هذا الجزء من الكتاب ليست مجرد موقف فكاهي، بل تكشف عن صراع دائم بين النظرية والتطبيق في ما يتعلق باللغة في حياتنا اليومية. فهي تبرز التناقض بين ""الفصحى الأكاديمية"" و""اللهجات الشعبية""، وتُظهر كيف أن هناك فجوة واسعة بين ما يُدرس في المدارس والجامعات، وما نستخدمه في حياتنا العادية.
تبدو هذه الظاهرة ظاهرة عالمية أكثر مما نتخيل، إذ يعاني الكثيرون في مختلف البلدان من تحديات مشابهة عندما يضطرون للتنقل بين مستويات اللغة تبعًا للسياق الاجتماعي والثقافي.
فهل يمكن أن نتوصل إلى حلول عملية لهذه الازدواجية اللغوية؟ وهل يمكننا إيجاد طريقة للتوفيق بين الفصحى واللهجات دون أن نُقصي واحدة على حساب الأخرى؟ تعالوا نكتشف معًا في هذا المقال كيف يمكن أن نتعامل مع هذا الصراع اللغوي ونفهم أبعاده بشكل أعمق.
نشرتُ عام 1959م ثلاث مقالات عن اللسانيات العربية، تلك هي: ""الازدواجية"" و""أساطير عن اللغة العربية"" و""اللغة العربية العامية المشتركة""[1]، ولم أصل في نشاط النشر إلى ذلك المستوى مرة أخرى في مجال اللسانيات العربية. وتمثلتْ ردود الأفعال الإجمالية على تلك المقالات بالثناء، وإن كانتْ المقالة الأولى أكثرَهنَّ تعرُّضًا لسوء فهمِ ما قصدتُه فيها، وكانت المقالة الثالثة أكثر ما يُختلف معي فيه دائمًا حتى إن فُهمتْ[2]. أما المقال الثاني فهو ما أَهتم به أكثر من غيره لأن ما سوف أتحدث عنه في ورقتي هذه يسير في الاتجاه الذي سارتْ فيه.
وكنت ألقيتُ [بحث] ""أساطير عن اللغة العربية"" في ندوة عُقدتْ في جامعة جورج تاون [في واشنطن، العاصمة الأمريكية] وما يزال ذلك الحدث يَرنُّ في ذاكرتي. وكنت أحاول أن أصف [في تلك المحاضرة] بطريقة ظننتها موضوعية محايدة عددًا من المواقف التي يبدو أن العرب يتخذونها من لغتهم. وحاولت أن أصوغ [وصفَ تلك المواقف] بطريقة لا تَظهر فيها تحيزاتي الخاصة كثيرًا، وألا أُغضب مَن يتخذون مواقف أخرى. وخُصص وقت للنقاش بعد إلقائي الورقة. فأُعطِيتِ الكلمةُ لأستاذ [جامعي] عربي؛ فوقف، ومرَّتْ دقائقُ من الصمت [قبل أن يتكلم]، وكان من الواضح أن مداخلته لن تكون في صالح الورقة. ولم يَزد [في تعليقه] على أنْ قال، بقدر من الحزن أكثر مما هو من الغضب: ""كنا نظن أنك صديقُنا"". فمن الواضح، إذن، أنه حتى إن حاولتُ صياغةَ ما أقوله بما أظن أنه طرق محايدة أو لطيفة، فربما لن يُستَقبل دائمًا على ذلك الوجه[3]. وأرجو أن تُبقي ملحوظاتي التي سوف أُدلي بها هنا على صداقتِنا.
وربما لاحظ بعضٌ منكم عنوانَ ورقتي [هذه]. وهو جزء من الآية 23، من سورة البقرة، على ما أعتقد[4]. وهو {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِه}[5]. وتَرِد هذه الرسالة مرتين في موضعين آخرين في القرآن في الأقل[6]، كما يعرف بعضكم أكثر مني؛ ومن هنا فهي ليست رسالة هامشية يمكن تجاهلها. وتستمر الآية الثانية في القول: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[7].
وتحوي الكتب الدينية المقدسة غالبًا ـــ بل ربما نقول دائمًا ـــ نوعًا من التسويغات لصدق ما تدعو إليه أو البراهين على صدقه، وهذا ما يجعل الرسالة [القرآنية المتضمنة في تلك الآيات] غير مفاجِئة. لكن كان لهذه الرسالة على وجه خاص أهميةٌ خاصّة في العالم العربي لقرون عدة، وهذا ما أريد مناقشته هنا. ولا أرغب أن أعود إلى القرون الماضية للبحث عن الكيفية التي أُوِّلت بها تلك الرسالة احتمالاً، لكني أود أن أتحدث، في ضوء هذه الرسالة، عن حال اللغة العربية ودراستها قبل أربعين عامًا ودراستِها في الوقت الحاضر. وآمل ألا تؤاخذوني إن تلوَّنتْ ملحوظاتي بقدر قليل من طعْم ذكرياتِ رَجلٍ مُسِنّ عن الفترات المبكرة [من نشاطه البحثي عن اللغة العربية].
وأود، أولاً، أن أوضِّح بشكل لا لبس فيه أني لا أُؤوِّل هذه الرسالة [القرآنية التي تعبر عنها الآية] على أنها تعني أن اللغة العربية، لكونها عربية، أعظمُ اللغات جميعًا. فلا أظن أن في تلك الرسالة ما يعني أن أصوات اللغة العربية أو نحوها أو صيغ التعبير فيها، أو مظاهرها الأخرى أفضلُ بشكلٍ مّا من اللغات الأخرى. وربما يرى بعض المؤِّولين هذا التأويل، أو يرى بعضٌ آخر أن ذلك ما توحي به تلك الرسالة، أما أنا فلا أرى أنها تعني شيئًا من ذلك. كما أنها لا تعني، كما أفهمها، أنَّ ثَمَّ شيئًا فَريدًا عن مضمون الوحي القرآني وحسب؛ وربما يكون ذلك صحيحًا، لكني لا أظن أن هذا هو معنى هذه الرسالة. أما ما يبدو أنها تعنيه فهو أن هذا الجَمع الرائع الفريد بين الشكل اللغوي والمضمون يَتجلى على درجة لا يمكن مجاراتها، وأن هذه الحقيقية نوع من البرهنة على صدق الوحي كلِّه. وسوف أعود إلى رسالة تلك الآية مرارًا قبل أن أُنهي ورقتي.
