لماذا يتجه خبراء الاقتصاد إلى الثقافة لتوضيح مفاهيم الثروة والفقر
تمهيد
ظهر علم الاقتصاد في القرن الثامن عشر لفهم سبب تحقيق مجموعة قليلة من الدول الثروات هائلة وتفسير ذلك، في حين ظلت دول أخرى غارقة في الفقر، عام 1500 كان أغنى بلد في العالم يتمتع بمستوى معيشي يبلغ ضعف أفقر بلد وبحلول عام 1750 ارتفعت هذه النسبة لتصبح خمسة إلى واحد، ومن هنا ليس من قبيل المصادفة أن أشهر كتاب في مجال الاقتصاد الذي نشر عام 1776 تناول بالبحث «طبيعة وأسباب ثروة الأمم».
سميث وماركس
لفهم الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، ركز خبراء الاقتصاد الأوائل تركيزاً كبيراً على مفهوم الثقافة، وهو مصطلحشامل يضم معتقدات المجتمع وتفضيلاته وقيمه، تناول آدم سميث، مؤلف كتاب «ثروة الأمم»، تأثير الثقافة في تعزيز الرأسمالية أو إعاقتها، وذكر أن بعض المعايير الثقافية ضرورية لازدهار الاقتصادات السوقية، وأهمها أن يسعى الناس لتحقيق مصالحهم الشخصية، ولكن بطريقة تلزمهم بمراعاة احتياجات الآخرين وتلبيتها.
أعرب كارل ماركس عن قلقه من أن ثقافة الاستبداد الشرقي في آسيا كانت تعيق ظهور الرأسمالية في تلك المنطقة. وعلى الرغم من كونه الأب الروحي للشيوعية، فإن اهتمامه بغياب الرأسمالية في آسيا كان ينبع من رؤيته التاريخية لتطور الأنظمة الاقتصادية، إذ كان يرى أن الرأسمالية هي مرحلة ضرورية في التطور التاريخي للمجتمعات قبل الوصول إلى الشيوعية، لأنها (الرأسمالية تخلق البنية الاقتصادية والاجتماعية (مثل الطبقة العاملة الصناعية التي يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى الثورة ضدها وإقامة مجتمع شيوعي، ولذا فإن قلقه من الاستبداد الشرقي» ينبع من اعتقاده بأن الأنظمة الاستبدادية في آسيا كانت تمنع تطور الرأسمالية، مما يعطل المسار التاريخي الذي يؤدي إلى التحول نحو الشيوعية، وفق نظريته.
كانت تأملات سميث وماركس وآخرين في الثقافة غالباً غامضة، إلا أن كتاب ماكس فيبر «الأخلاق البروتستانتية وروحالرأسمالية»، الذي نشر عام 1905، جعل هذه الأفكار أكثر وضوحاً، زعم فيبر أن البروتستانت، وخصوصاً الكالفينيين لعبوا دوراً حاسماً في ظهور الرأسمالية، بسبب أخلاقيات العمل الصارمة التي تبنوها.
في منتصف القرن العشرين بدأت التفسيرات الثقافية تفقد شعبيتها، فقد أدى الصعود السريع للاقتصاد الياباني في خمسينيات القرن الماضي، وبعده اقتصادات النمور الآسيوية إلى دحض فكرة ماركس وفيبر القائلة بأن الثقافة الغربية وحدها مناسبة للتصنيع، في الوقت نفسه أدى تزايد توفر البيانات المستخدمة في التحليل الإحصائي إلى تحويل اهتمام الاقتصاديين نحو مجالات أخرى.
ورغم ذلك ظل الاهتمام بالثقافة قائماً، بل إنه يشهد الآن عودة ملحوظة، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، وفرت قواعد بيانات مثل «استطلاع القيم العالمية والمسح الاجتماعي العام» أدوات تسهل قياس التفضيلات الثقافية وربطها بالنتائج الاقتصادية، وأصبحت المجلات الاقتصادية المرموقة تنشر بانتظام دراسات تتناول أهمية الثقافة، حتى أكثر الاقتصاديين المتشددين أدركوا حدود الاعتماد على التفسيرات الاقتصادية البحتة.
شمال إيطاليا وجنوبها
ربما كان النص الأكثر تأثيراً في إحياء علم الاقتصاد الثقافي هو كتاب «صنع الديمقراطية» الصادر عام 1993 للمؤلف روبرت بوتنام، حاول بوتنام تفسير سبب تفوق شمال إيطاليا اقتصادياً على الجنوب، مستعيناً بمفهوم شامل يُعرف به رأس المال الاجتماعي»، ووفقاً لتحليله كان الناس في جنوب إيطاليا شديدي الولاء لعائلاتهم، لكنهم أكثر انعداماً للثقة تجاه الغرباء، في حين كان سكان الشمال أكثر انفتاحاً على تكوين علاقات مع الآخرين.
