القائمة الرئيسية

داخل دماغ المراهق

داخل دماغ المراهق
ملخص المقال

تلخص هذه المقالة أبحاث عالمة الأعصاب النمائي إيفلين كرونه حول دماغ المراهق (10-24 عامًا)، مشيرة إلى أنها فترة مليئة بالفرص والإمكانات، وليست مجرد مرحلة صراعات. تستخدم كرونه تقنيات تصوير الدماغ (fMRI) لاستكشاف التغيرات في القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التفكير والاستدلال، والجسم المخطط البطني المرتبط بالمكافآت وسلوك المخاطرة، وشبكة الدماغ الاجتماعي للتفكير في الذات والآخرين. وتوضح الأبحاث أن السلوكيات الاندفاعية والمخاطرة، التي غالبًا ما تُفهم سلبًا، قد تكون تكيفية وضرورية لدفع المراهقين نحو الاستقلال واستكشاف العالم. وتؤكد كرونه على ضرورة أن ينظر الكبار إلى المراهقين كفاعلين لهم صوتهم وإمكاناتهم، وأن يوفروا لهم الدعم والفرص لتطوير ذواتهم، مشددة على أهمية إشراكهم في القرارات التي تخصهم، لتمكينهم من النمو ليصبحوا أفرادًا مسؤولين ومهتمين بالمجتمع.

قد تحظى هذه المرحلة الصعبة من الحياة بسمعة سيئة، لكنها تزخر أيضًا بالفرص والإمكانات. وتشاركنا عالمة متخصصة في علم الأعصاب النمائي ما توصلت إليه من خلال دراساتها حول سلوكيات المخاطرة لدى الشباب، وقدراتهم على الاستدلال، وغير ذلك من الجوانب.

غالبًا ما تُصوَّر مرحلة المراهقة باعتبارها فترة مليئة بالصراعات والاحتكاكات، تتخللها لحظات من الحماس الشديد وأخرى من الإحباط والانخفاض الحاد في المعنويات. كما يميل الناس إلى تصوير سلوك الشباب على أنه متمحور حول الذات واندفاعي. لكن ما مدى دقة هذه الصورة؟ وما الذي يمكن أن يفسرها؟

تدرس إيفلين كرونه، عالمة الأعصاب النمائي في جامعة إيراسموس روتردام، المراهقين الذين يُعرّفهم الباحثون بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و24 عامًا، منذ أكثر من عشرين عامًا. وقد وسعت اهتمامها تدريجيًا، فانتقلت من دراسة التغيرات العديدة التي تحدث في أدمغة المراهقين إلى الاهتمام بآرائهم وتجاربهم الشخصية أيضًا. وقد أسهم هذا التحول في إثراء نتائجها السابقة المتعلقة بكيفية تعلم الأدمغة في مرحلة النمو، وتوليد المشاعر، ومعالجة المكافآت، ومراعاة وجهات نظر الآخرين. كما أتاح أفكارًا جديدة يمكن أن يستفيد منها البالغون الذين يسعون إلى مساعدة الشباب.

ولدراسة المراهقين، تستخدم كرونه تقنيات تصوير نشاط الدماغ أثناء انخراط المشاركين في مهام وألعاب متنوعة على شاشات الحاسوب. وقد صُممت هذه المهام لتقييم سلوكياتهم ومواقفهم تجاه أمور مثل المخاطرة والمكافأة، وطريقة تفكيرهم في الآخرين ومدى تأثرهم بهم، وغير ذلك من الجوانب. وتستكمل هذه الدراسات بأساليب أخرى، مثل الاستبيانات واللجان الاستشارية للشباب. وفي الوقت الراهن، تحرص أيضًا على استشارة الشباب والاستفادة من آرائهم منذ المراحل الأولى لتصميم الدراسة.

وفي مقال نُشر عام 2020 في مجلة Annual Review of Psychology، تناولت كرونه وزميلها أندرو فوليني من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس الطريقة التي يفكر بها المراهقون في أنفسهم والآخرين، والمشاعر التي تنتابهم حيال ذلك. وأكدا أن التفكير في الذات والتفكير في الآخرين ليسا عمليتين منفصلتين، بل يرتبطان ارتباطًا وثيقًا ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر بسهولة.

حُررت هذه المقابلة واختُصرت بعض أجزائها لتحسين الوضوح، مع الحفاظ على المعنى.

