القائمة الرئيسية

هل حان وقت تعليق السماعة الطبية؟

هل حان وقت تعليق السماعة الطبية؟
ملخص المقال

يثير تقدم الأطباء في العمر مخاوف متزايدة بشأن تراجع قدراتهم المعرفية والجسدية، مما قد يعرض سلامة المرضى للخطر، كما يتضح من حالة الجراح ريتشارد هيكين الذي أدت حالته الصحية المتدهورة إلى دعاوى قضائية عديدة. تشير الإحصائيات إلى ازدياد نسبة الأطباء المسنين، بينما تُظهر الأبحاث أن القدرات الإدراكية تتراجع عادةً مع التقدم في السن، إلا أن التباين الفردي كبير ولا يوجد دليل قاطع يربط العمر وحده بتراجع الأداء. تتراوح الاستجابات الحالية لهذه المشكلة بين سياسات التقاعد الإلزامي النادرة والفحوصات القائمة على العمر، والتي تواجه تحديات قانونية وأخلاقية. نظرًا لتردد الأطباء وزملائهم في الإبلاغ عن تدهور القدرات، يدعو الخبراء إلى تبني نهج أكثر شمولية يعتمد على التقييم المستمر للكفاءة المهنية للأطباء من جميع الأعمار، وليس فقط بناءً على السن، بهدف تحديد ما يمكنهم القيام به بأمان وتقديم التعديلات اللازمة لمسارهم المهني لدعم استمرارية الرعاية الآمنة للمرضى.

انتهت المسيرة المهنية الطويلة لريتشارد ديفيد هيكين، جرّاح العظام، نهاية كارثية. فقد تقاعد هيكين عن العمل في سن الخامسة والستين عام 2020، بعد أن اتهمه مرضى بمواصلة إجراء العمليات الجراحية رغم معاناته من حالة عصبية تنكسية متفاقمة أثرت في توازنه وقدرته على الكلام. وخلال السنوات الثلاث التالية لتقاعده، رُفعت ما لا يقل عن 522 دعوى قضائية ضد هيكين ومستشفى أسانشن سانت فنسنت ريفرسايد في مدينة جاكسونفيل بولاية فلوريدا. واتهم المدعون المستشفى بأنه كان على علم بتدهور حالة الجرّاح، لكنه سمح له بمواصلة إجراء العمليات الجراحية رغم ذلك.

كانت الأضرار الموصوفة في الدعاوى القضائية جسيمة. فقد توفيت إحدى المريضات بعد أن تسبب هيكين، بحسب الادعاءات، في كسر عظم الفخذ لديها أثناء عملية استبدال مفصل الورك. واتهمه مرضى آخرون بالتسبب في كسور بعظام مختلفة، أو تمزق الأوتار وقطع الأعصاب. وتوفي هيكين في مايو 2026. وقد أقر المستشفى بمسؤوليته القانونية في بعض هذه القضايا، ولكن ليس في جميعها.

وعلى الرغم من أن حالة هيكين قد تكون استثنائية في خطورتها، فإنها تعكس مخاوف تشغل بال مسؤولي المؤسسات الصحية والمدافعين عن حقوق المرضى والباحثين، وتتمثل في السؤال الآتي: ماذا يحدث عندما يواصل الأطباء المسنون ممارسة المهنة رغم تراجع قدراتهم؟

يقول فيكتور ديل بيني، اختصاصي علم النفس العصبي السريري في جامعة ألاباما في برمنغهام، والذي حذّر من «أزمة وشيكة في الصحة العامة»، إن هذه المشكلة تتفاقم عامًا بعد عام. ويأتي ذلك في وقت تتقدم فيه القوى العاملة الطبية في العمر، بالتزامن مع استمرار النقص في أعداد الأطباء. ويبلغ عدد الأطباء الممارسين في الولايات المتحدة ممن تتراوح أعمارهم بين 55 عامًا فأكثر نحو 47% من إجمالي الأطباء حاليًا، مقارنة بنحو 38% عام 2007.

