القائمة الرئيسية

كتاب اللغة العربية إلى أين؟ : من عوالِم مُمكِنة إلى مساراتٍ مستقبلية ممكنة ٧/٧

كتاب اللغة العربية إلى أين؟ : من عوالِم مُمكِنة إلى مساراتٍ مستقبلية ممكنة ٧/٧
ملخص الكتاب

يَتناول هذا الجزء من الكتاب[1] حالةَ اللغة العربية في الماضي وحالتها في العصر الحاضر مع نظرةٍ استشرافية لبعض التغيرات المحتملة التي يمكن أن تمرَّ بها في المستقبل القريب. ويَجمع هذا التحليلُ، بعد ملاحظة حالةِ اللغة العربية الآن وكيفية اتصافها بالتنوع والتعدُّد[2]على أبعاد متعددة في الماضي والحاضر والمستقبل، البحثَ في التعدد اللغوي [فيها] (النظرة الاستعادية[3]) مع أفكار دراسة المآلات المستقبلية [لها] (وجهات النظر الاستشرافية[4]) من أجل اقتراح قائمة معدَّلة من الإجراءات لتنفيذ مشروع دراسة مستقبليّة لها. وسوف أدرس اللغة العربية بعد ذلك ضمن هذا الإطار للنظر في التصورات المحتملة[5] لتطوراتها المستقبلية. وثَمَّ هدف إضافي، إلى جانب توقُّع مستقبلٍ مّا للغة العربية، ذلك هو أن أبين الخطوط العريضة لبرنامجِ بحثٍ مستقبليٍّ [أقوم به] سوف يتناول أسئلة التطورات المستقبلية بطريقة أكثر دقة.

الكلمات المفتاحية: تنوع، تعدد، دراسة اللغة مستقبليًّا، اللغة العربية الوسيطة، العولمة، القوة الجاذبة للتغير اللغوي، القوة النابذة للتغير اللغوي، جماعة خطابية، السمت اللغوي.

جَلَسَتْ والخوفُ بعينيها      تتأمَّل فنجاني المقلوب

قالت:

يا ولدي. . لا تَحْزَن       فالحُبُّ عليك هو المكتوب[6]

مقدمة:

يَتقصى هذا المقالُ الحالةَ الحاضرة التي تَمُر بها اللغة العربية مع وجهة نظر تَهدف إلى إعمال الفكر في التغيرات المحتملة التي ربما تَمُرُّ بها (أو لا تمر) في المستقبَلَين القريب والبعيد. ومناقشة مستقبل أيِّ شيء مهمةٌ عسيرة على من لم يتدرب على فنون الضرب بالرَّمْل أو حتى على قراءة الفنجان، وربما تَكون الإجابةُ الأَولى والأكثر معقولية أو الأكثر تواضعًا [في مناقشة المستقبل] هي ""الله أعلم""[7]. ومع هذا، فإعمال الفكر في [التغيرات المحتملة التي ربما تمر بها اللغة العربية مستقبلاً] سؤال مهم؛ إذ الأسئلة عن المستقبل أسئلةٌ عن الحاضر غالبًا، كما أن الأسئلة عن الحاضر أسئلةٌ عن الماضي في نهاية الأمر. فموضوع هذه الدراسة على وجه أدق، إذن، التمعُّنُ في المسارات الممكنة للغة العربية، مصحوبًا بملاحظةِ ظروفها الماضية والحاضرة، في إطارٍ يَستخدم مصطلحاتٍ مجتلبة من دراسات التعدد اللغوي ومن الدراسات المستقبلية للغة كذلك. وهدفي في هذه الدراسة رسمُ الخطوط العامة لبرنامجِ بحثٍ مستقبليٍّ سوف يتناول أسئلة التطورات المستقبلية للغة العربية بطريقة أدق وأكثر جِدِّية.

وسأقدِّم في البدء تلخيصًا عامًّا مختصرًا لحالة اللغة العربية في العصر الحاضر، مشيرًا إلى كيف أنها تتصف بالتنوع والتعدد على أبعاد متعددة، في الماضي والحاضر وربما في المستقبل. وسوف يَمضي النقاش بعد ذلك إلى الكيفية التي ربما يُدخَل بها الماضي في التحليل بالنظر إلى إسهامات البحث في دراسات التعدد اللغوي، وهو الذي يهتم في المقام الأول بتعيين العوامل (البيئية[8] والأحيائية والجغرافية، وغيرها) التي تؤثر في انتشار اللغات الطبيعية وتعدُّدها في الوقت الحاضر. وسأقدم بعد ذلك فكرةَ الدراسات المستقبلية كما هي عند جرادول Graddol (1997)، ثم أَقترح قائمةً معدَّلة بالإجراءات الضرورية لمشروع دراسة مستقبلية، مستصحِبًا بعضَ الآراء الثاقبة التي أسهم بها البحثُ في التعدد اللغوي. وسوف أراجع عددًا من البحوث التي أُنجزت عن مستقبل اللغة الإنجليزية ودورها بصفتها لغة معولَمة قبل أن أنتقل إلى مناقشة المآلات المستقبلية المتصوَّرة للغة العربية ضمن الأطر المقتَرحة.

إطلالة عامة على اللغة العربية الآن: التعدد مقابل التوحد:

ظلت اللغة العربية في العالَم المتكلِّم بها، منذ فترة ما قبل الإسلام، موضوعًا لسيطرة إيديولوجيا تؤكِّد وِحدةَ اللغة العربية وتَجانُسَها (كما تتبين في أشكال اللغة العربية الفصحى وصيغتها المعاصرة التي يُصطلح على تسميتها بـــ""اللغة العربية النموذجية الحديثة"")، على رغم التعدد والاختلاف الواضحين (اللذين يُتجاهلان غالبًا) على مستوى اللهجة. وصارت قضية هذين التنوعِ اللغوي والتعددِ موضوعًا لنقاش حادٍّ عند بعض المهتمين[9] (أي ""الازدواجية"") هيمن على النقاشات عن أيِّ المسارات التي سوف تسلكها اللغة العربية في المستقبل (أو ينبغي أن تسلكها).

يضاف إلى هذه السمة التي المستمرة طويلاً في المجال اللغوي العربي، أن للتطورات الأخيرة في العالم العربي مقتضيات مهمة الآن وفي المستقبل عن الوضع اللغوي المستقبلي في العالم العربي. وأكثر هذه المقتضيات مأساةً النزاعاتُ الأخيرة في سوريا والعراق التي أدت فيها الاعتداءات المقصودة على المدنيين التي ارتكبتْها أطراف النزاعات كلها إلى هجرة الناس من هذه المناطق إلى دول مجاورة، وإلى أوروبا كذلك. ولن نعرف إلا بمرور الوقت كيف سيؤثِّر هذا الانتقال من هذه المناطق على التشكيل اللغوي لهذه المناطق اللهجية التي تعرضتْ لتلك الاعتداءات، وإلى أيِّ مدى سوف تحافظ جماعاتُ المهاجرين العرب المغترِبة من جديد في أوروبا وأماكن أخرى على لغتها وثقافتها.

وأدى التعدد اللغوي، في مناطق أخرى، الذي تمثِّله اللغات غير العربية إلى انفصال بعض هذه المناطق عن الأكثرية العربية في العالم العربي وتأسيس (أو ما يكاد يَكون تأسيسَ) دولٍ لا تتكلم اللغة العربية، كما يشهد بذلك الوضع في شمال العراق (كردستان) وجنوب السودان. وشهدت المغرب، بالطريقة نفسها، تناميًا في الاعتراف بالهوية الأمازيغية واللغة الأمازيغية[10]، وتزايدًا في استخدامها في مجالات كثيرة كانت تسيطر فيها اللغة العربية أو الفرنسية فقط، ويشمل ذلك التعليم العالي. ويمكن أن يضاف، إلى هذا، التأثيرُ المستمر للغة الاحتلال في المجتمع المغربي، والمجتمعَين الجزائري والتونسي كذلك، أي اللغة الفرنسية، التي ما تزال تحافظ على حضور ثقافي قوي رغم محاولات ""التعريب"" المتعثِّرة. وختامًا، تَحضُر اللغةُ الإنجليزية المعولمَة بشكل محسوس في كل قطر عربي تقريبًا، لا سيما في دول الخليج [العربي]، الذي جعل تكاثرُ العمال من جنوب آسيا إضافة إلى التحول نحو التعليم باللغة الإنجليزية، لا سيما في مستويات التعليم الجامعي، اللغةَ العربية تكاد تكون لغةَ أقليةٍ في بلادها. فمن المفيد، إذن، بالنظر إلى تاريخ عمليات التشعُّب والاختلاف اللغوية [في العالم العربي] ومداها، أن نراجع الدراسات الأخيرة عن قضية التعدد اللغوي قبل أن نناقش المآلات المستقبلية المتصورة الممكنة للغة العربية.

نحو إطارِ عمل للتعدد اللغوي والدراسة المستقبلية اللغوية:

من المهم، بالنظر إلى تاريخ التشعب والاختلاف اللغويين ومداهما في العالم العربي، أن نراجع الدراسات الأخيرة لقضية التعدد اللغوي (وجهة النظر الاستعادية)، وكذلك البحوث الأخيرة لقضية مستقبليات اللغة (وجهة النظر الاستشرافية). ومن المستحيل، نظرًا لاعتبارات المساحة هنا، أن نفصِّل كلَّ إسهام في هذين المجالين، لكن الجدول التالي يمثل تلخيصًا وتكثيفًا لهاتين الفكرتين اللتين سنستعملهما إطارَ عملٍ للنظر في مستقبل اللغة العربية[11].

الجدول 1 مبادئ الدراسة المستقبلية (الاستشرافية) والتفرُّع اللغوي (الاستعادية)

1ـــ تحقُّقُ احتمالٍ مّا عكسُ تحديدِه وطولِ الزمن الذي مضى عليه

2ــ التغيرات اللغوية المحددة ـــ المطردة والمعقدة (=5أ)                   تغيُّر محايد[12]

3ــ تنتشر بواعث التغير الاجتماعي الثقافي عبر الجماعة الخَطَابية المعيَّنة (=5ب)                         الانتقاء[13]، الانتقال[14]، الاتصال[15]

4ــ تنوُّع أكبر (تغير نَبْذيّ[16])                                         إرثية[17] مقابل تصنيفية[18]

       أو أقلّ (تغير جَذْبي) (-5ج)                                  غنى المسافة[19]، التساوي[20]

ولن أَتناول المبدأ (رقم 2) المتعلق بــ""التغيُّر اللغوي المحدَّد"" و""التغير المحايد"" في مناقشة التصورات المحتملة التي سأطوِّرها هنا، لأنه لا يمكن التنبؤ بالأنواع الدقيقة للتغيرات اللغوية التي ربما تأتي عبْر التغيرات اللغوية [المحض]. أيْ أن من المستحيل التنبؤ إن كانت بعض الأصوات سوف تفقِد [سمة] الجَهرَ أو أن تُغَوَّر[21] palatalized، وأيُّ صوامت وقفية يحتمل أن تتحول إلى احتكاكية affricates وما أشبه ذلك، بمعزل عن ارتباطاتها الاجتماعية والجغرافية. أما التصورات المحتملة التي سوف أرسمها هنا فسوف تركِّز على المبدأين 3 و4 اللذين يختصان بالعمليات التي تنشأ عن المجتمع والثقافة والجغرافيا.

ولرسم تصورات محتملة لمستقبل اللغة العربية، فمن الضروري، أن نبدأ بتعريف اللغة العربية وتمثيلها بأشكالها كلها، ثم نَلتفت إلى أنواع السرديات التي طورها متكلمو هذه التنوعات ومتعلموها لوصْف اللغة العربية حتى نُرسي الأسسَ لتطوير تصوراتٍ محتملة لمسارات مستقبلية ممكنة.

الدراسة المستقبلية للغة العربية:

فيما تَنحو الدراسةُ المستقبلية للغة الإنجليزية كما تتمثل في مقال جرادولGraddol (1997)  إلى التركيز على  قضية إدامة توسُّع الإنجليزية وتأثيرها المعولَمَين أو تمدُّدهما، تنحو ""الدوالُّ"" motifs في الدراسة المستقبلية للغة العربية إلى العودة إلى الدوال المعهودة تقليديًّا في الخطاب العربي عن اللغة العربية، أي العودة إلى دوالِّ النقاء والوحدة والتنافس مع اللغات الأخرى وإدامة الاستمرار مع الماضي. فيَكشف البحثُ في ""الإنترنت"" عن عبارة ""مستقبل العربية""، مثلاً، مدًى واسعًا من الآراء عن حالة اللغة العربية الراهنة وحالتها المستقبلية. وأكثر أنواع المقالات شيوعًا تلك التي تقول إن نقاء العربية و/أو وحدتها يتهددهما الخطرُ بشكل مّا ــــ من الإنجليزية المعولَمة أو من طغيان العاميات أو منهما معًا، وهما اللذان يَنتجان عن التوسع في استعمال الإنترنت واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي[22]، بل إنها عرضة لخطر الانقراض. (ونجد على الطرف المقابل من الطيف مَنْ يَرون أن اللغة العربية ليست في خطر، بل هي الخطرُ نفسُها ــــــ وينتمي القائلون بهذا القول إلى اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وأوروبا الذين يتراءى لهم الفاشيون المسلمون وراء المحاولات البريئة لتشجيع دراسة اللغة العربية في الولايات المتحدة)[23]. ويرى آخرون أن اللغة العربية لغةُ المستقبل[24]، فيما يرى بعضٌ آخر أنها لغة الماضي. وإحدى الحقائق اللافتة التي لا يلقي لها الذين يَدرسون مستقبل الإنجليزية والعربية بالاً الأهميةُ التي تُضفى على أعداد غير المتكلمين للغةٍ مّا لغةً أولى عند تقديرهم لحيويتها المستقبلية. وصحيح أن اللغة العربية فقدتْ، كما لاحظنا آنفًا، بعضَ مظاهر وجودها من هذه الناحية، لكن المؤكد أنها حافظت على مكانتها بصفتها لغة القرآن والإسلام، وهي تحافظ بهذا على امتدادٍ معولَم، وإن كان امتدادًا من نوع مختلف عن امتداد الإنجليزية المعولمة.

ويأتي توقُّعان مشهوران عن مستقبل اللغة العربية من منظورِ غير المتحدثين بها لغةً أولى (أوردهما أبو حمدية Abuhamdia, 1988, p. 45). فالأول توقُّعُ تشارلز فرجسون (Ferguson (1959, p. 340) وهو ""[أن اللغة العربية ستتطور] ببطء لتتفرع إلى عدد من اللغات [العربية] النموذجية""، والثاني توقعُ ""راي"" (Ray 1968) بظهور عدد من اللغات المتفرِّعة عن اللغة العربية بالطريقة نفسها التي تفرعت بها الفرنسية والإسبانية، وغيرهما، عن اللاتينية[25]. وإحدى وجهات النظر الأخيرة من منظور غير المتحدثين بالعربية لغةً أولى ملاحظةُ بْروستادBrustad (2015)  التي تناقش مستقبلَ اللغة العربية في سياق استعارة ""اللغة العربية في خطر"". إذ تلاحظ، بشكل معقول، أن المَجالين [العربية النموذجية والتنوعات المتكلمة] سيظلان متلازمين، في نهاية الأمر، مثلما كانا كذلك لأزمنة طويلة، وربما تكون هذه أفضل حجة للقول بأن العربية حية وأنها على ما يرام، وأنها ليست في خطر أبدًا"" (pp. 34-35). ووجهة نظر بروستاد هي ما يُصوِّر أكثر من غيره حدوسَ المتكلمين بالعربية لغةً أولى عن هذا الموضوع، وهي أقرب إلى ما سوف أَقترحه في هذا الفصل.

ومن أشهر ما كُتب في فنِّ مستقبليات اللغة العربية المقالُ الذي كتبه [جبران] خليل جبران[26] بعنوان ""مستقبل اللغة العربية"". ونُشر المقال عام 1923م حين لم تكن اللغة العربية (والعرب) قد برزا على المسرح العالمي بالشكل الذي سيبرزان به في العقود التالية، وكانت روح مقاله لَومًا [للعرب] وأمَلاً متحفِّظًا بإحياء اللغة العربية والثقافة العربية في مواجهة الهجوم الحداثي للغات الاحتلال [الغربي] وسياساته. وقدَّم حججَه على أنها جواب عن ستة أسئلة، هي[27]:

1ـ ما هو مستقبل اللغة العربية؟

2ـــ وما عسى أن يكون تأثير التمدّن الأوروبِّي والروح الغربيّة فيها؟

3ــ وما يكون تأثير التطوّر السياسّي الحاضر في الأقطار العربيّة؟

4ـــ هل يعمُّ انتشار اللغة العربيّة في المدارس العالية وغير العالية وتُعلّم بها جميع العلوم؟

5ـــ وهل تتغلب اللغة (العربية الفصحى) على اللهجات العامِّية المختلفة وتُوحِّدها؟

6ـــ ما هي خير الوسائل لإحياء اللغة العربيّة؟

وتتضمن إجابتا السؤالين الأول والأخير فرضيةَ جبران الرئيسية، وهي أن اللغة يجب أن تَكون مبتَكِرة، و(أن يكون متكلموها) مبتكرين وأن تتحلى هي ومتكلموها بالإبداع، وهو الإبداع الذي يجب أن يتحلى به الشاعر ليكون شاعرًا. فالشاعر عند [جبران] هو المُبدع المكتشِف الخلاّق المحبّ للحياة الذي لا يستعير من معاصريه بــ""تقليدهم""، بل هو الذي يَكون خلاّقًا متخيِّلاً أصيلاً في حياته وفي شِعره. ومن الواضح أن مقاله بهذا المعيار حثٌّ للعرب ليُضفوا قيمةً أعلى على الأصالة والإبداع في لغتهم وحيواتهم. فيتضمن المقال، إذن، توسيعًا لبعض الاستعارات عن ""الشعراء"" و""أشباه الشعراء"" التي لم يستعملها [جبران] استعمالاً مطردًا (فهو يستعمل [كلمة] ""شاعر"" أحيانًا وَصفًا لأيِّ مبتكِر، فيما يعني بها أحيانًا أخرى ما تعنيه ـــ أيْ مَن يقرض الشعر). وفيما بدا موقفه كأنه صدى لموقف معاصريه المعهود [الذي مفاده] أن نجاح اللغة العربية مستقبلاً يكمن بشكل يتناقض مع حالها الآن في اقترابها من النجاح الذي حققتْه في الماضي، فهو يفعل هذا ليؤكد حجتَه الرئيسية القائلة بأن نجاحها يكمن في نوع الإبداع الحدسي الذي ميَّز الحضارةَ العربية القديمة، لا في التقليد الأعمى لها.