وقد ظللت أربعين عامًا متوالية على اتصال بشكل مّا بالعالم العربي وباللغة العربية ومتكلميها ومستعمليها وبدراستها وتدريسها. وهذا ما حدا بي إلى أن أختار مقارنة [ما كانت عليه الحال] قبل أربعين عامًا بالأوضاع نفسها في الوقت الحاضر. ولا شك أن كثيرًا من التغيرات حدثتْ [منذ ذلك الحين]. وربما قرأ بعضكم في ""مجلة الشرق الأوسط"" Middle East Journal تعليقَ كارل براون، أستاذ التاريخ في جامعة برنستون [الأمريكية]، الذي مفاده أن التغيرات في الشرق الأوسط ــــ ويمكن أن نقول في ""العالم العربي"" ـــــ خلال الأربعين عامًا الماضية ربما تفوق التغيُّرات التي حدثت فيه طوال الأربعمائة عام الماضية، أو ربما أطول. وأظن أن هذا صحيح. بل ربما نجد الشواهدَ على [صحة تعليق براون] في أي إحصاءات يمكن الحصول عليها أو في أيِّ نوع من الصفات الوصفية [لذلك الماضي] أو المواقف [منه]. فيمكن أن نتكلم عن السكان، أو عن نسبة الدَّخْل الفردي، أو نسبة الأطفال الذين يَلتحقون بالتعليم العامّ، أو عن أنماط تنقُّلِ العرب من قُطر [عربي] إلى قطر [عربي آخر]، أو عن عدد كبير من الطرق الأخرى التي تغيَّر بها العالم العربي خلال الأربعين عامًا الماضية. كما علَّق ريتشارد باركر، في عدد المجلة نفسه، بما يشبه تعليق براون عمّا أسماه ""انفجار النَّشْر"". فقد زعم أنَّه في عام 1947م كان بإمكان أيِّ فردٍ يتحلى بما يَكفي من النشاط والهمة قراءةَ ما يُنشر [عن العالم العربي] من البحوث الجادة باللغة الإنجليزية كلَّه. أما الآن فيَجعل نشرُ 2000 كتاب تقريبًا و250 نشرة دورية بالإنجليزية عن ""الشرق الأوسط"" من غير الممكن لأي فرد حتى أنْ يفكِّر بإمكان الإحاطة بما يُنشر. ويمكن أن يُعلَّق بتعليق مماثل عن التغيرات في وضع اللغة العربية ووضع دراستها قبل أربعين عامًا وعنهما الآن. بل إني لأجد أن من المخيِّب للأمل أن قضية اللغة العربية لم تُذكر في عدد المجلة [المشار إليه]. إذ لا نجد فيها أي بحث يقول فيه كاتبُه: ""كان وضع اللغة [العربية]، كما تَعرفون، مختلفًا جدًّا قبل أربعين عامًا، كما كانت دراستها مختلفة جدًّا كذلك [عما هي عليه الآن]"". ومن المحزن أن هذا ما يَفعله المتخصصون في العلوم الاجتماعية عمومًا، كالمؤرخين والمتخصصين في العلوم السياسية، والآخرون الذين قلَّما يَذكرون اللغة أو دراستها. فهم يعترفون بوجود اللغة حقًّا، لكنهم يفشلون غالبًا في النظر إليها على أن لها شأنًا مُهمًّا في المجتمع.
فما أود أن أتناوله هنا، إذن، هو وصف وضع اللغة العربية ودراساتها قبل أربعين عامًا، ثم أُعلق بعد ذلك على وضعهما الآن. وحين أتكلم عن الأربعين عامًا الماضية أتكلم بصفتي خبيرًا إلى حدٍّ مّا، إذ إني اهتممتُ بالعالم العربي؛ وكنت أحاول تعلُّم اللغة العربية، وبدأت في تحليل بعض مظاهرها من منطلقات لسانية. إلا إني انصرفت، بعد فورة من النشاط البحثي قبل سنوات [في هذا المنحى]، إلى نشاطات أخرى[8]، مع الأسف، وهو ما أدى إلى تراجع معرفتي باللغة العربية في السنوات الماضية الأخيرة وإلى تَراجع ارتباطي بمجال البحث فيها. ومن هنا، فربما يكون وصفي لما كانت عليه الأوضاع قبل أربعين عامًا أفضل مما يمكن لي أن أقوله عن الأوضاع نفسها في الوقت الحاضر. لكن إن كنت بعيدًا عن الصورة المعاصرة، فأنا على يقين أنكم ستصوِّبون ما أقوله، فأنتم أكثر وعيًا مني بالوضع كما هو الآن؛ ومع هذا فسوف أتكلم عن انطباعاتي. دعوني أبدأ بالإشارة إلى عدد قليل من سِمات الوضع اللغوي العربي ودراسة اللغة العربية قبل أربعين عامًا. وربما لا تكون النقاط التي سأوردها غريبة على بعضكم ممن عاصر تلك الأوضاع في ذلك الماضي؛ ومع هذا فسيبدو لمعظمكم أنَّ ما سأقوله كأنه ماض مجهول.
فقد اتسم ذلك الوضع القديم بما سُمّي ""نِسبة التعلُّم المقصورة"" أو ""نسبة تعلُّم النخبة"" بل حتى ""نسبة التعلُّم الشرقية""، هذا أولاً. وهو ما يعني أن العالم العربي كان في تلك الفترة مجتمَعًا يشبه مجتمعات كثيرة في آسيا حيث كان يوجد في المجتمع قدرٌ من التعليم والاشتغال بالأدب لقرون لكنه كان مجتمعًا أميًّا بصورة تكاد تكون كلِّية؛ إذ لم يكن يوجد إلا طبقة محدودة من العلماء التقليديين ومن الأفراد الذين يستعملون ما حصَّلوه من التعلُّم في لغتهم في حياتهم اليومية. وكان هذا هو الوضع السائد في العالم العربي قبل أربعين عامًا.
وثانيًا، كانت توجد في العالم العربي لغاتُ المستعمِرين ـــ أي الإنجليزية والفرنسية ولغات أخرى. وأدت هذه اللغات دورًا خاصًّا جدًّا. إذ تعلَّم عدد من العرب، لا سيما في مستوى الدراسات العليا، إحدى هذه اللغات بصفتها وسيطًا [لتعلُّمهم] مما ترك أثرًا تكوينيًّا [دائمًا] على حيواتهم ونشاطاتهم العلمية، والطرق التي يفكرون بها. وكانت لغات المستعمرين أدواتٍ ""للتحديث"" أو ""التغريب""، كما ترتَّب عليها نوعٌ من الحيرة، بل نوعٌ من انقسام الشخصية، على الأفراد وعلى المجموع. وهذه الظاهرة معروفة، لا في العالم العربي وحسب، بل في بلدان ما سمي بالعالم الثالث كذلك. فلم توجد في العالم العربي قبل أربعين عامًا طبقة محدودة من العلماء التقليديين وحسب، بل كانت توجد أيضًا طبقة محدودة أخرى من الذين قام تكوينهم الأساس على الإنجليزية أو الفرنسية، وكانت هذه طبقة مختلفة عمومًا إلى حد بعيد.
وثَمَّ سمة ثالثة أكثر إغراء وأكثر وَعدًا. فقد شهدت اللغة العربية نهضة إحيائية؛ إذ [ازدهرت فيها] ثقافةٌ أدبية اتخذت اللغة [الفصحى] وسيطًا، بعد أنْ عانتْ من الركود ما بين القرنين الثالث عشر والثامن عشر الميلاديين. وإذا كان بيننا هنا متخصص بتلك الفترة [يعرف أفضل مني عنها]، فأنا أعتذر؛ لكني أرى أن تلك الفترة [الطويلة] لم تشهد فيها اللغة العربية ولا الأدب العربي قدرًا كبيرًا من النشاط. أما القرن التاسع عشر فشهد نهضة رائعة في استعمال اللغة العربية بصفتها لغة كبرى وبصفتها وسيطًا لثقافة عالِمة وأدبية. وأظن أننا نغفُل غالبًا الآن عن [تقدير أهمية] تلك المعجزة أو نتجاهلها. وكثيرًا ما يشير الباحثون إلى معجزة إحياء اللغة العبرية التي كان إحياؤها حدثًا عظيمًا رائعًا. لكن إحياء اللغة العربية كان يتنامى [في الفترة نفسها] بقدر مماثل من الروعة، كما يذكِّرنا [المستعربُ الإسرائيلي جاشوا] بلاو[9]. وكانت ثَمَّ اختلافات بين الإحياءين، بالطبع. فلم يكن للعبرية جماعة لغوية تتكلمها لغة أولى، مثلاً، فيما كان العالم العربي كله يتكلم تنوعات من اللغة العربية لغةً أولى. أما بمعنى وجود لغة أدبية فكان ذلك جزءًا لا يتجزأ من اهتمام متكلمي العربية؛ فقد كان ثَمَّ نهضة، وكان ثَمَّ إحياء للغة، وكان ثَمَّ تجديد لِلُغةٍ لم تكن حية تمامًا.