كيف بدأ اهتمامك بدراسة المراهقين، وكيف تطورت وجهات نظرك بمرور الوقت؟

عندما بدأت دراسة علم النفس، كنت مهتمة بالطريقة التي يفكر بها الناس ويتخذون بها القرارات. ثم بدأت أدرك أن الإجابة عن هذه الأسئلة تصبح ممكنة عندما نفهم كيف وصل الناس إلى طريقة تفكيرهم الحالية. ومن هنا بدأ اهتمامي بالنمو والتطور، إذ أردت فهم المسارات التي يسلكها الإنسان حتى يصبح بالغًا.

أما اليوم، فقد أصبح اهتمامي بالمراهقة أكبر بكثير، بسبب ما تمثله الأجيال الجديدة من وعود وإمكانات. ويثير فضولي كيف يعيد كل جيل جديد من المراهقين تشكيل هويته وإعادة ابتكار المجتمع من حوله.

في البداية، كنت أنظر إلى المشاركين في دراساتي باعتبارهم موضوعات للبحث، أي أشخاصًا أدرسهم لفهم الآليات التي تحكم سلوكهم. لكن هذا الأمر تغير تمامًا. وبفضل ما تعلمته، أشعر بأنني أصبحت مدافعة عن الشباب وحقوقهم واحتياجاتهم.

عندما بدأت مسيرتك البحثية، كانت مرحلة مراهقتك لا تزال ذكرى قريبة، أما الآن فقد أصبحت أبعد بكثير. كيف تعتقدين أن ذلك أثر في نظرتك إلى هذه المرحلة من الحياة؟

نعلم من التاريخ أن المراهقين وُصفوا دائمًا بأنهم مثيرو للمشكلات. وقد وصلت الآن إلى عمر بدأت فيه ألاحظ الفروق بين الأجيال بوضوح أكبر، وأجد نفسي أحيانًا أعبّر عن استيائي من تصرفات الشباب أو أستخف بها. لكنني سرعان ما أنتبه إلى ما أفعله وأقول لنفسي: حسنًا، هذه ببساطة هي الطريقة التي يفكر بها الشباب أو يستجيبون بها للمواقف.

ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما حدث خلال الجائحة، عندما كان الطلاب يرفضون تشغيل كاميراتهم أثناء تدريسي. لم يكن هذا الأمر مريحًا بالنسبة إليّ، لكنني اضطررت إلى إعادة التفكير في الموقف وتذكير نفسي بالأبحاث التي أجرتها عالمة النفس بجامعة هارفارد ليا سومرفيل. فقد أظهرت أبحاثها أن الأشخاص في منتصف مرحلة المراهقة يشعرون بإحراج أكبر عندما يُطلب منهم النظر إلى أنفسهم على الشاشة، أو عندما يعتقدون أن الآخرين يراقبونهم.

إذن، هناك تفسيرات تساعدنا على فهم سلوكهم.

لكنني أقول أيضًا، عندما ألقي محاضرات أمام الجمهور العام، إن من المفيد أن نعرف أن بعض الأنماط السلوكية مشتركة بين الجميع، وليس المراهقين وحدهم. ومع ذلك، فأنا لا أقول إن المراهقة مرحلة سهلة، سواء بالنسبة إلى المراهقين أنفسهم أو إلى آبائهم وأمهاتهم.

يتساءل كثيرون عما يحدث داخل أدمغة المراهقين. لكن كيف تدرسين ذلك فعليًا؟

تدربت في الأصل على علم النفس التجريبي، وهو مجال يعلّم الباحثين كيفية تصميم تجارب تكشف عن عمليات عقلية محددة. فنطلب من أشخاص من أعمار مختلفة أداء مهمة معينة، مثل الإجابة عن أسئلة تظهر على الشاشة، ثم نستخدم أداة لتصوير الدماغ تُعرف باسم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، حتى نتمكن من رصد أنماط النشاط في الدماغ.

فعلى سبيل المثال، يمكن تصميم مهمة يُطلب فيها من الشخص اتخاذ قرار بمفرده، ثم اتخاذ قرار آخر بينما يراقبه أصدقاؤه. وبعد ذلك، نستطيع رصد أنماط النشاط الدماغي في كل حالة ومقارنتها.

