دور أكبر لرأس المال الاستثماري المغامر
تمهيد
قبل قرنين كانت الحيتان ذات قيمة عالية بسبب الزيت النادر النفيس الموجود في رؤوسها، وقد أخذ قباطنة السفن في الولايات المتحدة الأمريكية على عاتقهم مطاردتها، وهي مغامرة خطيرة تسببت يفقدان عشرات السفن والأشخاص، وكانت الفرقة المحظوظة التي تعثر على الكنز الثمين «الحوت الأبيض»، تحصل على مكافأة مجزية.
كانت أخطار الخسارة في عملية الصيد كبيرة، ولذا رفض أصحاب البنوك تمويل العملية، فظهرت فئة جديدة وهي وكلاء صيد الحيتان، الذين تدخلوا لتوفير رأس المال لقادة السفن مقابل حصة من الأرباح، وزع الوكلاء رأس المال على مجموعة رحلات، فإذا أخفقت أي سفينة في مهمتها، يعوض غيرها الخسارة، على مبدأ المثل: «لا تضع كل البيض في سلة واحدة» في ذلك الوقت كان هذا النموذج غريباً، لكنه يبدو مألوفاً اليوم.
يركز رأس المال المغامر على الاستثمار في العديد من الشركات الناشئة في الوقت نفسه، رغم أن معظمها قد يخفق، إلا أن النجاح الكبير لأحد المشروعات الناشئة يمكن أن يعوّض عن هذه الخسائر، وهذا ما يُعرف باسم «جاذبية الذيل الطويل»، الذي يشير إلى أن رأس المال المغامر يعتمد على نتائج غير محتملة ولكن عالية العوائد، مثل العثور على شركة ضخمة مثل جوجل أو أمازون.
ازدهار رأس المال الاستثماري
بحسب ما طرحه «جوناثان هاسكل» في كتابه «رأسمالية دون رأس مال» يعود سبب ازدهار رأس المال الاستثماري في طريقة استثمار الشركات، كانت الشركات في الماضي تستثمر في الأشياء المادية الملموسة، كالسكك الحديدية والآلات، أما اليوم فالشركات تستثمر بنحو متزايد في البحث، والعلامات التجارية والبرمجيات، وأخيراً في الذكاء الاصطناعي.
وفقاً للبيانات التي جمعها «لي برانستتر Lee Branstetter» من معهد «بيترسون للاقتصاد الدولي» و «دان سيتشيل» من كلية ويلسلي كان 14-13% من إنتاج الشركات في عام 1980 يستثمر في الأصول المادية في حين كان 9% فقط يستثمر في الأصول غير المادية وبحلول منتصف العقد الثاني من القرن 21، تغيرت هذه النسب: إذ أنفق نحو 14% على الأصول غير المادية، و9% على الأصول المادية.
قد يفسر صعود استثمار الأموال في الأصول غير المادية العديد من الاتجاهات في أسواق العمل، من ذلك توجه الشركات الخاصة للبقاء غير مدرجة في البورصة لفترة أطول قبل أن تطرح أسهمها للجمهور، كما أن هناك زيادة في عدد الاندماجات بين الشركات الحماية الملكية الفكرية، وعدم الالتزام بالقوانين المحاسبية التي قد تكون غير مناسبة الرأس المال غير المادي مثل البحث والتطوير.
ضمانات غير ملموسة
هذا التحول له تأثيرات واسعة أخرى، فالممولون يفضلون وجود ضمانات مقابل الحصول على القروض المالية، لتحصيل قيمة القرض في حال تخلف الدائن عن السداد، وفي هذه الحالة معظم القروض الشخصية مضمونة بعقارات أو سيارات لكن الشركات التي تنتج أصولاً غير مادية ليس لديها مثل هذه الضمانات، مما يجعل من الصعب الحصول على تمويل عن طريق الديون.
الشركات التي تعمل في مجال التكنولوجيا، كشركات البرمجيات، لا تأخذ قروضاً كبيرة مقارنة ببقية الشركات مثل المطاعم، على سبيل المثال : شركات البرمجيات قد يكون لديها ديون تمثل 10% فقط من قيمة أموالها، أما المطاعم يمكن أن تصل ديونها إلى 95% من أصولها، لأن الشركات التكنولوجية غالباً ما تعتمد على مصادر أخرى للتمويل، مثل رأس المال المغامر الذي يقدمه المستثمرون بدلاً من القروض، ومع ذلك إذا كانت هذه الشركات تستطيع الحصول على قروض مضمونة دون بيع حصص من أسهمها) فهي قد تفضل ذلك، لماذا؟ لأن هذا يساعدها على تجنب «تخفيف الأسهم»، أي تقليل حصتها في الشركة، وهو أمر مهم لها وللمستثمرين الأوائل، بعبارة أخرى: تفضل شركات التكنولوجيا الحصول على قروض أو تمويلات أخرى دون الحاجة إلى تقديم حصص (أسهم) في الشركة، لأنها تريد الحفاظ على أكبر قدر ممكن من السيطرة على الشركة.
ومع ذلك يستطيع بعض الممولين التكيف مع هذا الوضع. يقول «غريغ بيكر» رئيس مصرف سيليكون فالي Silicon Valley Bank في سانتا كلارا: نقدم قروضاً للشركات البرمجية ونأخذ ضماناً «الملكية الفكرية للشركة. والتي تشمل الأشياء غير الملموسة، مثل الشيفرة البرمجية (الكود البرمجي) الذي يمكن للشركة استخدامه لكسب المال بمعنى آخر بدلاً من أن يكون الضمان عبارة عن عقار أو شيء مادي، يعتمد المصرف على القيمة التي يمكن أن تولدها البرمجيات من خلال بيعها أو استخدامها في المستقبل لكن هذا يأتي مع أخطار أخرى، على سبيل المثال: إذا كانت البرمجيات قد فقدت قيمتها بسبب تغيرات في السوق أو تكنولوجيا جديدة، قد يضطر المصرف لتحمل الخسائر، وهذا أصعب بالنسبة للمصارف التقليدية، التي عادة ما تفضل الأصول المادية (مثل العقارات أو المعدات)، لأنها أسهل في التقييم والتعامل معها.
خاتمة
يشكل رأس المال الاستثماري المغامر أداة أساسية لدعم الابتكار وتحفيز النمو الاقتصادي في عصرنا الحديث، إذ تزداد أهمية الأصول غير المادية، ومن خلال التركيز على الشركات الناشئة ذات الإمكانات العالية والمخاطر الكبيرة، يساهم هذا النوع من التمويل في تحقيق عوائد ضخمة تتجاوز التحديات التقليدية لتمويل الأصول غير الملموسة، ومع تطور الأسواق المالية وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا، يبقى لرأس المال المغامر دور محوري في تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي. ودعم رواد الأعمال لتحقيق طموحاتهم.
رؤية مغايرة
يبرز المقال أهمية رأس المال الاستثماري المغامر كأداة لدعم الابتكار والنمو الاقتصادي، مع التركيز على الأصول غير المادية كعنصر محوري في الاقتصاد الحديث. لكنه يركز على التكنولوجيا فقط ويُهمل قطاعات أخرى تعتمد على رأس المال المغامر، مثل الطاقة المتجددة والرعاية الصحية. كما أنه لم يتطرق إلى التأثير الاجتماعي لرأس المال المغامر، سواء من حيث خلق الوظائف، أو التأثير على المجتمعات المحلية، أو المسؤولية الاجتماعية للشركات الناشئة التي تحصل على هذا التمويل.
الفصل التالي الفصل السابق