وهذه السمات الثلاث لافتة للنظر، وتقود مباشرة إلى سمة رابعة. فيمكن أن نتفق جميعًا هنا على أن الوضع اللغوي [في العالم العربي] يتصف بالازدواجية اللغوية. ذلك أن اللغة الأدبية التي أحييت واللهجات اليومية المتكلمة وضعان وظيفيان مختلفتان من حيث الاستعمال في العالم العربي، ويمكن وصفهما، بمعنى مفهوم الازدواجية في اللسانيات الاجتماعية، بالنوعية العليا والنوعية الدنيا. ولن أحاول هنا تسويغ مفهوم الازدواجية أو الدفاع عنه، فنعرف جميعًا الظواهر التي تتصل به في العالم العربي حتى إن كنا ربما لا نتفق على بعض القضايا النظرية المتصلة به[10].
ولم أكن مهتمًّا [قبل أربعين عامًا]، أو الآن، بالسماتِ البنيوية الدقيقة للنوعية العليا واستعمالاتها، والسمات البنيوية للنوعية الدنيا واستعمالاتها ــــ مع أني أحبِّذ كثيرًا أن يناقِش اللسانيون تلك القضايا في مناسبات أخرى. فما يهمني أكثر من غيره هو المواقف ذات الصلة بذلك الانقسام بين البِنية والاستعمال. ويجب أن نعترف، بالطبع، بأن مواقف العرب قبل أربعين عامًا لم تكن فريدة تمامًا. فقد نشأت الأوضاع الازدواجية في أجزاء كثيرة من العالم في فترات مختلفة، كما أن المواقف من اللغة [في العالم] متشابهة بطرق كثيرة. لكنَّ بعض مواقف العرب من اللغة تلفت النظر بشكل واضح. إذ قامت بعضُ تلك المواقف، بالطبع، على [تأويل] تلك الآيات [التي أوردتُها] بأنها تُعلي من قِيَم أشكال اللغة العربية الفصحى المتكلمة والمكتوبة ومن مضامينها. أما ما يلفت نظري أكثر من ذلك، بصفتي [لا أتكلم اللغة العربية لغة أولى]، فهو الموقف من اللهجات، أي الموقف من الأشكال التي يتكلمها الناس في حياتهم اليومية. وكنت أواجَه أينما توجَّهتُ، حين تخصصت في الدراسات العربية، ببعض الأحكام التي تنفي وجود هذا النوع من اللغة العربية [اللهجات] نفيًا قاطعًا؛ أو بأنه يجب، إن كان موجودًا، ألا يوجد؛ أو [بأن يقول متكلم عربي] ""أنا لا أستعمل [هذا النوع من اللغة] إطلاقًا""؛ أو ببعض التنوعات من مدى واسع من المواقف التي تقلِّل من قيمة اللهجات أو تُنكر وجودها. وبما أننا جميعًا أصدقاء، أو [إلى حد هذه النقطة من النقاش في الأقل]، دعوني أورد شواهد قليلة [على ذلك] مما احتفظتْ به الذاكرة أعوامًا طويلة.
والشاهد الأول أني ذهبت إلى بيروت لأول مرة، عام 1947م، واتفقت مع معلِّم (ويسميه اللسانيون ""راويةً"" محليًّا) ليعلمني اللغة العربية ـــ أي اللغة العربية العامية. وبيَّنت له بأقصى ما أستطيع من الوضوح، وكررتُ ذلك عليه مرارًا، أن ما كنت أريد أن أتعلمه هو الطريقة التي يتخاطب هو بها مع متكلمي العربية العاديين، لا شكلاً من العربية التي تستعمل في مناسبات مخصوصة [أي الفصحى]. ويبدو أنه فهم قصدي ووافق على أن يساعدني. وقال لي في ذلك اليوم نفسه إنه يَستعمل دائمًا في حديثه اليومي مع الناس جمعَ المذكر السالم [في حالة الرفع] (ـــون) لا (ــــين) [المستعمل في اللهجات غير المعرَبة]، وهو ما شككت [في صحته]. ثم قال لي إن [اسم الإشارة للقريب] في كلامه هو ""هذا"" دائمًا. هذا مع أني سمعتُه ينطق الشكل المحلي [في اللهجة اللبنانية] ""هايدا""، وهو ما يعني أن كلامه ليس صحيحًا. والواضح أنه كان يبذل جهده كي يساعدني. وكان عضوًا في هيئة التدريس في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهو ما يعني أنه ليس غبيًّا أو أميًّا. واستغرق الأمر أسابيع عدة حتى أَرْسينا علاقة يمكن له فيها أن يفعل ما يريده هو فعلاً وأن يفعل ما أريد أنا أن يَفعله فعلاً. ومع هذا لم نصل قط إلى حدٍّ يمكن عنده أن نتكلم [نحن الاثنين] بسهولة عن أنه يَستعمل أكثر ما يستعمل [اسم الإشارة] ""هايدا، فعلاً، وأنه يستعمل أحيانًا ""هازا""، و""هذا"" أحيانًا كذلك. ويمثل هذا كله طرفًا من بنية الموقف المتصل بالوضع الازدواجي في العربية.
أما المثال الآخر فيُحتمل، وإن كنتُ غير متأكد، أن شخصًا مّا في هذه القاعة كان حاضرًا الحدثَ الذي سأرويه. فقد كنا مجموعةً نخطِّط لعقد ندوة صيفية عن لغات الشرق الأوسط. وكنا نجلس حول طاولة مستديرة في مكتب أحد الأساتذة [العرب]، وكنا نناقش تصميمَ مواد تدريسية عن اللغة الفارسية واللغة التركية واللغة العربية النموذجية المعاصرة. واقتَرح أحدُنا[11] أنَّ تخطيطنا يمكن أن يشمل مادةً تدريسية عن إحدى اللهجات العربية كاللهجة المصرية، مثلاً. و[فجأة انطلق صوتٌ يقول:[ ""لا"". وكان المتكلِّم هو الأستاذ العربي الذي يستضيفنا في مكتبه. وهو لم يكن أستاذًا للغة العربية لكنه كان عالمًا متميزًا [في تخصصه] وناشطًا في تخطيطنا. وكان يقصد بقوله ""لا"" أنه لا حاجة لأن يَشمل تخطيطنا مادة عن اللهجات العربية، لأن الطلاب [الأمريكيين الذين سيدرسون العربية] ليسوا بحاجة إلى لغة الشوارع. ثم أضاف عند نقطة معينة من النقاش: ""أنا لم أستعمل قط ذلك النوع من العربية. فأنا لا أستعمل إلا اللغة العربية النموذجية""، غير أنه لم يستعمل كلمة ""النموذجية""، بل قال: ""أنا لا أستعمل إلا النوع الصحيح من العربية"". ثم أَمضينا بعد ذلك وقتًا في محاولة إقناعه بأنه إذا تعلَّم الطلاب الأمريكيون اللغة العربية الفصحى النقية وأجادوا قراءتها وكتابتها ثم قابلوا شخصًا [عربيًّا] لا يتكلم بتلك الطريقة فمن الأفضل لهم أن يكونوا قادرين على فهم القليل [مما يقوله ذلك الشخص] وربما يستطيعون التعبير عن أنفسهم بشكل مفهوم. لكنا لم ننجح في إقناعه بحججنا[12]. ثم تركنا الموضوعَ في نهاية الأمر وأخذنا في مناقشة موضوع آخر. وبعد دقائق قليلة رن الهاتف. وكنا، كما قلتُ في مكتب [ذلك الأستاذ]، فذهب ليُجيب المتصلَ. ولم أسمع [من كلامه في الهاتف] إلا كلمة واحدة هي ""شْلُونْكِي"" [كيف حالِك؟]، وهي من لهجة [عربية] محليةٍ مّا[13]. واستمرت المحادثة الهاتفية، واستمررنا نحن نتكلم بأصوات خافتة. ولما انتهت المحادثة الهاتفية بعد دقائق وأخذ الأستاذ مكانه [حول طاولة] الاجتماع، لم أستطع مقاومة الرغبة في التعليق فقلت له: ""كنتَ قلتَ إنك لا تستعمل أبدًا أيَّ نوع من اللهجات العربية"". فقال: ""لا، أنا لم أفعل ذلك قط"" [لا أتكلم أبدًا بأي لهجة عربية]. فقلت له: ""أنت تعرف أنك كنت في محادثة هاتفية قبل دقائق هنا وأنا سمعتك تقول كلمة ""شْلُونْكِي"""". فهز رأسه [علامة الموافقة]، فقلت: ""أليست تلك الكلمة نوعًا من الكلمات اللهجية؟"" فأجاب: ""آه، كنت أتكلم مع زوجتي""، ثم ظل رأيه [في معارضة تقديم مادة تدريسية عن اللهجات العربية] كما هو. فـ[يرى هذا الأستاذ] أنه ليس من حاجة بالطبع لأي مادة تدريسية عن أي نوع من الكلام العربي اليومي. وأنا لا أنتقد ذلك الأستاذ. فهو باحث جيد، وكان يبذل قصارى جهده في التخطيط [معنا لتلك الندوة]. لكن [موقفه] مثالٌ جيد لأنواع المواقف المألوفة في تلك الفترة عن اللغة العربية المحكية، ويشمل ذلك الحديث مع المتعلمين من العرب.