وباستخدام هذا النهج، درسنا مجموعة واسعة من السلوكيات والاستجابات. فقد بحثنا فيما يحدث عندما يُطلب من المراهقين الانتظار قبل الحصول على مكافأة، أو التفكير في أنفسهم أو في الآخرين، أو اتخاذ قرار بشأن التعاون مع الآخرين أو مشاركة ما لديهم معهم أو تقديم شيء لهم.

ولأن تجاربنا مصممة لدراسة سلوكيات محددة للغاية، فإنها قد لا تعكس الواقع بكل تعقيداته، لكنها تتيح لنا فصل العمليات المختلفة عن بعضها بعضًا ودراسة كل منها بصورة أدق.

بعد ذلك، نحاول فهم العملية نفسها باستخدام الاستبيانات، والتحدث مع اللجان الاستشارية للشباب، وتطبيق تدخلات تجريبية لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا تغيير سلوك معين. والفكرة هي أن دراسة السؤال نفسه من خلال أساليب مختلفة تسمح لمزايا إحدى الطرق بالتعويض عن أوجه القصور في الطرق الأخرى.

ما مناطق الدماغ التي ثبت أنها تتغير خلال مرحلة المراهقة، وما نتائج هذه التغيرات؟

لطالما أثارت اهتمامي القشرة الجبهية الأمامية، وهي إحدى مناطق الدماغ التي ظهرت في مراحل متأخرة من التطور التطوري، كما أنها من آخر المناطق التي يكتمل نموها خلال انتقال الإنسان إلى مرحلة البلوغ.

وتؤدي هذه المنطقة دورًا مهمًا في التفكير العقلاني والذاكرة العاملة والتخطيط للمستقبل والاستدلال. ومن خلال دراسة هذه المنطقة لأكثر من عشرين عامًا باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، لاحظنا أن نضج القشرة الجبهية الأمامية يرتبط بتحقيق مراحل أساسية في تطور القدرات المعرفية اللازمة للاستدلال.

تتطور قدرة الإنسان على الاستدلال مع تقدمه في العمر. فالأطفال الصغار يميلون بدرجة أكبر إلى التعلم الاستكشافي القائم على التجربة والخطأ. لكن كلما تقدمنا في العمر، ازدادت قدرتنا على مراعاة الدوافع الاستراتيجية والتفكير في عواقب أفعالنا على أنفسنا وعلى الآخرين، في الحاضر والمستقبل.

كما نعتمد بدرجة أكبر على الاستراتيجيات المعرفية، ونصبح أكثر ميلًا إلى تبرير الأمور عقلانيًا، حتى إننا لا نستطيع دائمًا التحكم في هذا الميل. وفي المقابل، يقل تأثير الانفعالات الأولية في قراراتنا، لأن البالغين يستطيعون التحكم في مشاعرهم بسهولة أكبر.

درس فريقنا أيضًا دور إحدى مناطق الدماغ المرتبطة بالمكافأة، وهي الجسم المخطط البطني، في سلوك المخاطرة. واستخدمنا في كثير من الأحيان مهمة مقامرة عبر الإنترنت، يمكن للمشاركين فيها ربح المال أو خسارته لأنفسهم، أو لأعز أصدقائهم، أو لشخص لا يحبونه.

وعلى الرغم من أن نسبة صغيرة فقط من المراهقين تتعرض للمشكلات بسبب الانخراط في سلوكيات شديدة الخطورة، فإننا نلاحظ أن الجسم المخطط البطني يصبح أكثر نشاطًا لدى المراهقين عمومًا عندما يؤدي خيار محفوف بالمخاطر، مثل رهان قد يحقق مبلغًا كبيرًا من المال في حال الفوز، إلى مكافأة تعود عليهم شخصيًا. كما يزداد نشاط هذه المنطقة عندما يتخذون قرارات محفوفة بالمخاطر بحضور أصدقائهم.

واكتشفنا أيضًا أن هذه الاستجابة تظهر عندما تعود المكافآت بالنفع على أصدقائهم أو والديهم أو أشخاص آخرين مقربين منهم. وهذا يشير إلى أن المراهقين يتأثرون أيضًا بالمنافع التي تعود على الآخرين، وليس بمكاسبهم الشخصية وحدها.

ويبلغ نشاط هذه المناطق ذروته في منتصف مرحلة المراهقة، ثم ينخفض مع التقدم في العمر. لكن هذه النتيجة تتأثر بدرجة كبيرة بالطريقة التي نصمم بها التجربة، ولذلك لا تظهر في جميع الدراسات.