أوضح بوتنام أن سكان الشمال يميلون إلى قراءة الصحف أكثر، والمشاركة في الأنشطة الرياضية والجمعيات الثقافية. كما أنهم يصوتون أكثر في الاستفتاءات، ساهمت هذه العوامل في تحسين كفاءة الإدارة المحلية وتعزيز المعاملات الاقتصادية، مما أدى بدوره إلى زيادة الثروة، ومع ذلك لم يحدد بوتنام بدقة الآلية التي تربط هذه العوامل ببعضها.
منذ ذلك الحين طور فريق من الباحثين، معظمهم إيطاليون هذه النظرية للبحث عن تفسيرات ثقافية توضح سبب ازدهار بعض المناطق وفقر غيرها، في ورقة بحثية نشرت عام 2004 بواسطة لويجي جويزو وباولا سابينزا ولويجي زينغالس ركزوا فيها على إيطاليا أيضاً، ووجدوا أنه في المناطق ذات «رأس المال الاجتماعي المرتفع، تميل الأسر إلى تقليل الاعتماد على النقود، وزيادة استثماراتها في الأسهم، وتقلل من الاعتماد على الائتمان غير الرسمي، أما في المناطق التي تضعف فيها الثقة بين الأفراد خارج نطاق الأسرة، يصبحمن الصعب تكوين مؤسسات تجارية كبيرة تستفيد من اقتصاديات الحجم وتدفع بتبني التقنيات الجديدة.
يتجاوز بعض الباحثين حدود إيطاليا في دراستهم للعوامل الثقافية المؤثرة في الاقتصاد، في كتابه ثقافة النمو الصادر عام 2016، يرى جويل موكير Joel Mokyr من جامعة نورث وسترن Northwestern University أن مبدأ «القابلية للتنافس» كان السبب في تطور التصنيع في بعض الدول دون غيرها.
يشير موكير إلى أن منظمات مثل الجمعية الملكية، التي أسست في لندن عام 1660، كانت بمنزلة منصات لتبادل الأفكار، حيث عرض الأفراد اكتشافاتهم وتحدوا بشدة نظريات الآخرين، الأهم من ذلك، وفقاً لموكير، هو أن الهدف من العلوم في أوروبا الغربية التحول مع مرور الوقت من مجرد تكديس حقائق تجريبية بلا هدف إلى التركيز على اكتشافات يمكن استخدامها عملياً في العالم الواقعي.
التفسيرات الثقافية
يبدو أن إحياء التفسيرات الثقافية للثروة والفقر يمثل خطوة منهجية إلى الأمام، ومع ذلك يثير هذا الموضوع سؤالين كبيرين، الأول يتعلق بأصول السمات الثقافية: من أين تأتي ؟ والثاني: لماذا يحقق الأشخاص من ثقافات تبدو متشابهة أحياناً نتائج اقتصادية مختلفة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة بدأ الاقتصاديون يدركون أهمية التاريخ، وبخاصة الحوادث التاريخية.
عن أصل السمات الثقافية تشير بعض الأبحاث إلى أن هذه السمات هي نتاج تغييرات حدثت قبل مئات السنين، ينظر بعض الاقتصاديين إلى الماضي البعيد لشرح الفوارق المعاصرة في الدخل والثروة، وجدت ورقة بحثية نشرت عام 2019 أن الإثنيات ما قبل الثورة الصناعية، التي كانت معرضة لانتشار عال للعدوى، حيث كانت تظهر علاقات قرابة أكثر تماسكاً. أي: إن الناس كانوا مخلصين بشدة لعائلاتهم الممتدة، لكنهم مشككين في الغرباء، في الأماكن المهددة بالأمراض، كانت الروابط العائلية الوثيقة مفيدة، لأنها كانت تقلل من الحاجة إلى السفر، ومن ثم تقليل خطر التعرض للعدوى، الأماكن التي كانت تمتلك علاقات قرابة أكثر تماسكاً منذ مئات السنين تميل اليوم إلى أن تكون أفقر، وهذه العلاقة ظهرت لأول مرة خلال الثورة الصناعية. من جانب آخر نظرت أبحاث أخرى إلى أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن السمات الثقافية المعاصرة هي نتيجة للتنوع الجيني، ولكن هذا يظل مجالاً متخصصاً، ومعظم الاقتصاديين يشعرون بعدم الارتياح عند الحديث عن الجينات.