وربما كان الموقف الأكثر أهمية عندي هو الموقف الذي لاحظتُه عن مستقبل اللغة العربية. إذ كنت حين أتحدث مع عربي متعلم وأُثير مسائلَ مثل نسبة الأمية العالية جدًّا والمستوى المتدني للتعليم، أجد الطريقَ مُمَهدًا لأسأله: ""ما الذي سيحدث للغة العربية، في رأيك؟"" ووجدت إجماعًا لافتًا للنظر إلى حد بعيد [في الإجابة عن هذا السؤال]. إذ كانت الإجابات كلها متماثلة، مع اختلافها في التفاصيل والتمثيل. فلم يفكر أحد، بالطبع، في احتمال أنَّ واحدة أو أكثر من اللهجات المحلية ربما تفوز [بأن تصبح مستعملة في الأغراض التي تستعمل العربية الفصحى أو النموذجية لها]، وكانوا جميعًا تقريبًا يعتقدون أن [نوع اللغة الذي سيفوز مستقبلاً] ربما لن يكون اللغة العربية الفصحى النقية، بل نسخة مبسطة ومعمَّمة بشكلٍ مّا منها. وربما يقول شخصٌ إن صيَغ المثنى وجمع المؤنث السالم ربما تختفي، أو ربما يُبسَّط نحو الأعداد، لكنهم كانوا جميعًا يَشعرون بشكل أساسي أنَّ شكلاً من اللغة الفصحى سوف يَسود. ثم أسألهم، بعد [تلك الإجابات]، عن متى سيَتحقق ذلك. وكانوا يجيبون بأن ذلك ربما يستغرق من 25 إلى 30 عامًا، بسبب انتشار التعليم وانتشار وسائل الإعلام وغيرها، وربما سيتحقق بعد عشرة أعوام، وربما أطول قليلاً؛ لكن كان ثَمَّ قدر عال من التفاؤل بالنتيجة.
ويذكِّرني ذلك الموقف بالتفاؤل الذي كانوا يعبِّرون عنه في الفترة نفسها عن الوحدة العربية. فلم يكن يوجد، في 1947م، إلا دولتان عربيتان مستقلتان[14]، هما العراق ومصر، إضافة إلى عدد من المناطق المستعمَرة. أما الآن فيوجد 20 دولة عربية تقريبًا[15]. وكان العرب قبل أربعين عامًا يؤكدون لي أنه لن تمضي عقود قليلة حتى تحقِّق الدولةُ العربية الواحدة إنجازاتٍ ثقافية واقتصادية وسياسية واضحة. أما ما حدث فهو أن الحدود بين [الدول العربية] ظلت قائمة وراسخة طوال الأربعين عامًا الماضية وما تزال على الرغم من التغيرات السياسية كلها التي مرت بها الأنظمة [العربية] والسياسات العربية.
دعوني أتحدث الآن عن دراسة اللغة العربية قبل أربعين عامًا. فما نوع الدراسة العلمية البحثية المطردة التي كانت موجودة آنذاك؟ [وجواب ذلك أنه] لم تكن الصورة مبشِّرة جدًّا في عام 1947م. فقد كان ثَمَّ باحثون تقليديون يَنشرون بحوثًا قليلة في مجالات تقليدية من دراسة العربية. وكان بعض العرب قد درَسوا في فرنسا أو بريطانيا أو غيرهما واكتسبوا قدرًا من المعرفة باللسانيات، وكان بعضهم يشتغلون ببعض البحوث اللسانية حين يعودون إلى الجامعات في بلدانهم أو يتسلمون بعض المناصب فيها. وكان أغلب ما أنجزه أولئك من بحوث لسانية بحوثًا تاريخيَّة عن طبيعة اللهجات في العصور الإسلامية المبكرة[16]. وكان عدد قليل منهم يدرسون كلام الناس اليومي، ولم يشتغل أحد منهم قط بالبحث عما يسمى اللغة العربية النموذجية المعاصرة. والمؤكد أنه لم يشتغل أحد منهم قط بوصف مدى التنوع المهم بين اللهجة ""الخالصة"" واللغة النموذجية ""الخالصة"".
وكان هذا الوضع يماثل بطرق عدة ما كانت عليه الدراسات المحلية عن اللغات الآسيوية الأخرى. [والسؤال الآن]: ما التطورات المتوقعة في مجالات البحث اللغوي حين يتعرض التعليم ""المقصور"" للتأثير الخارجي القوي الذي بدأ يُحدِث بعض التحوُّلات في المجتمع؟ وأظن أن أول ما نتوقعه استمرارُ الاشتغال بالدراسات البحثية التقليدية. كما نتوقع أن نجد بعد ذلك ما يمكن أن نسميه بحثًا [تقليديًّا من نوع آخر] حيث يبدأ الباحثون يعملون في إطار مرجعية جديدة [لسانية] اكتشفوها، ثم ينجزون بحوثًا أصيلة حقيقيّة في الإطار المرجعي الجديد. وما يحدث بعد ذلك أن الباحثين سيبدؤون في إنجاز مثل هذه الأعمال الجديدة التي تُلجئهم إلى تعديل النماذج البحثية الأحدث التي يستعملونها ليستخدموها في تقديم نماذج من صُنعِهم هم. وسوف يتحرك مجتمع [الباحثين] في هذا الإطار الأخير ليتقدم الصفوف في البحث اللغوي وسيأخذ مكانه الذي يستحقه بين جماعة الباحثين في العالم. هذه هي سلسلة الأحداث التي نتوقعها، وهي سلسلة الأحداث التي تحققت في اللسانيات العربية تمامًا.