هناك أسباب وجيهة تدعو إلى القلق. ففي المتوسط، تتراجع جوانب عديدة من القدرات المعرفية مع التقدم في العمر، وتُعد سرعة معالجة المعلومات والذاكرة العاملة والانتباه من أكثر هذه القدرات عرضة للتراجع. كذلك، تصبح الأمراض التي قد تؤثر في قدرة الشخص على أداء وظائفه بكفاءة أكثر شيوعًا مع التقدم في السن. ووفقًا للأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب، ترتفع نسبة انتشار الضعف الإدراكي البسيط مع العمر، من 8.4% بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 65 و69 عامًا، إلى 25.2% بين من تتراوح أعمارهم بين 80 و84 عامًا.

كما تصبح العديد من الأمراض العصبية الخطيرة أكثر انتشارًا بين كبار السن، مثل مرض باركنسون ومرض ألزهايمر، إضافة إلى مرض أقل شيوعًا يُعرف باسم الشلل فوق النووي المترقي، وهو المرض الذي يُقال إن هيكين كان يعاني منه.

ومع ذلك، تختلف الحالات بين الأفراد اختلافًا كبيرًا من حيث توقيت بدء هذه التغيرات وسرعة تطورها.

يقول سايمون كوكس، الخبير في جامعة إدنبرة الذي يقود دراسة واسعة النطاق حول التغيرات المعرفية وتغيرات الدماغ المرتبطة بالشيخوخة لدى كبار السن: «هناك أشخاص لا تظهر عليهم سوى مؤشرات قليلة جدًا من علامات شيخوخة بنية الدماغ حتى بلوغهم السبعينيات من العمر، كما يسجلون معدلات محدودة نسبيًا من التراجع المعرفي المرتبط بالتقدم في السن عند قياسها خلال السبعينيات والثمانينيات من أعمارهم. لكن هناك أيضًا أشخاصًا يتراجع أداؤهم بمعدلات أسرع بعض الشيء».

وقد يساعد هذا التباين بين الأفراد، إلى جانب ما يصفه بعض الباحثين بأنه «قصور في الإبلاغ عن الحالات»، في تفسير غياب الأدلة الحاسمة التي تثبت أن التقدم في العمر بحد ذاته يؤدي إلى تراجع أداء الأطباء.

فقد وجدت مراجعة منهجية واسعة الاستشهاد نُشرت عام 2005 أن 45 دراسة من أصل 62 دراسة خضعت للتحليل ربطت بين التقدم في عمر الطبيب أو زيادة سنوات ممارسته للمهنة وبين تراجع أدائه في بعض المقاييس أو جميعها. وشملت النتائج، في ثلاث من هذه الدراسات، ارتفاع معدلات وفيات المرضى. وكتب الباحثون أن نتائجهم «تشير إلى احتمال أن يكون الأطباء الأكثر خبرة، على نحو مفارق، أكثر عرضة لتقديم رعاية صحية أقل جودة». ومع ذلك، لم يتوصلوا إلى استنتاجات حاسمة بشأن تأثير التقدم في العمر بحد ذاته.

وفي عام 2023، حلل باحثون من عدد من كليات الطب الأمريكية واليابانية الرائدة بيانات أكثر من 2.6 مليون زيارة إلى أقسام الطوارئ. ووجدوا أن مرضى برنامج الرعاية الطبية الأمريكي «ميديكير»، الذين تتراوح أعمارهم بين 65 و89 عامًا وعولجوا على يد أطباء تقل أعمارهم عن 40 عامًا، سجلوا معدلات وفيات خلال سبعة أيام أقل بعد ضبط النتائج إحصائيًا، مقارنة بالمرضى الذين عولجوا على يد أطباء ينتمون إلى فئات عمرية أكبر. ومع ذلك، أظهرت هذه الدراسة وجود ارتباط بين التقدم في عمر الطبيب والنتائج الصحية، لكنها لم تثبت أن العمر هو السبب المباشر لهذه النتائج.

وظهرت أدلة أقرب إلى الإثبات المباشر في دراسة أُجريت في وقت لاحق من العام نفسه، عندما وجد باحثون كنديون ارتباطًا بين الضعف الإدراكي والشكاوى المهنية المقدمة ضد أكبر الأطباء سنًا ضمن الفئة التي شملتها الدراسة.

