القائمة الرئيسية

كيف قاومت تايلاند الاستعمار

كيف قاومت تايلاند الاستعمار
ملخص المقال

نجحت الأسرة الملكية التايلاندية (سيام سابقًا) في تجنب الاستعمار الأوروبي، خلافًا لجيرانها، من خلال استراتيجية دبلوماسية ذكية قائمة على القوة الناعمة والإصلاح الداخلي. بدأ ذلك باكتشاف الملك مونغكوت (راما الرابع) لمسلة رامخامهاينغ في عام 1833، والتي استُخدمت كدليل على وجود حضارة تايلاندية عريقة ومنظمة تمتلك نظام كتابة وقانون وحكماً عادلاً، وذلك لمواجهة الذرائع الأوروبية التي تصف الشعوب الآسيوية بالمتخلفة. أظهر مونغكوت انفتاحاً على المعارف الغربية، وأجرى تنازلات دبلوماسية مدروسة (مثل معاهدة بورينغ) للحفاظ على السيادة. وواصل ابنه شولالونغكورن (راما الخامس) هذا النهج ببرنامج شامل لتحديث الدولة وبناء الأمة، شمل توحيد الهوية الوطنية، ومركزية الإدارة، وإصلاح الأنظمة القانونية والتعليمية والعسكرية، وإلغاء العبودية، بهدف تقديم سيام كدولة حضارية ندٍّ للقوى الأوروبية. ورغم اضطرار سيام لتقديم تنازلات إقليمية مؤلمة، إلا أنها نجحت في الحفاظ على استقلالها السياسي وتجنبت مصير الغزو الكامل الذي حل بغيرها من دول المنطقة.

استخدمت الأسرة الملكية التايلاندية دبلوماسية قائمة على كسب الود، حين أخفقت القوة العسكرية في تحقيق ذلك.

في بداية موسم الجفاف عام 1833، انطلق راهب يُدعى مونغكوت إلى سوخوثاي، العاصمة القديمة لمملكة سيام. وكانت الرحلات الطويلة بالقوارب وعلى الأقدام لأغراض الدراسة والتعليم وأداء الشعائر الدينية أمرًا مألوفًا لدى الرهبان أمثال مونغكوت. فقد كانت بوذية الثيرافادا جزءًا أساسيًا من الحياة في سيام قبل العصر الحديث، وكان عدد من الرجال البالغين يُرسَمون رهبانًا في أي وقت، وإن كانت نسبتهم محدودة. وأثناء تجوالهم في أنحاء المملكة، كان السكان المحليون يوفرون لهم الطعام والملابس والمأوى.

لكن مونغكوت لم يكن راهبًا عاديًا، فقد كان الابن الثالث والأربعين للملك راما الثاني. وُلد لإحدى زوجات الملك ذوات المكانة الرفيعة، ولذلك كان من أبناء الملك ذوي الرتب العالية، ومن المرشحين لخلافته على العرش. ومن ثم، يُرجح أنه كان يسافر برفقة حاشية من الخدم والمرافقين، إلى جانب الرهبان الآخرين. وكانت المملكة التي سيؤول حكمها إليه تضم معظم أراضي تايلاند الحديثة، إضافة إلى أجزاء من لاوس وكمبوديا وماليزيا، ويبلغ عدد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة. وعلى الرغم من أن معظم هؤلاء السكان كانوا مزارعين فقراء يزرعون الأرز، فإن بانكوك، أكبر مدن سيام، كانت ميناءً تجاريًا رئيسيًا، تنتشر فيها شبكة كثيفة من القنوات المحاذية للمنازل المبنية على ركائز، وتتميز بتنوع سكانها العرقي.

وعلى النقيض من العاصمة الصاخبة، كانت سوخوثاي قد هُجرت إلى حد كبير بحلول ذلك الوقت. فقد ازدهرت بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر بوصفها مركزًا سياسيًا وثقافيًا ودينيًا، لكنها فقدت مكانتها لاحقًا لصالح أيوثايا الواقعة جنوبًا، ثم بانكوك التي تأسست في القرن الثامن عشر. وعندما وصل مونغكوت إليها، لا بد أنه شاهد، كما يشاهد الزوار اليوم، ستوبات متداعية، وهي مبانٍ دينية، وتماثيل هادئة لبوذا، وجدرانًا من الطوب المحمر الذي أكلت عوامل الزمن ألوانه على مدى قرون من أشعة الشمس الحارقة والأمطار الاستوائية.

وفي مرحلة ما من إقامته، عثر مونغكوت على قطعة أثرية استثنائية: حجر أسود قائم، له أربعة أوجه ويبلغ ارتفاعه نحو متر واحد، نُقشت عليه كتابة غير مألوفة. وأصبح هذا الحجر معروفًا باسم «مسلة رامخامهاينغ». ويُقال إن تاريخها يعود إلى عام 1292، وغالبًا ما يُشار إليها باعتبارها أقدم مثال باقٍ على الكتابة التايلاندية.