وتسهم عوامل كثيرة في بلوغ المرحلة الأخيرة من البحث الأصيل خارج النماذج المعهودة، ومنها النوعية العالية للعقول الفردية وعدد المؤسسات التي تهتم بدعم هذا المشروع. وأحد العوامل المهمة لنا طبيعةُ اللغة المعيَّنة وطبيعة الجماعة اللغوية المعينة. ولكي أورد مثالاً واحدًا فقط، [أقول إنه]، ونتيجة للبحث اللساني المعهود الآن الذي يشتغل به عدد من اللسانيين اليابانيين عن بعض السمات الخاصة باللغة اليابانية، كالسمات الفريدة لتركيبها ونظام نَبْرِها ومستويات صيَغ التأدُّب فيها التي تحوَّل إلى صيغ نحوية، وما أشبه ذلك، صار ذلك كله جزءًا من مكونات المعرفة في بعض فروع اللسانيات العامة، وهو ما كان أساسًا لصياغة نماذج جديدة في التحليل اللساني. ومن هنا ربما نسأل أنفسنا: وماذا عن اللغة العربية التي ربما تَكون حافزًا لإنجاز بحوث جديدة أصيلة في اللسانيات العامة واللسانيات العربية على السواء؟ دعوني أبدأ بِسِمة [لغوية في اللغة العربية] بسيطة جدًّا لأَصِل إلى ما أرى أنه سِمة أكثر أهمية.
فهناك، أولاً، قضية الرُّتْبَة [الترتيب الأساسي لمكونات الجملة] التي تناولتْها بعضُ الأوراق التي أُلقيت اليوم. فمما تتصف به العربية أنها إحدى اللغات التي تتبع نمط الرتبة: فعل ـــ فاعل ـــ مفعول [ف فا مف]، كما يُقال، وهو النمط الأقل شيوعًا بين أنماط الرُّتَب الثلاث الرئيسية[17] في لغات العالم. وربما يتساءل بعضكم عن الرتبة الأساس في العربية عمومًا أو في بعض التنوعات المعينة فيها، لكننا ربما نتفق جميعًا بطريقة مهمةٍ مّا على أن العربية تتبع الرتبة (ف فا مف). ويترتب على هذا أن في العربية، لاتِّسامها بهذه الرتبة، عددًا من السمات التي تجعلها مفيدة للسانييِن الذين يتكلمونها لغة أولى حين يتناولون دراسة بعض المظاهر المحدَّدة في النظرية اللسانية. فالعربية إحدى اللغات العشر الكبرى التي تتصف بهذه الرتبة. ومن هنا، يمكن لمتكلميها لغةً أولى أن ينضمُّوا إلى [الباحثين من] متكلمي اللغات السِّلْتية[18] ومجموعات لغوية أخرى قليلة تبدأ الجملة فيها بالفعل ويمكن أن يتحدثوا بثقة في المناقشات النظرية عن نحوية عدد كبير جدًّا من التراكيب [اللغوية]. ومع أن هذه النقطة قليلة الأهمية إلى حد بعيد، فالمؤكد أن الرتبة تمثل إحدى المجالات التي تجعلنا نتوقع بقدر من المعقولية أن يسهم اللسانيون العرب فيها بإسهامات مهمة. و[السمة] الأكثر من ذلك أهمية، وهي أكثر وضوحًا، نظامُ الجذور والأوزان الصرفية في العربية. إذ تتصف اللغة العربية واللغات التي تنتمي إلى أسرة اللغات الإفريقية الآسيوية، لا سيما الفرع السامي منها، والعربية على وجه أخص، بهذا النظام جزءًا أساسيًّا من الصرف للتداخل بين الصوامت والصوائت، بخلاف أكثر اللغات في العالم. فليس مفاجئًا، إذن، أنْ تُناقش اللغةُ العربية الآن في البحوث المتقدمة عن النماذج التنظيرية للصواتة والصرافة[19]. ولن يفاجئني أن أرى نماذج تنظيرية للصواتة والصرافة أكثر واقعية وشمولاً تَبرز إلى الوجود في العقد القادم تقوم على بنية اللغة العربية والبحوث التي ينجزها باحثون عرب.
والسمة التالية لبنية اللغة العربية إحدى السمات المفضَّلة عندي. وهي تتصل ببنية الجذر والوزن، ولم نسمع عنها اليوم [في الندوة] إلا قليلاً كذلك. وأعني بها طبيعة جموع الأسماء. ولست بحاجة لأن أقول للذين يدرِّسون اللغة العربية منكم أن هذه السمة مشكلةٌ خاصة. ولست أعرف أي لغة أخرى تحوي من تنوِّع صيغ الجموع والعلاقات المعقدة بينها ما تحويه العربية منها. وقد بيَّنتْ [طرفًا من ذلك] رسالةُ ماجستير أُنجزت في [إحدى جامعات] النمسا دَرست الجموعَ في اللهجة العربية المصرية وكيف يكتسبها الأطفال. ووجدتِ الدراسةُ أن الأطفال يصِلون إلى سن الحادية عشرة قبل أن يُنتجوا [صيغ الجموع] بالطريقة التي يُنتجها بها البالغون. إذ يصوغ الأطفال أنماط الجموع بطرقهم الخاصة، وهي التي يجدها البالغون معقدةً، في بعض الحالات. ويجب أن يَعرف الأفراد القليلون الحاضرون [في الندوة] من غير المتخصصين في دراسة اللغة العربية أنه ربما لا يكون للاسم فيها صيغةُ جمعٍ، أو ربما يكون له صيغة جمع واحدة، أو صيغتان، أو ثلاث صيغ، أو أكثر من ذلك؛ وربما تختلف الجموع المتنوعة هذه من حيث المعنى أو لا تَكون؛ وربما تَظهر في بعض التركيبات النحوية أو لا تَظهر، إلى آخر ذلك. ويتنوع النظام كله من لهجة إلى أخرى، ومن فترة تاريخية للعربية إلى أخرى، كما يتنوع بين اللغة العربية النموذجية المعاصرة واللهجات. ومع ذلك، فحين يتكلم الناس العربيةَ لا يتوقفون ليقرروا إن كان يَلزمهم أن يستعملوا صيغة الجمع هذه أو تلك. فهم يستخدمون الصيغة الملائمة بشكل تلقائي. ويعني هذا أن ثمَّ منظومة من العوامل التي تقود إلى اختيار صيغة معينةٍ مّا من هذه التنوعات. أي لا بد أن تَكون ثَمَّ اطرادات يمكن اكتشافها ووصفها ثم تُدخَل، طال الزمن أو قصر، في نموذج تنظيريٍّ مّا يُسهم إسهامًا ذا قيمة في فهمنا لطبيعة اللغة البشرية.