وربما تتضمن إجابة جبران عن السؤال الخامس (أي: ""هل تتغلب اللغة (العربية الفصحى) على اللهجات العامِّية المختلفة وتُوحِّدها؟"") أكثرَ أجزاء مقاله لفتًا للنظر. ومما يلفت النظر أن [مترجِم مقال جبران إلى الإنجليزية] عدنان حيدر لم يورد هذا الجزء [من مقال جبران] في ترجمته، ومن السهل أن نرى سبب ذلك؛ فقد دافع جبران فيه دفاعًا حارًّا عن اللهجات لكونها مصدرًا للبلاغة ودقة التعبير، وقارَن الشعرَ العامي الحيَّ الذي يقال في مختلف أنواع الفنون الأدبية بالشعر الجاف الميت الذي يصاغ بالفصحى[28]. ويبدو أن فكرته تتمثل في أن اللهجات سوف تحيا بــ""التحامها"" بجسد اللغة (ويمكن أن نفترض أنه يعني الفصحى)؛ كما يصف تصورًا محتملاً ربما تصبح اللهجةُ فيه اللغةَ النموذجية التي تقوم على إنتاجِ عملٍ فني [أدبي] مهم فيها، كما ساعد عملُ دانتي[29] في جعل اللغة الإيطالية [العامية] لغة وطنية مستقلة عن اللاتينية. ويعبِّر جبران عن يأسه من [حدوث مثل هذا بقوله] "". . . لأنّ الشرقّيين[30] أشد ميلاً إلى الماضي منهم إلى الحاضر أو المستقبل، فهم محافظون، سواء عرفوا أم لم يعرفوا؛ ولو نبغ أحدٌ منهم لكان لزامًّا عليه، لكي يُظهر مواهبه، من اتِّباع الطرق البلاغيّة التي سار عليها الأقدمون، وهي أقصر الطرق بين مهد الفكر وقَبْره"". ويبدو هذا التقدير المتشائم نشازًا عن بقية المقال الذي تغلب عليه الإيجابية والتفاؤل، يضاف إلى ذلك أن قدرًا عاليًا من الغموض ظل عالقًا في موقف جبران الخاص عن مستقبل اللهجات مقابل مستقبل الفصحى.

وربما يكون أحد أفضل الأمثلة لما كُتب في الفترة الأخيرة عن الدراسات المستقبلية للعربية [ما كتبتْه جورجينا] أيوب (2002م)، وهو مقال قصير يركز في المقام الأول على وصف مسار اللغة العربية من الماضي إلى الحاضر. وتَقترح الفقرةُ الأخيرة فيه عددًا من التصورات المحتملة المختلفة لمستقبل اللغة العربية:

اتصفت اللغة العربية، في رحلتها خلال القرن العشرين، بسِمتين رائعتين، الأولى: أنها لم تظفر طوال تاريخها بمثل ما ظفرت به في العصر الحاضر من تلاحم قويٍّ بين شكليها المكتوب والمنطوق؛ والثانية أن قوى النمذجة الجاذبة[31] لم تكن يومًا بأقوى تأثيرًا على اللهجات منها الآن. ومع هذا ظل السؤال كما كان دائمًا، وهو: ما الذي ستكون عليه اللغة العربية في المستقبل؟ فإذا غيَّر القرنُ الماضي بشكل معقول أنماطَ الوظائف بين العربية الأدبية واللهجات، وهو وضع دام لأكثر من ألف وخمسمائة عام، فَما تزال أمامها مسارات متعددة محتملة . . . . إذ تفضِّلُ الشروطُ الاقتصادية والعولمةُ اللغةَ العربية الأدبية، وهو ما يجعل وجود لغة مشتركة في رقعة جغرافية مترامية الأطراف أكثر مزايا من وجود لغات متعددة[32].

 

وتستمر جورجينا أيوب بعد ذلك في إثارة عدد من الأسئلة عن مستقبل اللغة العربية التي ربما تكون مهمة لأي معالجة مستقبلية لها:

1ـــ كيف ستكون اللغة العربية واللهجات في القرن الواحد والعشرين ــــ أيْ، ما الذي سيكون عليه موقع الفصحى مقابل اللهجات؟

2ــ هل ستصبح اللهجات لغات [عربية] وطنية للمستقبل؟ ويتصل بهذا، هل يمكن السؤال عن الكيفية التي سيؤثر بها هذا على التعدد اللغوي داخلَ الدولة الوطنية؛ فهل سينشأ عن ذلك تعدد إرثيٍّ أو توحُّد؟

3ـــ هل سيكون شكل من أشكال العربية الوسيطة شكلاً مستقبليًّا لها، أو هل سيستمر تعدد اللهجات سمةً لوضع اللغة العربية الطبيعي؟

4ـــ ما موقع اللغة العربية مقابل اللغتين الإنجليزية والفرنسية المعولَمَتين في المستقبل؟[33]

 

وربما تُوصَل أسئلةُ جورجينا أيوب، بعد ذلك، بمبادئ الدراسة المستقبلية والتعدد اللغوي التي أشرنا إليها آنفًا، في الجدول (رقم 1.( فالمبدأ (رقم 1) أقرب ما يكون إلى قاعدة تقريبية لرسم تصورات مستقبلية محتملة؛ [مثل]: لا تُدقِّق في [تحديد حالِ] تغيُّرٍ مّا، ذلك أنه كلما كان احتمال زمن حدوثه بعيدًا، كان الأقربَ إلى عدم الحدوث. أما المبدأ (رقم 2)، فينبغي، كما لاحظنا من قبل، أن يُخرَج من التحليل الآن، فإذا لم يكن لدينا معطيات أولية محدَّدة عن التغيرات الصوتية التي تَظهر في الوقت الحاضر فلا نستطيع التنبؤ بأنواع التغيرات اللغوية المحدَّدة التي ستَظهر في المستقبل. ومن هنا، تقوم أنواع التصورات المستقبلية التي سوف نناقشها هنا على المبدأين الثالث والرابع اللذين يتعاملان مع مسببات التغير الاجتماعية الثقافية والجغرافية.

ومن المهم أن نوضح ما الذي نناقشه هنا على وجه الدقة، قبل أن نناقش المواقف اللغوية المحددة التي تتميَّز بها العربية وقد تَكون مهمةً في تشكيل مستقبلها. فتُمثِّل أنواعُ الروايات التي سوف نتناولها في القسم التالي المواقفَ اللغوية لمتكلمي العربية وكتّابِها وتُصوِّرَها وتشكِّلَها. والرواية التقليدية عن العربية (التي يدخل فيها استعارات الوحدة والنقاء والتنافس والاستمرار) هي ما يتعلَّمه متكلمو العربية عن لغتهم في المدارس، وهي التي تكوِّن مواقفَهم نحوها، وهي التي تشكِّل سلوكَهم اللغوي بطريقة مّا. ومع ذلك فثَّم نقاط من التناقض بين المثال اللغوي، الذي تمثِّله الفصحى في هذه الرواية، وواقعِ السلوك اللغوي اليومي كما تمثله العاميات. وهذا التضارب بين المثال والواقع هو ما يغلُب على الكتابة عن العربية في الماضي والحاضر والمستقبل. ويُناقض التنوعُ المتسم بالازدواجية، الذي اتصف به الوضع اللغوي العربي منذ ما قبل الإسلام، الروايةَ التقليدية، لكنه يشكل جزءًا مهمًّا منها، ذلك أن النضال نضالٌ في سبيل الوحدة ضد التشتت الذي تمثله اللهجات، وفي سبيل النقاء ضد الفساد الناشئ عنها. وهذا هو السبب الذي يجعل قضية الازدواجية موضوعًا مهمًّا كبيرًا في الدراسات المستقبلية عن اللغة العربية، وهو الذي يهتم دائمًا بمن سيكون ""المنتصر"" في حلبة الصراع اللغوي [الفصحى أم اللهجات؟].

تعريف اللغة العربية: ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً

وجهات نظر العرب ووجهات نظر غيرهم من الضروري، في تناول هذا الموضوع، أن نعرِّف المصطلح الأساسي [فيه]، أي ""اللغة العربية"". إذ تَعني عبارة ""اللغة العربية"" أشياء مختلفة لأناس مختلفين. فلا يمكن أن يَعني مصطلحُ ""اللغة العربية"" لعربيٍّ تعلَّم في ظل التقاليد إلا ""الفصحى""، أي شكل اللغة العربية الذي يعلَّم في المدارس ويستعمل في الكتابة ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والأدب والشعر ""الفصيح""، وهي لغة النحو والنحاة، وأهم من ذلك كله، هي لغة القرآن والعلوم الإسلامية (كالحديث والفقه والتفسير، وغير ذلك). وهي أكثر أشكال اللغة [العربية] بلاغةً، والنموذجُ اللغوي الذي يجب أن يسعى العرب إلى إجادته، حتى وهم يعانون في تعلُّمه في المقررات الدراسية التي تُعلي من شأن المحافظة على الطرق التقليدية [في تدريسه] وتفضيلها على التجديدات التربوية [في طرق التدريس]. ويتعلم العرب هذه اللغة بصفتها رديفًا طبيعيًّا [للهجاتهم] التي تبدو كلُّ واحدة منها قريبةَ الصلة بالفصحى في سماتها المميِّزة ومظاهرها. وتُعرف هذه [التنوعات اللغوية العربية] بـــ""اللهجات العربية"" أو ""العاميات العربية"" (في غياب مصطلح أكثر ملاءمةً وصفيةً لها). ويرى العربي، رغم اختلاف [هذه اللهجات أو العاميات] الواحدةِ عن الأخرى اختلافًا كبيرًا، ورغم اختلافِ كلِّ واحدة منها عن الفصحى، أنَّ ثَمَّ ""وحدةً"" واضحة بينها، وهي تؤسِّس لهوياتهم الوطنية والمحلية والفردية بشكل متماثل. وتمثل اللهجات، عند كثير من العرب، فسادًا لنموذج الفصحى ""النقي"" ــــ ويُنظر إليها على أنها نوع كلامي ""دارج"" لا تَحكمه قواعد نحوية تَجعل شيئًا مّا لغةً حقيقية. أما دارسو اللسانيات من [العرب] فينظرون إلى اللهجات على أنها تنوعات للغة العربية تحكمها قواعد لغوية كما هو الأمر في أي لغة أخرى، ومع ذلك فهم يؤمنون ببرنامج يدعم الفصحى [مثل غيرهم] بصفتها نموذجًا لغويًّا توحيديًّا في مجالات التعليم والإعلام والأدب، والخطاب الجاد. ويرى عرب آخرون، وهم ما يزالون أقلية، أن اللهجاتِ تمثِّل كلامَهم الطبيعي وينبغي تشجيع استعمالها في التعليم والآداب بعيدًا عن الزخرفة اللفظية المكثَّفة في الفصحى. ويمكن أن تشكِّل كلُّ واحدة من هذه المجموعات ""جماعة خطابية""[34]عامة ربما تختلف مكوناتها من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان آخر، لكنها تقوم بصفتها محورًا للهوية ضمن سمتٍ لغوي أكبر. وبهذا فهي جزء من البُعد الاجتماعي والثقافي للغة العربية، وهو ما سوف نناقشه فيما يأتي.

ويمثل مصطلح ""اللغة العربية"" شيئًا مختلفًا جذريًّا عند المشتغلين بدراسة اللغة العربية من ""الخارج"" ـــ أي عند المستعربين الذين يأتون من خلفيات غير عربية غالبًا؛ إذ يعني [هذا المصطلح] عندهم نظامًا لغويًّا يُستَعمل تنوعٌ منه لا يتكلمه أحدٌ لغةً أولى على أنه اللغة النموذجية لدول تَختلف لغاتُها العامية المحلية عن ذلك النموذج اختلافًا كبيرًا، كما تَختلف كلُّ عامية منها عن الأخرى ""من المحيط إلى الخليج"". وكان [تشارلز] فرجسون[35] قد أشاع مصطلحَ ""الازدواجية"" لوصف مثل هذا الوضع، وأسبغ عليه تعريفَه الأول، لكن هذا المصطلح تعرَّض مؤخرًا لنقد اللسانيين الذين رأوا أنه لا يلاحِظ واقعَ عملِ نظام [اللغة العربية] بصورة كاملة، كما انتقده بعض العرب بحجة أنه لا يمثل حدوسهم عن النظام اللغوي [العربي] تمثيلاً دقيقًا كما يستعملونه وكما يقومون بوظائفهم [اللغوية] في إطاره.

وسأحاول، لكي أتفادى بعض هذه المآخذ، تعريفَ مصطلح ""اللغة العربية"" بطريقة تَلحظ وجهتَي النظر كلتيهما، الداخليةِ [وجهة نظر العرب] والخارجيةِ [وجهة نظر المستعربين]، وأتجنَّب إصدار أحكام قِيَمية على إحداهما ([مثل أن] ""الفصحى جيدة واللهجة سيئة"" أو العكس، كما يرى بعض المستعربين). ومن هنا سوف آخذ مصطلح ""اللغة العربية"" على أنه وصْف لنظام لغويّ معقَّد يَشتمل على تنوُّع كبير من الجماعات الخطابية المتغايرة (لكن غير المتمايزة)، وفي داخل كل منها قدر كبير من التنوع من حيث الفضاء الأفقي (الجغرافي) والفضاء الرأسي (بين التنوعات المتكلمة النموذجية والنموذج المكتوب). وثَمَّ قدر كبير من التنوع في النظام اللغوي المعقد نفسه، يختلف من جماعة خطابية إلى جماعة خطابية أخرى، ومن دولة [عربية] إلى دولة عربية أخرى، وداخل كل دولة [عربية] كذلك. وينتمي الفرد في هذا [النظام اللغوي المعقد] إلى جماعات خطابية مختلفة كثيرة، خلال يومه وخلال حياته كذلك، اعتمادًا على السياق وموضوع الحديث. وهذا هو التنوع الذي يميِّز من حيث الدرجة والمدى ""النظامَ البيئي""[36] للغة العربية عن درجة ""النظام البيئي"" الأوروبي المشترك ومداها، لكن يمكن أن نجد أنظمة [لغوية أخرى] تماثل [البيئة العربية] من حيث درجات التنوع في جنوب آسيا (لا سيما في الهند)، وفي الصين، مع بعض الاختلاف.

فالسمة المعرِّفة للغة العربية بصفتها كُلاً لغويًّا في نظر متكلميها لغةً أولى، إذن، أنها تمثِّل ""وِحدةً"" بالرغم من تنوعها الداخلي، أما في نظر غير متكلميها فسِمتُها المعرِّفةُ التنوعُ ـــ أي وجود عدد كبير من التنوعات فيها، المتكلمةِ أساسًا، لكن التنوعات تشمل الشكل الفصيح أو النموذجي كذلك. ومن المهم أن نأخذ وجهتَي النظر هاتين كلتيهما في الحسبان حين نرسم التصورات المحتملة المستقبلية وحين نرسم تمثيلاً لوجهتي النظر كلتيهما، كما في (الشكل1). إذ يمكن أن تمثَّل اللغة العربية في فضاءٍ ثُلاثيِّ الأبعاد على طول ثلاثة محاور يمثِّل كلٌّ منها تنوعًا واحدًا أو تغييرًا واحدًا؛ وهي ""محور ـــ س"" ""الأفقي"" الذي يصف التنوع والتغير عبر الفضاء الجغرافي؛ و""محور ـــ ص"" ""الرأسي"" الذي يصف التنوع والتغير تبعًا للطبقة الاجتماعية والخلفية التعليمية والعمر والجنس؛ و""محور ــــــ ع"" ""الزمني"" الذي يصف التنوع والتغير على طول خطٍّ زمني يمتد من الماضي إلى الحاضر. وتحدِّد المحاور، حين نأخذها بمجموعها، نوعًا من الامتداد الفضائي ـــ الزمني ثلاثيِّ الأبعاد، وتُناظِر الأبعادُ الثلاثةُ ثلاثةَ متغيرات (السكانية والتنوع البيئي والزمن) كما تبيِّنها دراساتُ التعدد اللغوي. وسوف نفحص كلَّ واحد من هذه المحاور لنرى كيف تصوِّر استعارتَيِ الوحدةِ والتنوع، وهو ما سوف يساعدنا على رسم المخططات المستقبلية الممكِنة للغة العربية.