نقل مونغكوت المسلة إلى بانكوك، وشكّل لجنة من العلماء لفك رموز النقش الغامض. وقارنوا الكتابة بأشكال معروفة من التايلاندية القديمة وغيرها من أنظمة الكتابة ذات الصلة، وحللوا الأنماط اللغوية، واستعانوا برهبان مثقفين لتفسير الكلمات والحروف غير المألوفة. وكانت النتائج مذهلة؛ إذ روت الأسطر الأربعة والعشرون بعد المئة من النص القديم قصة مملكة تايلاندية عريقة حكمها ملك حكيم يُدعى رامخامهاينغ. ووفقًا للمسلة، جمعت مملكته بين تقاليد أدبية، ونظام قانوني وسياسي متطور، والاستقلال والسيادة، وحدود جغرافية آمنة، والملكية البوذية، والحكم العادل.

واتضح أن اكتشاف المسلة جاء في توقيت مواتٍ للغاية. فعلى مدى أكثر من خمسة قرون، استعمرت القوى الأوروبية جميع أراضي العالم تقريبًا، باستثناءات يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة. وتُعد اليابان المثال الأشهر على ذلك. أما سيام، فربما كانت الحالة الأوضح التالية لدولة قاومت الاحتلال الأجنبي واحتفظت بسيادتها، لكنها لم تحظَ بالقدر نفسه من الاهتمام. وقد صمدت سيام من خلال مزيج من الدبلوماسية والإصلاح والإدارة الدقيقة لصورتها أمام العالم. وكان تقديم أدلة على وجود حضارة معقدة ومتجذرة تاريخيًا أحد الأصول الرمزية التي احتاجت إليها المملكة، وقد وفرت مسلة رامخامهاينغ هذا النوع من الأدلة تحديدًا.

سيام: المملكة التي صمدت

بحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان بلاط سيام يراقب بقلق اتساع النفوذ البريطاني انطلاقًا من الهند. فقبل اكتشاف مونغكوت للمسلة ببضع سنوات فقط، وخلال الحرب البورمية البريطانية الأولى بين عامي 1824 و1826، أبحرت الزوارق الحربية البريطانية عبر المياه المقدسة لنهر إيراوادي، وألحقت الإذلال بمملكة بورما العريقة، وانتزعت منها تنازلات إقليمية واسعة. وكانت بورما خصمًا قديمًا لسيام. وفي الشرق، كان المبشرون الفرنسيون ينشطون في فيتنام وكمبوديا، ممثلين المرحلة الأولى من الطموحات الاستعمارية الفرنسية ومشروعها المعروف باسم «الرسالة الحضارية». وبدأت الدول المجاورة لسيام تسقط واحدة تلو الأخرى، حتى وجدت سيام نفسها الدولة الوحيدة في جنوب شرق آسيا التي تصمد أمام الاستعمار الأوروبي.

اتبعت الدول التي هُزمت مجموعة متنوعة من استراتيجيات المقاومة، لكنها أخفقت جميعًا. فقد خاضت بورما سلسلة من الحروب الخاسرة ضد بريطانيا، وانتهى الأمر بضمها إليها. أما كمبوديا، فقبلت طواعية أن تصبح محمية فرنسية، لأنها رأت في ذلك شرًا أقل من استمرار التوسع الذي تعرضت له لعقود على يد جارتيها سيام وفيتنام. لكن الحماية الفرنسية تطورت في نهاية المطاف إلى حكم استعماري ضمن الهند الصينية الفرنسية. واعتمدت فيتنام على روابطها التاريخية مع الصين لصد الفرنسيين، إلا أن معاملتها القاسية للمبشرين والأقليات وفرت للأوروبيين ذريعة سهلة للتدخل.

أما قادة سيام، فكانوا يأملون أن يؤدي إثبات امتلاك مملكتهم بالفعل مقومات الحضارة المعترف بها إلى تقويض الذرائع الاستعمارية. وحتى في القرن التاسع عشر، لم تكن الدول ترغب في أن يُنظر إليها باعتبارها تستولي على الأراضي لمجرد التوسع. فقد كانت المشاريع الاستعمارية الناجحة تجمع عادة بين مبررات تبدو نبيلة ودوافع مباشرة قائمة على السعي إلى السلطة والنفوذ. وكان الأوروبيون يعتقدون أن على الدول المسيحية المتقدمة تقنيًا واجبًا أخلاقيًا يتمثل في جلب التقدم إلى الشعوب التي وصفوها بأنها «متخلفة»، بدعوى افتقارها إلى الحكم المنظم وأنظمة الكتابة والرقي الثقافي. وقد أوجدت هذه الأيديولوجيا دعمًا سياسيًا داخليًا وشرعية دولية للغزو الإقليمي.

وكان اكتشاف مونغكوت للمسلة أشبه بالعثور على نسخة مفقودة من وثيقة «الماغنا كارتا» في اللحظة المناسبة تمامًا. فقد أدرك حكام سيام أن اللغة المكتوبة تمثل عنصرًا أساسيًا في نظر الغرب لإثبات التحضر والشرعية الحضارية، وأن النقش يوفر ما يحتاجون إليه بالضبط: دليلًا ملموسًا على وجود تقليد أدبي متطور، يقوض الافتراضات الأوروبية التي تصوّر سيام مجتمعًا بدائيًا.