وبالنسبة إليّ، فإن هذا يمثل لغزًا علميًا مثيرًا للغاية. لماذا لا يُظهر المراهقون أحيانًا هذه الذروة في الحساسية للمكافآت، سواء تعلق الأمر بالمخاطرة أو بمساعدة الآخرين؟

أنا أحب التباين بين النتائج، لأنه يشير إلى إمكانية إجراء تغييرات تتيح للشباب فرصًا أفضل للنمو والنجاح. فقد تكون المراهقة مرحلة من الحياة تؤدي فيها التجارب الاجتماعية دورًا بالغ الأهمية، وتترك آثارًا طويلة الأمد في استعداد الأشخاص للتعامل بلطف مع الآخرين وفي شعورهم بالارتباط بهم.

يبدو سلوك المراهقين في نظر كثيرين اندفاعيًا بلا داعٍ. هل تعتقدين أن لهذا السلوك وظيفة مهمة، أم أنه مجرد أثر جانبي لبعض الخطوات الضرورية في نمو الدماغ؟

أعتقد عمومًا أن هذا السلوك مفيد للشباب. فهو قد يساعد المراهقين بالفعل على الخروج إلى العالم والبحث عن تجارب جديدة.

إن الانتقال من مرحلة الطفولة، التي يكون فيها الإنسان معتمدًا اعتمادًا كبيرًا على والديه، إلى مرحلة يبدأ فيها فجأة بالابتعاد عن قواعد المنزل بحثًا عن طريقه الخاص في الحياة، يمثل تحولًا هائلًا. ولا بد من وجود نوع من الدافع الذي يدفعه إلى خوض هذه التجربة.

وبالطبع، فإن بعض أشكال المخاطرة خطيرة للغاية. لكنني أعتقد أن هذا قد يكون أثرًا جانبيًا للوظيفة المفيدة والتكيفية التي يؤديها الميل إلى المخاطرة، والتي تدفع المراهقين إلى الانتقال نحو مرحلة البلوغ.

ركزتِ في مراجعتك البحثية على مناطق الدماغ التي تتيح لنا التفكير في أنفسنا وفي الآخرين. واتضح أن هذه المناطق متشابهة إلى حد كبير. هل فاجأك ذلك؟

تظهر شبكة الدماغ الاجتماعي، التي تضم أربع مناطق دماغية تنشط باستمرار عند التفكير في المواقف الاجتماعية، بصورة واضحة ومتكررة في مئات الدراسات.

وتُعد القشرة الجبهية الأمامية الإنسية إحدى هذه المناطق، وهي تنشط أيضًا بقوة عندما يفكر الإنسان في نفسه. وهذا يشير إلى أن هذه المنطقة تشارك في العمليتين معًا.

كنا نتوقع في البداية أن تكون معالجة المعلومات المتعلقة بالذات منفصلة عن معالجة المعلومات المتعلقة بالآخرين. لكننا اكتشفنا أن المنطقة الدماغية نفسها كانت تنشط في كل مرة نطلب فيها من المراهقين التفكير في صفاتهم الشخصية، أو التفكير في الآخرين، أو التفكير فيما يعتقده الآخرون عنهم.

لقد كانت المنطقة نفسها تنشط مرارًا وتكرارًا، مهما اختلف موضوع التفكير.

ولذلك، لم أعد أعتقد أنه يمكن الفصل بين هاتين العمليتين بسهولة. فنحن نتأمل أنفسنا باستمرار أثناء تفاعلنا مع الآخرين، وفي الوقت نفسه، يؤثر تفاعلنا معهم في شعورنا تجاه أنفسنا.

وتكون القشرة الجبهية الأمامية الإنسية أكثر نشاطًا لدى المراهقين مقارنة بالبالغين، بل إن بعض الدراسات تُظهر أن نشاطها يبلغ ذروته في هذه المرحلة.

ويبقى السؤال الأساسي: لماذا يحدث ذلك؟

نعتقد أن هذا قد يعكس زيادة اعتماد المراهقين على التفكير الاستراتيجي، وهي عملية تشارك فيها القشرة الجبهية الأمامية، كما أوضحت سابقًا. لكن من الممكن أيضًا أن يكون السبب هو زيادة التأمل الذاتي، أي أن المراهقين يقضون وقتًا أطول في التفكير في أنفسهم.