                                                     التنوعات بحسب الطبقة الاجتماعية/التعلُّم

                       الشكل 1: التنوع والتغير على ثلاثة أبعاد ـــ زماني ومكاني واجتماعي

وجهات النظر الاستعادية: على البعد الزمني (""محور ــــــ ع""):

وللغة العربية قصة[37]. وهي حكايةُ بروزٍ سريع، وانتصارات ذهبية، ثم تراجعٌ متسارع إلى الانحطاط، ومُضي سنوات [طويلة] من الصراع في التدحرج على منحدر سقوط اللغات، ثم عودةٌ مظفَّرة توِّجتْ بفوز أحد أبنائها بجائزة نوبل للآداب[38]. وهذه حكايةُ عودةٍ قلَّ نظيرُها ـــ لكن ما معنى هذه القصة على وجه الدقة؟ فهل هي قصة عن ""لغةٍ""، أي ذلك الشيء الذي نجده في كتب النحو أو نسمعه في الخطب الدينية أو غير الدينية ""من المحيط إلى الخليج""؟ وهي كذلك فعلاً، إلى حد مّا، لكن قصة العربية قصةٌ عن العرب كذلك، وهي قصة صاغوها لأنفسهم بصفتها جزءًا أصيلاً من هويتهم عبر القرون.

وتتصف هذه الحكاية، حين ننظر إليها من بعيد، بالتماسك والاستمرار، وهي التي رسَّختْها مؤسساتُ التعليم في العالم العربي، وصُدِّرت إلى متعلمي اللغة العربية في الخارج. أما حين نتمعن في هذه الحكاية من قريب، فهي تشتمل على عدد من القصص داخلَ قصصٍ، أي أنها حكاية لغوية [تشبه حكاية] ""ألف ليلة وليلة"" بمئات الشهرزادات، على امتداد القرون؛ فهي التي عبَّر عن نُسَخها المختلفةِ النحاةُ (كالخليل بن أحمد وسيبويه والمبرد، وغيرهم)، وفقهاءُ اللغة والفلاسفة والأدباء والصوفيون والمؤرخون (كابن خلدون)، والمصلِحون الاجتماعيون المحدَثون، ومتكلموها لغةً أولى، بل هي التي أدلى عدد قليل من المستشرقين بآرائهم عنها كذلك. ويصوِّر تنوع هذه الحكايات تعددَ وجهات النظر عن الشكل الذي ينبغي أن تتخذه اللغة العربية، وهي وجهات نظر حجبتْ ""النسخةُ الرسميةُ [للحكاية]"" حقيقتَها مرّات كثيرة. كما تشير وجهات النظر هذه من جانبها إلى الصراعات داخل الخطاب العربي الإسلامي عبر القرون، لا عن القضايا اللغوية وحسب، بل عن قضايا أخرى، دينية كانت أم سياسية، أم ثقافية عرقية، وغير ذلك. ولا تتصل هذه القضايا التي تثار في هذا الخطاب، نظرًا إلى مكانة [اللغة العربية] لغةً للدين والسياسة كذلك، بالعرب وحسب، أو بالعرب في علاقتهم باللغات الأخرى في محيطهم، بل تتصل بغير العرب كذلك، أكانوا مسلمين أم رعايا لحكومة عربية. كما تتصل هذه القضايا في العصر الحديث بشكل أكثر جوهرية بموقع اللغة العربية (والعرب) في مقابل الاستعمار الغربي وموروثات الهيمنة الغربية الاقتصادية والعسكرية والثقافية لما بعد الاستعمار.

وتتضمن الرواية الرئيسية للغة العربية، التي تطورت عبر القرون وبُعثتْ إبان النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر، أربعَ استعارات أو ""دلائل"" motifs في الأقل أسهمت في صياغة هذه الرواية؛ تلك هي الوحدة والنقاء والتنافس والاستمرار. وتبدأ الرواية باللغة العربية كما تتمثل في ""المعلقات"" قبل الإسلام؛ فقد كانت لغة واحدة، وكانت توحد العرب الذين ينتمون إلى قبائل شتى في ثقافة واحدة. ثم كان نزول القرآن وأداؤه بعد ذلك بهذه اللغة ""البيِّنة"" التي يفهمها العرب جميعًا، ثم استخدامها بعد الفتح الإسلامي لغة للإدارة والأدب، إضافة إلى كونها لغة الوحي. ونتج عن هذا الفتح اتصالها بأمم لا تتكلمها لغةً أولى، وأدت محاولات هؤلاء استعمالَها إلى إدخال الفساد عليها، وانتشارِ ""لحن العامة""، وهو النوع اللغوي الفاسد الذي نشأت عنه اللهجات الحديثة (كما تقول هذه الرواية). ولضمان نقاء اللغة نشأ تقليد نحوي معياري صارم نَمذَج اللغةَ وحفِظها وكان من أهم الدواعي لذلك أسباب دينية تعبدية، إضافة إلى الحفاظ على صحة الأشكال [اللغوية] الشعرية وأدائها للأجيال التالية. وترافق مع تنامي مكانة الشعوب الإسلامية غير العربية مع ارتفاع حظوظ لغاتهم ــــ كالفارسية، ثم التركية فيما بعد ــ مما نتج عنه صراع ثقافيّ وتنافس [بين اللغة العربية و] واللغات الإسلامية الأخرى (في غير المجال الديني) وهو ما أدى إلى ""تَراجع"" مكانة العربية. كما نتج عن هذا تراجعُ قيمةِ رأسمالها الثقافي[39]، بشكل تزامن مع تراجع استعمالها في دوائر الحكام (في الشعر، مثلاً) واقتصار استعمالها على سياقات أَخذت تَقلُّ بالتدريج[40]. ثم ""بُعثِت"" بأشكالها الفصحى بعد اقتحام القوى الأوروبية للبلدان العربية الإسلامية في مطالع العصر الحديث، واستُثمر رأسمالها الثقافي في إنتاج أشكال جديدة من الكتابة والمطبوعات والتعليم غير الديني. وضَمِن هذا الإحياءُ تَرافُقَ الحداثةِ مع التقليد، وهو ما رافقه إحياءُ ""الدلائل"" القديمة؛ أي أن العربية صارت مركزية لفكرة القومية العربية والوحدة العربية، كما ضُمِن نقاؤها اللغوي بتأسيس المجامع اللغوية، إضافة إلى حس قوي بأن اللغة العربية في صراع مع لغات أخرى أو في تتنافس معها، ـــ لا سيما مع لغتَي الاحتلال الأوروبي، الفرنسية والإنجليزية ــ إضافة إلى صراعها أو تنافسها مع اللهجات العامية.

وتَظهر الاستعارات الأربع ـــ أي الوحدة والنقاء والتنافس والاستمرار ــــــ في كل مقال تقريبًا عن حالة العربية في الحاضر والمستقبل، ويمكن أن ترتبط كل واحدة من هذه الاستعارات بواحد من أبعاد العربية التي عرضنا خطوطها العامة آنفًا. فترتبط استعارتا الوحدة والاستمرار بأكثر ما يكون من الوضوح بالبعد الزمني ـــ أي، هذا ما كانت عليه العربية، وما هي عليه الآن، وما ستكون عليه في المستقبل؛ وهو [ما يتمثل في تناوب] التراجع والانبعاث. وتتصل استعارة النقاء بشكل أكثر وضوحًا في الوقت الحاضر بالبعد الأفقي أو الجغرافي ـــ إذ يمثل تطور اللهجات وانتشار استعمالها أكثر التهديدات المباشرة خطرًا على نقاء اللغة، كما يتخذ بعض المحافظين اللغويين توجُّهَ اللغة النموذجية الطبيعي نحو اكتساب السمات العامية دليلاً على التراجع والتلوُّث. ويتصل هذا، كما يلخص ذلك الجدول (رقم 2)، بقضايا المسافة الإرثية مقابل المسافة التصنيفية، والغنى والتساوي. وربما تَظهر استعارة التنافس بشكل أكثر وضوحًا على البعد الرأسي، أي على بُعد الأشكال الاجتماعية الثقافية والنُّظم الإدارية[41]، لا سيما في التعليم والأدب، وهي التي تتصل بعمليات الانتقاء والانتقال والاتصال. وأكبر منافسيْن للغة العربية في مجال الرأسمال الثقافي في العصر الحاضر هما الإنجليزية والفرنسية، لا سيما في مجال التعليم العالي. وتشكل هذه الاستعارات جزءًا مهمًّا من تعليم اللغة العربية، مما يجعلها تساعد في تشكيل مواقف متكلميها نحوها، وهي [المواقف] التي ربما تؤثر من جانبها على المسار المستقبلي للغة العربية.

العربية الوسيطة والمختلَطة: الواقع مقابل المِثال:

يوجد في مقابل المثاليات التي تصورها هذه الرواية الكبرى واقعُ التنوعِ اللغوي الذي يشوش على هذه المثاليات، وظل يشوهها منذ ما قبل الإسلام. والتنوعُ [اللغوي نتيجة لعوامل] اجتماعية ثقافية هو المُمَثَّل في (الشكل 1) على ""محور ــ ص""، أما التنوع [اللغوي نتيجة لعوامل] جغرافية (أي اللهجات) فهو الممثَّل على ""محور ــــ س"". أما التمثيل لهذه الأنواع من التنوع تاريخيًّا فصعب، لأننا لا نمتلك إلا عددًا قليلاً من مصادر المعطيات التي يمكن أن نؤسس عليها ترسيسًا[42] تاريخيًّا موثوقًا [لواقع اللغة العربية التاريخي]. لكنْ ثَمَّ مصادرَ مكتوبة سجَّلت هذا التنوع بشكل من العربية سمِّي ""اللغة العربية الوسيطة"". واستُعمل هذا المصطلح في الإشارة إلى اللغة التي استُعملت في كتابة بعض أنواع النصوص في القرون المتأخرة[43] في الشرق الأدنى/العالم الإسلامي التي تمزج ""الفصحى"" العليا بالأشكال ""العامية"" الأدنى، أو تَستعمل أشكالاً عليا بطريقة تَخرج على قواعد النحو [العربي]. وأحد أفضل التعريفات لهذا الأسلوب من العربية ما ورد عند لنتين Lentin (2008):

اللغة العربية الوسيطة هي اللغة التي كُتبت بها نصوص عربية كثيرة وتتميَّز بطبيعتها المختلطة لغويًّا (وأسلوبيًّا لذلك)، فهي تَجمع بعض السمات الفصيحة وبعض السمات العامية إلى سمات أخرى من نوع ثالث لا فصيح ولا عاميّ. . . وهي تشتمل على مستويات اللغة المكتوبة كلها التي يمكن تعريفها بأنها لا تنتمي بمجموعها لا إلى الفصحى ولا إلى العربية العامية ... فهي تنوعٌ لغوي متوسط بأشكال متعددة، ناتج عن تداخل التنوعين اللذين يمثلان قطبَي التنوعِ على المتواصِل [اللغوي العربي، أي الفصحى والعامية][44].

ودراساتُ اللغة العربية الوسيطة حقلٌ جديد تقريبًا، وتهتم اهتمامًا كبيرًا باكتشاف البنى اللغوية والمظاهر الاجتماعية الثقافية لهذا الشكل اللغوي في العصور المتأخرة[45]. وربما تُبرهِن [هذه الدراسات] كذلك، فيما يخص موضوع البحث هنا، على أنها مصدر للآراء الثاقبة عن الكيفية التي يمكن أن تتطور بها عمليات المزج [بين الفصحى والعاميات] في المستقبل تأسيسًا على سمة المزج في تلك الفترة المبكرة، وإنْ أَوضَحَ ""ميجدل"" Mejdell (2013) حدودَ هذه المقاربة، وأشار إلى أن المعطيات المتكلَّمة المعاصرة أكثر اطرادًا من حيث قلة عدد التنوعات وقلة ""أخطاء الاستعمال""""[46]. ومع هذا فالدليل من اللغة العربية الوسيطة على العمليات التطورية المستقبلية للعربية محدود لعدد من الأسباب الأخرى[47].

ويعود ذلك، أولاً، إلى عدم وجود دليل على أن نوعًا لغويًّا (مما اصطُلح على تسميته بـــ ""اللغة العربية الوسيطة"") كما هو في هذه النصوص كان موجودًا على شكلٍ متكلَّم. فمع أن افتراض وجود هذا النوع المتكلم معقول (Hary, 2012, p. 127)، لكن لا دليل فعليًّا على وجوده. وتأتي الإشارة إلى عدم وجوده ضمنيًّا في تعريف ميجدل لــ ""اللغة العربية الوسيطة"" و""اللغة العربية المختلَطة"" (كما أورده هايجر، den Heijer, 2012, p. 7) وهو التعريف الذي يمكن أن يمثَّل بالشكل التالي (الذي يقوم على تأويلي لتعليقات ميجدل وهايجر):

                             الشكل 2: العربية المختلَطة، وعربية العصور المتأخرة والعربية الحديثة

 

والواضح أن هذا المصطلح غير مستقر، لكن يجب أن نعي النقصَ الكبير في المعطيات اللغوية ذات الصلة باللغة العربية الشفهية قبل العصر الحاضر، مهما كان الشكل الذي سيتخذه هذا المصطلح في نهاية المطاف.

وتتمثل النقطة الثانية الأكثر أهمية التي يجب تبيينها فيما يخص أهمية اللغة العربية الوسيطة للتفكير عن التصورات المحتملة لـ""اللغة العربية في المستقبل"" في أثر الحداثة المهم على الوضع اللغوي في العالم العربي، وهي التي غيَّرت طبيعةَ اللغة العربية الوسيطة تغييرًا جذريًّا في العصر الحديث. ويتصل هذا بالطريقة التي أثَّرت بها الحداثة على اللغة العربية من حيث التعدد اللغوي (حيث يُقصد بـ""التعدد"" ما يتصل باللغات غير العربية، ووسائل التواصل، وتعميم التعليم الإلزامي). فقد شهد العصر الحاضر توسعًا في التعدد اللغوي في العالم العربي، إذ تزايد التعدد اللغوي في البلاد العربية (البربرية والتركية والفارسية قديمًا)، إلى فترة الاحتلال (الحديثة) وما تلاها ([حيث اللغات] الفرنسية والإسبانية والإنجليزية)، ثم إلى فترة العولمة (الحديثة) (مع اللغة الإنجليزية في المقام الأول). وتركت هذه اللغات الاستعمارية والمعولَمة على العالم العربي أثرًا هائلاً، وأبعد من أي شيء شهدتْه الفترة ما قبل الحديثة. ودخلت الإنجليزية والفرنسية، على الأخص، في التنافس مع اللغة العربية (بل إنهما تجاوزتاها في بعض البلدان العربية) من حيث كونها اللغة المفضلة للتعليم، وهو التنافس الذي أدى، من جهته، وبشكل معاكس، إلى ازدياد الولاء العالي الذي يوليه العرب للفصحى، بصفتها أداة لتحجيم التأثير الأجنبي.

وثالثًا، لا يمكن التقليل من التأثير الذي نجم عن تطور وسائل التواصل الجماهيري على اللغة العربية الحديثة، بدءًا من وسائل الإعلام المكتوبة (كالصحف والدوريات والمجلات) في القرن التاسع عشر إلى وسائل الإعلام المسموعة والمرئية (كالراديو والتلفزيون) منذ أواسط القرن العشرين إلى نهايته، ثم وسائل إعلام البث الفضائي المباشر والإنترنت مع بداية القرن الواحد والعشرين. وتركتْ كلُّ مرحلة من تطور وسائل التواصل الجماهيري هذه أثرًا هائلاً على المعادلة اللغوية في العالم العربي، من حيث توسُّع تأثير الفصحى سمةً للنمذجة اللغوية ومن حيث مدى هذا التوسع، ومن حيث توسع تأثير بعض اللهجات ومداها (أثر اللهجة المصرية في البداية ثم اللهجة السورية ــــ اللبنانية، وأثر اللهجات النموذجية الكبرى كلها، أخيرًا)[48]. وأعود إلى القول بأن ثَمَّ تناقضًا في هذه السمة كذلك، إذ كانت وسائل الإعلام الجماهيرية هي الوسائل التي برهنتِ الفصحى من خلالها على إمكان أدائها وظيفتَها وسيطًا حديثًا للتواصل (لا سيما في نشرات الأخبار والتعليق عليها)، فيما صارت وسائل الإعلام، في الوقت نفسه، الوسيلةَ الرئيسية لنشر التعبير الإبداعي الذي يصاغ بالعاميات. لذلك ربما تَكون وسائل الإعلام المصدرَ الذي يمكن أن نجد فيه أوضح الإشارات على مستقبل اللغة العربية الذي سيتحقق خلال القرن القادم.

ورابعًا، ربما كان لتعميم التعليم الإلزامي في العالم العربي في العصر الحاضر أكبر الأثر على إنتاج حداثة لغوية عربية، وهي التي يمكن أن نراها بأوضح ما يكون في الزيادة الهائلة في نِسب التعلُّم التي تتجاوز أي شيء كان يمكن تخيُّله في الفترة ما قبل الحديثة. وتحقق هذا على رغم استمرار وجود جيوب من الأمية (تقوم أساسًا على الجنس و/أو الطبقة) في بعض البلدان العربية، وعلى رغم أوجه القصور في تعليم اللغة العربية التي يُشعر بها (وهي أوجه قصور فعلية)، وعلى رغم الأثر الذي تتركه منافسةُ التعليم بالإنجليزية والفرنسية للتعليم الذي يقوم على اللغة العربية.

وتتداخل كلُّ سمة من سمات الحداثة هذه مع كل سمة من السمات الأخرى لتَعمل مجتمعةً في جعل اللغة العربية الحديثة، بشكليها ""الوسيط"" و""المختلط""، مختلفةً عما كانت عليه في الفترة ما قبل الحديثة، على رغم بعض السمات اللغوية المشتركة أو العامة بين الفترتين. فمن المستبعد، مثلاً، أن يَكون شكل التنوع الذي نجده في كلام المتعلمين الشفهي في العصر الحاضر، الذي يقوم على الموضوع والسياق والمشارِكين في المحادثة، وغير ذلك، موجودًا أو شائعًا في العصر ما قبل الحديث. ويمكن، بالنظر إلى هذه الحقائق، أن نمثل هذا الشكل من التنوع اللغوي في (الشكل 3) أدناه، وهو تعديل لتمثيل ميجدل ودِن هايجر، الذي كنا أوردناه في (الشكل 2):

                    الشكل 3 العربية المختلطة، والعربية ما قبل الحديثة، والعربية الحديثة، معدَّل

 

والواضح أن وظيفة أيِّ شكل من العربية المختلطة أو الوسيطة سوف تكون أساسيّةً لتحديد مستقبل اللغة العربية. أما في الوقت الحاضر فلا يوجد في المصادر ما قبل الحديثة ما يكفي من الأدلة التي يمكن أن تُستخدم للبرهنة على ماهية الشكل الذي سوف تتخذه في المستقبل. وسوف نعود إلى قضية اللغة العربية الوسيطة أو المختلطة عند نقاش البعد الاجتماعي الثقافي للعربية فيما يأتي.