اعتمد الباحثون على 67,566 قضية مدنية وشكوى مقدمة إلى الهيئات التنظيمية والمستشفيات، أُغلقت خلال الفترة الممتدة من عام 2012 إلى عام 2021. ومن بين 10,599 قضية تتعلق بأطباء تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر، حدد الباحثون 65 قضية فقط ارتبطت فيها المخاوف المتعلقة بالقدرات الإدراكية للطبيب بالقضية محل التحقيق.

ولم تظهر مثل هذه المخاوف إلا في 0.2% من القضايا المتعلقة بأطباء تتراوح أعمارهم بين 55 و60 عامًا، لكنها ارتفعت إلى 7.7% بين الأطباء الذين تجاوزوا الثمانين من العمر. ورغم أن الباحثين لم يتمكنوا من الجزم بأن التغيرات الإدراكية تسببت في الوقائع السريرية محل الدراسة، فإنهم أثاروا مخاوف بشأن احتمال أن يشكل الضعف الإدراكي لدى الأطباء المسنين خطرًا على سلامة المرضى.

وعلى الرغم من غياب الأدلة القاطعة، استمر الجدل حول كفاءة الأطباء الأكبر سنًا، وأدى إلى ظهور استجابتين مختلفتين على مستوى السياسات. تتعامل الأولى مع العمر بحد ذاته باعتباره سببًا للاستبعاد من الممارسة المهنية، بينما تستخدم الثانية العمر مبررًا لإخضاع الطبيب لمزيد من التدقيق والتقييم.

تُعد سياسات التقاعد الإلزامي للأطباء نادرة عمومًا في مختلف أنحاء العالم، رغم أن بعض الدول تفرض حدودًا عمرية على الأطباء العاملين في القطاع الحكومي. ففي الهند، يُطلب من كثير من الأطباء الحكوميين التقاعد عند بلوغ الخامسة والستين. أما في الصين، فيخضع أطباء المستشفيات العامة لنظام التقاعد القانوني الأوسع في البلاد، الذي يجري رفع سن التقاعد فيه تدريجيًا من 60 عامًا للرجال و55 عامًا للنساء.

وفي الولايات المتحدة، يُعد نظام مجموعة كايزر بيرماننت الطبية في جنوب كاليفورنيا مثالًا غير مألوف على التقاعد الإلزامي للأطباء. إذ يتعين على الشركاء الأطباء، وهم مالكون مشاركون للمؤسسة وليسوا موظفين فيها، التقاعد من الشراكة عند بلوغ الخامسة والستين، مع إمكانية إعادة توظيفهم لاحقًا ومواصلتهم علاج المرضى.

ومنذ سبعينيات القرن الماضي، يفرض القانون الأمريكي على مراقبي الحركة الجوية التقاعد عند بلوغ سن السادسة والخمسين، استنادًا صراحة إلى الآثار التراكمية للضغط النفسي والإرهاق الناجم عن العمل بنظام المناوبات والتغيرات المعرفية المرتبطة بالعمر. ومع ذلك، فإن الأساس العلمي لهذه القاعدة موضع شك، كما هي الحال بالنسبة إلى الأطباء. فقد أظهر تحليل أجرته إدارة الطيران الفيدرالية عام 2005 وشمل أكثر من 3,000 خطأ تشغيلي، أن مراقبي الحركة الجوية الذين تبلغ أعمارهم 56 عامًا فأكثر، وكانوا قد عُيّنوا قبل دخول القانون حيز التنفيذ، لم يكونوا أكثر عرضة للوقوع في الأخطاء من المراقبين الأصغر سنًا.

لا يستطيع الأطباء دائمًا إدراك الوقت المناسب للتراجع عن ممارسة المهنة.

يُعد الفحص المرتبط ببلوغ سن محددة نهجًا بديلًا أكثر شيوعًا في الولايات المتحدة. ويُلزم هذا النهج الأطباء الذين يبلغون عمرًا معينًا بالخضوع لتقييم قبل تجديد اعتمادهم السريري أو امتيازاتهم المهنية. وتختلف هذه الاختبارات اختلافًا كبيرًا من مؤسسة إلى أخرى، إذ تتراوح بين اختبارات حاسوبية قصيرة وفحوص تستغرق عدة ساعات وتشمل الجوانب الجسدية والعصبية والنفسية.

