، كما هو الحال مع ""تايغر غلوبال مانجمنت"". ورغم أن هذا التحول قد يثير تحديات جديدة، إلا أنه يفتح آفاقا واسعة للنمو والابتكار، مما يعزز دور رأس المال الاستثماري كعنصر محوري في بناء اقتصاد عالمي أكثر مرونة واستدامة.
رؤية مغايرة
بزيادة الأموال المتاحة للشركات الناشئة، قد يصبح التركيز على جذب أكبر عدد من الاستثمارات أكثر أهمية من تقديم نماذج عمل مستدامة أو ابتكارات حقيقية. يشير المقال إلى أن ""تايجر غلوبال "" تعتمد على تسريع الصفقات وتقليل وقت التدقيق، في هذه الحالة، قد تكون الاستثمارات تمت بناءً على تطلعات سريعة للأرباح أو بناءً على أسس غير مستدامة، مثل تقليد نجاحات سابقة دون فحص عميق للظروف المحلية أو آليات السوق. يؤدي هذا النهج إلى إهمال الابتكار الحقيقي والاستدامة الاقتصادية لصالح النمو السريع على المدى القصير مما يجعل الشركات الناشئة أكثر عرضة للفشل عندما تواجه تحديات السوق أو التغيرات الاقتصادية، كما حدث مع شركة WeWork.
الفصل التالي الفصل السابق