                                الشكل 4 التنوع والتغير ـــ من التغير الزماني إلى التغير المكاني

 

وجهات النظر السائدة: من المحور الزمني إلى المحور الجغرافي:

 يحدِّد تقاطعُ ""المحور الجغرافي ــ س"" مع ""المحور الزمني ـــ ع""، في (الشكل 4)، ""منطقةً لهجية""، مع ملاحظة أن اللهجات تتواصل بما يشبه تدرُّجًا يمكن فيه أن تَعزل بعضُ خطوط التحديد اللهجية[49] منطقةً عن منطقة أخرى، مع وجود سِمات أخرى كثيرة لا تتوافق مع هذه الخطوط. فإذا استخدمنا فكرةَ أن الفصحى تمثِّل ""اللغةَ الأم"" (ع(0 للهجات (منظورًا إليها على أنها أصل تاريخيّ غير مباشر للهجات لا الأصل المباشر لها)، فيمكن أن يُنظر، إذن، بشكل مثمر إلى كل لهجة على أنها ""عالَمٌ ممكِنٌ"" أو ""عالمٌ بديل"" (أي تلك التي تمتد من ع1 إلى ع5 في الشكل 4)[50] مشتق من الحقيقة الأولى للغة التي تمثلها الفصحى.

فاللهجات، إذن، ""عوالمُ ممكِنة"" تحققتْ كلُّ واحدة منها في العصر الحاضر وتاريخيًّا، حتى إن ظلت ""الحقيقة"" الأصلُ على شكلها تتغير تقريبًا (انظر النقاش عن ""الزمن الخالد"" فيما يأتي). وكان القصد من فَرْض الفصحى[51] في القرن التاسع عشر إحياءَ نقاء اللغة الأصلية لصد طوفان التلوث الذي مثلته اللهجات بإحلال الفصحى مكانها، وهو ما سيعمل من جهته على تقوية وحدة العالم العربي. ويمثل هذا، بمعنى مّا، التخطيطَ الأصلي الذي اقترحتْه التقاليدُ [العربية] للتصورات المستقبلية للغة العربية. ومع أن هذا التصور لم يتحقق بعدُ، فقد تحقق فيه تقدم كبير، كما أن الأثر الذي نجم عن التفصيح [اللغوي] على العالم العربي واضح لا مراء فيه.

أما المناطق اللهجية فمتغيِّرة وتَحُدُّها خطوطُ حدودٍ لهجيةٌ مختلفة، ويُنظر إلى بعضها على أنها محدِّدات مهمة للهجات الإقليمية، وهي نتيجة للعمليات الاستعادية التي ينتج عنها التعدد الذي ناقشناه آنفًا؛ أي [عمليات] الانتقاء والانتقال والاتصال اللغوي التي نتجت عنها نِسَبٌ متفاوتة من التعدد الإرثي أو التصنيفي والغنى والتسويات. وتؤثِّر الدول الوطنية تأثيرًا كبيرًا على الوضع [اللغوي العربي] السائد، وهو تأثير ينتج عن تحديدها لهويتِها بحدود لا تتماشى دائمًا مع خطوط الحدود اللغوية لكنها ربما تؤثر على مستوى المحاور الجديدة التي تقوم عليها عمليات الجذب التي تعمل على تسوية[52] اللهجات واستبدالها، إضافة إلى تأثير أنظمة التعليم المركزية فيها.

وثَمَّ وضعان يعملان في الوقت الحاضر ينتج عنهما نتائج متعاكسة، ويتصلان بانتقال السكان. والوضع الأول هو انتقال سكان الأرياف إلى الحواضر، سواء أكانت العاصمة أم منطقة حضرية كبرى غيرها. وينحو هذا النوع من الانتقال إلى التقليل من التعدد الإرثي ــــ أي تسوية اللهجة باتجاه اللهجة الحضرية ـــ ويترافق معه انحسار في غنى التعدد أو درجته. يضاف إلى ذلك تراجعٌ في تسوية اللهجات المختلفة حين تهيمن لهجات حضرية قليلة في نطاق الدولة الوطنية. وثَمَّ أوضاع أخرى يكون فيها عدد النازحين من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية كبير جدًّا مما يؤدي إلى اكتساب اللهجات الحضرية بعضَ السمات من اللهجات الريفية. ويمكن أن نلحظ هذا الوضع في القاهرة، وربما تكون ظاهرةً مؤقتة لكنها ربما تترك أثرها في الأجيال القادمة.

ويتصل النمط الثاني من الانتقال الذي يمكن أن يلاحَظ في الوقت الحاضر (أو منذ أواسط القرن التاسع عشر في الأقل) بانتقال السكان نتيجة للصراعات أو الحروب، تلك التي حدث أكثرها في سوريا والعراق في الماضي القريب. وربما تَنتج عن هذا النمط من الانتقال نتيجةٌ معاكسة لما ينتج عن نمط الانتقال السابق، أي أن ينشأ تعدُّدٌ إرثي أكبر في الدول العربية التي ينتقل إليها السكان هربًا من الصراعات. وهذا وضع غير مستقر عمومًا وسوف تتوقف تأثيراته على استمرار الصراع، وإن كانت تأثيراته الطويلة مهمة احتمالاً. وأحد الأمثلة التي استمر فيها هذا النوع من الوضع طويلاً حالةُ الفلسطينيين الذين هربوا[53] من فلسطين أو طردوا منها بعد قيام إسرائيل. فقد ظل اللاجئون الذين عاشوا في المخيمات ولم يُدمَجوا في المجتمعات المضيفة عمومًا، وهو ما حدَّ من تأثيرهم اللغوي عليها، بينما تَرك الذين دُمجوا في بعض المجتمعات، كما في الأردن، أثرًا واضحًا مستمرًّا على اللهجات المحلية [الأردنية].

كما يمكن أن يؤدي وضعُ اللجوء إلى أوضاع اتصال لغوي. إذ ربما يَترك هذا الوضع تأثيرًا مهمًّا على لهجة بلد المنشأ، اعتمادًا ــــ مرة أخرى ــــ على طول فترة النفي، وعلى عدد الذين يعودون بعد انتهاء الصراع. وربما يكون الوضع اللبناني خلال الحرب الأهلية وما بعدها من 1975 إلى 1990م أحد الأمثلة لهذا. فقد نزح عدد كبير من اللبنانيين أثناء الحرب إلى أوروبا، لا سيما فرنسا، أو الولايات المتحدة، ورجع كثير منهم ليعيدوا تعمير لبنان بعد الحرب. وربما يعود جزء كبير من الوضع اللغوي الحالي في لبنان (حيث تتنافس الإنجليزية والفرنسية على التفوق على العربية، في المستويين اللغويين الفصيح والعامي) إلى تجربة عودة المنفيين وتأثيراتهم. وثَمَّ نمط آخر من التواصل اللغوي نتج عن التأثير الدائم لِلغات الاحتلال كالفرنسية في دول المغرب العربي والشام، وضغوط ظاهرة العولمة المهيمنة التي تمثلها اللغة الإنجليزية المعولمة. وسوف يكون تأثير هذه الأنواع من الأوضاع ـــــ أي، الانتقال واللجوء والاتصال اللغوي (عبر النزوح والعودة أو متطلبات العولمة) ـــــ مختلفًا من حيث النوع والدرجة تبعًا للمنطقة اللهجية (المحدودة بحدود الدولة الوطنية عمومًا). وفيما يلي نظرة مختصرة على بعض العمليات الأخيرة التي حدثت وما تزال مستمرة في عدد من الدول العربية.

فقد شهدت المغرب شيئًا من تسوية اللهجات في أواخر القرن العشرين، لكن ثَمَّ عددًا من المناطق الحضرية المهمة التي أَغرت النازحين بالانتقال إليها، وهي التي تسود فيها لهجات متمايزة، وأدى هذا، احتمالاً، إلى اختلاف الشعور بقوة التعدد الإرثي فيها عن المناطق الأخرى. ويبدو المغرب عمومًا مجتمعًا قارًّا متنوعًا تصنيفيًّا نتيجة لتأثير الفرنسية المستمر وتنامي تأثير الإنجليزية والحضور المتزايد للغة الأغلبية، أي الأمازيغية[54]. كما تتصف الجزائر بتعددٍ إرثي وتصنيفي قار ومستمر (وهو يتمثل بالفرنسية واللهجة الجزائرية [العربية] والأمازيغية/التامازيغية)، والآثار الباقية التي تركتها فترة طويلة من الهيمنة الثقافية الاحتلالية الوحشية واستمرار الروابط بفرنسا عبر الهجرة والنزوح إليها. وتَرك مشروع التعريب غير الفعال نتائج مختلطة، ويبدو مرة أخرى أنها مجتمع مستقر إلى حد بعيد ومتنوع تصنيفيًّا وسوف يستمر على ذلك في المستقبل القريب. وشهدت مصر هجرة كبيرة للسكان من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية في أواخر النصف الثاني من القرن العشرين، وبلغت هذه العملية حدًّا من الضخامة نتج عنها نوع من ""ترييف"" اللهجات الحضرية، لكنها أدت بصورة رئيسية إلى تسوية لهجيةٍ باتجاه اللهجة الرئيسية، أي لهجة القاهرة. وهذه الظاهرة شفهيةٌ أساسًا، لكنها ربما تتطور نحو ""عربية وسيطة [مكتوبة]"" جديدة[55]. كما شهدت مصر في الفترة نفسها إنتاجًا كبيرًا جدًّا من المواد المنشورة بالعامية، وأكثر من ذلك لفتًا للنظر أنها باللهجة القاهرية، وباللهجة الصعيدية كذلك (بتأثير الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، في المقام الأول).

وشهدت العراق ما يكاد يكون تفككًا للدولة الوطنية نتيجة للغزو الذي قادته أمريكا [عام 2003م]، والصراع الطائفي المستمر، مما أدى إلى هجرات جماعية نحو الداخل ونحو الخارج كذلك، وهو ما لم تتضح تأثيراته إلى الآن. وتُبيِن اللهجاتُ العراقية في الوسط والجنوب تاريخيًّا عن تأثير التواصل اللغوي مع الفارسية، وربما يزيد هذا في المستقبل إن استمر الانشقاق السني ــــ الشيعي لفترة طويلة. وتشهد دول الخليج العربي تأثيرَ التواصل اللغوي على مدى أجيال الآن، وكان ذلك في أول الأمر بسبب جذبها العربَ الباحثين عن العمل من دول عربية أخرى، وهو ما أدى إلى ظهور أوضاع ""لهجةٍ في وضعِ تواصل""، كما أسهمتْ إسهامًا مهمًّا في نشوء شكل من العربية الوسيطة، وهي التي ربما تَكون شكلاً من لغة عربية نموذجية حديثة للمتعلمين. ثم هيمنت الإنجليزية في بعض قطاعات الاقتصاد والمجتمع بعد أن صارت المنطقة جاذبة للعمال من جنوب آسيا للعمل في الأعمال المهنية الدنيا أساسًا مع جذبها لبعض الموظفين المَهَرة، وجذبها في فترات تالية جاليةً كبيرة من الأوروبيين والأمريكيين للعمل في القطاعات المالية والسياحية. وبدا أن اللهجات المحلية [في منطقة الخليج] قد غرقت في هذا الخليط، لكن ثَمَّ قنوات رسمية أخذت تشجع الشعر الشعبي الذي يقال باللهجة المحلية الخالصة.

ولم أقصد بهذا كله أن يكون مراجعة كاملة ونهائية لكل دولة وطنية [عربية]، فقصدي الأولُ أن أُبيِّن ما يؤشِّر إلى تنوع واسع من الأوضاع اللغوية في العالم العربي في العصر الحاضر، ولكل واحد منها مساره الخاص به.

البعد الاجتماعي الثقافي: على المحور الرأسي (""محور ـــ ص"")

يمثل (الشكل 5) تمثيلاً مبسَّطًا ما يمكن أن يَكون أكثرَ الأبعاد تعقيدًا في المجال البيئي اللغوي العربي، وهو البعد الاجتماعي الثقافي، الذي يمثِّله ""محور ــــــ ص"". وقَصدتُ بالشكل أن يمثِّل أنَّ لكل منطقة جغرافية (""محور ــــ س"") سمتًا لغويًّا خاصًّا بها، وهي النتيجة المتراكمة للعمليات التاريخية (""محور ــــ ع""). ويعرَّف المصطلحُ ""سمت""، المستعار من الدراسات البيئية، بأنه البيئة الطبيعية التي يعيش فيها نوعٌ أحيائيٌّ معين من الحيوان أو النبات وتحيط به. ويعرَّف سمتٌ لغويٌّ مّا بأنه ""النظام البيئي اللغوي"" الذي يعيش فيه المتكلم. وهو مجموع ما في البيئة اللغوية التي تحيط بجماعة من المتكلمين، أي: الجماعة اللغوية. وربما يُنظر إلى سمت لغويٍّ مّا بأنه كلُّ ما يوجد في جماعة لغوية مّا، ويشمل ذلك قوائمَ الأشكال اللغوية والسياقات الاجتماعية والبقايا التاريخية، إلى آخر ذلك، التي تَكون في متناول الجماعة اللغوية[56]. وتعيش جماعة لغوية في سمت لغويٍّ، وهو الذي يَشمل، نفسُه، عددًا كبيرًا من الجماعات الخطابية لكنها متداخلة. وتعرَّف الجماعة الخطابية بأنها أساسًا جماعة من الأفراد الذين يتفاعلون بشكل دائم تقريبًا ويشتركون في أهداف واحدة وانتماءات واحدة وهويات واحدة، ويميلون لاستخدام اللغة استخدامًا متماثلاً. وتمثل هذه الجماعة، بموجب المبدأ (رقم 3)، الوحدةَ الأساسية لنشر التغير اللغوي، وهي، بموجب المبدأين 5(أ) و5(ب)، إحدى المرتكزات التي تقوم عليها مستويات التغيير في الاستعمال والوظيفة الاجتماعية، وهي مؤشر مبكر على التغيرات الكَمية كذلك. وسوف أناقشها بشكل أكثر تفصيلاً في القسم الثالث التالي.

                                 الشكل 5: تقاطع المحور الاجتماعي مع المحور الجغرافي

 

ويعرَّف سمت لغويٌّ مّا أولاً وقبل أي شيء بِسِماته اللغوية ـــ الصواتية والصرافية والمعجمية ـــ التي تجعله شكلاً مختلفًا عن بعض السموت، ومماثلاً لسموت أخرى. والمغرب أحدُ الأمثلة لسمت لغويٍّ معقد في العالم العربي، حيث يوجد فيها عدد من اللهجات العربية المناطقية المختلفة (""سموت فرعية"")، وأغلبية أمازيغية (غير عربية) مصحوبة بوعي عرقي ثقافي وسلطة[57]، ولغة معولمة مهيمنة هي الفرنسية، إضافة إلى منافسةِ لغةٍ معولمة أخرى لها هي الإنجليزية، لا سيما في النظام التعليمي، ويعلو ذلك كله الفصحى بسلطتها الثقافية. ويختلف السمت اللغوي في مصر اختلافًا كبيرًا عنه في المغرب؛ فمع أنَّ في مصر عددًا من اللهجات المناطقية المختلفة المتمايزة فقد سبقتْ معظم الدول العربية في إضفاء الشرعية على اللهجة القاهرية ""لهجةً نموذجية"" في كثير من المجالات الاجتماعية والثقافية المختلفة (كوسائل الإعلام المسموعة والأفلام والأغاني، إضافة إلى المطبوعات (على شكل مسرحيات غالبًا، إضافة إلى عدد قليل من الروايات أو القصص القصيرة) ـــ وربما يفوق عددُ المطبوعات باللهجة المصرية ما يُنشر [باستخدام اللهجة] في أي منطقة لهجية [عربية] أخرى). وما تزال الفصحى مهيمنة رسميًّا، في مجال التعليم، على رغم أن استعمال العامية الشفهية، من حيث الممارسة هو المألوف، في الأوضاع التعليمية حتى مستوى التعليم الجامعي. وأخيرًا فتأثير الإنجليزية بصفتها لغة معولمة قويٌّ إلى حد بعيد في مصر (انظر Sayed, 2006, pp. 95-98) لكنها لم تصل إلى مستوياتها في بعض الدول العربية الأخرى، كدول منطقة الخليج العربي (انظر Tucker, 2014, 182).