ومن المناطق الأخرى التي تشكل جزءًا من شبكة الدماغ الاجتماعي الوصلة الصدغية الجدارية، وهي منطقة تنشط تحديدًا عندما ينتقل الإنسان في تفكيره من وجهة نظره الشخصية إلى وجهة نظر الآخرين.

وقد أجرينا دراسة على مراهقين لديهم تاريخ من السلوك الجانح، ووجدنا أن نشاط الوصلة الصدغية الجدارية لديهم كان أقل تنوعًا عبر المواقف الاجتماعية المختلفة مقارنة بالمراهقين الآخرين.

ومن التفسيرات المحتملة لذلك أنهم أقل قدرة على الانتقال من وجهة نظرهم الشخصية إلى وجهات نظر الآخرين. لكن توجد تفسيرات أخرى عديدة لهذه النتيجة، ولذلك ينبغي توخي الحذر وعدم التسرع في استخلاص الاستنتاجات.

ومع ذلك، وجدت في هذه النتيجة رسالة تبعث على الأمل. فقد تكون هذه القدرة من المهارات التي يمكن تدريب الأشخاص على تحسينها، إذ يمكن تعلم كيفية تبني وجهة نظر الآخرين وفهمها. والأشخاص الذين يتمتعون بتكيف اجتماعي جيد يميلون إلى القيام بذلك بصورة تلقائية.

كيف يمكن لأبحاثك أن تساعد في الحد من الاحتكاكات بين المراهقين والبالغين؟

دفعتني أبحاثي إلى إعادة التفكير في الافتراض القائل إن المراهقين مثيرو للمشكلات، لأن البيانات التي جمعناها لم تتوافق مع هذه الصورة.

لقد أثبتنا أن لدى المراهقين شعورًا قويًا للغاية بالهدف والمعنى. فهم يشعرون بحاجة أساسية إلى تقديم إسهامات إيجابية وإحداث أثر نافع.

لم أعد أعتقد أن هدفنا ينبغي أن يكون تحقيق تفاهم كامل ودائم بين الأجيال. فلا أظن أن ذلك ممكن، بل أرى أن هذا أمر جيد.

لقد شهد التاريخ أمثلة عديدة على قيام الأجيال الشابة بإعادة تشكيل المجتمع بطرق لا تتوافق دائمًا مع معايير الأجيال السابقة. لكن هذا الكوكب هو موطنهم ومستقبلهم، ولذلك ينبغي أن يكون لهم صوت في تحديد الأمور التي يرونها مهمة.

ويُعد النقاش المتعلق بالمناخ مثالًا جيدًا على ذلك. فالشباب لديهم أفكار مختلفة تمامًا بشأن الاستدامة، ويشاركون في المظاهرات المطالبة بكوكب أكثر صحة. وأعتقد أن أصواتهم مهمة في هذا المجال، حتى عندما تكون مواقفهم غير مريحة للأجيال الأكبر سنًا.

أما فيما يتعلق بالتدخلات والبرامج المخصصة لمساعدة المراهقين، فتُظهر الأبحاث أن كثيرًا من المبادرات التي يصممها البالغون من أجلهم لا تنجح.

ينبغي أن تتاح للشباب مساحة لتطوير أفكار جديدة وتطبيقها بأنفسهم. وهذا أمر تعلمته أنا أيضًا بمرور الوقت، إذ تزداد احتمالات نجاح المبادرات عندما يتمكن المراهقون من ابتكار أساليبهم الخاصة.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه البالغون على أنفسهم هو: كيف يمكننا توفير أفضل الفرص الممكنة للشباب كي ينموا ويصبحوا أفرادًا منخرطين اجتماعيًا؟

إن الطريقة التي نتبعها لتحقيق ذلك مهمة للغاية. وينبغي إشراك الشباب في تصميم البرامج، وأخذ آرائهم على محمل الجد.

كيف يمكن أن تلهم أبحاثك الآباء والأمهات، الذين تمثل هذه المرحلة بالنسبة إليهم فترة معقدة أيضًا؟

أظهرت الأبحاث أن التشدد المفرط أو التساهل المفرط لا يساعدان المراهقين. فهم يحتاجون إلى التوجيه، كما يحتاجون إلى فرص لاستكشاف العالم وتجربة أشياء جديدة.