وآتي الآن إلى أكثر ما أفضِّله من الموضوعات. وهو ""المطابقة""[20] التي عرضتُ لها باختصار فيما سبق. وكنا عَقدنا مؤتمرًا قبل فترة في جامعة ستانفورد [الأمريكية] عن المطابقة النحوية في اللغات الطبيعية. ودعَونا لسانيِّين يمثِّلون نماذج تنظيرية لسانية مختلفة. وكان لكل مشارك في المؤتمر نموذجُه التنظيري الخاص به، وهو ما لا يَصعُب الإتيانُ به على بعض المتخصصين هذه الأيام. وتناوَل كلُّ مشارك تقريبًا لغةً مختلفة يهتم بها أو مجموعةً من اللغات المختلفة. يضاف إلى ذلك أن المشاركين كانوا يهتمون بمظاهر مختلفة للمطابقة. ووجد اللسانيون المشاركون في المؤتمر أنهم كانوا مضطرين لأنْ يحاول كلٌّ منهم فهْمَ النموذج التنظيري الذي يقترحه لسانيٌّ آخر والمادةَ التي يقدِّمها لأنهم كانوا جميعًا صادقين في اهتمامهم بظواهر المطابقة أكثر من الاهتمام بتقديم نظريةٍ مّا أو إطْلاع الآخرين على بعض العجائبيات اللافتة للنظر في بعض اللغات المعينة. ووجدتُ ذلك المؤتمر مُبْهجًا للغاية، وسبب ذكري له الآن أني لم أسمع فيه ما يجعلني أغيِّر رأيي عن أن في أنماط المطابقة في العربية الكثير مما يمكن أن نتعلَّمه. ذلك أن أنماط المطابقة المعقدة غير المألوفة في العربية تتنوع بطرق عجيبة على اختلاف الأزمان والأماكن، كما يقدِّم أيُّ وصف تزامني[21] لأيِّ التنوعاتِ [اللغوية العربية]، وأيُّ وصف للتغيرات التعاقبية[22] [فيها] تحدياتٍ لأي نموذج نظري سائد الآن ولنظريات التغير اللغوي كذلك. ومن المحتمل أن تَكون المطابقة النحوية [في العربية] المجالَ الذي سوف يسهم به اللسانيون العرب إسهامًا فريدًا ومهمًّا.
وختامًا، فَثَمَّ نقطة أشرت إليها في ورقة ألقيتُها في مؤتمر في [جامعة] جورج تاون تتصل بمسألة الازدواجية القديمة[23]. تلك هي أن اللغة العربية تمر [الآن] بعمليةِ نمذجة. وكثير من اللغات [في العالم] ليس منمذَجًا: إذ توجد جماعات لغوية كبيرة الحجم أحيانًا، ولكل منطقة أو مجموعة اجتماعية طريقتها الخاصة في الكلام في غياب أيِّ تنوُّعٍ يُنظر إليه عمومًا على أنه بشكلٍ مّا أفضل من التنوعات الأخرى، كما هي الحال في اللغات المنمذَجة. وتوجد، مع هذا، عملية النمذجة في كثير من الجماعات اللغوية. ومن المعروف أن مئات من اللغات نُمذجتْ. إذ تطورت إحدى نوعياتها لتَكون مقبولة بشكل واسع على أنها أفضل من التنوعات الأخرى للوفاء بأكثر الأغراض، بل يَنظر إليها كذلك حتى الذين لا يتكلمونها. فكيف يَحدث هذا؟ وكيف تُنجز النمذجة؟ ولمْ يُجب أحدٌ عن هذين السؤالين إجابة جيدة قط. وثَمَّ بعضُ التفسيرات التاريخية عن عدد من اللغات المختلفة لكن لم يقدِّم أحد نموذجًا تنظيريًّا وافيًا لهذه العملية، ولا يوجد غالبًا أيُّ وصف لعملية النمذجة في أثناء عملها.
وكان الباحثون يفترضون قبل أربعين عامًا أن بالإمكان دراسة التغير اللغوي في الماضي، أما دراسته في أثناء حدوثه فغير ممكنة. وهذا ما قيل لي حين كنت طالبَ دراسات عليا. أما الآن، بالطبع، فقد وَجد لابوف[24]وزملاؤه ودارسو التنوعات اللغوية واللسانيات الاجتماعية أن من الممكن والمفيد البدء فورًا بدراسة التغيرات الصوتية في أثناء حدوثها. وأود أن أقترح هنا أن بإمكاننا دراسة النمذجة اللغوية في أثناء عملها [كذلك]. وتَعمل النمذجةُ الآن في أجزاء كثيرة من العالم، وهي عملية تلفت النظر إلى حد الإبهار وإن لم تُفهم فهمًا جيدًا لا من حيث التشبيك الاجتماعي ولا من حيث شِقها اللغوي. وتمر العربية الآن بعملية نمذجة بطريقة واسعة، وفي وضع لغوي غير عادي. فلا يتوقف الأمر على وجود الازدواجية [في العالم العربي]، بل يتوقف كذلك على وضع [لغوي] ازدواجي مع عدم وجود مركَزٍ يمكِن أن يكون قاعدة طبيعيّة تَسمح بظهور نوعية منمذجة وانتشارها. إذ يتصف معظم الأوضاع التي تتغير فيها الازدواجية التي توجد في وضع [لغويٍّ] تنوُّعيٍّ إلى نموذج لغوي واحد بوجود مركز ــــ سواء أكان ذلك المركز ثقافيًّا أم اقتصاديًّا أم سياسيًّا أم اتصاليًّا أم جمعًا بين هذه كلها ـــــ يصير المصدرَ الرئيسي للنوعية المنمذجة. والبديل الآخر، بالطبع، أن تنفصل اللغة في نهاية الأمر إلى عدد من النوعيات المنمذجة كما حدث للاتينية واللغات الرومانثية[25]. وزعم عدد من الملاحظين أن شكلاً [لغويًّا] جديدًا مُتَعارَفًا عليه [مقبولاً] عابرًا للهجات من عربية المثقفين المتكلمة في طريقه إلى الانتشار الآن، كما وثَّق عدد آخر من الملاحظين بعضَ التوجهات الواضحة نحو نماذج لغوية [عربية] إقليمية مختلفة. وهذا هو الوقت الملائم لدراسة هذه التوجهات المتصارعة، وهي إسهام رئيسي لفهم عمليات النمذجة في العربية و[تلك العمليات في اللغات الأخرى] بصفة عامة.
ويشير الوضعُ اللغوي للعربيةِ إلى ضعف إحدى أدوات التحليل اللساني [عند البحث فيها]، وهو الاعتماد على أحكام المتكلم النحوية[26] عن لغته. إذ لا يَمتلك متكلمو العربية غالبًا أي حدس[27] واضح عن استخدامها الشفهي، كما تَجعل التنوعاتُ المتوسطة والمتراوحة بين اللغة العربية النموذجية المعاصرة واللهجة [المحلية] الخالصة من الأحكام النحوية أمرًا مشكلاً. وعدم الوثوق بدقة حدوس متكلمي اللغة ليس مقصورًا على اللغة العربية، فحدوس النرويجيين [عن لغتهم] مثال واضح [لعدم دقة الحدس والثقة به]. إذ يوجد شكلان نموذجيان للغة النرويجية، ويَعرف كلُّ نرويجي الشكلين كليهما إلى حدٍّ مّا، إضافة إلى لهجة محلية غالبًا. ومما يضاعف الوقوع في شِراك الخِداع أن تقرِّر أيَّ [الأشكال الثلاثة] مقبول أو غير مقبول، وإن كانت كلها [موجودة] في لهجةٍ مّا أو في لهجة أخرى، أو في النوع اللغوي النموذجي أو في غير النوع اللغوي النموذجي. وربما كانت الأوضاع في [ما يسمى] ""اللغة المولَّدة""[28] مثالاً أكثر تطرفًا؛ وهي [الأنواع اللغوية] التي يستخدمها [الباحثان] لي بيج وتابوريه ـــــ كيلرLe Page and Tabouret-Killer نموذجًا أساسيًّا لعملية نمذجة اللغة. وسأنظر إلى وضع اللغة العربية على أنه فرصة للسانيات العربية لكي تمهد الطريق لنماذج تنظيرية جديدة أفضل للغة البشرية، بدلاً من كونه عائقًا أمام البحث اللساني.
