القائمة الرئيسية

محققون عبر الزمن: كيف يدرس علماء الحفريات الكائنات الحية القديمة؟

محققون عبر الزمن: كيف يدرس علماء الحفريات الكائنات الحية القديمة؟
ملخص المقال

يستخدم الدكتور غابرييل لاديرا أوسيس من جامعة ساو باولو، البرازيل، مجموعة متطورة من التقنيات لدراسة الأحافير المعقدة وفك أسرار الكائنات القديمة وبيئاتها، متجاوزًا تحديات التغيرات اللاحقة للدفن. يركز عمله على فهم الكائنات المبكرة التي طورت التمعدن الحيوي في العصر الإدياكاري (مثل أحفورة Corumbella) وكيفية حفظ الأنسجة الرخوة للحشرات والأسماك في العصر الطباشيري. يعتمد أوسيس على تقنيات التصوير المتقدمة (كالتألق الأيوني والمهبطي)، وتحليل التركيب (مثل التألق بالأشعة السينية والتحليل الطيفي لرامان)، وتقنيات المسرّعات (كالتصوير المقطعي المحوسب السنكروتروني)، بالإضافة إلى المجهر الإلكتروني والجيوميكياء القديمة، للكشف عن التركيب الداخلي والكيميائي للأحافير واستنتاج الخصائص الأصلية للحياة القديمة.

تحتوي الأحافير على أدلة قيّمة تكشف لنا كيف كانت تبدو الكائنات الحية التي عاشت قبل مئات الملايين من السنين، والبيئات التي سكنت فيها. ومع ذلك، قد يكون الكشف عن أسرارها أمرًا معقدًا. ففي جامعة ساو باولو بالبرازيل، يستخدم الدكتور غابرييل لاديرا أوسيس مجموعة متنوعة من التقنيات المتقدمة لدراسة الأحافير، إذ تكشف كل تقنية عن جانب مختلف من الصورة الكاملة. ويولي اهتمامًا خاصًا بالحفاظ على الأنسجة الرخوة، وبالحيوانات المبكرة التي طورت القدرة على التمعدن الحيوي، وهي أولى الكائنات الحية التي أنتجت أجزاءً من أجسامها مكوّنة من المعادن.

تحدث بلغة علماء الحفريات

تقنيات المسرّعات: استخدام مسرّعات الجسيمات لتحليل الأحافير وتحديد بنيتها الداخلية أو تركيبها الكيميائي.

التمعدن الحيوي: العملية التي تنتج من خلالها الكائنات الحية المعادن لتكوين تراكيب صلبة، مثل الأصداف والعظام والأسنان والحراشف.

تقنيات تحليل التركيب: تقنيات تُستخدم لتحديد البصمات الكيميائية والعناصر والمعادن والمواد العضوية التي تتكون منها الأحفورة أو الصخور.

التغيرات اللاحقة للدفن (الدياجينيز): التغيرات الفيزيائية والكيميائية التي تطرأ على الأحفورة والرواسب المحيطة بها أثناء تحولها إلى صخور وبعد اكتمال هذه العملية.

التحجر: العملية التي تُحفظ من خلالها بقايا الكائنات الحية أو آثارها بفعل الدفن والاستبدال المعدني وغير ذلك من العمليات الجيولوجية.

تقنيات التصوير: تقنيات تُستخدم لإنشاء صور تفصيلية للأحافير، بهدف الكشف عن تراكيبها الداخلية والخارجية.

المورفولوجيا (علم الشكل): الهيئة والبنية التي يتميز بها الكائن الحي أو الأحفورة، بما يشمل الحجم والشكل والخصائص الفيزيائية.

تحمل الأحافير أدلة على الحياة القديمة، لكنها قد تتعرض لتغيرات كبيرة خلال رحلتها من الماضي السحيق إلى يومنا هذا، مما يجعل الكشف عن خصائص الكائن الأصلي وفصلها عن التغيرات اللاحقة أمرًا صعبًا.