هذه ليست نتيجة توصلت إليها أبحاثي الشخصية، لكنني أعتقد أنها منطقية للغاية.

والأمر المهم هو أننا نعلم من خلال تصوير الدماغ أن نشاطه قابل للتغير، وأن ما يفعله الآباء والأمهات يؤثر في هذا التغير. ولأن الدماغ يتمتع بمرونة كبيرة خلال مرحلة المراهقة، فإن هذه المرحلة تمثل فرصة مهمة لتقديم الدعم ومساعدة الشباب على النمو ليصبحوا أفضل نسخة ممكنة من أنفسهم.

كما أن آراء الوالدين لا تزال مهمة جدًا بالنسبة إلى الشباب، حتى في الوقت الذي يبدأون فيه بالسعي نحو الاستقلال عنهم.

كيف يستجيب المراهقون أنفسهم عادةً لأبحاثك، وكيف يمكن أن تساعدهم هذه الأبحاث؟

يثير اهتمام الشباب أن يشاهدوا الدماغ أثناء نشاطه، وهذا يجعلهم متحمسين للعلوم. لكن الأمر يعتمد على الطريقة التي نعرض بها النتائج والقصة التي نرويها لهم.

فعندما تخبر المراهقين بأن أدمغتهم أكثر استعدادًا للمخاطرة، فقد يتحول هذا التصور إلى نبوءة تحقق نفسها، بمعنى أنهم قد يبدأون في التصرف وفقًا للتوقعات التي سمعوها عن أنفسهم.

لكنني آمل دائمًا أن تساعد أبحاثي الشباب على الشعور بالقدرة على فهم أنفسهم والتأثير في حياتهم.

من المفيد أن يفهم الإنسان مصادر مشاعره وأفكاره، وأن يدرك أن هذه المرحلة تتيح له فرصة لاكتشاف هويته ومعرفة الشخص الذي يريد أن يصبحه. ومن الطبيعي أن يستغرق هذا الأمر وقتًا، وأن يكون صعبًا أحيانًا.

كذلك، فإن معرفة أن هذه المرحلة تتسم بتقلبات أكبر في الحالة المزاجية قد تساعد المراهق على فهم أن هذه التقلبات جزء من عملية النمو، وأنها قد تؤدي دورًا مفيدًا، وأن الأمور ستتحسن بمرور الوقت.

لقد تابعنا مجموعة من المراهقين خلال جائحة كوفيد 19، ولاحظنا أن المشاعر السلبية استمرت في الازدياد حتى بعد تخفيف القيود، بينما استمرت المشاعر الإيجابية في التراجع.

وكان أحد التفسيرات المحتملة لذلك هو أن الشباب لم يتمكنوا من تصور مستقبلهم بوضوح، أو تحديد هدف مستقبلي يوجههم ويمنحهم إحساسًا بالاتجاه. فقد كان كل شيء غير قابل للتنبؤ، ولم يكن أحد يعرف المدة التي ستستمر فيها الجائحة.

وقد عانى بعض الشباب معاناة شديدة للغاية بسبب ذلك.

قدم المراهقون تضحيات كبيرة للمساعدة في حماية الأجيال الأكبر سنًا، وأعتقد أن لديهم أسبابًا وجيهة للقيام بذلك. لكنني أعتقد أيضًا أننا عندما نتقدم في العمر، ننسى مدى أهمية هذه المرحلة من الحياة، ومدى تأثيرها في الطريقة التي سنعيش بها مستقبلًا، وشعورنا بالارتباط بالآخرين، ومدى اعتقادنا بأن الحكومة تقف إلى جانبنا وتهتم باحتياجاتنا.

وخلال الجائحة والقيود التي صاحبتها، شعر كثير من الشباب بأن أحدًا لا يأخذهم على محمل الجد.

فإذا قال الشباب إنهم يرون أن وجود مساحة آمنة للتحدث عن صحتهم النفسية أمر مهم، فينبغي لنا دعمهم وتوفير هذه المساحة لهم.

آمل أن تساعد أبحاثي البالغين على إدراك الفرص والإمكانات التي تنطوي عليها مرحلة المراهقة. فالشباب هم المستقبل، وينبغي أن نستثمر فيهم ونساعدهم على أن يصبحوا مواطنين مسؤولين ومهتمين بالآخرين.

المصدر

مقالات ذات صلة