الدبلوماسية

في عام 1855، وصل إلى بانكوك مبعوث بريطاني خاص جديد إلى جنوب شرق آسيا، هو السير جون بورينغ. وكان بورينغ حاكم هونغ كونغ التي احتلتها بريطانيا مؤخرًا، وممثلًا لدولة بلغت ذروة قوتها. ففي ذلك الوقت، كانت بريطانيا تسيطر على ما يقرب من خُمس مساحة اليابسة في العالم، وتنتج أكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي، وتمتلك أقوى أسطول بحري عرفه التاريخ. أما سيام، فكانت قد عاشت في عزلة نسبية فرضتها على نفسها عن الغرب منذ عام 1688، واتُّهمت مؤخرًا بالتعامل بازدراء مع البعثات التجارية البريطانية والأمريكية. ووصف المبعوث البريطاني جون كراوفورد السياميين بأنهم «شديدو الدناءة وعدم الإخلاص والجشع على نحو غير مألوف». وفي عهد راما الثالث، ملك سيام والأخ غير الشقيق الأكبر لمونغكوت، كان معظم المراقبين يعتقدون أن المملكة تسير نحو المصير نفسه الذي واجهته الدول المجاورة.

بعد وفاة راما الثالث عام 1851، تُوّج مونغكوت ملكًا واتخذ اسم راما الرابع. وكان يحظى بشعبية لدى البريطانيين، الذين رأوا أنه أكثر استعدادًا لمراعاة مصالحهم من المرشحين الآخرين للعرش. وخلال فترة رهبنته، درس اللغات والعلوم والتقنيات الغربية. وكان يتحدث الإنجليزية واللاتينية، ويحافظ على تواصل مستمر مع الدبلوماسيين والمبشرين الكاثوليك والبروتستانت. كما أثار اهتمامه المفهوم الغربي للتقدم المادي والتكنولوجي، وهو تصور يتناقض بوضوح مع النظرة الكونية البوذية التي تؤكد تعاقب دورات الازدهار والانحلال.

كثيرًا ما وجد الدبلوماسيون الأوروبيون الحكام الآسيويين، بمن فيهم أسلاف مونغكوت، متحفظين ومتعالين. ولذلك، كان من المتوقع أن يواجه بورينغ الموقف نفسه عند وصوله إلى سيام للقاء الملك الجديد. لكنه فوجئ بحاكم يُظهر فهمًا متقدمًا للعالم الغربي. فقد استقبل الملك مونغكوت بورينغ في أجنحته الخاصة، حيث تناولا السيجار والنبيذ، وتجاوزا الحاجة إلى المترجمين وتحدثا باللغة الإنجليزية مباشرة. ولاحظ بورينغ أن مكتبة الملك تضم مجموعة واسعة من الكتب، بدءًا من المؤلفات العلمية الغربية وصولًا إلى روايات السير والتر سكوت.

لم يكن الإمبرياليون البريطانيون معتادين على التفاوض مع حكام آسيويين يستطيعون مجاراتهم فكريًا على أرضهم المعرفية. ففي ذلك العصر، كتب توماس ماكولي، المسؤول الاستعماري والمؤرخ المعروف بكتابه «تاريخ إنجلترا»، أن «رفًا واحدًا من مكتبة أوروبية جيدة يفوق الأدب المحلي للهند والجزيرة العربية بأكمله». لكن بورينغ كان مستعدًا للاعتقاد بأن السياميين شعب مثقف. وفي كتابه المؤثر الصادر عام 1857 بعنوان «مملكة سيام وشعبها»، أدرج مسلة رامخامهاينغ، واعترف بأهميتها بوصفها وثيقة تاريخية كبرى تقدم دليلًا على وجود كتابة تايلاندية مبكرة، وتساعد على فهم تطور الحكم والمجتمع في سوخوثاي.

مثّلت المعاهدة التي تفاوض عليها مونغكوت وبورينغ تحولًا حاسمًا في العلاقة بين بريطانيا وسيام. فقبل ذلك بثلاثة عقود، وتحديدًا عام 1826، فتحت معاهدة سابقة الباب أمام تجارة محدودة بين البلدين. أما معاهدة عام 1855، فلم تكن سخية بأي حال من الأحوال؛ إذ حددت الرسوم الجمركية التي تفرضها سيام على الواردات والصادرات بنسبة 3 في المئة، ومنحت الرعايا البريطانيين امتيازات قضائية إقليمية واسعة، ما يعني أنهم لم يكونوا خاضعين للمحاكم السيامية. ومع ذلك، أدت المعاهدة إلى زيادة هائلة في التجارة الخارجية، والأهم من ذلك أن سيام استمرت في التعامل معها بوصفها شريكًا سياديًا في المفاوضات.