يقول الدكتور غابرييل لاديرا أوسيس، من جامعة ساو باولو: «علماء الحفريات أشبه بالمحققين. فنحن نستخدم التكنولوجيا لفك رموز كيفية حفظ الأحافير، واستنتاج الخصائص الأصلية للكائنات الحية».

التمعدن الحيوي وأحافير العصر الإدياكاري

تطورت أقدم الحيوانات المعروفة بقدرتها على التمعدن الحيوي خلال العصر الإدياكاري، الذي امتد من 635 إلى 539 مليون سنة مضت. وتكشف أحافير هذه الكائنات أنها طورت أنابيب صلبة متمعدنة، تمثل شكلًا مبكرًا من أشكال الهياكل الداعمة للجسم. وتشبه عملية التمعدن الحيوي التي استخدمتها تلك الكائنات العملية التي تعتمد عليها الكائنات الحية اليوم، مثل المرجان والرخويات والبشر، لبناء أجزاء صلبة من أجسامها، كالعظام والأصداف والأسنان.

نعلم أن هذه الحيوانات المبكرة التي اعتمدت على التمعدن الحيوي كانت تعيش فوق حصائر ميكروبية، وهي أسطح لزجة تتكون من البكتيريا، في بحار ضحلة غنية بالأكسجين. ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة كثيرة بلا إجابات. ويقول غابرييل: «تشمل أبرز التحديات فهم المجموعات التي ترتبط بها هذه الكائنات، وتحديد التركيب المعدني الأصلي لها، والكشف عن استراتيجياتها في التمعدن الحيوي والتكاثر».

يمكن العثور على أدلة تساعد في حل هذه الألغاز من خلال فحص أحافير تلك الكائنات. ويوضح غابرييل: «عندما يموت الكائن الحي، تتحلل أنسجته الرخوة بسهولة بفعل الكائنات الحية الدقيقة، في حين تبقى الأجزاء الأكثر مقاومة، والمتمعدنة حيويًا، لفترة أطول. وتستمد بعض البكتيريا الطاقة من مركبات الكبريت والحديد بدلًا من الأكسجين أثناء استهلاكها المواد العضوية، مما يؤدي إلى تكوّن المعادن حول الجثث المتحللة، ويسهم في الحفاظ على الأنسجة الرخوة».

ومع ذلك، فإن التغيرات اللاحقة للدفن تؤثر في الأحافير بمرور الزمن. فمنذ اللحظة التي يُدفن فيها الكائن الحي داخل الرواسب، وحتى يستخرج عالم الحفريات أحفورته بعد ملايين السنين، تتسبب الضغوط والحرارة والمياه والتفاعلات الكيميائية في تغيير شكل الأحفورة وتركيبها.

دراسة الأحافير باستخدام تقنيات التصوير

لفهم التغيرات اللاحقة للدفن والكشف عن الأدلة التي تحتفظ بها الأحافير، يستخدم غابرييل مجموعة متنوعة من تقنيات التصوير وتحليل التركيب، بما في ذلك تقنيات المسرّعات. وتكشف تقنيات التصوير، مثل التألق الأيوني (IL)، والتألق المهبطي (CL)، والتألق بالأشعة فوق البنفسجية (UVF)، عن بنية الأحافير من خلال تحفيز المعادن الموجودة فيها على إصدار ضوء مرئي.

تساعد هذه التقنيات على إبراز الاختلافات بين الصخر المضيف، أي الصخر المحيط بالأحفورة، وتراكيب الأحفورة نفسها. كما توفر تقنيتا التألق الأيوني والتألق المهبطي مؤشرات على التركيب الكيميائي للمعادن.

وقد طور غابرييل وفريقه طريقة لإنشاء خريطة للتألق الأيوني، توضح كيفية استجابة الأجزاء المختلفة من الأحفورة أو الصخر للإضاءة، مما يكشف عن اختلافات دقيقة قد يصعب ملاحظتها بطرق أخرى. وتعمل تقنية التألق بالأشعة فوق البنفسجية بطريقة مشابهة، إذ تسلط الضوء على الشكل المورفولوجي للأحفورة والمناطق التي تختلف في تركيبها، الأمر الذي يساعد غابرييل على تحديد المواضع التي تستدعي إجراء تحليلات كيميائية أكثر تفصيلًا.

