- يعتمد نهج «باوكولتور» (ثقافة البناء) في سويسرا على إنشاء بيئات معيشية عالية الجودة تولّد قيمة طويلة الأجل للسكان والمدن والأماكن والمستثمرين.
- فعلى سبيل المثال، اعتمد مشروع «وانكدورف سيتي 3» في برن على التعاون والتصميم متعدد الاستخدامات والاستثمار طويل الأجل لتحويل موقع غير مستغل بالشكل الكافي إلى حي جديد.
- إن بناء المزيد من المساكن مع تعزيز القدرة على الصمود والتماسك الاجتماعي يتطلب تشجيع الشعور بالانتماء داخل الأحياء الجديدة، لا الاكتفاء بتشييد مبانٍ أفضل.
تواجه المدن في مختلف أنحاء العالم تحدياً مشتركاً يتمثل في الحاجة إلى بناء مزيد من المساكن، وخلق فرص اقتصادية، وتسريع التحول المناخي، وفي الوقت نفسه إنشاء أماكن يرغب الناس فعلاً في العيش فيها.
ولا يمكن أن يكمن الحل في المباني وحدها.
يمكن للمطور العقاري أن يبني المنازل والمكاتب والمساحات العامة، لكنه لا يستطيع أن يصنع شعوراً بالانتماء. فهذا الشعور يتشكل بمرور الوقت، من خلال العلاقات التي يقيمها الناس بعضهم مع بعض ومع الأماكن التي يعيشون فيها. وما يمكن للتنمية الحضرية أن تفعله هو توفير الظروف التي تزيد من فرص نشوء هذه العلاقات.
وفي سويسرا، برز أحد الحلول من خلال تطبيق مفهوم «باوكولتور» عالي الجودة، أو «ثقافة البناء»، وهو نهج شامل تجاه البيئة المعيشية ينطلق من الاعتراف بأن جودة بلداتنا ومدننا ومناظرنا الطبيعية تؤثر في الازدهار الاقتصادي والاستدامة البيئية والرفاه الاجتماعي.
لكن الأفكار وحدها لا تكفي لتحويل الأحياء. إذ يجب ترجمتها إلى قرارات استثمارية وعمليات تخطيط وأماكن يعيش الناس تجربتها يومياً. وهناك مثال على ذلك بدأ بالفعل يتبلور في مدينة برن.
يعمل مشروع «وانكدورف سيتي 3» على تحويل موقع تجاري وصناعي سابق على أطراف العاصمة السويسرية إلى منطقة حضرية متعددة الاستخدامات، يُتوقع أن تستوعب في نهاية المطاف نحو 1,000 مقيم و1,000 طالب، إلى جانب توفير 1,500 وظيفة ومجموعة واسعة من المرافق التجارية والثقافية والترفيهية.
ويحظى المشروع باستثمار قيمته 500 مليون فرنك سويسري من صندوق العقارات السويسري «إيموفوندز»، ويستكشف كيف يمكن لمفهوم «باوكولتور» عالي الجودة أن يخلق قيمة طويلة الأجل للمجتمعات والشركات والمستثمرين على حد سواء.
تطوير ما هو قائم بالفعل
تبدأ العديد من مشاريع التجديد الحضري بعمليات الهدم. أما مشروع «وانكدورف سيتي 3» فقد بدأ بالنظر أولاً فيما يستحق الحفاظ عليه.
فبدلاً من إخلاء الموقع بالكامل والبدء من جديد، يعمل المشروع على الحفاظ على المباني التراثية ودمجها ضمن حي جديد أعلى كثافة. كما يجري الإبقاء على الأنشطة التجارية القائمة كلما أمكن ذلك، حيث جرى تأجير نحو 3,000 متر مربع من مساحة تتجاوز 100,000 متر مربع للمستأجرين الحاليين. ويعكس ذلك إدراكاً بأن الأماكن الناجحة تتطور انطلاقاً من الناس والمؤسسات والتاريخ المتجذر فيها بالفعل.