وكان التباين بين وضع سيام وأوضاع الدول الأخرى في المنطقة واضحًا. فبعد هزائمها في الحروب البريطانية البورمية عامي 1824 و1826، ثم عام 1852، أُجبرت بورما على التنازل عن أربع مقاطعات، ودفع تعويضات باهظة بلغت مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 160 مليون دولار اليوم، وقبول وجود مشرف بريطاني يتمتع بسلطة نقض قرارات الملك. وبالمثل، أدت محاولة الصين فرض حظر على تجارة الأفيون البريطانية عام 1839 إلى خسارتها هونغ كونغ، وإلى بداية ما أطلق عليه القوميون الصينيون لاحقًا «قرن الإذلال». وقد أظهر مونغكوت ما يمكن أن يحققه التنازل الاستراتيجي حين تفشل المقاومة.

الانفتاح على الغرب

لم يكن النهج الذي اتبعته سيام مجرد قصة ملك مثقف يدخن السيجار ويحب قراءة الكتب، بل كان ذلك جزءًا صغيرًا من أداء استراتيجي أوسع يقوم على تبني المعايير الأوروبية وإظهار الالتزام بها، وهو موقف ميّز سيام عن دول المنطقة الأخرى.

عندما أرسلت بريطانيا أول سفارة لها إلى الصين عام 1793، رفض الإمبراطور تشيان لونغ التكنولوجيا الغربية، معلنًا أن الإمبراطورية الوسطى «تمتلك كل الأشياء بوفرة غزيرة»، وأنها ليست بحاجة إلى بضائع «التجار البرابرة». فقد تربى الحكام الصينيون على الفكر الكونفوشيوسي الكلاسيكي الذي يؤكد التفوق الثقافي للصين، وجعلهم انغلاقهم وكراهيتهم للأجانب هدفًا سهلًا للتبريرات الأوروبية التي استندت إلى ضرورة أداء مهمة حضارية. وبالمثل، رفض إمبراطور فيتنام مينه مانغ المبادرات الفرنسية في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر. وقد وفرت عزلة فيتنام لاحقًا لفرنسا ذريعة للتدخل. وكان كلا الحاكمين نتاجًا لأنظمة تعليمية تنظر إلى المعارف الأجنبية باعتبارها مصدرًا للتلوث الثقافي، لا أداة مفيدة.

وعندما تبنى الحكام الآسيويون التحديث، فعلوا ذلك غالبًا كرد فعل بعد أن كان الغرب قد فرض عليهم ضغوطًا كبيرة بالفعل. فعلى الرغم من امتلاك بورما أنظمة كتابة قديمة يعود تاريخها إلى القرن السادس، ومعابد بوذية رائعة وتقاليد قانونية متطورة، فككتها بريطانيا بصورة منهجية بين عامي 1824 و1885. وكان الاختلاف الحاسم بين بورما وسيام متعلقًا بالتوقيت والقدرة على المبادرة. فقد تعرضت بورما للغزو الأول عام 1824، قبل أن تصبح أيديولوجيا «المهمة الحضارية» راسخة تمامًا. أما الملك ميندون، الذي حكم بورما بين عامي 1853 و1878، فقد أطلق برنامجًا واسعًا للتحديث بعد الاحتلال البريطاني الأول، فأنشأ خطوط التلغراف والسكك الحديدية والمدارس الحديثة. لكن بريطانيا كانت قد اكتسبت بحلول ذلك الوقت زخمًا عسكريًا وسياسيًا جعل مؤهلات بورما الثقافية وإصلاحاتها بلا أثر يُذكر. وعندما افتعلت بريطانيا نزاعات حدودية لاستكمال ضم بورما عام 1885، لم توفر جهود ميندون التحديثية أي حماية أمام قوة استعمارية كانت قد حسمت أمرها باتجاه الغزو.

كذلك، لم تبدأ اليابان تحديثها إلا بعد أن أنهت السفن الحربية الأمريكية، المعروفة باسم «السفن السوداء» بقيادة العميد البحري ماثيو بيري، سياسة العزلة التي اتبعها حكم توكوغاوا شوغون قسرًا عام 1853. وحاولت الصين فعل شيء مشابه بعد الإذلال الذي تعرضت له في حرب الأفيون الثانية، لكن نجاحها كان أقل بكثير. وبالمقارنة مع جيرانها، تبنت سيام بوعي استراتيجي مظاهر التحضر التي استخدمتها القوى الأوروبية لتبرير استعمار مناطق أخرى، وذلك في وقت كانت تتمتع فيه بقدر نسبي من القوة والاستقلالية.

في عام 1868، وجّه مونغكوت دعوات إلى مسؤولين بريطانيين وفرنسيين لمشاهدة كسوف للشمس. وكان الحدث احتفالًا ضخمًا أُعدت له الأجنحة وأماكن الإقامة للضيوف، وكان هدفه إظهار التزام مونغكوت بالعلم. وقد تنبأ الملك بدقة بموعد الكسوف وموقعه، مستخدمًا مزيجًا من أساليب قياس الوقت التايلاندية التقليدية والتقنيات الفلكية الغربية. ووفقًا لبعض الروايات، كانت حساباته دقيقة إلى حد أنها تفوقت على حسابات علماء الفلك الفرنسيين الحاضرين.