الكشف عن الأدلة باستخدام تقنيات تحليل التركيب

تكشف تقنيات تحليل التركيب، مثل التألق بالأشعة السينية (XRF) والتحليل الطيفي لرامان، عن المواد التي تتكون منها الأحافير.

تستخدم تقنية التألق بالأشعة السينية أشعة سينية لإثارة الذرات الموجودة في الأحفورة، فتُصدر هذه الذرات بدورها أشعة سينية تتميز بخصائص ترتبط بالعناصر الكيميائية التي تحتوي عليها. أما التحليل الطيفي لرامان، فيعتمد على تفاعل الليزر مع الجزيئات الموجودة في الأحفورة لتحديد المعادن والمركبات العضوية.

ويستخدم غابرييل أيضًا مجموعة من تقنيات الجيوكيمياء القديمة والبيئية لفحص التركيب الكيميائي للأحافير والصخور المحيطة بها. وغالبًا ما تتضمن هذه العملية إذابة عينات من المواد المراد دراستها، ثم تحليل تركيبها الكيميائي للكشف عن البيئات القديمة والظروف التي عاشت فيها الكائنات الحية وحُفظت في ظلها.

يوفر المجهر الإلكتروني صورًا عالية الدقة للتراكيب الأحفورية الدقيقة، في حين تستخدم تقنيات المسرّعات، مثل التصوير المقطعي المحوسب (CT) المعتمد على الإشعاع السنكروتروني، مصادر إشعاع قوية في مختبرات كبيرة لإنشاء صور ثلاثية الأبعاد عالية الدقة للأجزاء الداخلية من الأحافير، من دون إلحاق الضرر بها.

ويوضح غابرييل: «تتمتع تقنيات المسرّعات بعدة مزايا مقارنة بالمعدات التقليدية، مثل ارتفاع حساسيتها في الكشف عن كميات ضئيلة من العناصر الكيميائية، وإمكانية قياس مناطق أصغر وأعمق داخل العينات».

كورومبيلا وكائنات العصر الطباشيري

استخدم غابرييل مزيجًا من هذه التقنيات لإحداث تحول في فهمنا لأحفورة Corumbella، وهي أحفورة تعود إلى العصر الإدياكاري وتمثل أحد الكائنات المبكرة التي امتلكت القدرة على التمعدن الحيوي.

أتاح التصوير باستخدام تقنيتي التألق المهبطي والتصوير المقطعي المحوسب الكشف عن تفاصيل جديدة في هيكل هذا الكائن، بينما ساعد المجهر الإلكتروني والتحليل الطيفي لرامان على تحديد المكونات المعدنية، إلى جانب رصد مواد عضوية يُحتمل أنها بقيت من التركيب الأصلي للكائن.

ويقول غابرييل: «تتحدى نتائجنا التفسيرات البيولوجية السابقة لأحفورة Corumbella، وتتيح لنا اقتراح وجود علاقة محتملة بينها وبين كائنات أخرى، وإن كان ذلك على نحو أولي».

كما ساعد الجمع بين تقنيات علم الحفريات غابرييل على الكشف عن كيفية الحفاظ على الأنسجة الرقيقة في الحشرات والأسماك التي عاشت خلال العصر الطباشيري، الممتد من 145 إلى 66 مليون سنة مضت.

ويقول: «أظهر المجهر الإلكتروني أنسجة رخوة، مثل العيون والعضلات والقنوات الهضمية. وقد وفرت تقنيات التألق بالأشعة السينية والتحليل الطيفي لرامان وتقنيات المسرّعات معلومات عن التركيب العنصري، وساعدت على تحديد المواد العضوية. أما تقنية التألق بالأشعة فوق البنفسجية، فقد أبرزت توزيع المعادن داخل العينات، في حين أسهمت خرائط التألق الأيوني في توضيح الحدود الفاصلة للأحافير، وتحديد مواضع التغيرات التي طرأت عليها، وتوفير معلومات عن تركيب الصخور».