ويمكن أن تحدَّد السموتُ اللغوية والجماعات اللغوية التي تعيش فيها على مستويات مختلفة من التدقيق، بدءًا من أعمِّ المستويات (حيث تمثِّل اللغة العربية بمجموعها سمتًا واحدًا كبيرًا) إلى أدقِّها تحديدًا (مثل منطقة لهجية تحيط بقرية مّا في صعيد مصر). ويُنظر إلى هذه السموت غالبًا على أنها في موقع بينَ بين، أي إنها تتراوح بين مناطق لهجية متمايزة داخل الدولة الوطنية الواحدة، ومنطقةٍ تشمل الدولة الوطنية كلها، وانتهاء بمستوى منطقة لهجية تغطي [العالم العربي] بأجمعه. وسوف تَفحص هذه الدراسة السموت اللغوية العربية على مستويين مختلفين، يجذب كلُّ منهما مسارَ العربية في اتجاه معاكس؛ أيْ على المستوى الكبير (النظر إلى العالم العربي بمجموعه)، وعلى المستوى الأضيق (التعامل مع الجماعات الخطابية داخل كل سمت محليٍّ). ويتصف هذا الجذب، على المستوى الكبير، أي مستوى خطاب العروبيين الوحدويين والإيديولوجيا، بأنه عامل جَذْبيّ، فهو يَدفع مساراتِ السموت العربية المختلفة نحو تفاهم لهجي أكبر، ونحو استعمالٍ أكبر لأشكال اللغة العربية النموذجية ـــ أي نحو إنقاص التعدد الإرثي. أما على المستوى الأضيق (أي مستوى الجماعات اللغوية المحلية) فيتصف الجذب بأنه نَبْذيّ، أي أنه يدفع نحو تزايد التعدد الإرثي، ونحو قدر أقل من التفاهم بين اللهجات، ونحو استعمالٍ أقل للأشكال العربية النموذجية أو عدم استعمالها إطلاقًا.

وتشتمل كل دولة عربية على سمت لغوي أو أكثر يحوي قائمةً مختلفة من أنماط الكلام ـــ كالفصحى واللهجات العربية المحلية واللغات غير العربية واللغات المعولمة ـــــ بِنِسب مختلفة وبجماعات خطابية مختلفة، ولكل واحدة منها مسارها المستقبلي المحتمل المختلف قليلاً [عن مسارات السموت اللغوية العربية في دول عربية أخرى]. وتُحدِّد هذا المسارَ جزئيًّا أنواعٌ من الجماعات الخطابية التي توجد في كل سمت منها، ونِسبُ القوة المختلفة لسلطاتها اللغوية أو مدى قوة عملها في تحديد الهوية.

                               الشكل 6 السموت على المستوى الواسع: تَراجُع التعدد الإرثي

 

تأثير التعليم: تراجع التعدد الإرثي في السمت الواسع (العالم العربي)

أسهمتْ مصادرُ مختلفة وأسباب مختلفة في إحياء الفصحى في القرن التاسع عشر، وكانت إحدى وجهات النظر الغالبة تتمثل في أن الفصحى ينبغي أن تَحلَّ محلَّ اللهجات. وهو ما لم يحدث، ومن المستبعد أن يحدث في المستقبل، لكن بعض النتائج غير المقصودة نتجت عنها. وأول هذه النتائج تطورُ اللغة العربية الوسيطة أو العربية المختلطة التي سُمِّيت بـ""لغة المتعلمين""[لغة المثقفين]، كما مُثِّلتْ في (الشكل 6). وتشهد هذه الأشكالُ اللغوية بقدر كبير من التنوع الذي يقوم على سياق الكلام وموضوعه والمستوى التعليمي للمشاركين فيه، وعوامل أخرى. وبسبب هذا فهي شكل [لغوي] غير مستقر تمامًا، لكنه أسهم في تسهيل التواصل بين أقطار العالم العربي. والنتيجة الثانية أنه أسهم في تزايد التفاهم المتبادل بين اللهجات، وهو التفاهم الذي نتج عن التعرض للهجات الأخرى عبر وسائل الإعلام الفضائي[58] والإنترنت، إضافة إلى التواصل الشخصي في المؤسسات التعليمية وأماكن العمل. ويعني هذا وجودَ حسٍّ من الوحدة الإرثية رغم التعدد، إذ طور العرب مستوى عاليًا من المرونة لفهم اللهجات الأخرى، وحقق بعضهم مستوى عاليًا في إجادة لهجات غير لهجاتهم. والنتيجة النهائية لهذا شعورٌ بانحسار التعدد الإرثي سواء حدث حقًّا أم لم يحدث. وأكثر ما يصح هذا في المشرق فيما ظلَّ حسٌّ من التعدد الإرثي (والتعدد التصنيفي كذلك) بين اللهجات المشرقية واللهجات المغربية.

لاحِظ أن المصطلحين اللذين استعملتُهما في الوصف آنفًا ليسا مُحدَّدين بدقة ـــ أي ""إنَّ ثَم حِسًّا، و[إن ثم] شعورًا"" بوحدة إرثية أو انحسار للتعدد. ويعود هذا عند هذه النقطة من التحليل إلى أنه يلزمنا الوعي بأن ما يَكون صحيحًا عن أكثر الأوضاع اللغوية [في العالم] ربما لا يتوافق مع وضع اللغة العربية. وسبب ذلك أن تعريفَ أفكارِ ""التعدد الإرثي"" في مقابل ""التعدد التصنيفي"" والتواصل اللغوي تتزايد صعوبته حين نتعامل مع وضع ازدواجي كما هي الحال في اللغة العربية. فأين تَحلُّ الفصحى، حقيقةً؟ [فقد افترَضتِ] الأشكالُ التي رسمناها في هذا الفصل أن الفصحى تَعمل على المحور الزمني ""لغةً أُمًّا""ursprung  للهجات، أي إنها لغةٌ مفترَضَةٌ ما قبلِ اللغة يمكن أن تَرجِع إليها أصول اللهجات. وتقوم وجهة النظر هذه على الرواية التقليدية غير الدقيقة تاريخيًّا، وإن كانت حكاية خيالية مفيدة. ومع ذلك فللفصحى حضور وتأثير الآن وفي الفترة الحديثة، ويظل السؤال: كيف يمكن التعامل معها في تحليلٍ يقوم على التعدد اللغوي (الإرثي والتصنيفي)، والتواصل اللغوي والانتقاء؟

الفصحى على البعد الاجتماعي الثقافي (المحور ــ ص):

 الزمن الخالد في مقابل الزمن الحقيقي [الواقعي]

يَعود نوعُ التفاهم المتبادل بين اللهجات الذي ناقشناه آنفًا (واحتمال تزايده في المستقبل) جزئيًّا إلى الطريقة التي رسَّخ بها فرضُ الفصحى شكلاً نموذجيًّا حِسًّا من الوحدة لدى متكلمي تنوعات اللغة العربية كلها. وثَمَّ إحساس بأن التمثيل ثلاثي الأبعاد للعربية في الأشكال السابقة مضلِّل، إذ إن الفصحى لم توجد في الماضي وحسب ـــ بل هي ظاهرةٌ معاصرة، وهي شيء حقيقيٌّ في الأنظمة التعليمية لكل دولة عربية وتؤثر تأثيرًا حقيقيًّا في المتواصل اللهجي (الذي يمثله الشكل 7).

                                                     الشكل 7 الفصحى في ""الزمن الخالد (ع0')""

 

ومع أن من الصحيح أن نَفهم ما يقال دائمًا عن استعمالها سدًّا في وجه المشاريع الاحتلالية الاستعمارية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، واستعمالها الآن سدًّا في وجه طوفان اللغة الإنجليزية المعولمة، فمن المقبول والمُبِين كذلك أن ننظر إليها على أنها ممارسة لتأسيس الخلود، أي طريقة لحفظ الذاكرة الثقافية المتحدِّرة من الماضي وتأديتها إلى المستقبل؛ فهي ليست ""شكلاً"" خالدًا جاء من الماضي وحسب، بل هي خالدة من أجل المستقبل كذلك (Holtorf, 2001)، وقد صيغت لتحيا في العصر الحاضر ولتتواصل ثقافيًّا مع المستقبل (Assmann, 1991, p. 13f). ومن هنا، فهي موجودة في ""زمن خالد"".

وكان آسمان (Assmann 1992)، وهيرزفيلد (Herzfeld 2009)، وهولتروف (Holtrof 1996)[59] وآخرون قد طوَّروا فكرةَ ""الزمن الخالد"" في حقل دراسات علم الآثار لوصف وظائف المعالم الآثارية القديمة وتأثيراتها على الثقافات القديمة والثقافات الحديثة كذلك. ويُقابِل الزمنُ الخالدُ الزمنَ البشري (الذي يستغرق ثلاثة أجيال أو أربعة) في كونه مستمرًا، وخارجَ الزمن العادي، ويهدف إلى المحافظة على شيء من الماضي، إضافة إلى إيجاده ذكرياتٍ مستقبلية. فالزمن الخالد خارجُ الزمن وجزءٌ من الزمن وجزءٌ من معالِم ثقافيةٍ مّا. والسبب الأول لوجوده أن يوقِف الزمنَ كي يوقِف نسيانَ الماضي ويَفرض التذكُّرَ في المستقبل. وهو يعبِّر عن الماضي والمستقبل كليهما؛ فهو يتضمن ذاكرةً استعادية (لشيء حدث أو وُجد في الماضي) إضافة إلى ذاكرة استشرافية (أي خلْقُ ذكرياتٍ ستأتي في المستقبل). وهو محاولة لِفكِّ الماضي عن الزمن وربطه بالمستقبل مباشرة، أي بقطع الواسطة [بين الزمنين، أي قطع الحاضر]، بمعنى مّا. وهو يقوم في البعد الثقافي السياسي بوظيفتين؛ فهو يضفي مشروعيةً، بصفته ذاكرة استعادية، ويَربط النظام الحاضر بماض خالد من أجل دعمه وتقويته؛ أما من حيث الذاكرة المستشرَفة فهدفه إضفاء الخلود على سلطةِ نظامٍ مّا، وضمان استمرار ذلك النظام إلى ما بعد الحاضر.

فيتمثل الزعم، إذن، في أن الفصحى مثالٌ لمعلَم ثقافي وجزء من الذاكرة الثقافية للمجتمع العربي والثقافة العربية. فهي موجودة في زمن خالد ــــ لأنها خارج الزمن وجزء لازم منه معًا. وتمثِّل الماضي والمستقبل كليهما ـــ وتَجعل أحداث الماضي الثقافية، بصفتها ذاكرة ثقافية استعادية، جزءًا من الحاضر، وتحاول، بصفتها ذاكرة ثقافية مُستَشرَفة، أن تُسقِط تلك الذاكرة على المستقبل[60]. وهدفها الاستعادي، من حيث المنظور الاجتماعي السياسي، إضفاءُ المشروعية على أنظمة السلطة الثقافية والسياسية بربطها بماض مجيد مخلَّد في هذه اللغة، وأن توقِف، استشرافيًّا، نسيانَ الماضي اللغوي، وأن تَفرض مستقبلاً لغويًّا ""يَتذكر"" الماضي اللغوي أو يتلبَّسه من جديد. وتقوم الطبيعة الخالدة للفصحى بوظيفة الارتباط بالدال motif الثقافي للاستمرار (كما هو متضمَّن في المبدأ الرابع)؛ فهي تتصل من جهةٍ بالبعد اللهجي الجغرافي، وهي جهدٌ لمقاومة قوى التعدد اللغوي النَّبْذية؛ كما تتصل، من جهة ثانية، بالبعد الاجتماعي الثقافي الرأسي في سعيها لدعم القوة الجذبية لنمذجة اللغة في الأنظمة التعليمية والثقافية في العالم العربي.

ومن الضروري أن نَلحظ، فيما يخص المسار المستقبلي للغة العربية، العناصرَ الاستعادية والعناصر الاستشرافية للطبيعة الخالدة للغة العربية كليهما؛ ففيما تستمر الفصحى بالقيام بوظيفتها بصفتها قوةً لإضفاء المشروعية على الأنظمة السياسية والأنظمة الثقافية خصوصًا، فهي تستمر في القيام بوظيفتها استشرافيًّا بصفتها كابحًا للتعدد اللهجي. أما لو فقدتْ وظيفةَ إضفاء المشروعية، عبر أيِّ عملية، فسوف تتراخى قبضتُها على المسار المستقبلي للغة العربية. فيعتمد تحقُّق التصورِ التقليدي المستقبلي لها، باستعاراته التي تتمثل بالوحدة والنقاء والاستمرار، على إدامة أنظمة السلطة السياسية والثقافية أكثر من اعتماده على مسارٍ تَستمد فيه قوتَها لإكمال مسيرتها على نفسها.

ويبدو من زاوية لغوية صِرْفة، على أي حال، أن الوظيفة الاستشرافية للغة العربية الخالدة (أو الفصحى) لن تُحقق رسالتها (بحلولها مكان اللهجات)، وسبب ذلك أن من طبيعة اللغات الطبيعية أن تتغير وتتطور عبر الزمن. وأفضل ما يمكن أن يؤمَل فيه وضعٌ يشبه الوضعَ الحالي الذي توفِّر فيه الفصحى قوةً توحيدية وتؤثر في تطور اللهجات فتغنيها معجميًّا وتوفر لها مصدر ذاكرة ثقافية. أما الأمل الاستشرافي بأن تحل الفصحى مكان اللهجات فغير واقعي ـــ مع أن الأثر الذي تتركه على اللهجات واضح لا يمكن إنكاره. ومن المفارقة أنها توفِّر للهجات واجهة شفافة من المشروعية، بينما تتمدد هذه اللهجات لكي تُستعمل في أرقى ما يكون من الموضوعات، رغم سعي مناهضيها الحثيث لاستبدال الفصحى المخلدة بها[61].

ومن المهم كذلك الإشارة إلى نقطة لاحظَها هولتروف (Holtorf 1996) عن ""الميجاليتات""[62] القديمة في دراساته، وهي أن بعض الأحداث في الأزمنة الخالدة أو بعض المعالم المادية ربما تُخضَع لإعادة التأويل، لا سيما حين يَفقد المَعلَمُ معناه الأصلي بمرور الزمن. أما الفصحى فيبدو أن النظرة التقليدية ""التخليدية"" لها ما تزال غالبةً، لكن يمكن، إن توفرت الظروف الملائمة، أن تتغير من كونها المصدر الشرعي الوحيد للسلطة اللغوية لتَكون مصدرًا من عدة مصادر. ويمكن أن نرى، في بعض السموت اللغوية، كلبنان ومصر، أن هذا [التغير] يَحدث الآن. لكن الفصحى، عمومًا، ما تزال تقوم بوظيفتها، من موقعها معلَمًا ثقافيًّا داخل الزمن وخارجه معًا، وهي لذلك قوة توحيدية تجذب اللهجات العربية إلى مدارها، وتسهم في إمدادها بسمات مشتركة، إضافة إلى عملها في إيقاف القوى النبذية التي تغذيها الهوياتُ الداعية إلى المحلية والجماعات الخطابية.

                                    الطبقة الاجتماعية/ التنوع التعليم  ""السموت اللغوية""

 

                                                              ص1               ص2             ص3

                                    الشكل 8 الجماعات الخطابية على المحور الاجتماعي

الجماعات الخطابية ونُظُم التماهي

تتوزَّع محفِّزات التغيير (التي تقوم على الانتقاء والانتقال والاتصال)، تبعًا للمبدأ (رقم 3)، عبر الجماعات الخطابية التي تعرَّف تقريبًا أو بشكل أدق اعتمادًا على المحور المعين الذي تُبنى حولَه. وينبغي أن يُفهم مصطلح ""الجماعة الخطابية"" هنا بشكل أكثر طواعية ومرونة. فهي أساسًا جماعة من الأفراد الذين يتفاعلون بشكل دائم ويشتركون في الانتماءات والهويات، ويميلون لاستعمال اللغة بشكل متشابه. ويمكن أن يحدَّدوا بشكل عام جدًّا (كمتكلمي العامية القاهرية، مثلاً) أو بشكل أكثر تحديدًا (كالشبان في مصر بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين من أعمارهم الذين يستعملون ""فيس بوك"" بشكل منتظم). ومن المهم استخدام المرونة في تعريف هذا المصطلح الأساسي لأنه يشكِّل أو يعكس حقيقةَ اللغة بصفتها نظامًا معقدًا تتفاعل فيه عوامل كثيرةٌ أبسط بطرق لا يمكن التنبؤ بها تمامًا على المستوى الكبير.

وربما تَنضوي جماعة خطابية تحت جماعة لغويةٍ واحدة، أو تمتد لتشمل أكثر من منطقة أو دولة، لذلك ربما تحوي أكثر من جماعة لغوية واحدة (كالجماعتين: ج خ1 وج خ2 في الشكل 1,8) ــــ وهذه هي الحال في اللغة العربية، لا سيما فيما يخص شكلها النموذجي المكتوب، لكنها ربما تحوي أيضًا جماعات خطابية أخرى بديلة تقوم على التعبيرات الإبداعية (كالموسيقى والسينما والفنون الأدبية، إلى آخر ذلك) التي ربما تتغلب فيها سلطاتٌ لغوية بديلة. والشكل 8 تمثيل مبسَّط جدًّا للعلاقة المعقدة جدًّا بين الجماعات الخطابية والسموت اللغوية في العالم العربي، لكنها مهمة حين نشير فيما يأتي إلى بعض الجماعات الخطابية على أنها ربما تمثل تصورات مستقبلية ممكِنة.