وأود أن أؤكد أني لا أقترح، في تعدادي سمات اللغة العربية هذه وسمات الوضع اللغوي العربي بصفتها عاملاً في تطوير اللسانيات العربية، أنه يلزم اللسانيين العرب أن يَقصروا عملهم على اللسانيات العربية. فلدي أمل كبير بأننا ربما نرى عددًا أكبر من اللسانيين العرب وهم يهتمون بقضايا النظرية اللسانية، ويسهمون فيها إسهامًا مباشرًا بغض النظر عن صلة بعض تلك القضايا باللغة العربية، كما أود أن أرى اللسانيين العرب يبحثون في لغات أخرى غير العربية وفي تدريس تلك اللغات أيضًا. وكنت التقيت، حين زرت إثيوبيا قبل سنوات، لسانيًّا يابانيًّا يشتغل ببحث ميداني [لغوي] مع لسانيين إثيوبيين، ورأيت في مناسبة أخرى لسانيًّا يابانيًّا يشتغل ببحث ميداني في اليونان عن اللغة اليونانية. وأملي أنه لن يمر وقت طويل حتى نجد باحثين عربًا يشتغلون ببحوث ميدانية مماثلة في لغات أخرى.
دعوني أعود إلى الآية [التي بدأت بها ورقتي] لأقدِّم تأويلي الخاصّ لها. فأود أن أفكِّر بأن يَعمل اللسانيون العرب وتعمل اللسانيات العربية في إطار التحدي الذي تصوِّره الآية، بمعنى أن يحاولوا العملَ على تحقيق جمْعٍ مؤثِّر بين الشكل والمضمون في إنجاز بحوث لسانية تماثل الإنجازات التي حققها النحويون والمهتمون [العرب] القدماء باللغة والتراث. وأن تتماشى [هذه الإنجازات] مع أفضل البحوث التي تُنجَز في اللسانيات المعاصرة في العالم. وإذا احتل اللسانيون العرب واللسانيات العربية مكانيهما في المجموعة العالمية من دارسي اللغة البشرية فمن المؤكد أنَّ ذلك سيكون تأويلاً جزئيًّا لرسالة تلك الآية ربما يرضى عنه حتى النبي محمد [صلى الله عليه وسلم]. ومهما كان الأمر، فنحن نرى تأويل هذه الآية ماثلاً فيما يجري [في هذه الندوة]. فقد استمعت اليوم إلى إحدى عشرة ورقة جيدة عن اللسانيات العربية، وهذا خلاف ما كنت أسمعه في اجتماعات المتخصصين [في اللغة العربية ودراستها] قبل أربعين عامًا، وأعتقد أن تسعًا منها قدَّمها متكلمون للعربية لغةً أولى، وتناولتْ تلك الأوراق عددًا متنوعًا من الموضوعات اللافتة للنظر. فنحن [بذلك] لا نأتي [في بحوثنا] بسورة بعد سورة ""من مثله"" بل نأتي بورقة بحثية [فريدة] بعد ورقة بحثية [فريدة] وبكتابٍ [فريد] بعد كتاب [فريد]، إضافة إلى برامج [فريدة] للتدريس والبحث، تكون كلُّها في إطار روح تلك الرسالة.
المراجع:
Barlow, Michael & Charles A. Ferguson, eds, 1988. Agreement in Natural Languages: Approaches, Theories, Descriptions. Stanford: Center for the Study of Language and Information.
Blau, Joshua. 1981. The Renaissance of Modern Hebrew and modern Standard Arabic: Parallels and Differences in the Revival of Two Semitic Languages. Berkeley: University of California Press.
Ferguson, Charles A. 1959a., ""Diglossia"", Word 15. 325-340.
------- . 1959b. ""Myths about Arabic"", Georgetown University Monograph Series on Languages and Linguistics 12. 75-82.
------. 1959c. ""The Arabic Koiné"", Language 35. 616-630.
------ 1987. ""Language Standardization as a Form of Language Spread"", GURT 1987, 119-132.
Kasem, Christine, 1987. Die Bildung des internen Plurals im Ägyptish-Arabischen als Tellaspekt des Spracherwerbs. Vienna: Diplomarbeit, Universitat Wien.
LePage, Robert. B. & Andrée Tabouret-Keller, 1985. Acts of Identity: Creoles-based Approaches to Language and Ethnicity. Cambridge: Cambridge University Press.
ملحوظات:
كُتب عدد من البحوث عن هذه ""الأساطير"" عند متكلمي اللغة العربية بعد نشر مقالة فرجسون هذه. ومنها مقال زينب إبراهيم، الأستاذة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بعنوان Myths About Arabic Revisited ""عودة إلى أساطير عن العربية"" (Al-cArabiyya (2000) 33: 13-28). وذكرتْ فيها بعض البحوث السابقة التي تؤيد ملحوظات فرجسون. أما هي فوجدت أن ملحوظات فرجسون دقيقة إلى حد بعيد لكنها بحاجة إلى بعض التوضيحات والتعديلات.
انظر ترجمتي، فيما يلي، لمقال جون إيزيل JOHN EISELEالأستاذ في كلية وليم وميري وليمزبيرج، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية بعنوان:
""Myth, values, and practice in the representation of Arabic,"" International Journal of the Sociology of Languages. 163 (2003), Pp. 43-59.
وتشارلز ألبرت فرجسون (6 يوليو 1921 ـــ 2 سبتمبر 1998م). لساني أمريكي معروف ومستعرب كان عضو هيئة التدريس في جامعة ستانفورد الأمريكية. وهو أحد مؤسسي تخصص ""اللسانيات الاجتماعية""، وله أعمال كثيرة عن الأوضاع اللغوية في العالم وعن اكتساب اللغة. وكتب عددًا من البحوث عن اللغة العربية.
ونشرت بعض بحوثه عن العربية في مجلد بعنوان:
Structuralist Studies In Arabic Linguistics: Charles A. Ferguson's Papers, 1954-1994 (eds.) T. Kirk Belnap and Niloofar Haeri, Leiden- New York-KÖln: Brill, 1997.
دراسات بنيوية في اللسانيات العربية: بحوث تشارلز أ. فرجسون (تحرير) ت. كيرك بيلناب ونيلوفار حائري، لايدن ـ نيويورك ــ كولن: بريل، 1997.
كما نشرت بعض بحوثه الأخرى في كتاب:
The Fergusonian impact: in honor of Charles A. Ferguson on the occasion of his 65th birthday. Joshua A. Fishman, et al. (eds.) Berlin; New York: Mouton de Gruyter, c1986, 2 volumes.
الأثر الفرجسوني: في تكريم تشارلز أ. فرجسون بمناسبة عيد ميلاده الخامس والستين. (تحرير) جاشوا أ. فيشرمان، وآخرين. برلين، نيويورك: موتون دي جرويتر، مجلدان، 1986.
[1]ـــــ انظر، فيما يخص المقالين الأولين، مقالَ فرجسون أعلاه. أما المقال الثالث فقد ترجمتُه ونُشر في كتابي ""دراسات في تاريخ اللغة العربية""، عمّان: دار كنوز المعرفة للطباعة والنشر، (ط 2)، 1435ه/2014) [ط1، 2000م]، ص ص 95 ــــــ ـ125 [المترجم].
[2] ـ وممن اختلف مع فرجسون عن هذا المقال المستعرب الإسرائيلي جاشوا بلاو الذي كتب مقالاً ناقش فيه آراء فرجسون في هذا المقال بعنوان:
The Beginnings of the Arabic Diglossia: A study of the Origins of Neoarabic. Afroasiatic Linguistics. Volume 4, Issue 4 (1977).