وتشير النتائج الأولية لعدد من البرامج إلى أن هذه الفحوص تكشف أحيانًا عن مشكلات خطيرة. فمن بين أول 141 ممارسًا صحيًا خضعوا لمجموعة من 16 اختبارًا في مستشفى ييل نيو هيفن، أظهر 18 طبيبًا، أي ما يعادل 12.7%، أوجه قصور اعتُبر أنها قد تعوق قدرتهم على أداء مهامهم المهنية بصورة مستقلة. وكان تسعة من هؤلاء الأطباء في سن الثمانين أو أكبر.

وأفادت مؤسسة هارتفورد للرعاية الصحية بأن 14.4% من أول 160 ممارسًا صحيًا خضعوا للفحص لديها، وكانت أعمارهم 70 عامًا فأكثر، أظهروا درجة من درجات الضعف الإدراكي.

وتعتمد الإجراءات المتخذة بعد ظهور هذه النتائج على المؤسسة المعنية. ففي مستشفى ييل، اختار الأطباء الثمانية عشر إما التقاعد طوعًا أو قبول الخضوع للإشراف أثناء ممارسة العمل. وفي عام 2020، رفعت لجنة تكافؤ فرص العمل الفيدرالية الأمريكية دعوى قضائية ضد المستشفى، زعمت فيها أن هذه السياسة تنتهك قانون التمييز على أساس العمر في التوظيف وقانون الأمريكيين ذوي الإعاقة. ومع ذلك، واصل مستشفى ييل تطبيق البرنامج مع الطعن في القضية.

ومن المؤكد أن إخضاع الأطباء الأكبر سنًا حتى لفحوص أولية قد يشعرهم بالتهديد. إذ يختار بعضهم التقاعد طوعًا بدلًا من الخضوع للاختبارات.

يقول توماس غالاغر، الطبيب وخبير الأخلاقيات الحيوية في جامعة واشنطن، الذي يدرس جودة الرعاية الصحية والممارسة الطبية في المراحل المتأخرة من المسيرة المهنية: «يثير هذا الأمر غضب بعض الأطباء بشدة. وينبع ذلك من الشعور بالوصمة، وربما حتى الإذلال، الذي يصاحب الإحساس بأنك تُصنَّف على أنك لم تعد طبيبًا فعالًا بسبب عمرك».

وعقب الدعوى القضائية التي رفعتها لجنة تكافؤ فرص العمل ضد جامعة ييل، تراجعت مؤسسات أخرى عن برامجها. ووفقًا لمقال نُشر في أوائل عام 2026 في موقع «كيه إف إف هيلث نيوز» وصحيفة «نيويورك تايمز»، علّقت مؤسسة هارتفورد للرعاية الصحية ومستشفى دريسكول للأطفال في ولاية تكساس برامجهما أو أنهتهما.

ويقدّر غالاغر أن عدد برامج الفحص المخصصة للأطباء في المراحل المتأخرة من مسيرتهم المهنية قد يصل حاليًا إلى 200 برنامج في الولايات المتحدة، وهو عدد ضئيل للغاية مقارنة بأكثر من 6,000 مستشفى في البلاد.

وفي الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية للطب النفسي في مايو 2026، ناقشت لجنة متخصصة أفضل السبل لتنظيم عمل الأطباء المتقدمين في العمر ودعمهم. وتجدر الإشارة إلى أن شقيق كاتب المقال، وهو طبيب نفسي، كان أحد أعضاء اللجنة.