وفي قلب المنطقة، ستتحول منشأة صناعية قائمة إلى المركز الاجتماعي للحي، حيث ستضم مطاعم ومواقع ثقافية ومرافق رياضية وتعليمية وشركات صغيرة. وبدلاً من التعامل مع التراث باعتباره عائقاً، يستخدمه المشروع لبناء الهوية والاستمرارية، وهما عنصران يمكن أن يساعدا في تحويل مجموعة من المباني إلى حي حقيقي.
وتكتسب هذه الاستمرارية أهمية خاصة في تعزيز الشعور بالانتماء. فالتنمية الجديدة قد توفر مساحات للمجتمع، لكن الناس يحتاجون إلى أسباب تدفعهم إلى الارتباط بهذه المساحات. ويمكن للحفاظ على آثار تاريخ المكان، ودعم المجتمعات القائمة، وإنشاء مساحات يلتقي فيها القديم بالجديد أن يوفر بعض الأسس اللازمة لذلك.
فعلى سبيل المثال، وُضعت خطة تطوير «وانكدورف سيتي 3» من خلال ورش عمل تعاونية شارك فيها مالك المشروع والمدينة وسكان الحي ولجنة استشارية. كما ساهم ممثلون عن الأحياء المحيطة في المناقشات المتعلقة بالكثافة العمرانية والمساحات المفتوحة والاستخدامات وأنواع المساكن.
بناء مدن تستوعب الأعداد المتزايدة من السكان
تبحث المدن في كل مكان عن سبل لاستيعاب أعداد السكان المتزايدة. لكن زيادة الكثافة العمرانية لا تؤدي تلقائياً إلى إنشاء مجتمعات نابضة بالحياة.
صُمم مشروع «وانكدورف سيتي 3» وفق مفهوم «المدينة المكدسة»، الذي يجمع المساكن وأماكن العمل والتعليم والتجزئة والثقافة والمساحات العامة ضمن مساحة عمرانية مدمجة. ومن خلال الجمع بين مزيج من مساحات السكن والعمل، يهدف المشروع إلى خلق نشاط مستمر على مدار اليوم مع تقليل الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة.
ويُعد التنوع أيضاً أحد المبادئ الأساسية التي توجه المشروع. وتتمثل رؤية «وانكدورف سيتي 3» في إنشاء مكان يعيش فيه الناس ويعملون ويدرسون ويلتقون. ويساعد ذلك على بناء إحساس حقيقي بالمكان بدلاً من مجرد زيادة الكثافة العمرانية.
كما أن الجمع بين هذه الأنشطة يوفر فرصاً أكبر للقاءات اليومية التي يمكن أن ينمو من خلالها الشعور بالمجتمع. فالتصميم الحضري لا يستطيع أن يحدد ما إذا كانت العلاقات ستنشأ بالفعل، لكنه يستطيع زيادة فرص نشوئها.
جعل التعاون جزءاً من التصميم الحضري
لا يمكن تصميم الأماكن التي تجسد مفهوم «باوكولتور» عالي الجودة بمعزل عن الآخرين. فمفهوم المدينة المكدسة يتطلب تعاوناً واسعاً بين المهندسين المعماريين والمخططين والمستثمرين والسلطات العامة وأصحاب المصلحة المحليين. ومن خلال ورش العمل وعمليات التخطيط المتكررة، تطور مشروع «وانكدورف سيتي 3» بمرور الوقت مستفيداً من الذكاء الجماعي عبر القطاعين العام والخاص، بدلاً من الاعتماد على رؤية واحدة فقط.
وتعكس هذه العملية التعاونية سمة أخرى من سمات تقاليد التخطيط السويسرية، وهي الجمع بين تخصصات ووجهات نظر مختلفة لتحقيق التوازن بين الأداء البيئي والجدوى الاقتصادية والقيمة الاجتماعية. والنتيجة هي حي لا تتشكل ملامحه من خلال الهندسة المعمارية وحدها، بل من خلال الشراكة أيضاً.