من جهة أخرى هناك مجال بحثي منفصل يركز على الحالات التي لا تكون فيها الثقافة تفسيراً كافياً للنتائج الاقتصادية على سبيل المثال: حالتا غواتيمالا وكوستاريكا، كتب دارون عجم أوغلو ، وجيمس روبنسون في كتابهما الممر الضيق الذي نشر عام 2019 كانت الدولتان تتمتعان بتاريخ مشابه وجغرافيا مماثلة، وإرث ثقافي متقارب، وكانتا تواجهان الفرص الاقتصادية نفسها في القرن التاسع عشر، ولكن اليوم متوسط دخل المواطن الكوستاريكي أكثر من ضعف دخل المواطن الغواتيمالي في البداية بدا أن السبب وراء هذا التباين كان عشوائياً، وفقاً لعجم أوغلو وروبنسون، لكن في النهاية تبين أن السبب يعود إلى القهوة، في كوستاريكا أدى تطوير مزارع القهوة من أجل السوق الأوروبية إلى علاقة أكثر توازناً بين الدولة والمجتمع، ربما لأن البلاد كانت تمتلك أراضي هامشية أكثر وكان لديها عدد أكبر من الملاك الصغار، أما في غواتيمالا فقد أدى ذلك إلى ظهور حكومة جشعة.
دور البيروقراطية وانتشار الأمراض
بالإضافة إلى الثقافة فإن مجموعة متزايدة من الاقتصاديين تنظر في دور المؤسسات»، وغالباً ما يُقصد بها النظام القانوني والتنظيمات، يعتقد بعض الاقتصاديين الثقافيين أن التركيز على المؤسسات يثبت وجهة نظرهم: فما المؤسسات إن لم تكن نتاجاً للأعراف والقيم والتفضيلات ؟ على سبيل المثال: تختلف معتقدات الأمريكيين والأوروبيين عن أسباب عدم المساواة، وهذا يساهم بنحو كبير في تفسير سبب كون الدول الرفاهية الأوروبية أكثر سخاء من الولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن في العديد من الحالات قد لا يكون ظهور مؤسسات مختلفة مرتبطاً بثقافة الدولة، ففي بعض الأحيان قد يكون الأمر مجرد حظ، يكشف موكير Mokyr أن أوروبا، التي كانت مقسمة إلى العديد من الدول، كانت البيئة المثالية للابتكار: المفكرون الذين تحدوا الحكمة السائدة، وتعرضوا لغضب السلطات، كان بإمكانهم الانتقال إلى أماكن أخرى.
أعمال بحثية أخرى اكتشفت عنصراً آخر من العشوائية، الذي قد يفسر الأنماط المعاصرة للثروة والفقر، وهو البلدان الأكثر عرضة لبعض الأمراض، كانت معدلات الوفيات للمحتلين منخفضة في بعض البلدان المحتلة، مثل نيوزيلندا وأستراليا لأن أنواع الأمراض الموجودة هناك كانت أقل فتكاً، في بلدان أخرى مثل مالي ونيجيريا، كانت معدلات الوفيات أعلى بكثير، لم يرغب المحتلون في الاستقرار في البلدان ذات المخاطر العالية من الأمراض، رغم وجود مصالح لهم في تلك الدول، لذا بدلاً من الاستقرار الدائم، أنشأوا أنظمة تتيح أقصى قدر من استخراج الموارد مع أقل عدد من الجنود على الأرض، الأمر الذي أدى إلى ظهور أنظمة سياسية جشعة مستمرة حتى اليوم.
خاتمة
هل أصبح الاقتصاديون أقرب إلى الإجابة عن السؤال الأساسي في علمهم؟ بعيداً عن اليقين البسيط، الذي كان لدى فيبر يبدو من المحتمل أن سبب بعض البلدان غنية وأخرى فقيرة يعود إلى مزيج معقد من الحوافز الاقتصادية، والثقافة والمؤسسات، والصدف.
رؤية مغايرة
يركز المقال على دور الثقافة في تفسير الفروقات الاقتصادية بين الدول، وعلى الرغم من كونها عاملاً مؤثراً، إلا أن اعتبارها السبب الوحيد للتفاوت في الثروة يمثل تبسيطا مفرطاً، يؤدي إلى تهميش العوامل الاقتصادية والسياسية والبيئية التي تؤثر على التنمية. على سبيل المثال، تجاهل المقال تأثير السياسات الاستعمارية في تشكيل المؤسسات والثقافات المحلية.
ومن جانب آخر، فالأمثلة التي تناولها المقال (إيطاليا) وكوستاريكا) تعزز فرضية المؤلف لكنها لا تظهر الصورة الكاملة لم يتم استعراض نماذج ناجحة تغيرت ظروفها جذرياً دون ارتباط مباشر بالثقافة أو الصدف، مثل كوريا الجنوبية.