تقول سهبا حسين كراوتر، الطبيبة النفسية في كلية إيكان للطب التابعة لمستشفى ماونت سيناي في مدينة نيويورك، والتي ترأست اللجنة: «تفترض كثير من سياسات الفحص القائمة على العمر أن الاختبار القادر على رصد الاختلافات الإدراكية يمكنه أيضًا التنبؤ بمن يشكل خطرًا فعليًا عند ممارسة المهنة. وهذا افتراض محفوف بالمخاطر، خصوصًا بالنسبة إلى الأطباء. وعندما تُستخدم هذه الأدوات بوصفها شروطًا للتحكم في منح الاعتمادات المهنية، فقد تؤدي إلى فرض قيود غير عادلة، والإضرار بالسمعة المهنية، وتعريض الأطباء لمخاطر قانونية».

كما أكدت الجمعية الطبية الأمريكية أن العمر وحده ينبغي ألا يكون سببًا لإخضاع الطبيب للتقييم. ويتبنى كوكس، الذي شارك في تأليف تقرير حول علم الشيخوخة الإدراكية نُشر في مجلة Annual Review of Developmental Psychology عام 2024، استنتاجًا مشابهًا.

وقال كوكس: «من غير المرجح أن يكون العمر وحده معيارًا كافيًا أو فعالًا لتطبيق اختبارات شاملة على جميع الأطباء عند بلوغ سن محددة».

ومع ذلك، يرى المدافعون عن السياسات القائمة على العمر أن النهج المتبع حاليًا في معظم المستشفيات، والذي قد لا يتحرك إلا بعد تلقي شكوى، لا يمنح سلامة المرضى الاهتمام الكافي.

فالأطباء لا يستطيعون دائمًا إدراك الوقت المناسب للتراجع عن ممارسة المهنة، وهو ما أقرت به الكلية الأمريكية للجراحين نفسها عام 2024. كما أن زملاءهم غالبًا ما يترددون في الإبلاغ عن المشكلات أو التحذير منها.

وفي استطلاع وطني نشرته مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA)، أفاد 69% فقط من الأطباء بأنهم مستعدون للتعامل بفاعلية مع زملائهم الذين يعانون من تراجع في القدرة على ممارسة المهنة بأمان.

وشملت أكثر التفسيرات شيوعًا التي قدمها الأطباء الذين كانوا على علم بوجود زميل يعاني من ضعف يؤثر في أدائه، لكنهم لم يتخذوا أي إجراء، افتراضهم أن شخصًا آخر سيتولى معالجة الأمر، واعتقادهم أن الإبلاغ لن يؤدي إلى أي تغيير، وخوفهم من التعرض للانتقام.

وهذا يترك المرضى أمام مسؤولية تقديم الشكاوى، وقد يكون الأوان قد فات بحلول تلك المرحلة، كما يحذر غالاغر.

ويقول: «آخر ما نريده هو الانتظار حتى وقوع خطأ طبي جسيم قبل اتخاذ أي إجراء، لأنه بحلول ذلك الوقت، سيكون شخص ما قد تعرض للأذى بالفعل، وهذا أمر مؤسف».

ويرى بعض الخبراء أن هناك مجالًا للتوصل إلى حل وسط بين السياسات التي تفرض الفحص عند بلوغ سن محددة وبين الانتظار حتى وقوع كارثة.

ففي عام 2024، أيدت الكلية الأمريكية للجراحين إخضاع الجراحين من جميع الأعمار لتقييمات الكفاءة المهنية طوال مسيرتهم المهنية. ويجمع النموذج الذي اقترحته الكلية بين نتائج الأداء السريري والتقييمات الجسدية وتقييمات الصحة النفسية ومقاييس القدرات المعرفية الموحدة.

وإذا ظهرت مؤشرات تدعو إلى القلق، فيمكن للمؤسسة المعنية اتخاذ إجراءات إضافية، مثل مراجعة السجلات الطبية، أو مراقبة الإجراءات الجراحية مباشرة أو مراجعة تسجيلاتها المصورة، أو جمع تقييمات الزملاء، أو إخضاع الطبيب للإشراف أثناء العمل.

وأكدت المنظمة أن نتائج الاختبارات الإدراكية ينبغي ألا تُستخدم بمعزل عن غيرها لاتخاذ قرارات منح الامتيازات المهنية أو سحبها. كما أشارت إلى أن المؤسسات التي تقدم خدمات جراحية ستحتاج إلى تحديد كيفية تطبيق هذه السياسة بما يتناسب مع أوضاعها المالية واللوائح التنظيمية المعمول بها.