كان بلاط سيام يعرف ما الذي ينبغي إظهاره، ولمن ينبغي إظهاره. فقد اعتبرت فرنسا العلم منذ فترة طويلة المعيار الحقيقي للتحضر، في حين دافعت بريطانيا عن القانون الدولي والتجارة الحرة. وهكذا، أثبت مونغكوت تحضر سيام من خلال تبني المعايير نفسها التي استخدمتها القوى الأوروبية لتبرير استعمار مناطق أخرى.

بناء العلامة الوطنية لسيام

لم يعش مونغكوت ليرى دبلوماسيته تؤتي ثمارها؛ إذ أُصيب بالملاريا خلال فعالية الكسوف وتوفي بعد بضعة أسابيع. وكان ابنه شولالونغكورن، المعروف باسم راما الخامس، قاصرًا عند وفاة والده، لكنه تولى السيطرة الكاملة على سيام عام 1873، ليجد نفسه على رأس مملكة متعددة القوميات، ولا مركزية، تحكمها سلالة ملكية.

في أنحاء أوروبا وإمبراطورياتها، كانت الملكيات التقليدية تتكيف مع عصر القومية من خلال فرض هويات وطنية موحدة من أعلى إلى أسفل. فقد أنشأت فرنسا نظامًا إداريًا مركزيًا وقوانين موحدة، وروّجت بقوة للفرنسية الباريسية باعتبارها اللغة الوطنية، وقمعت بصورة منهجية اللغات الإقليمية مثل البريتونية والأوكسيتانية والألزاسية. أما بريطانيا، ففرضت الإنجليزية المعيارية تدريجيًا من خلال إصلاحات التعليم ومتطلبات الخدمة المدنية، ما أدى إلى تراجع استخدام الويلزية والغيلية. واتخذت الإمبراطورية النمساوية المجرية نهجًا مشابهًا في سياسة المجْرَنة خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر، إذ فرضت اللغة والثقافة المجرية على أقليات عرقية مثل السلوفاك والرومانيين والكروات، بهدف إنشاء هوية وطنية واحدة في الجزء المجري من الملكية الثنائية. كما تحولت ألمانيا وإيطاليا، في أواخر القرن التاسع عشر، من فسيفساء معقدة من الدول والكيانات السياسية إلى دولتين قوميتين موحدتين.

وعلى الرغم من أن الأوروبيين لم يكونوا قد أنشؤوا دولهم القومية المركزية إلا قبل فترة قصيرة نسبيًا، فقد أصبحت هذه الدول المعيار الجديد للتحضر. وكانت كثير من القوى الآسيوية تفتقر إلى التجانس الثقافي والحدود الواضحة واللغة الواحدة والحكومة الموحدة التي اعتبرها الأوروبيون في القرن التاسع عشر علامات على التحضر. وجعل هذا التنوع والافتقار إلى المركزية تلك المناطق عرضة لسياسات «فرّق تسد». فقد صوّر البريطانيون والفرنسيون الجماعات غير المهيمنة في مناطق مثل بورما وكمبوديا وفيتنام على أنها أقليات مضطهدة تحتاج إلى حمايتهم.

ومن الناحية النظرية، كانت سيام في القرن التاسع عشر معرضة للتكتيكات نفسها. فقد ضمت عشرات الجماعات العرقية، ولم تكن تمتلك هوية تايلاندية موحدة. وكان سكانها يخضعون لنظام الماندالا، وهو نظام الحكم التقليدي الذي ساد جنوب شرق آسيا قبل العصر الحديث، ويشبه النظام الإقطاعي الأوروبي. وفي ظل نظام الماندالا، لم تكن الحدود ثابتة؛ بل كانت سلطة الملك وسيادته تتضاءلان كلما ابتعد المرء عن العاصمة، بينما كانت المناطق الطرفية تعترف بمناطق نفوذ متداخلة لسلطات أخرى.

وعندما أصبحت بريطانيا جارة لسيام من الجنوب والغرب في عشرينيات القرن التاسع عشر، بعد استحواذها على مستوطنات المضائق وضم بورما السفلى، طلبت ترسيم حدود مشتركة ثابتة، وهو طلب حيّر السياميين. وحين فهمت القوى الأوروبية طبيعة هذا الاختلاف، حاولت استغلاله. فقد استغلت فرنسا التركيبة المتعددة الأعراق في سيام، وادعت أن اللاوسيين يشكلون عرقًا مستقلًا يستحق الحماية من الهيمنة السيامية. كما زعمت أن السياميين ليسوا عرقًا حقيقيًا، لأن اختلاطهم بالصينيين أصبح كبيرًا للغاية.

لكن سيام لم تستسلم لهذه الادعاءات، بل تكيفت معها من خلال برنامج لبناء الدولة والأمة. فقد روّج شولالونغكورن لمفهوم «التايلاندية» بوصفه هوية وطنية واحدة تستطيع استيعاب عشرات الجماعات العرقية في سيام، مع تقديم المملكة إلى القوى الغربية على أنها دولة موحدة. وعندما واجه شولالونغكورن الادعاءات الفرنسية بشأن وجود جماعات عرقية منفصلة، رد قائلًا: «إن التايلانديين واللاوسيين والشان يعدّون أنفسهم شعوبًا تنتمي إلى العرق نفسه. وهم جميعًا يعترفون بي بوصفـي صاحب السيادة العليا عليهم، وحامي مصالحهم ورفاههم».