وترجمْتُه إلى اللغة العربية بعنوان: ""نشأة الازدواجية اللغوية في العربية: دراسة في أصول اللهجات العربية الحديثة""، ونشر في كتابي: ""دراسات في تاريخ اللغة العربية""، عمّان: دار كنوز المعرفة للطباعة والنشر، 1435 هـ/ 2014م (ط1 2000م]، ص ص 126ـــــــ 172 [المترجم].
[3] ـــ من المؤكد أن بعض العرب سيجدون مقاله ذاك غير وِدِّي بسبب نغمته التي تكاد تكون ""تهكمية"" [المترجم].
[4] -هذا قول المؤلف [المترجم]!
[5] ــ قوله تعالى: وإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)[المترجم].
[6] ـــ لم ترد هذه الرسالة بإفراد ""سورة"" إلا في موضع واحد إضافة إلى ما ورد في سورة البقرة؛ ذلك هو قوله تعالى في سورة يونس:
سورة يونس: }أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ{ (38).
وورد التحدي أيضًا بلفظ ""عشر سور"" في سورة هود:
}أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{ (13)
[7]ــــ سورة الإسراء، الآية 88 [المترجم].
[8] ـــــ من أهم النشاطات التي انصرف إليها فرجسون بعد ذلك دراساتُ اكتساب اللغة والوضع اللغوي في جنوب شرق آسيا [المترجم].
[9] ـــ انظر كتاب بلاو:
Joshua Blau (1981). The Renaissance of Modern Hebrew and Modern Standard Arabi: Parallels and Differences in the Revival of Two Semitic Languages. Berkely, Los Angeles, London: University of California.
""نهضة اللغة العبرية الحديثة واللغة العربية النموذجية الحديثة: التوازيات والاختلافات في انبعاث لغتين ساميتين"".
[10]ــ كُتبت بحوث كثيرة عما يسمى بـ""الازدواجية"" عمومًا. ورصد فيرنانديز:
Ferna´ndez, M. (1993). Diglossia: A Comprehensive Bibliography
1960–1990. Amsterdam: Benjamins.
""الازدواجية: إحصاء مستقص للمراجع"".
ــــ كما رصد آلان هدسون ALAN HUDSON في مقال بعنوان:
Int’l. J. Soc. Lang. 157 (2002), pp. 1–48. Outline of a theory of Diglossia,
""تفصيل عامّ عن نظرية للازدواجية""
ثلاثةَ آلاف عنوان تقريبًا عن الازدواجية في لغات كثيرة. ويتضمن ذلك الرصد، كما يقول المستعرب الهولندي كيس فريستيغ، 287 مقالاً تقريبًا عن ""الازدواجية"" في اللغة العربية. انظر مراجعته لكتاب فيرنانديز:
(Word, Volume 47, Number 2 (August 1996).
ومن البحوث المهمة عنها في اللغة العربية مقال جاشوا بلاو ""نشأة الازدواجية اللغوية في العربية: دراسة في أصول اللهجات العربية"" (1977م)، وهو تعقيب على مقال فرجسون عن ""الازدواجية"". وقد ترجمتُها ونُشرت في كتابي ""دراسات في تاريخ اللغة العربية""، ص ص 126ـــــ 172. انظر كذلك:
The Oxford Handbook of Arabic Linguistics, Oxford: Oxford University
Press, 2013
الذي يتضمن عددًا من البحوث التي تناولت هذه القضية وغيرها من القضايا المهمة عن اللغة العربية، وصفًا وتاريخًا [المترجم].
[11]ـــ ربما يكون هو فرجسون نفسه [المترجم]!
[12]ـــــ لا يمل بعض الباحثين الغربيين في قضايا اللغة العربية من تكرار هذه الحجة دعمًا لتدريس اللهجات العربية للأجانب بدلاً من اللغة العربية الفصحى القديمة أو الشكل المعاصر منها. لكنهم قلما يلتفتون إلى التناقض بين هذا القول ودراسة الطلاب الأجانب للغة الإنجليزية في بريطانيا وأمريكا وكندا أو الفرنسية في فرنسا. ذلك أن ما يدرَّس لهؤلاء الطلاب من اللغتين إنما هو الشكل النموذجي منهما، ويجد الطلاب الذين يذهبون للدراسة في تلك البلدان أنهم وإن أجادوا ذلك النموذج فهم لا يفهمون عن الناس ""في الشوارع""، ولا يفهم الناس عنهم إلا بصعوبة، وربما يُمضون وقتًا طويلاً حتى يحققوا قدرًا مقبولاً من التفاهم بينهم وبين الناس العاديين في البلدان تلك [المترجم]!
[13] ــ ربما تكون اللهجة العراقية!
[14] ــــــ كانت المملكة العربية السعودية واليمن مستقلتين أيضًا في تلك الفترة [المترجم]!
[15] ـــــ المعروف أنها كانت 22 دولة في العام الذي ألقى فيه فرجسون هذه الورقة! [المترجم].
[16] ـــ وهذا ما فعله الأساتذة المصريون الرواد بعد حصولهم على الدكتوراة في اللسانيات من جامعة لندن خاصة. ومن أبرزهم الدكتور إبراهيم أنيس ــــ رحمه الله [المترجم].
[17]ــــ والرتب الثلاث التي يشير إليها فرجسون هي: ف فا مف، فا ف مف، فا مف ف [المترجم].
[18]Celtic Languages، ومنها اللغات الآيرلندية والويلزية والاسكتلندية [المترجم].
[19]ــــ ""الصواتة"" Phonology وهي فرع اللسانيات الذي يدرس القوانين التي تَحكم تركيب الأصوات في الكلمة والتغيرات التي تحدث لها. و""الصرافة"" Morphology فرع اللسانيات الذي يدرس الطرق التي تنضم وحدات صغرى تحمل معنى لتركِّب منها كلمة [المترجم].
[20] Agreement وهي أن تتبع كلمةٌ كلمةً أخرى في الإعراب والتذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع [المترجم].
[21] Synchronic وهو وصف اللغة في فترة زمنية معينة [المترجم].
[22] Diachronic وهو وصف اللغة تاريخيًّا [المترجم].
[23] يقصد بها: مقالته التي ذكرها في مراجع هذه المقالة: ""نمذجةُ اللغة بصفتها شكلاً من انتشار اللغة""
""Language Standardization as a Form of Language Spread"", GURT, 1987 119-132.
[المترجم].
[24] William Labov وليم لابوف (4 ديسمبر 1927م ــــــ )، اللساني الأمريكي المعروف الذي درس بعض اللهجات الأمريكية المعاصرة، لا سيما لهجات نيويورك. ويُعد المؤسسَ لنظرية التغيرات اللغوية في أثناء حدوثها، وتقنيات البحث المباشر في الظواهر اللغوية الحية[المترجم].
[25] Romance Languages وتشمل الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية أساسًا [المترجم].
[26]Native speaker's Judgement ، ""حُكْم المتكلم الأصيل للغته"" وهي الإجابات التي يُدلي بها متكلم اللغة المعيَّنة لغةً أولى عن قبول الجُمل أو عدم قبولها في لغته [المترجم].
[27] ــــ Intuition، هو شعور المتكلم بصحة التركيبات النحوية في لغته الأولى أو عدم صحتها [المترجم].
[28] ــ Creole وهي نمط لغوي يتطوَّر عن شكل لغوي يسمى ""الهجين"" حين يكتسب الأطفال اللغةَ في محيط يتكلم الهجين [المترجم].