وتلتفُّ الجماعات الخطابية عمومًا حول محور معيَّن ـــ وهو الذي يَجمع الجماعة، ويشكِّل هويتَها بدرجة مّا. وكثيرًا ما تَقوم الطريقةُ التي يَبدأ بها مجتمعٌ في تحديد جماعته الخطابية على نظام أو تنظيم للسلطة اللغوية، وهي التي ربما تحدِّد الطريقة التي ""تحدَّد بها الجماعات الخطابية"". وكثيرًا ما يَكون التنظيم الرئيسي للسلطة اللغوية، في المجتمعات الحديثة والمجتمعات التي ترتفع فيها نسبة التعلم عمومًا، امتدادًا للغة النموذجية المكتوبة أو المتكلمة و/أو امتدادًا لِإحدى اللهجات. كما يمكن أن نلحظ وجود ""نُظُمِ سلطة"" بديلة عند جماعات خطابية مختلفة داخل هذا الكيان الاجتماعي [الواحد]. والمصطلح الأفضل، بدلاً من [مصطلح] ""تنظيم السلطة"" (الذي طوره بورديو)، للدلالة على ما يعرِّف الجماعةَ الخطابية ويَحفظ كيانها، هو [مصطلح] ""تنظيم الهوية"" أو محور الهوية. وأهمُّ تنظيم لغوي في الجماعات اللغوية العربية ـــ أي التنظيم الذي له سلطة واضحة ــــ هو الفصحى. ومع ذلك فالفصحى ليست إلا عنصرًا واحدًا يَعمل [من بين عناصر أخرى] على إيجاد البعد الاجتماعي الثقافي للنظام البيئي اللغوي للغة العربية. فكما يمكن للأفراد أن يشاركوا في أكثر من جماعة خطابية واحدة، يمكنهم أن يتماهوا مع تنظيمات هوية مختلفة تأسيسًا على السياق الاجتماعي أو السن أو المستوى التعليمي، وغير ذلك. وتَفرض النُّظم التعليمية المرعيَّة بعضَ تنظيمات التماهي (كإجادة الفصحى إضافة إلى التمكُّن من لغة أو لغتين من اللغات المعولمة كالإنجليزية أو الفرنسية)، بينما تقوم بعض الهويات على أنماط كثيرة مختلفة من الهويات الفردية أو الجماعية داخل المجتمع.

وتؤثِّر بعض الجماعات الخطابية على مسار اللغة بقدر لا يتناسب مع حجمها ـــ كما هو حال الفصحى ــــ لكن ثَمَّ نظمًا بديلة أو محاور للتماهي ربما تترك تأثيرًا مماثلاً ـــ كالشيوع الواسع للموسيقى الشبابية التي استلهمها الموسيقيون الشباب والشعراء العرب في العالم العربي أو تكيفوا معها ـــ أي ""عَوْمَحَوْها!""[63]، وهذا نوع من الجماعة الخطابية يتمدد عبر حدود السموت اللغوية ويوفر محورَ تماهٍ بديلاً للشباب الذين يشعرون بالاغتراب نتيجة لإخفاق النظم الثقافية والاقتصادية والسياسية المتكرر في العالم العربي. ويمكن أن يضاف إلى هذا كلِّه الجماعاتُ الخطابية التي ظهرت في السنوات العشر الماضية في مواقع التواصل الاجتماعي في الإنترنت. واللغة التي تستعمل في هذه المواقع مكتوبةٌ بالضرورة، وهي خليط من اللهجات العربية والعربية النموذجية غالبًا (وتكتب أحيانًا بالحروف اللاتينية)، مع إدخال نُتَف من الإنجليزية (أو الفرنسية) (وكلما زاد عدد الكلمات الإنجليزية فيها، زاد شبهها بـ""العربيزي""[64] التي تستخدم في التنكيت والتعليقات). وما يزال هذا الشكلُ اللغوي في طور التشكُّل، وأيُّ تنبؤ بمساره المستقبلي مبكرٌ جدًّا، لكن الأمر يعتمد على متى سيستقر أو إن كان سيستقر، ومتى سيصبح قوة ذات مشروعية في المجالات الثقافية العربية، إن حدث هذا، [وعندها] ربما سيكون له شأن مهم في مستقبل اللغة العربية.

[وفكرة الجماعات الخطابية] هذه مهمة لأن تغير اللغة كثيرًا ما يحدث بسبب امتلاك الجماعات الخطابية قدرًا ما من السلطة أو العُرف يمكِّنها من أن تؤثِّر تأثيرًا كبيرًا في مسار تغير اللغة. وربما يكون تأثيرها على المستوى الضيق جدًّا (ولك أن تفكر بمصطلح (""أَثَر الفراشة"")[65] أو على المستوى الكبير (كما في حال الفصحى عبر السموت اللغوية في العالم العربي كله). وإذا أردنا تحديد التغيرات اللغوية المعينة التي ربما تَحدُث (كتلك التي ذكرناها في المبدأين 1 و 2)، فربما يكون من الضروري أن نجمع قدرًا كبيرًا جدًّا من المعطيات على مستوى جماعات خطابية مختلفة عبر فترة من الزمن. ومثل برنامج البحث هذا غير ممكن في هذا المقال، لكني اقترحته هنا مجالاً واعدًا محتملاً للبحث في المستقبل.

 

من العوالم الممكِنة إلى العوالم المستقبلية الممكنة:

 وجْهاتُ نظرٍ استشرافية

 

قدَّمتُ في هذا النقاش عددًا من التصورات المحتملة للمسارات المستقبلية [للعربية]، ومن الضروري أن أعرضها هنا إلى جانب مسارات محتملة أخرى، بادئًا بأنواع الأسئلة التي أثارتها [جورجينا] أيوب (2002م). وتركزتْ تلك الأسئلة كلها على العلاقة بين الفصحى واللهجات، وأثارت سؤالاً عما سيكون عليه شكل هذه العلاقة مستقبلاً؛ فهل سيَنشأ شكلٌ من العربية الوسيطة، أو هل ستصير اللهجات لغاتٍ وطنية [قُطْرية] في المستقبل [القريب]. ويمكن تلخيص هذا، من حيث الجوهر، بأنه صراع بين قوى التعدد اللغوي النبذية (التي مُثِّلت على محاورــــ ع في الشكل 9)، وقوى تعليم اللغة النموذجية الجذبية (الذي مثِّل على محاورــــ ص في الشكل 9). ويَدفع الولاءُ اللغةَ[66] نحو التعدد، كما لاحظنا في المبدأ (رقم 4)، فيما تَدفع النمذجةُ اللغةَ نحو الوحدة العابرة للثقافة أو العابرة للمحليات. وسوف نأخذ هذا نقطةَ بداية في التصورات المحتملة لأوضاع اللغة العربية في المستقبل.

والتصور المحتمل الذي تقول به التقاليد تصوُّرٌ توحيدي كليٌّ بطبيعته؛ إذ سيؤدي فرضُ الفصحى إلى توحيد اللغة العربية في الوقت الذي تحل فيه محل اللهجات، وهو الذي سيؤدي حينئذ إلى مستقبل مجيد مماثل لماضيها المجيد. ويُنجَز هذا التوحيد عبر الأنظمة التعليمية باستعمال الفصحى وسيطًا لتدريس العلوم كلها (لا العلوم الدينيّة وحسب). وطُبِّق هذا التصور في الأصل عبر الوسيط الكتابي (كالصحف والمجلات والروايات وأنواع الكتب الأخرى)، ثم عبر وسائل الإعلام حين ظهرتْ (كالراديو والتلفزيون)، ويمكن أن تمتد رسالتها إلى المجال المسموع والمرئي. وسوف تتوفر دواعٍ أكبر من تلك، بسبب وجود قنوات الأخبار الفضائية كقناتَي الجزيرة والعربية، اللتين تستخدمان الفصحى في أكثر برامجهما، وسَتجِدُّ دواع كبرى لتتجاوز الفصحى كونها لغة نموذجية مكتوبة وحسب، لكن هذا يوجب أن تقوم بشكل متزايد بالوفاء بمزيد من مظاهر التفاعل اللغوي اليومي.

                          الشكل 9 من العوالم الممكنة إلى أوضاع مستقبلية ممكنة

 

ومع هذا فثَمَّ مشكلات تكتنف هذا التصور المحتمل بالصورة التي عمل بها خلال القرن الماضي. [ومن ذلك] ما يتصل بالقنوات الفضائية؛ فمع أن من الممكن لوجود قنوات فضائية كالجزيرة والعربية واستقبالهما الواسع أن يتركا أثرًا جذبيًّا أو نَمْذَجيًّا على مشاهديهما، فَثَمَّ قنوات [عربية] محلية تَعرض برامجها (وأخبارها أحيانًا) بلهجة [القُطر] المحلية. ويسعى هذا النوع [الأخير] من القنوات، بتشجيعه على التماهي والولاء المحليين، إلى إعاقة النمذجة المحتملة التي ربما تتأتى عن قناة الجزيرة [والعربية]. يضاف إلى ذلك أن الفصحى، بغض النظر عن بعض السياقات الأكاديمية (وليس كلها)، فلم تحلَّ مكان اللهجات وسيلةً رئيسية للتواصل. ويلوم بعض [الباحثين، والمهتمين] الأنظمةَ التعليمية في العالم العربي التي فشلت في تطوير طرق تدريس تتجاوز الطرق النحوية التقليدية [في تدريس الفصحى] وبذلك لم تضع أُسسًا قوية كافية للفصحى كي تحل محل اللهجات[67]. وكان ينبغي على الدول العربية كلها أن تبذل، لمعالجة هذا، جهودًا أكبر لاستعمال برنامج تربوي يؤكد على تعليم الكتابة تعليمًا جيدًا (مثل [تعليم طرق] النقاش والوضوح المنطقي، وغير ذلك) بدلاً من الاهتمام الزائد بالصحة النحوية، لكن هذا يبدو بعيد الحدوث.

ويشير آخرون إلى هجوم اللغات المعولمة (أي لغات الاحتلال سابقًا) كالإنجليزية والفرنسية واستخدامهما لغتين للتعليم، لا سيما في التعليم العالي. ومع أن التنافس مع اللغات المعولمة يترك أثرًا مهمًّا على الوضع اللغوي في الجماعات اللغوية العربية فهو ليس مهمًّا في هذه الفترة. وربما يكمن أحد أسباب [عدم أهمية هذا العامل] في الإحصاءات الأخيرة لنِسَب الأمية في العالم العربي، وهي نسب تشير إلى ضعف عام للمعايير التعليمية في الدول العربية، لا سيما في الدول التي تعاني من الفقر الشديد، والدولِ التي تعاني من فجوة في تعليم المرأة الذي يَنشأ عن وجهات نظر تقليدية مزمنة. ومصر والمغرب واليمن ثلاثةُ أمثلة لدول عربية لم يعمم فيها التعليم أو لم يصبح إلزاميًّا كما كان يؤمل، نتيجة لتلك الأسباب جزئيًّا، وحيث تتراجع نسب التعلُّم فيها وراء نسب التعليم في أكثر الدول العربية الأخرى. ويقترح معموري (Maamouri 2003) أنه فيما تحقَّق تقدم كبير في نسب التعليم في معظم الدول العربية (UNESCO, 2003, pp. 36-39)، ربما لا تكون الإحصاءات الرسمية دقيقة لعدم جودة تقنيات جمْعِ المعطيات (Maamouri, 2003, p. 2). وتونس مثال لدولة عربية لا يصل فيها مستوى الفقر إلى مستوياته في بعض الدول العربية، وحيث حققت المرأة مستوى عاليًا من الحقوق المدنية وحافظت عليها بشكل لا نجده في أكثر الدول العربية، وهو ما انعكس على انخفاض مستوى الأمية فيها، لا سيما بين النساء، وربما يقال الشيء نفسه عن لبنان. ومن المهم أن نلحظ أن الدول [العربية] التي فيها أقل نسبة للأمية في اللغة العربية (تونس ولبنان) هي الدول التي تأثرت أكثر من غيرها بالفرنسية والإنجليزية، فمن الصعب، إذن، الاحتجاج بأن الإنجليزية أو الفرنسية عاملان مؤثران في نسبة الأمية في العالم العربي.

واستمرار نسبة الأمية العالية نسبيًّا في بعض الدول العربية قضية مركزية لمستقبل اللغة العربية، إن لم نقل شيئًا عن مستقبل هذه الدول اقتصاديًّا وثقافيًّا. ويكمن حل هذه المشكلة عند [بعض العرب] ـــ وهم أقلية مؤثِّرة مع هذا ــــ في تدريس القراءة والكتابة باللهجة أولاً (أو بها فقط)، أي بجعل اللهجة، لا الفصحى، لغةً للتعليم. لكن نسبة احتمال حدوث مثل هذا في المستقبل القريب أو البعيد ضعيفة، في الوقت الحاضر نظرًا للظروف الحالية. وربما تتغير الظروف، وربما يتحقق هذا في نهاية الأمر، لكن ليس ثَمَّ إشارة في الوقت الحاضر إلى أن الفصحى تنازلت للهجات عن شيء من سلطاتها الثقافية لكي يَحدث هذا. وبغض النظر عن مسألة اللغة، فلا مناص للدول العربية من مواجهة قضية الأمية، إذ لا يحتمل أن تحقِّق دولةٌ تبلغ فيها نسبة الأمية 35% بين النساء (كمصر) تقدمًا كبيرًا في اقتصادها في العصر الحاضر حتى إن كانت لغة التعليم بالإنجليزية[68].

ويبدو أن احتمال تحقق التصور الجذبي المحتمل المتمثل بإحلال الفصحى مكان العاميات احتمال ضعيف، اعتمادًا على النقاش السابق ونظرًا للظروف الحالية. فماذا عن المقابل لهذا التصور ـــ أي إمكان أن تزيح اللهجاتُ الفصحى لغةً للثقافة والتعليم، وأن تستمر في المسار النبذي التفريعي؟ ويبدو، كما لاحظنا آنفًا، أن ثَمَّ احتمالاً ضعيفًا لتحقق هذا التصور في المستقبل القريب أو البعيد، في ظل الظروف الحالية. وأكثر التصورات الاحتمالية إمكانًا استمرارُ الوضع الحالي في المستقبل القريب ـــ والمستقبل البعيد كذلك، إن لم تجدَّ ظروفٌ غير متوقعة يمكن أن تنهي التنظيم الثقافي الحالي. أما الوضع الحالي السائد فهو ما بينتُ خطوطه العامة في صفحات هذا المقال حيث تُفرض الفصحى، بصفتها معْلمًا ثقافيًّا [خالدًا] (داخل الزمن وخارجه) فوق عوالِمَ لغوية محتملة مشتقة منها. والعوالم المحتملة هذه هي اللهجات، التي تُعرِّف السموتَ اللغوية المرتبطة بمكانٍ ومحيط اجتماعي ثقافي محدَّدين تقوم فيهما الجماعات الخطابية بوظيفة مَحاور أو بُؤرٍ لتماهي أفرادٍ يعيشون في ذلك السمت. وتَعمل اللهجات، بمعنًى مّا، بمثابة مراكز بديلة تؤثِّر فيها قوًى جذبية، حيث تميل كل لهجة إلى الانجذاب نحو مركزها الخاص بها (وهو التقارب المحلي المعاكس للتعدد اللهجي العام). لكن ثَمَّ عددًا من التوجهات في هذه السموت اللغوية ربما تَضع العراقيل أمام هذا النوع من القوى النبذية[69] البديلة المؤدية إلى تمركز اللهجات حول ذاتها، وأول هذه التوجهات التعرضُ للقنوات الفضائية التي أتاحت لمتكلمي اللهجات جميعًا أُلفَة متزايدة باللهجات الأخرى، وهو ما يدفع نحو مزيد من التفاهم المتبادل بين اللهجات. وثانيها الأثر الذي تركته الفصحى من حيث تشجيعها على تطور تنوعات لهجية متكلمة عند المتعلمين، وهي التي تشكِّل فيها بنى اللهجة ومعجمُها الأساسَ الذي يُرْفَد بعناصر اللغة النموذجية، ويشمل ذلك الكلمات الوظيفية[70] والوحدات المعجمية والتحول في طرق النطق. ويُشبه هذا الظاهرةَ التي يطلق عليها ""العَوْمَحَة""[71] في الدراسات الحديثة، وهي التي تؤثِّر فيها التوجهاتُ نحو المحلية على الآثار الناتجة عن العولمة مما ينتج عنها أشكال لغوية مختلطة. فقد أدت الظروف المحلية، كما لاحظنا آنفًا، إلى التلعُّب بالآثار التي تركتها الإنجليزية بصفتها لغة عولمية، فرغم توسع استخدامها لغة للتعليم، فربما لا يوجد إلا عدد قليل من العرب الذين يتكلمون الإنجليزية بكفاءة تمكنهم من الدخول في محادثة [بها]. أما في حال اللغة العربية، فتقوم الفصحى بوظيفتها لغةً ""عابرة للدولة الوطنية"" في العالم العربي، لكن بدلاً من حلولها مكان العاميات المحلية، تكيَّفت هذه العامياتُ أنفسُها مع اللغة النموذجية وإن لم تتخل عن مواقعها لغات رئيسية للتواصل.

ويعيدنا هذا إلى سؤالَي [جورجينا] أيوب الثاني والثالث عن تطور ""لغة عربية وسيطة"" وتحوُّل اللهجات لتصبح ""لغات وطنية في المستقبل"". والتصور المستقبلي الذي اقتُرح [في هذا المقال] إجابةً عن هذا السؤال أنَّ هذا المآلَ ممكن، لكن ربما لن يكون بصيغة المفرد، بل الاحتمال الأكبر أن يكون بصيغة الجمع ـــــ أي ليس ""لغة عربية وسيطة واحدة"" بل ""لغات عربية وسيطة"" كثيرة ـــ أي إنها ستكون أشكالَ اللهجات الوطنية المتكلمة عند المتعلمين (وهي لهجات العواصم، عادة) التي سوف تَكون النموذجَ اللغويّ المحليّ غير الرسمي. ولكي يَحدث هذا، فربما ستضطر الفصحى إلى إشراك اللهجة الوطنية في المشروعية [التي كانت وقفًا عليها]. وفيما يبدو أن حدوث هذا غير محتمل في بعض الدول [العربية] فهو ما يحدث في مصر [الآن] التي فيها تقليد للأدب المحلي المكتوب ـــ على هيئة أشعار وأغان أساسًا ـــ ومسرحيات كذلك ـــ وهو ما أُضفيَ عليه ""المشروعية"" بصورة غير رسمية. وشاهدتُ منذ فترة قريبة ما يؤشِّر إلى هذه [الحالة] في حلقة نقاش عرضتْها قناة الجزيرة عن مستقبل اللغة العربية والأخطار التي تواجهها. فقد استنكر المناقشُ المصري اللغةَ الرديئة المستعملة في الإنترنت مشيرًا إلى أنها لم تصل حتى إلى مستوى [اللغة] النموذجية التي نجدها عند الأبنودي أو أحمد فؤاد نجم، وهما أشهر شاعرين بالعامية المصرية.