وإلى جانب الهوية الوطنية المشتركة، احتاج سكان سيام إلى لغة مشتركة وحدود محددة بوضوح. فجرى اعتماد لهجة بانكوك بوصفها «التايلاندية المعيارية»، ونشرها من خلال نظام تعليمي أُنشئ حديثًا. وفُكك نظام الماندالا لمصلحة بيروقراطية مركزية أُعيد تنظيمها في وحدات إدارية استلهمت بعض جوانب دوائر الماندالا القديمة، لكنها فرضت سيطرة إقليمية ثابتة لم تكن موجودة من قبل. كما ساعدت مشروعات رسم الخرائط الحديثة على تحديد الحدود بدقة غير مسبوقة. وأُجري تعداد سكاني وطني للسكان الذين أصبحوا، بعد بضعة عقود، ملزمين باتخاذ أسماء عائلية. وأنشأت خطوط التلغراف والسكك الحديدية بنية تحتية للاتصالات عززت سلطة بانكوك.

اختلف هذا النهج اختلافًا كبيرًا عن النهج الذي اتبعته فيتنام. فعلى الرغم من امتلاك فيتنام هوية متماسكة يعود تاريخها إلى قرون، واجهت سلالة نغوين الحاكمة صعوبة في التكيف مع المفهوم الغربي للدولة القومية. وكان الإمبراطور تو دوك متمسكًا بشدة بالنظام الكونفوشيوسي الفيتنامي التقليدي، ورفض الإصلاح. واحتفظت فيتنام بنظام هرمي يمنح السكان الفيتناميين ذوي الأصل الإثني الغالب امتيازات، بينما يهمّش أقليات مثل الشام والخمير. واستغل الفرنسيون هذه الانقسامات التي أسهمت السياسات الداخلية في ترسيخها، فحكموا المناطق المختلفة بصورة منفصلة؛ إذ جعلوا كوشينشينا مستعمرة، وأنام وتونكين محميتين، ما عمّق الانقسام الإقليمي. وكانت النتيجة النهائية تفكيك الدولة الفيتنامية بصورة فعالة.

ومن خلال تبني المفهوم الغربي للدولة القومية، استطاع شولالونغكورن دفع الأوروبيين إلى الاعتراف بسيام دولة ذات سيادة، لا أرضًا برية تحتاج إلى الغزو. وقد قام بجولتين كبيرتين في أوروبا عامي 1897 و1907، في ظل ضغوط بريطانية وفرنسية متواصلة على حدود سيام. وأصر خلال زياراته على استقباله بوصفه ملكًا مساويًا في المكانة للملوك الذين استضافوه. وارتدى أفراد حاشيته الملابس الغربية، واتبعوا أعراف البلاط الأوروبي، وتحدثوا الإنجليزية بطلاقة. كما التحق بعض أبنائه، ومن بينهم ملوك سيام الذين حكموا لاحقًا، بمؤسسات تعليمية مرموقة مثل إيتون. وكانت الرسالة واضحة: سيام دولة ندٌّ للقوى الأوروبية.

تحديث سيام

إلى جانب الترويج لفكرة الهوية التايلاندية الموحدة، أطلق شولالونغكورن برنامجًا شاملًا للتحديث والمركزية. ففي عام 1885، أنشأ أول مدرسة عامة حديثة، ثم أسس وزارة التعليم عام 1892. وبحلول نهاية تسعينيات القرن التاسع عشر، كان في المملكة نحو مئة مدرسة تُدرّس مناهج موحدة، من بينها مدرسة سوانكولارب ويتايالاي النخبوية التي درّبت مسؤولي الحكومة المستقبليين على الجمع بين التقاليد التايلاندية والمعارف الغربية. ولا تزال هذه المدرسة حتى اليوم واحدة من أعرق المدارس الثانوية في تايلاند.

وكان النظام القانوني أيضًا بحاجة إلى الإصلاح. فقد منحت المعاهدات غير المتكافئة نسبيًا التي فرضتها بريطانيا وفرنسا الرعايا الأوروبيين امتيازات قضائية إقليمية أعفتهم من الخضوع للقانون السيامي، في إنكار مهين لسيادة المملكة. وتمثل حل شولالونغكورن في إنشاء نظام قانوني يعترف الأوروبيون بشرعيته. فاستعان بفريق من المستشارين الأجانب، كان أبرزهم الفقيه القانوني البلجيكي غوستاف رولان جاكمان، الذي أصبح أحد المهندسين الرئيسيين ليس لقانون الأحوال المدنية الجديد في سيام فحسب، بل لاستراتيجيتها الدبلوماسية بأكملها. وكان اختيار مستشار بلجيكي خطوة استراتيجية؛ فبلجيكا قريبة من التقاليد القانونية البريطانية والفرنسية، لكنها لا تنتمي إلى أي من القوتين الاستعماريتين. وأنشأ شولالونغكورن محاكم حديثة، وعيّن فيها أفراد الطبقة الإدارية الناشئة الذين تلقوا تعليمهم في مدارس سيام. ومن خلال إثبات امتلاك المملكة نظامًا قانونيًا «متحضرًا»، أصبح بإمكانه المطالبة بإلغاء الامتيازات القضائية الأجنبية.