وبفضل هذه النتائج، تمكن غابرييل من تطوير فرضيات تفسر الكيفية التي حُفظت بها الأنسجة الرخوة لهذه الحشرات والأسماك.

التعمق في أسرار الماضي

يهدف غابرييل في المرحلة المقبلة إلى تحسين تقنيات التصوير وتحليل التركيب، حتى تتمكن من الكشف عن اختلافات بنيوية وكيميائية أكثر دقة. ويأمل بعد ذلك في حل المزيد من الألغاز المتعلقة بالكائنات القديمة المذهلة، بما في ذلك كيفية تطورها، وطبيعة حياتها وطرق موتها، والظروف التي أدت إلى حفظها وتكوين الأحافير التي نعثر عليها اليوم.

نبذة عن علم الحفريات

علم الحفريات هو الدراسة العلمية للحياة القديمة. ويجمع علماء الحفريات المعارف المستمدة من مجالات علمية مختلفة لدراسة الكائنات المنقرضة والبيئات التي عاشت فيها وتطورت عبر الزمن.

ويقول غابرييل: «أعمل ضمن فريق متعدد التخصصات بدرجة كبيرة، يضم علماء الحفريات وعلماء الرواسب والجيوكيميائيين والفيزيائيين».

كيف يعثر علماء الحفريات على الأحافير؟

بالنسبة إلى غابرييل، يُعد البحث عن أحافير جديدة لدراستها لاحقًا في المختبر أحد أكثر جوانب عمله إثارة.

ويقول: «العمل الميداني مغامرة رائعة دائمًا! فقد واجهت أعطالًا في المركبات، وتعاملت مع الثعابين والعقارب السامة. كما أنه فرصة رائعة للتعرف على أشخاص جدد، وتجربة أطعمة غير مألوفة، واكتساب خبرة واسعة في الجوانب اللوجستية وإدارة الوقت والجيولوجيا».

ويتطلب هذا العمل تخطيطًا دقيقًا واستعدادًا جيدًا. فقبل الانطلاق في أي رحلة، يدرس غابرييل الخرائط الجيولوجية والأبحاث العلمية لتحديد المواقع الواعدة التي يُحتمل العثور فيها على الأحافير، ثم يقضي وقتًا في تنظيم وسائل النقل والمعدات والإمدادات اللازمة.

ويقول: «يتسم العمل الميداني بدرجة عالية من التنسيق. إذ يؤدي المشاركون أدوارًا مختلفة وفقًا لخبراتهم وتخصصاتهم، مثل وصف الصخور والتقاط الصور وجمع الأحافير».

يركز العمل الميداني لغابرييل على موقعين أحفوريين مثيرين للاهتمام في البرازيل. يضم تكوين كراتو الصخري، الذي يعود إلى العصر الطباشيري، أحافير محفوظة بصورة استثنائية لحشرات وأسماك وتيروصورات ونباتات. أما تكوين تامينغو الصخري، الذي يعود إلى العصر الإدياكاري، فيحتوي على بعض أقدم أحافير الحيوانات التي امتلكت القدرة على التمعدن الحيوي، ومنها Corumbella.

أين يعمل علماء الحفريات أيضًا؟

لا يقتصر علم الحفريات على العمل في المواقع الخارجية. ويوضح غابرييل: «يُجرى جزء كبير من عملي داخل المجموعات العلمية المحفوظة في المتاحف. وتتيح هذه المجموعات لعلماء الحفريات دراسة عينات موثقة جيدًا باستخدام أدوات لا تتوفر في الميدان، مثل المجاهر».

ويضيف غابرييل: «العمل في المختبر ممتع أيضًا. فقد يكون التخطيط للتجارب وتنفيذها في مختبرنا ومرافق المسرّعات أمرًا مليئًا بالتحديات، لكنه يظل تجربة مثيرة دائمًا، إذ يتيح لنا اختبار أفكارنا ومشاركة نتائجنا مع الآخرين».

مقالات ذات صلة