ينبغي أن يكون الهدف من اختبارات الفحص الإدراكي تحديد ما يستطيع الطبيب القيام به بأمان، لا استخدام نتيجة اختبار واحدة لتقرير انتهاء مسيرته المهنية.

ومن شأن هذا النهج معالجة أحد الانتقادات الأساسية الموجهة إلى الفحوص القائمة على العمر، وهو أن السكتات الدماغية وإصابات الرأس والأمراض النفسية ومشكلات تعاطي المواد وتأثيرات الأدوية وغيرها من العوامل التي قد تهدد الكفاءة المهنية يمكن أن تحدث في أي عمر.

كما أن إجراء تقييمات متكررة طوال المسيرة المهنية قد يساعد على تحديد مستوى الأداء الأساسي لكل طبيب، مما يسهل اكتشاف أي تغيرات جوهرية في قدراته لاحقًا. وقد حظي البرنامج الذي تطبقه مقاطعة ألبرتا الكندية، والذي يقيّم الأطباء من جميع الأعمار مرة كل خمس سنوات، بإشادة الباحثين.

وبالطبع، فإن تطبيق برنامج مماثل على جميع الأطباء في الولايات المتحدة سيكون مكلفًا ويستغرق وقتًا طويلًا. إذ سيتطلب هذا الجهد عددًا أكبر بكثير من الموظفين مقارنة بإجراء الاختبارات للأطباء الذين تجاوزوا السبعين فقط. كما قد يؤدي إلى إخضاع آلاف الأطباء الأصغر سنًا، ممن يتمتعون بالكفاءة والقدرة على أداء عملهم بأمان، لفحوص لا يحتاجون إليها.

وعلى الرغم من ذلك، تؤيد حسين كراوتر إجراء تقييمات دورية واسعة النطاق للأطباء من جميع الأعمار. وترى أن هذه التقييمات ينبغي أن تشمل فحوص البصر والسمع والتوازن، وجمع الملاحظات من الزملاء والمرضى، وطرح أسئلة أو إجراء محاكاة عملية ترتبط بالمهام الفعلية التي يؤديها الطبيب.

وتؤكد أن الهدف ينبغي أن يكون تحديد المهام التي يستطيع الطبيب أداءها بأمان، بدلًا من استخدام نتيجة واحدة للحكم على انتهاء مسيرته المهنية.

وقد تشمل الترتيبات الممكنة لدعم الأطباء المتقدمين في العمر تقليل ساعات العمل، وتوفير المساعدة أثناء الإجراءات الطبية، وخفض عدد الحالات التي يتولون علاجها، ووضع قيود على العمليات شديدة التعقيد، أو الانتقال إلى مجالات التدريس والإرشاد المهني والاستشارات.

ويتفق غالاغر مع هذه المقترحات إلى حد معين. ويقول: «البرامج الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تنظر إلى هذه المسألة باعتبارها سببًا لإبعاد الأطباء عن الطاقم الطبي، بل تلك التي تحاول فهم السؤال الآتي: كيف يمكننا مساعدة الأطباء على مواصلة ممارسة المهنة بأمان؟».

ومع ذلك، لا يزال غالاغر مؤيدًا لإجراء الاختبارات عند بلوغ سن محددة، بحجة أن السياسات الحالية، أو بالأحرى غياب السياسات الفعالة في معظم المؤسسات، لم يعد من الممكن الدفاع عنها.

ويقول: «عندما يغضب مني الأطباء بشدة بسبب عملي على هذا الموضوع، أسألهم: هل ستشعر بالارتياح إذا أجرى جرّاح يبلغ من العمر 90 عامًا عملية جراحية لك؟».

ويضيف: «فيجيبون: بالطبع لا».

«عندها أقول لهم: حسنًا، إذن أنتم تعتقدون أن هناك عمرًا قد لا تكون فيه ممارسة الجراحة فكرة جيدة. فلنحاول الآن الاتفاق على السن المناسبة التي ينبغي عند بلوغها البدء في إجراء الفحوص».

المصدر

مقالات ذات صلة