كما عمل شولالونغكورن على تحديث الجيش وفق النمط الغربي. فاستعان بمستشارين ألمان، وأرسل بعض أفراد الأسرة الملكية إلى الأكاديمية العسكرية البروسية. ووفقًا للنموذج البروسي، جرى توحيد القيادة العسكرية تحت سلطة الملك، واستُبدلت القوات التي كان النبلاء يحشدونها بجيش دائم، وأُنشئ سلك احترافي من الضباط.

وشهد الدين أيضًا إصلاحات هدفت إلى جعله يبدو أكثر عقلانية وفق المعايير الغربية. فقد دعم شولالونغكورن إصلاح الرهبنة التابعة لطائفة ثامايوت، بما جعل البوذية السيامية تبدو أقل خرافية وأكثر انضباطًا واعتمادًا على النصوص. وحتى الوقت نفسه خضع للتوحيد؛ إذ اعتمدت المملكة التقويم الغريغوري ونسّقت نظام قياس الوقت لديها مع المعايير الدولية. وكان قياس الوقت وتوحيده عنصرين أساسيين في الحداثة الغربية، إذ شكّلت الساعات الميكانيكية والجداول الزمنية المتزامنة والقياسات الدقيقة ركائز للرأسمالية والعلم والكفاءة البيروقراطية.

وامتد التحول الثقافي إلى الحياة اليومية من خلال الترويج لمفهوم «سيويلاي» (siwilai)، وهو لفظ تايلاندي مستعار من كلمة «متحضر» بالإنجليزية، وأصبح عنصرًا محوريًا في برنامج تحديث المملكة. وانتشر ارتداء الملابس ذات الطراز الغربي على نحو متزايد، أحيانًا بتشجيع رسمي. كما جرى تثبيط الممارسات التي عدّها المراقبون الأوروبيون غير متحضرة، مثل مضغ جوز الفوفل.

ولعل أهم خطوة بالنسبة إلى الجمهور الغربي كانت إلغاء شولالونغكورن العبودية. فقبل الإصلاحات الحديثة، كان نظام التبعية في سيام معقدًا، ويشمل الاستعباد بسبب الديون وأسرى الحروب والعمل الإلزامي. وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، كانت العبودية قد أُلغيت في معظم أنحاء أوروبا والأمريكتين، وسارت تايلاند في الاتجاه نفسه. ففي عام 1874، صدر مرسوم يقضي بتحرير الأطفال المولودين في العبودية عند بلوغهم سن الحادية والعشرين. وتلاه حظر عام 1884 على أسر أفراد الأقليات العرقية وبيعهم عبيدًا. ثم جاء قانون إلغاء العبودية لعام 1905، فذهب إلى أبعد من ذلك، إذ فكك معظم أشكال العبودية المتبقية وأصلح نظام الاستعباد بسبب الديون، من خلال احتساب عمل المدينين سدادًا من أصل الدين بدلًا من اعتباره مجرد فوائد. وبحلول عام 1908، أصبحت العبودية جريمة يعاقب عليها القانون، وأطلقت الحكومة برنامجًا تعليميًا لمنع العبيد السابقين من العودة إلى حالة الاستعباد.

وفي عام 1907، أشادت صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية بالملك لنجاحه في السعي إلى التحديث. وعقدت الصحيفة مقارنات بين سيام واليابان، مشيرة إلى أن فرنسا قد تتمكن الآن من تطوير علاقة مثمرة مع سيام المستقلة. وذكّرت الصحيفة قراءها بقولها: «ينبغي ألا ننسى أن ملك سيام، رغم أن دولته آسيوية، ملك يتمتع بكرامة تضاهي كرامة الملوك الأوروبيين».

القوة الناعمة في مواجهة القوة الصلبة

اختُبرت استراتيجية سيام خلال حادثة باكنام عام 1893، عندما أجبرت الزوارق الحربية الفرنسية طريقها عبر نهر تشاو فرايا باتجاه بانكوك. وتمحورت الحادثة رسميًا حول نزاع بين سيام وفرنسا بشأن الأراضي الواقعة شرق نهر ميكونغ. لكن السبب الحقيقي كان تنامي الطموحات الاستعمارية الفرنسية عقب احتلال فيتنام.

في 13 يوليو، حاولت ثلاث سفن حربية فرنسية المرور بالقوة عبر التحصينات السيامية. فأطلقت القوات السيامية النار على السفن، ورد الفرنسيون بإطلاق النار، ما أسفر عن مقتل ثلاثة بحارة واختراق الدفاعات السيامية. ثم واصلت السفن الفرنسية الإبحار في اتجاه المنبع نحو العاصمة. وطالبت فرنسا سيام بالاعتراف بمطالبة الهند الصينية الفرنسية بالأراضي المتنازع عليها.