تلخيص

مستقبل اللغة العربية المحتمل واحدٌ من المسارات المستقبلية المحتملة، ذلك أن كل واحد من السموت اللغوية التي ما تزال مرتبطة باللهجات الوطنية مستمر في مساره الحالي (كما في الشكل 9). ويُنظر إلى التعدد السكاني، في الدراسات البيئة، على أنه مؤشِّر إلى بيئة صحية، أي إنها بيئة تنجح في المحافظة على شيء من التوازن بمرور الزمن. ويتصف السمت اللغوي العربي على أكثر المستويات عمومية باحتوائه تنوعًا كبيرًا أو تعددًا كبيرًا من حيث الزمان والمكان، جغرافيًّا واجتماعيًّا معًا. وما يزعمه هذا المقال أنَّ التعدد اللغوي سوف يظل الحالةَ الطبيعية للغة العربية، لكنه وضعٌ يتصف بدرجة مّا من التماثل. والاحتمال الأكبر أن يأخذ هذا الوضع شكل تسوية للهجات باتجاه لهجة نموذجية مناطقية أو وطنية ـــ أي ""لغة عاصمة أو مدينة كبرى""  metro-language  ـــ مطعَّمةً ومعزَّزة بصورة مكثفة بأشكال [لغوية] من الصيغ اللغوية المأخوذة من لغة المتعلمين (هذا إن استطاع نظام التعليم تحدي الأمية ليَنشر التعليمَ بين قطاعات السكان كلها). والطريقة التي سوف تحدُث بها التسوية اللهجية ومدى سرعتها، وهي التي سوف تؤثر فيها النوعية النموذجية ذات المكانة في اللهجة، ليست واضحة، وتعتمد على عوامل تقع وراء مدى هذا المقال. وفيما تكون اللهجات المحلية في طريق التسوية نحو نموذج وطني، ربما يتأثر النموذجُ اللغوي الوطني نفسه بالنموذج اللغوي الحديث العابر للعالم العربي تأثرًا متباينًا اعتمادًا على مستوى الإنجاز التعليمي المشترك في المجتمعات [العربية]، وانخفاضِ نسبة الأمية، وتغيُّرِ القيم اللغوية والسلطات اللغوية. وثَم توجه قوي نحو التفاهم المتبادل بين اللهجات، وهو يحدث عبر وسيط اللغة العربية النموذجية التي يتكلمها المتعلمون، لكن الدعوات الانغلاقية اللغوية المحلية تعيق هذا التوجه دائمًا. ومع هذا فمن الممكن تحقيق هدف التفاهم المتبادل بالتآلُفacclimatization  مع الاختلافات اللهجية ـــ أي، أن يَعرف الناس السماتِ اللهجية في السموت اللغوية الأخرى حتى لا تعود تلك السمات مثارًا للاستغراب.

ويحوي كل واحد من السموت اللغوية [العربية] قائمةً فريدة من الأشكال اللغوية والجماعات الخطابية، كما في الشكل 10، أما الطريقة التي سوف يتطور بها كلُّ سمت عبر الزمن فهو ما يمكن أن تكشفه التحليلاتُ المستقبلية.

 

                           الشكل 10 السموت اللغوية، والأشكال اللغوية، والجماعات الخطابية

              

ويمكن، على أي حال، أن ننظر إلى كل سمت لغوي [عربي] على أنه صراع بين الطرق الشائعة في التعبير والطرق السلطوية [المفروضة]، المحلية والمعولمة، كما يمكن، نظرًا للتمييز الواضح بين أقطاب التعبير العربية، ملاحظة هذا الصراع وتتبُّعه بشكل أكثر وضوحًا، بغض النظر عما يمكن أن يَكون حاضُره أو ما يمكن أن يخبئه مستقبلُه له.

 

 

[1] ــ سأشير في ترجمتي إلى ما كتبه جون إيزيل بــ""المقال""، بدلاً من الفصل.

[2]ـــــ يعني المؤلف بـ""التعدد"" diversity تعدد اللهجات، ويعني بـ""التنوع"" variation التنوعات اللغوية في نطاق اللهجة الواحدة [المترجم].

[3] ـــ retrospective view وتعني النظرة إلى ما حدث للغة العربية في الماضي [المترجم].

[4] ـــ ـ prospective views وتعني النظرة إلى ما سيحدث لها في المستقبل [المترجم].

[5]ـــــ يستخدم المؤلف مصطلحَ ""سيناريوهات""scenarios  المستخدم في كتابة النصوص السينمائية والمسرحية للدلالة على أحوال متخيلة ومخططات لوقوع أحداث مستقبلية [المترجم].

[6] ــــ مطلع قصيدة الشاعر السوري نزار قباني بعنوان ""قارئة الفنجان"" [المترجم].

[7] ـــ استخدم إيزيل هذا التعبير التراثي الذي يعني أننا لا نعرف ونكل العلم إلى الله [المترجم].

[8] ـــ ecological وتعني نظام التفاعل بين الكائنات الحية [ومنها البشر] والبيئة الطبيعية التي تعيش فيها [المترجم].

[9] ــ ربما يشير أساسًا إلى تشارلز فرجسون الذي كتب عن هذا الموضوع في اللغة العربية [المترجم].

[10] ــــ انظر الحاشية رقم 55 [المترجم].

[11]ـــــ يقوم إطار العمل هذا على المقالات والكتب التالية:

Calvet (1974), Gavin et al. (2013), Graddol (1997, 2004), Mufwene (2001, 2010), Tapia (2010), Van Parjis (2008).

[12]ــــ ""التغير المحايد"": تغير اللغة بسبب عوامل لغوية (صواتية وصرافية وتركيبية) [المترجم].

[13] ـــ ""الانتقاء"": العوامل الاجتماعية والثقافية التي تَدخل في اختيار نوعية لغوية معينة في مقابل نوعيات لغوية أخرى [المترجم].

[14]ــــ ""الانتقال"": انتقال السكان من الأماكن التي وُلدوا فيها إلى أماكن أخرى [المترجم].

[15]ــــ ""الاتصال"": حالة التقاء لغتين مختلفتين في فترة زمنية معينة أو في مكان معين [المترجم].

[16]ــــ ""القوة النابذة"" centrifugal: مصطلح في الدراسات الفيزيائية يدل على القوة الذاتية التي يبدو أنها تعمل على جسم متحرك في مسار دائري وتتوجه مبتعدة عن المركز الذي يدور حوله الجسم"". وتعني هنا العوامل التي تؤدي إلى التباعد بين لغتين أو لهجتين. وتقابلها ""القوة الجاذبة"" centripetal وهي القوة التي تعمل على جسد متحرك في مسار دائري وتتوجه به نحو المركز الذي يدور الجسم حوله"". وتعني هنا العوامل التي تؤدي إلى التقارب بين لغتين أو لهجتين [المترجم].

[17]ــــ ""المسافة الإرثية"": مدى تباعد لغتين من حيث أصليهما [المترجم].

[18]ـــ ""المسافة التصنيفية"": مدى تباعد لغتين تنتميان إلى أصل واحد [المترجم].

[19]ــــ ""غنى المسافة"": عدد اللغات عند سكان منطقة ما أو جماعة ما [المترجم].

[20] ""التساوي"": مدى التساوي في توزيع السكان بين ضربين لغويين، أو قلة تركُّز السكان في ضرب لغوي واحد أو في ضروب لغوية قليلة [المترجم].

[21] ـــ يعني هذا المصطلح أن يُنطق صوت القاف (أعني الصوت بديل القاف الذي يكتب بالكتابة الصوتية بالحرف اللاتيني g) وصوت الكاف في منطقة متقدمة من الحنك الأعلى (النِّطع). وهذه من سمات بعض اللهجات البدوية الحجازية [المترجم].

[22] Al Jabry (2013), Language Magazine.

[23]  Adelman (2011)

[24] Tiberge (2008)

[25] ـــ يكثر ترديد هذا التوقع لا سيما في البحوث الغربية عن اللغة العربية. لكن القياس على اللاتينية قياس مع الفارق. ذلك أن اللاتينية كانت اللغة المشتركة في أوروبا بين قوميّات مختلفة واستقلت اللغات الرومانثية الحديثة عنها لأسباب قومية.

أما اللغة العربية فهناك شعور متواصل عبر القرون، حتى إن لم يعبَّر عنه علانية، بالانتماء إلى قومية واحدة. كما أن تعرَّض العرب للغة الفصحى أكثر كثافة من التعرض للاتينية في أوروبا بسبب حضور النصوص الدينية الكثيف في حياة المسلمين العرب.

وقد مضى على هذه الحال قرون طويلة، منذ ما قبل الإسلام، إلى الآن ولم تتشعب اللغة العربية إلى لغات محلية على الرغم من تباين اللهجات بين الأقطار العربية، وتباعد المسافات. بل حتى لو كان انحلال اللغة العربية إلى لغات محلية ممكنًا في القديم، إبان شيوع الأمية، فهو أقل احتمالاً، بل ربما يكون مستحيلاً بعد انتشار التعليم في الأقطار العربية وانتشار وسائل الاتصال الحديثة التي قرَّبت اللهجات العربية بعضها من بعض. وسوف يبين إيزل في هذا البحث أن هذا هو المستقبل المتوقع للغة العربية [المترجم]. 

[26] جبران خليل جبران )1883ــــ 1931م) الشاعر العربي اللبناني المعروف، من أدباء وشعراء المهجر. وانظر هذا المقال في هذا الكتاب [المترجم].

[27] ـــ أوردت نص الأسئلة كما وردت في مقال جبران المشار إليه [المترجم].

[28] وهو قوله: ""وعندي أنَّ في المواليا، والزجل، والعتابا، والمعنّى من الكنايات المستَجَدَّة، والاستعارات المستملَحة، والتعابير الرشيقة المستنبَطة، ما لو وضعناه بجانب تلك القصائد المنظومة بلغة فصيحة، والتي تملأ جرائدَنا ومجلاّتنا، لبانت كباقة من الرياحين بقرب رابية من الحطب، أو كسرب من الراقصات المترنِّمات قبالة مجموعة من الجثث المحنطة"".

[29]ـــــ دانتي الإلغيري الشاعر الإيطالي المعروف الذي كتب قصيدة سردية طويلة استغرق تأليفها من 1308إلى 1320م. وهي من عيون الأدب الإيطالي، وتعد أول نص طويل في اللغة الإيطالية الحديثة وترجمتْ إلى عدد كبير من لغات العالم ومنها العربية.

ومن الشائع القول بأن دانتي كان أول من كتب بالعامية الإيطالية بدلاً من اللاتينية. لكن المستشرق البريطاني الأمريكي برنارد لويس يقول بخلاف ذلك. فهو يقول في كتابه:

From Bable to Dragomans: Interpreting the Middle East. London:

 Phoenix, 2005.  

""من بابل إلى التراجمة: تأويل الشرق الأوسط"":

""وفي عام 1492، وهي السنة المشهورة أيضًا بأحداث أخرى [رحلة كولمبوس، وطرد العرب من الأندلس]، نشر كاتب إسباني يدعى أنطونيو دي نيبريجا نحوًا للغة الكستالية [القشتالية] الإسبانية. وهذه، على حد ما أعلم، المرة الأولى التي يتعامل معها أيُّ أحد مع اللغة العامية بجد. فقد حاول أن يضع قواعد [نحوية] ويبدأ عملية كان من نتيجتها أن صارت اللغة الكستاليةُ اللغةَ الإسبانية. وبعد ذلك بقليل صار ينظر إلى اللغات الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والعاميات الأخرى كلها في أوروبا على أنها لغات مكتوبة لها قواعدها وأنحاؤها، بل ومعاجمها كذلك"" (p. 25).

وربما لا يكون ثّمَّ تناقض بين ما قاله لويس والرأي الشائع من أسبقية دانتي. إذ يمكن أن يكون دانتي أول  من كتب عملاً أدبيًّا بلهجته الإيطالية، لكن تدوين نحو الإيطالية العامية المتفرِّعة عن اللاتينية جاء تابعًا لعمل النحوي الإسباني  [المترجم].

[30] كان مصطلح ""الشرقيون"" المصطلحَ الشائع للدلالة على سكان المناطق التي تقع شرق أوروبا، لا سيما العرب والأتراك والهنود. انظر كتاب إدوارد سعيد ""الاستشراق عن هذا الموضوع [المترجم].

[31] ــ أشار إيزل في نقله هذا النص إلى خطأ جورجينا أيوب في استعماله مصطلح centrifugal القوة النابذة"" بدلاً     من مصطلح ""القوة الجاذبة"" centripetal المقصود في كلامها[المترجم].

[32] ــــhttp://www.aljadid.com/content/odyssey-words-evolution-arabic-language-20th-century.

[33] ــ ثم تضع بعد ذلك تحرُّزًا على الإجابات عن هذه الأسئلة ملاحِظةً أن إثارة هذه الأسئلة بهذه الكيفية ربما تصوِّر التجارب والمنظورات الأوروبية، أكثر من تصوريها تجارب العرب ومنظوراتهم، وأنه ينبغي للباحث ألا يفترض أن اللغة العربية تتبع المسار نفسه الذي سلكته اللغات الأوروبية (أيوب 2002م).

[34] discourse community يعرِّف المؤلف هذا المصطلح في صفحات قادمة ""بأنها أساسًا جماعة من الأفراد الذين يتفاعلون بشكل مطرد ويشتركون في أهداف واحدة وانتماءات واحدة وهويات واحدة، ويميلون لاستخدام اللغة بشكل متماثل"" [المترجم].

[35] في مقاله ""الازدواجية"" (1959م).

[36] ecosystem [المترجم].

[37]ــــ ينبغي أن يؤخذ مصطلح ""العربية"" هنا ليشير إلى ""الفصحى"". ومن الطبيعي أن ثَمَّ اختلافات بين ""العربية القديمة""، و""العربية التراثية"" و""العربية النموذجية المعاصرة"" (لغة العصر)، لكن متكلمي العربية لغةً أولى لا يميزون بين أنواع العربية هذه، كما لاحظتْ باركنسون Parkinson (1990)، لهذا فهي لا تظهر في القصة التي سأوردها هنا. كما ينبغي التذكير بأني أورد هذه القصة عن ""اللغة العربية"" كما يوردها آخرون، لا أني أزعم أي شيء عن صلاحيتها.  

[38] يقصد نجيب محفوظ الذي فاز بجائزة نوبل للآداب عام 2008م [المترجم].

[39] ــــ يُعرَّف الرأسمال الثقافي بأنه ""الأرصدة الاجتماعية غير المالية التي تُشجع الترقي الاجتماعي فيما وراء الوسائل الاقتصادية"".

http://en.wikipedia.org/wiki/Cultural_capital

[40] ــ للاطلاع على تلخيص أخير (واعتراض) على هذه الرواية، انظر:

 Lowrey and Stewart (2008, PP. 7-8).

لاحظ أني أعتمد في الرواية التي أوردها هنا على التقاليد العربية، وأنا لا أؤيدها.

[41] Regimes ويعني الترتيبات الإدارية. وسأستعمل كلمة ""نُظُم"" في ترجمة هذا المصطلح [المترجم].

[42] ترجمة لمصطلح reconstruction وهو تصوُّر لوضع اللغة في فترة تاريخية قديمة [المترجم].

[43] يستعمل المؤلف مصطلح ""القرون الوسطى""، وهو مصطلح خاص بالتاريخ الأوروبي لا ينطبق على ما كان عليه العالم العربي والعالم الإسلامي في الفترة التي يحددها. واستعملت مصطلح ""القرون المتأخرة"" للدلالة على ما بعد فترة ازدهار اللغة العربية [المترجم].

[44]Lentin (2008), P. 216.

[45] Zack & Schippers, 2012.

[46] Mejdell (2012), p. 244.

[47] يجب أن نذكُر، إضافة إلى القلة معيارًا للتطورات المستقبلية للعربية، الطبيعةَ الاختبارية [المؤقتة] للادعاءات عن اللغة العربية الوسيطة، كما دلل لينتن على ذلك في بحثه المتميز. ومن ذلك، مثلاً، أن كثيرًا من الادعاءات المهمة عن اللغة العربية الوسيطة تقدَّم بتعبيرات [متردِّدة] مثل ""توحي النصوص بأن الازدواجية في العربية كانت موجودة. . . بطرق ليست مختلفة كثيرًا. . .، وليس من سبب مقنع لتفسير أنها لم تَظهر ـــ كما يُتوقع ـــــ في أقدم فترة ظهرت فيها الوثائق، . . . وليس من سبب مقنع لحصرها في فترة القرون المتأخرة""(Lentin, 2008, p. 216) . كما نجد في بحوث أخرى عبارات مثل ""لا يمنعنا شيء من حيث النظرية"" و""وهذا ليس مستبعَدًا لكنه ما يزال بحاجة إلى التدليل عليه"". وما يزال هذا الحقل، على رغم هذه التحفظات، في طور الاستقصاء التدريجي، وهو الذي ربما يؤدي إلى آراء ثاقبة عن العمليات التطورية للعربية.

[48] استعملتُ مصطلح ""لهجة نموذجية"" في الإشارة إلى المكانة غير الرسمية التي تُضفى على لهجة العاصمة في كثير من البلدان العربية، وهي التي صارت تمثل بعض ""الرأسمال الثقافي""، نتيجة لدورها في الحكومة ووسائل الإعلام، مما جعلها تتجاوز دور اللهجات الأخرى في الدولة الوطنية.