الاستثمار طويل الأجل في جودة الحياة
ينظر المطورون أحياناً إلى إنشاء أماكن أفضل باعتباره تكلفة إضافية. لكن المفهوم الشامل لـ«باوكولتور» يشير إلى أنه في الواقع يخلق قيمة.
فالاستثمار من منظور طويل الأجل يحافظ على التركيز على إنشاء عقارات تتمتع بأسس قوية في مواقع جرى تحديدها باعتبارها واعدة. وتعني هذه الفلسفة أن الحفاظ على التراث، وإنشاء مساحات عامة جذابة، والإبقاء على الشركات القائمة، والاستثمار في الاستدامة الاجتماعية ليست أموراً منفصلة عن الأهداف التجارية.
فالأماكن التي يقدّرها الناس تصبح أكثر قدرة على الصمود بمرور الوقت. وهي تجذب السكان والشركات والاستثمارات، وتتكيف بسهولة أكبر مع الظروف الاقتصادية المتغيرة، وتواصل توليد القيمة بعد فترة طويلة من اكتمال أعمال البناء.
وهنا يلتقي الشعور بالانتماء مع الاستثمار. ومن هذا المنظور، لا تعد البيئات المعيشية عالية الجودة مفيدة للمجتمعات فحسب، بل تشكل أيضاً استثمارات جيدة على المدى الطويل.
إنشاء الأحياء وبناء الشعور بالانتماء
لكل مدينة تاريخها وجغرافيتها وأولوياتها الخاصة، ولا يمكن لأي مشروع منفرد أن يقدم نموذجاً يصلح للجميع. كما لا يمكن لمشروع لا يزال قيد التطوير أن يدّعي أنه نجح بالفعل في خلق شعور بالانتماء قبل أن يجعل الناس الحي مكاناً خاصاً بهم. ومع ذلك، يوضح مشروع «وانكدورف سيتي 3» أن التحديات الحضرية، مثل الإسكان والقدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ والقدرة التنافسية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي، يمكن معالجتها معاً بدلاً من التعامل مع كل منها بصورة منفصلة.
فالعديد من الظروف التي تحدد ما إذا كانت المجتمعات ستزدهر في نهاية المطاف تتشكل قبل وقت طويل من انتقال السكان إلى منازلهم. فالقرارات المتعلقة بما ينبغي الحفاظ عليه، والاستخدامات التي ينبغي الجمع بينها، وطريقة عمل المساحات العامة، والأطراف التي تشارك في التخطيط، وكيفية تعريف المستثمرين للقيمة طويلة الأجل، كلها عوامل تؤثر في طبيعة الحي الذي يمكن أن ينشأ.
ويقدم مشروع «وانكدورف سيتي 3» مثالاً سويسرياً قوياً على النهج الذي تسعى سويسرا إلى تمثيله على المستوى الدولي من خلال دورها بوصفها مؤسساً ورئيساً لتحالف دافوس لثقافة البناء. وقد بدأت بالفعل الدفعة الأولى من برنامج «الأماكن الرائدة» التابع للتحالف، والتي تضم كوالالمبور ومونتريال ونيروبي وأوترخت وميديلين وسان فرانسيسكو، في تطبيق نهج يركز على الجودة لمواجهة التحديات الحضرية.
وتُظهر التجربة السويسرية أن إنشاء أماكن أفضل يعتمد على التفكير طويل الأجل، والتعاون بين القطاعات المختلفة، والاستثمار في الجودة في كل مرحلة من مراحل التطوير.
ومع استمرار المدن في النمو، ربما يكون أهم درس يمكن أن تتعلمه هو أن نجاح التنمية الحضرية يُقاس بالأحياء التي ننشئها، لا بالمباني التي نشيدها. فالمطورون لا يستطيعون بناء الشعور بالانتماء، لكنهم يستطيعون تهيئة الظروف التي تساعد الناس على تكوين الروابط، وتنمية ارتباطهم بالمكان، وفي نهاية المطاف اختيار الحي ليكون موطناً لهم.