وأمام التفوق العسكري الساحق، تنازل شولالونغكورن عن الأراضي، مقدمًا تنازلًا ضروريًا للحفاظ على المملكة ككل. واضطرت سيام إلى التنازل لفرنسا عن أراضٍ تقع اليوم ضمن لاوس وكمبوديا، وهو ما أسهم في رسم جزء كبير من الحدود الحديثة لتايلاند. وأنشأ الفرنسيون منطقة منزوعة السلاح على امتداد نهر ميكونغ، كما أُجبرت سيام على دفع تعويض قدره ثلاثة ملايين فرنك. وكانت القوى الأوروبية تلجأ بسهولة إلى دبلوماسية الزوارق الحربية، لكن فرنسا شعرت، حتى في هذه الحالة، بأنها مضطرة إلى تقديم مطالبها على أنها تستند إلى حقوق إقليمية مشروعة لفيتنام، بدلًا من الاعتراف بأنها مجرد غزو للاستيلاء على الأراضي.

وبين عامي 1893 و1909، تنازلت سيام عن نحو 40 في المئة من أراضيها لصالح فرنسا وبريطانيا. لكن هذا التراجع الاستراتيجي مكّن شولالونغكورن من الحفاظ على ما كان الأهم: الاستقلال السياسي للأراضي الأساسية في سيام. وكانت المناطق التي فُقدت، والتي غلب على سكانها اللاوسيون والخمير، تقع في معظمها على أطراف نظام الماندالا بمحاذاة نهر ميكونغ، حيث كانت سلطة بانكوك أضعف ما تكون. وقد أعطى شولالونغكورن الأولوية تحديدًا لوادي نهر تشاو فرايا، وهو القلب الجغرافي الذي تسكنه غالبية تايلاندية، ويشكّل مصدر الثروة الزراعية للمملكة وأساس هويتها السياسية. ومن خلال التخلي عن أراضٍ كانت سيطرتهم عليها هشة أصلًا، تمكن قادة سيام من منع فرنسا من التقدم إلى قلب المملكة.

انتصارات سيام

شكك بعض المؤرخين المعاصرين، وكثير منهم تايلانديون، في أصالة مسلة رامخامهاينغ، مشيرين إلى احتمال تعديلها أو اختلاقها لتلبية حاجة سيام إلى بناء أسطورة تأسيسية تعزز بقاءها. ويشبه اكتشاف المسلة اكتشافات قومية أخرى ظهرت في تلك الحقبة، مثل ملحمة «نيبيلونغنليد» الألمانية التي روّج لها المثقفون الألمان باعتبارها رمزًا للبطولة والوحدة الجرمانية.

لكن ما إذا كان اكتشاف مونغكوت أثرًا قديمًا حقيقيًا أو عملًا أُنشئ في فترة أقرب، أقل أهمية من الطريقة التي وظفت بها سيام هذا الاكتشاف. فبحلول الوقت الذي وجهت فيه الزوارق الحربية الفرنسية مدافعها نحو القصر الكبير عام 1893، كانت سيام قد نجحت في ترسيخ صورتها باعتبارها دولة متحضرة تستحق السيادة. وكانت التنازلات الإقليمية المؤلمة التي قدمتها أقرب إلى التنازلات التي اعتادت الدول الأوروبية انتزاعها من بعضها بعضًا، ولم تكن شبيهة بعمليات الغزو التي نفذها الأوروبيون في العالم الجديد وأفريقيا وبقية أنحاء آسيا.

أما المملكة التي خرجت من محنة الاستعمار، فقد اختلفت كثيرًا عن نظام الماندالا اللامركزي الذي حيّر مسؤولي ترسيم الحدود البريطانيين في عشرينيات القرن التاسع عشر. فقد تحولت إلى دولة قومية على النمط الغربي. وفرضت الأسرة الحاكمة لهجة واحدة على السكان، وأنشأت دولة مركزية قادرة على إحصاء مواطنيها ومراقبتهم، ووحّدت التعليم، وبنت البنية التحتية، وألغت العبودية. بل إنها أنشأت لنفسها أسطورة وطنية أيضًا.

لكن هذا التحول لم يحدث نتيجة إخضاع البلاد للغرب عبر الغزو، بل جرى التخطيط له وتنفيذه بعناية من الداخل. ولم يكن مونغكوت وابنه شولالونغكورن يعلمان ما ستؤول إليه الأمور، لكن استراتيجيتهما ربما حمت تايلاند في نهاية المطاف من قدر كبير من المعاناة. فقد انهارت مؤسسات ضعيفة أنشأها المستعمرون بعد موجات إنهاء الاستعمار في القرن العشرين، وأسهم ذلك في وفاة ملايين الأشخاص في كمبوديا وفيتنام وماليزيا وبورما.

أثبتت سيام أن بإمكان الدولة أن تحول نفسها وفق شروطها الخاصة، في الوقت الذي كانت فيه دول أخرى من حولها تفقد هذه الفرصة. وقد وضع الأمير الراهب الذي اكتشف ذلك الحجر في سوخوثاي، مستعينًا بمزيجه من المعرفة البوذية التقليدية والبحث العلمي الغربي، نموذجًا للبقاء خدم مملكته لأجيال متعاقبة.

المصدر

مقالات ذات صلة