[49] Isoglosses هي خطوط ترسم لتبيين الحدود بين اللهجات اعتمادًا على سمات كل لهجة [المترجم].

[50] لاحظ أني قصدتُ بالأشكال المرسومة هنا وفيما يأتي أن تَكون اختصارًا أو تقريبًا لعمليات وحالات لغوية اجتماعية ثقافية أكثر تعقيدًا، وهي عمليات أكثر تشوُّشًا في الواقع وأقل تحديدًا مما يقتضيه التمثيل الجغرافي.

[51] المقصود بـ""فرض الفصحى"" هنا اختيارها على أن تكون الشكلَ اللغوي الوحيد الذي له قيمة، وهو ما يعني أنه الشكل الصحيح الوحيد للغة الذي يجب أن يسعى كل أحد لاستعماله [المترجم].

[52] المقصود بــ""تسوية اللهجات"" إزالة الفوارق اللغوية بينها [المترجم].

[53] ـــ التعبير عن خروج الفلسطينيين من فلسطين بــ""الهرب"" ليس صحيحًا. بل كان خروجهم نتيجة لجريمة التطهير العرقي التي انتهجتها العصابات الصهيونية خلال عامي 1947 و 1948م وارتكبت خلالها مجازر فظيعة اعترف بها المؤرخون الإسرائيليون أنفسهم [المترجم].

[54] ــــ لا تشير الإحصاءات الأكاديمية والرسمية المغربية إلى أن ""الأمازيغية"" هي لغة الأغلبية. وقد كتبتُ إلى المؤلف بعدم تماشي كلامه هنا مع تلك الإحصاءات فأجابني برسالة في 10 أبريل 2019م جاء فيها:

""من الصعب أن نحدد من الإحصاءات المتوفرة النسبة المئوية للمغاربة المتكلمين بالبربرية. وفيما يأتي شذرة من مقال في ويكيبيديا عن ""لغات المغرب"":

""قدَّر أندريه باسيه  André Basset، سنة 1952، في كتابه (""La langue berbère"", Handbook of African Languages, Part I, Oxford) أن ""غالبية قليلة"" من سكان البربر يتكلمون البربرية. وقدَّر إحصاءُ سنة 1960 أن 34% من سكان المغرب يتكلمون البربرية، وهو يشمل [متكلميها إلى جانب لغات أخرى]. وأورد كارل براس Karl Prasse أن ""أكثر من نصف"" [السكان يتكلمون البربرية]، اعتمادًا على مقابلة أجراها براهيم كرادا في مواقع Tawalt.com.. واعتمادًا على [إحصاء]Ethnologue  (واستخلاصًا من الأرقام التي أوردها عن نسبة المتكلمين بالعربية، تقدر نسبة عدد السكان المتكلمين للبربرية 65% (1991، 1995) ....

وبسبب عدم الوضوح، واعتمادًا على تجاربي في المغرب، أظن أني أميل إلى خطأ ما يخص الأمازيغية (بل حتى اسم اللغة موضع خلاف)، وبما أن الأمازيغية تبدو كأنها أكثر التنوعات الكلامية تشويهًا، حتى مع اعتراف معظم المغاربة بأنهم جاءوا من أصول بربرية ـــ وربما يكون هذا السبب في عدم الوضوح عمَّن ""يعَد"" ""متكلمًا"" للبربرية. . . "".

ومما يدل على أن القول بأن الأمازيغية لغة الأغلبية ليس قولاً راجحًا ولا تؤيده الإحصاءات الرسمية ما ورد في كتاب اللساني المغربي، من أصول أمازيغية، الدكتور محمد المدلاوي، بالاشتراك مع فرانسوا ديل. وملخصه أن متكلمي الأمازيغية لا يزيدون عن ثلث سكان المغرب.

انظر فرانسوا ديل ومحمد المدلاوي في كتابهما: ""المقاطع في لغة تَشْلْحِيات البربرية واللغة العربية المغربية:

 

Syllables in Tashlhiyt Berber and in Moroccan Arabic by FRANÇOIS DELL MOHAMED ELMEDLAOUI, BOSTON / DORDRECHT /

 LONDON: KLUWER ACADEMIC PUBLISHERS, 2002.

""The majority of the people who speak a Berber language live in Morocco,

and more than one third of the Moroccan population speaks a Berber

language"", p.6.

""تعيش أغلبية المتكلمين باللغة البريرية في المغرب، كما أن أكثر من ثلث سكان المغرب يتكلمون لغة بربرية، ""ويستعمل متكلمو البريرية من مناطق مختلفة اللهجة العربية المغربية لغرض التواصل"".        

ويقول د. عبد القادر الفاسي الفهري، اللساني المغربي المعروف، في كتابه: السياسة اللغوية في البلاد العربية: بحثًا عن بيئة طبيعي عادلة، ديموقراطية، وناجحة. بيروت: دار الكتاب الجديد، 2013، هامش (42)، ص130: ""في سنة 2004، حسب إحصاء الساكنة للمندوبية السامية للتخطيط (التقرير الوطني)، فإن حوالي 90% من الساكنة (من خمس سنوات أو أكثر) ناطقة بالعامية المغربية (أو الدارجة)، وهي لسان عربي، وما يقرب من 60% ينطقون بالفصيحة ويكتبونها، وأما الناطقون بالسوسية الشلحية فحوالي 5%، مما يعني أن ثلث السكان على الأكثر هم الناطقون بالأمازيغية، وتنص إحصاءات Ethnologue على وجود 7,5 مليون متكلم للأمازيغية في المغرب سنة 2009"" [المترجم].

[55] وكما قالت باركنسون (Parkinson, 1996, p. 100): ""لذلك ربما أُحاجُّ بأن السبب في أن لدى كثير جدًّا من المتكلمين المتعلمين معرفةً غير كاملة بلغتهم الأدبية النموذجية، وأن المظهر الناتج لاستعمالات الفصحى الصحيحة الأقل مثاليةً يتصل بشكل قريب جدًّا باستعمال اللغة العربية النموذجية الحديثة في هذا القرن بصفتها جزءًا أصيلاً من نظام التواصل اليومي لأكثر المصريين وأنها صارت تقوم  بوظيفتها جزءًا من ذلك النظام ـــ وإعادة تأويلٍ ناشئة عنه، بدلاً من كونها شكلاً مستقلاً بل معزولاً يمكن أن يحافظ على الاطراد مع نفسه فقط"".

[56] ـــ انظر الهامش رقم 14 على ترجمتي لمقال إيزيل السابق عن تعريف ""السمت"" [بالمترجم].

[57] انظر الحاشية (55) [المترجم].

[58] يغلب على قنوات التلفزة الفضائية اللبنانية استخدام اللهجتين النموذجتين (لبيروت والقاهرة)، لكن يمكن أن نسمع تنوعًا واسعًا للّهجات حتى في محطات مثل الجزيرة التي تذيع الأخبار بالفصحى بشكل خالص. ويعود هذا إلى التقارير الميدانية التي تشتمل على مقابلات مع أناس في الشارع، أو البرامج الوثائقية التي ربما تحوي قطعًا طويلة من السرد أو المقابلات باللهجة، بل حتى بعض التقارير أو البرامج الوثائقية عن لهجة مّا.

[59] ـــ والنقاش التالي تلخيصٌ لوصف [الزمن الخالد] الذي نجده عند هولتروف Holtrof (1906) .

[60] لاحظ هنا حثَّ خليل جبران على جعل مستقبل العربية مَجيدًا كما كان ماضيها.

[61] من المفيد أن نعيد هنا ملحوظة باركنسون (1990) (في الحاشية رقم 44) عن كيف استُدخلت اللغة العربية النموذجية المعاصرة في نظام التواصل اليومي عند المصريين وصارت جزءًا منه، لا منفصلاً عنه.

[62] Megaliths هي الآثار القديمة ومنها المعالم المبنية بالأحجار الضخمة أو الصخور المنحوتة، كما هي آثار مدائن صالح، مثلاً [المترجم].

[63] محاولة لنحت كلمة مأخوذة من الكلمة الإنجليزية المنحوتة: Glocalized وهي مأخوذة من Global ""عولمية"" وlocal ""محلية""، أي تتصف بأنها ""محلية مطعَّمة بعناصر معولمة"" [المترجم].

[64] كلمة منحوتة من كلمتَي ""عربي"" و""إنجليزي""، وهي صياغة يُقصد بها السخرية [المترجم].

[65] Butterfly effect وهو تعبير يستعمل في الدلالة على أن سببًا ضئيلاً في البداية يمكن أن تنتج عنه نتائج كبرى [المترجم].

[66] ــ يعني الولاء للغة هنا ولاء الجماعة الخطابية للهجتها [المترجم].

[67]ـــ ينتقد يونس (Younes 2007-2008) المقاربة التقليدية لتعليم اللغة العربية في العالم العربي، لكن هدفه لم يكن إحلال الفصحى محل العاميات.

[68] ربما يقال إن نسبة الأمية العالية في المجتمعات العربية قديمًا لم يمنع الإنتاج الثقافي فيما اصطُلح عليه بــ""العصر الذهبي"" للثقافة العربية العالِمة، لكن ليس لهذه الملحوظة صلة باستمرار نسبة الأمية العالية في العصر الحاضر الذي يعتمد فيه التطور الاقتصادي والسياسي على التعليم المعمم على المستويات كافة.

[69] الذي في النص هو كلمة ""قوى الجذب"" centripetal forces، أما الواضح فالمقصود هو   Centrifugal forces ""قوى النبذ"". وكتبتُ للمؤلف عما يبدو تعارضًا هنا فأجابني بنص معدَّل لكي يتضح المراد من كلامه هنا. وأنا أترجم النص المعدل لا النص كما هو في الأصل [المترجم].

[70] أي حروف الجر والظروف المكانية والزمانية، وغيرها [المترجم].

[71] انظر الحاشية رقم 64 [المترجم].

المراجع

 

جبران خليل جبران. مستقبل اللغة العربية. فتاوى كبار الكتّاب والأدباء في مستقبل اللغة العربية (1923)، نشرتْ ضمن كتاب: ""فتاوى كبار الكتّاب والأدباء في مستقبل اللغة العربية (1923م، (ص ص 83-95)، القاهرة: دار الهلال [رجع إيزيل إلى ترجمة عدنان حيدر إلى اللغة الإنجليزية، 2002م]).

Abuhamida, Z. (1988). Speech diversity and language unity: Arabic as an integrating factor. In G. Lucian & G. Salme (Eds.), The Politics of Arab integration, vol. 4 (pp. 33-53). London: Croom Helm.

Adelman, G. (2011). Arabic. The Language of the future?” Family Security Matters, Retrieved from >http://www.familysecuritymatters.org/pub;ications/id.8715/pub_ detail.asp<

Al Jabry, S. A. (2013). 19May. Alarm bells over future of Arabic language. The National. Retrieved from <http://www.thenational.aelnew;uae-news/heritage/alarm-bells-over-future-ofarabiclanguage>

 Assmann, A. (1991). Kultur als Lebenswelt und Monument. In A. Assmann & D. Earth (Eds.), Kultur als Lebenswelt und Monument (pp. 11–25). Frankfurt: Fisher.

 Assmann, J. (1992). Das kulturelle Gedächtnis: Schrift, Erinnerung und politsche Identität in frühen Hochkuturen. Munich: Beck.

Ayoub, G. (2002). An odyssey of words: Evolution of the Arabic language in the 20th century. Al Jadid. Retrieved from <http://www.aladid.com/content/dyssey-words-evolution-arabic-language-20th-century>

Brustad, K. (2015). The question of language. In D. Reynolds (Ed.), The Cambridge companion to modern Arab culture (pp. 19–35). Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CCO9781139021708.004

Calvet, L.-J. (1974). Linguistique et colonialisme: Petit traité de glottophagie. Paris: Bibliotheque scientifique.

den Heijer, J. (2012). Introduction: Middle Arabic and Mixed Arabic: A new trend in Arabic studies. In L. Zack, & A. Schippers (Eds.), Middle Arabic and Mixed Arabic: Diachrony and synchrony (pp. 1–25). Brill: Leiden. doi:10.1163/9789004228047_002

Ferguson, C. (1959). Diglossia. Word, 15, 325–340. doi:10.1080/00437956.1959.11659702

Gavin, M.C., Botero, C.A., Bowern, C., Colwell, R.K., Dunn, M., Dunn, R.R., Gray, R.D., Kirby, K.R., McCarter, J., Powell, A., Rangel, T. F., Stepp, J.R., Trautwein, M., Verdolin, J. L., & Yanega, G. (2013). Toward a mechanistic understanding of linguistic diversity. BioScience, 63(7), 524–535. Retrieved from <http://dx.doi.ortg/10.1525/bio.2013.63.7.6>

 Gibran, K. (1923). The future of the Arabic language. (A. Haydar, Trans., 2002). Retrieved from (In Arabic: mustaqbalu -l-lughati -l-`arabiyya. In fataawii kibaari -l-kuttaabi wa-l-‘udabaa’i fi mustaqbali – l-lughati – l-`arabiyya (1923) (pp. 83–95). Cairo: ‘Idaaratu -l-Hilaal.

Graddol, D. (1997). The future of English? A guide to forecasting the popularity of the English language in the 21st century. Retrieved from <http://www.teachingenglish.org.uk/sites/teacheng/files/learningpelt-future.pdf>

 Graddol, D. (2004). The future of language? Science, 303, 1329–1331. doi:10.1126/science.1096546

Hary, B. (2012). Judeo-Arabic as a mixed language. In L. Zack, & A. Shippers (Eds.), Middle Arabic and Mixed Arabic: Diachrony and synchrony (pp. 125–143). Brill: Leiden. doi:10.1163/9789004228047_008

Holtorf, C. (1996). Towards a chronology of megaliths: Understanding monumental time and cultural memory. Journal of European Archeology, 4, 119–152. doi:10.1179/096576696800688051

Holtorf, C. (2001). Monumental past: The life-histories of megalithic monuments in Mecklenburg Vorpommern (Germany). Toronto: CITDPress, University of Toronto at Scarborough.

Lentin, J. (2008). Middle Arabic. In K. Versteegh (Ed.), Encyclopedia of Arabic Linguistics, Vol. 3. (pp. 215–224). Brill: Leiden.

 Lowrey, J., & Stewart, D. (2009). Essays on Arabic literary biography 1350–1850, vol. II. Wiesbaden: Harrasowitz.

Maamouri, M. (2003). Arabic literacy. Linguistic Data Consortium, University of Pennsylvania. Retrieved from <http//www/1dc.upenn.edu/sites/www.1dx.upenn.edu/files/Arabic-literacy.pdf>

Mejdell, G. (2006). Mixed styles in spoken Arabic in Egypt: Somewhere between order and chaos. Brill: Leiden.

Mejdell, G. (2006). The use of colloquial in modern Egyptian literature: A survey. In by L. Edzard & J. Retso (Eds.), Current Issues in the Analysis of Semitic Grammar and Lexicon II (pp. 195– 213). Wiesbaden: Harrassowitz.

Mejdell, G. (2012). Playing the same game: Notes on comparing spoken contemporary Mixed Arabic and (pre-)modern written Modern Arabic. In L. Zack, & A. Schippers (Eds.), Middle Arabic and Mixed Arabic: Diachrony and synchrony (pp. 235–245). Brill: Leiden. doi:10.1163/9789004228047_014

Mufwene, S. (2001). The ecology of language evolution. Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511612862

Mufwene, S. (2010). Globalization and the spread of English: what does it mean to be Anglophone. English Today, 101(26), 57–59. doi:10.1017/S0266078409990605

Parkinson, D. (1990). Searching for modern fuṣḥa: Real life formal Arabic. Al-’Arabiyya, 24, 31–64.

Parkinson, D. (1996). Variability in Standard Arabic grammar skills. In A. Elgibali (Ed.), Understanding Arabic. Cairo: American University in Cairo Press.

 Ray, P. S. (1968). Language standardization. In J. Fishman (Ed.), Readings in the Sociology of Language (pp. 754–65). The Hague: Mouton. doi:10.1515/9783110805376.754

Sayed, F.H. (2006) Transforming education in Egypt: Western influence and domestic policy reform. Cairo: American University in Cairo Press. doi:10.5743/cairo/9789774160165.001.0001

Stockwell, P. (2000). Future talk: One small step towards a chronolinguistics. Nottingham Linguistic Circle, 15, 55–68.

Tapia, A. (2010). Non-native English speakers setting new standard. Retrieved from: <http://static.globalenglish.com/files/news/GE_newsAmericaMedia_07042010.pdf?q-files/news?GE_newAmericaMedia_07042010.pdf

 Tiberge, S. (2008, October 14). Sarkozy: “Arabic is the language of the future”. The Brussels Journal. Retrieved from http://www.brusselsjournal.com/node/3591

 Tucker, C.R. (2014). Summary and concluding observations. In K. Bailey, & R.M. Damerow, (Eds.), Teaching and learning English in the Arabic-speaking world (178–183). New York, NY: Routledge.

 UNESCO Institute of Statistics. (2003). Adult and youth literacy: National, regional and global trends, 1985–2015. Retrieved from

        http://www.uis.unesco.org/Education/Decuments/literacy-statics=trends-1985-2015.pdf

Van Parijs, P. (2008). Linguistic diversity as a curse and as a by-product. In X. Arzoz (Ed.), Respecting linguistic diversity in the European Union (pp. 17–46). Amsterdam: John Benjamins. doi:10.1075/wlp.2.04par

Younes, M. (2007–08). On “i’rab”, power, and language reform in the Arab World. Al-‘Arabiyya, 40/41, 221–241.

Zack, L., & Schippers, A. (Eds.). (2012). Middle Arabic and Mixed Arabic: Diachrony and synchrony. Brill: Leiden.

 

الفصل السابق

كتب ذات صلة